|
الكفارات والدرجات
المقدمة:
الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله ، محمد بن عبد الله ،
وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه ، أمَّا بعد :
ومع روضة من رياض جوامع الكلم ، الطيب الذي آتاه الله تعالى نبيه
محمداً صلى الله عليه وسلم .
وجوامع الكلم معجزة من معجزاته صلى الله عليه وسلم ، حيث كان يتكلم
بالكلمة صغيرة المبنى ، تحمل معاني عظيمة جمة . قال صلى الله عليه
وسلم (( بعثتُ بجوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وبينا أنا نائم أُتيت
بمفاتيح خزائن الأرض ، فوضعت في يدي )) .
ومن جوامع كلمه صلى الله
عليه وسلم :
ما روى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ،
قال : قال رسول الله صلى عليه وسلم : (( ثلاث مهلكات ، وثلاثة
منجيات ، وثلاث كفارات ، وثلاثة درجات : -
فأما المهلكات : فشح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه .
وأما المنجيات : فالعدل في الغضب والرضا ، والقصد في الفقر والغنى
، وخشية الله في السر والعلانية .
وأما الكفارات : فانتظار الصلاة بعد الصلاة ، وإسباغ الوضوء في
السبرات ، ونقل الأقدام إلى الجماعات .
وأما الدرجات : فإطعام الطعام ، وإفشاء السلام ، والصلاة بالليل
والناس نيام )) .
وهذا حديث بمجموع طرقة حسن لغيره _ إن شاء الله تعالى _ إذ رواه عن
رسول الله جمع من الصحابة رضي الله عنه ، منهم : ابن عمر ، وأنس ،
وأبو هريرة ، وابن أبي أوفى ، وابن عباس ؛ بل كل جملة منه وردت في
أحاديث صحيحة.
نظرة عامة:
لقد افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث بما يشدُّ انتباه
السامع ، ويشوقه إلى معرفته ، حيث ذكر : ثلاث .. ثلاث .. ثلاث ..
ثلاث .. دون أن يفصح عن ماهيتها ، سوى أن نبَّه إلى شديد خطورتها
بقوله : (( مهلكات ... منجيات ... كفارات ... درجات ... )) .
وهذا أسلوب تعليم تربوي راق يُكثر صلى الله عليه وسلم استعماله
لكونه أدعى إلى الاستماع ، وأقوى في التنبيه ، وأشدّ في شحذ الهمم
، وأبعد عن ضعف الاكتراث .
فقوله صلى الله عليه وسلم ((ثلاث)) فيه تنبيه أن ما يلقى على
المستمع محصورٌ بثلاثة أمور ، فهي ليست بطويلة مملة ، تصرف المستمع
عمَّا سيلقى ، وتنبهه إلى أن حصرها يدل على أنَّ المتكلم قد هيأ
كلاماً منظماً مفيداً في نفسه يريد إلقاءه على المستمع ، وهذا
يجعله يقبل على السماع بنفس تريد الاستفادة مما سيلقي ، لأن الظاهر
من براعة الاستهلال أنه كلام نفيس مرتب.
تفصيل الإيجاز
وبعد هذه التقدمة ، التي أوجز فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم
ما يريد التحدث عنه ، فصل ما أوجز ،
وبين ما ألمح إليه إجمالاً ؛ فقال:
(( فأما المهلكات : فشح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه .
وأما المنجيات : فالعدل في الغضب والرضا ، والقصد في الفقر والغنى
، وخشية الله في السر والعلانية )) .
وقد مضى الحديث عن هدا الجزء من الحديث في رسالة ((المنجيات
والمهلكات)) .
***
الكفارات والدرجات
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( وأما الكفارات : فانتظار الصلاة بعد الصلاة ، وإسباغ الوضوء في
السبرات ، ونقل الأقدام إلى الجماعات .
وأما الدرجات : فإطعام الطعام ، وإفشاء السلام ، والصلاة بالليل
والناس نيام )) .
هذا قطعة من حديث رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في
المنام ،
وهو المسمى (( حديث اختصام الملأ الأعلى)) .
عن معاذ رضي الله عنه قال : احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم ذات غداة عن صلاة الصبح ، حتى كدنا نتراءى عين الشمس ، فخرج
سريعاً ، فثوب بالصلاة ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجوز
في صلاته ، فلما سلم دعا بصوته فقال : (( على مصافكم ، كما أنتم ))
ثم انفتل إلينا ، ثم قال : (( أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم
الغداة ، أني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدر لي ، فنعست في
صلاتي ، فاستثقلت ، فإذا أنا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة ،
فقال يا محمد ! قلت : لبيك رب . قال : فيم يختصم الملأ الأعلى ؟
قلت : لا أدري رب . قالها ثلاثاً ، قال فرأيته وضع كفه بين كتفي
حتى وجدت برد أنامله بين ثديي ، فتجلى لي كل شيء ، وعرفت )) . ثم
تلا قوله تعالى :[ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون
من الموقنين ]
(( فقال : يا محمد ! قلت : لبيك رب . قال : فيم يختصم الملأ الأعلى
؟ قلت : في الكفارات . قال : ما هن ؟ قلت : مشي الأقدام إلى
الجماعات ، والجلوس في المساجد بعد الصلوات ، وإسباغ الوضوء في
السبرات . قال : ثم فيم ؟ قلت : الدرجات : إطعام الطعام ، وإفشاء
السلام ، والصلاة بالليل والناس نيام ؛ من فعل ذلك عاش بخير ، ومات
بخير ، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه . قال : سل ، قل إذا صليت :
اللهم إني أسألك فعل الخيرات ، وترك المنكرات ، وحب المساكين ، وأن
تغفر لي ، وترحمني ، وإذا أردت فتنة قوم فتوفني غير مفتون ؛ أسألك
حبك ، وحب من يحبك ، وحب كل عمل يقربني إلى حبك )) .
قال صلى الله عليه وسلم : (( إنها حق ، فادرسوها ثم تعلموها )) .
ففي الحديث :
- دليل على أن الملأ الأعلى عليهم السلام ( وهم الملائكة المقربون
) يتجاذبون الحديث فيما بينهم في الأعمال التي تقرب العبد من ربه
عز وجل وتكفر خطاياه .
- وفيه : إشارة إلى أن أفضل ما ينبغي أن تصرف فيه أوقات العباد في
مجالسهم ، حديثهم عن الأعمال الصالحة المقربة إلى الله ، وأن يكون
تشبههم بالملائكة الذين يَسَّرَ الله لهم صرف جميع أوقاتهم في
الطاعات .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ليس يتحسر أهل الجنة على
شيء إلا على ساعة مرت بهم في الدنيا لم يذكروا الله عز وجل فيها ))
.
- أما قوله صلى الله عليه وسلم : (( وأما الكفارات : فانتظار
الصلاة بعد الصلاة بعد الصلاة ، وإسباغ الوضوء في السبرات ، ونقل
الأقدام إلى الجماعات )) .
فهذه الأعمال الأغلب عليها تكفر الخطايا ، ورفع الدرجات ، قال صلى
الله عليه وسلم (( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ، ويرفع
به الدرجات ؟ )) قالوا : بلى ، يا رسول الله . قال : (( إسباغ
الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة
إلى الصلاة ، فذلكم الرباط ، فذلكم الرباط )) .
فالسبب الأول لتكفير الخطايا : انتظار الصلاة بعد الصلاة : أي
الجلوس بعد الصلوات في انتظار الصلاة التي بعدها ، يشتغل المنتظر
فيه بطاعة من الطاعات .
ومثله من جلس بعد صلاة الفجر ليصلي ركعتين بعد ارتفاع الشمس ،
لكونه كان ينتظر دخول وقت صلاة أخرى ، فقد وردت الأحاديث في فضل
ذلك ؛ فمنها : ما روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : (( لمن صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر
الله حتى تطلع الشمس ، ثم صلى ركعتين ، كانت له كأجر حجة وعمرة ))
قال صلى الله عليه وسلم (( تامة تامة تامة )) .
وعن أبي أمامة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
: (( لأن أقعد أذكر الله وأكبره وأحمده وأسبحه وأهلله حتى تطلع
الشمس أحب إليَّ من أن أعتق رقبتين أو أكثر من ولد إسماعيل ، ومن
بعد العصر حتى تغرب الشمس أحب إليَّ من أن أعتق أربع رقاب من ولد
إسماعيل )) .
وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الرباط )) لكونه ربط
نفسه وجاهدها في طاعة مولاه سبحانه ، واستغرق جزءاً من عمره في
الطاعة .
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : صليت مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم المغرب ، فرجع من رجع ، وعقب من عقب ، فجاء رسول
الله صلى الله عليه وسلم مسرعاً قد حَفَزَهُ النفس ، وقد حسر عن
ركبتيه ، فقال : (( أبشروا هذا ربكم هذا ربكم قد فتح باباً من
أبواب السماء ، يباهي بكم ملائكته ، يقول : انظروا إلى عبادي ،
أدوا فريضة ، وهم ينتظرون أخرى )) .
أما إذا وطن العبد نفسه على كثرة الجلوس في المساجد فإنه يزداد من
الله قرباً حتى يحبه الرحمن عز وجل ، فإذا أحبه فرح بقدومه إلى
المسجد .
فعن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
: (( لا يوطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله به ،
يعني حين يخرج من بيْته ، كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم
عليهم )) .
والسبب الثاني في تكفير الخطايا : إسباغ الوضوء في السبرات ، وقد
ورد في ذلك أحاديث كثيرة ، فمنها :
قوله صلى الله عليه وسلم : (( من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من
جسده حتى تخرج من تحت أظافره )) .
وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى ، حيث يقول عز وجل [ يأيها الذين
ءامنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق
وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ] إلى قوله : [ما يريد الله
ليجعل عليكم في الدين من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم
]
فقوله تعالى : [ ليطهركم ] يشمل طهارة الظاهر بالماء ن وطهارة
الباطن من الذنوب والآثام ، وتمام النعمة غنما يحصل بمغفرة الذنوب
والخطايا وتكفيرها ، كما في قوله تعالى : [ ليغفر لك الله ما تقدم
من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ] .
والذي ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم : (( إسباغ الوضوء في
السبرات )) .
والإسباغ الإتمام ، وإبلاغه مواضعه الشرعية ، قال صلى الله عليه
وسلم (( إسباغ الوضوء شطر الإيمان )) .
وإسباغه في السبرات أشد ، لأن السبرات : جمع سبرة ؛ وهي الغداة
الباردة ، والنفس تكره الماء حينئذ ، لكونه يشتد وقعه على البدن ،
فإسباغه مع شدّة البرد له فضل أعظم ، لذلك كان من أعظم الكفارات .
السبب الثلث لتكفير الذنوب : نقل الأقدام إلى الجماعات :
قال صلى الله عليه وسلم : (( صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته
في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً ، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن
الوضوء ثم خرج إلى المسجد ، لا يخرجه إلا الصلاة ، لم يخط خطوة إلا
رفعت له بها درجة ، وحط عنه بها خطيئة )) .
وعنه صلى الله عليه وسلم (( من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة
مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم )) .
وقال صلى الله عليه وسلم : (( من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله
له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح )) .
ويزداد الأجر ، ويعظم الفضل إن كان الخروج إلى المسجد بليل :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( بشر المشّائين في الظلم إلى
المساجد بالنور التام يوم القيامة )) .
قال إبراهيم النخعي ، رحمه الله تعالى : كانوا يرون أن المشي في
الليلة الظلماء إلى الصلاة موجبة .
يعني للمغفرة .
أما إذا كان المشي إلى المسجد لصلاة الجمعة فإن الأجر يزداد درجاتٍ
عظيمة ، فعن أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه ، قال ، قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : (( من غسل يوم الجمعة واغتسل ، ثم بكر وابتكر
، ومشى ولم يركب ، ودنا من الإمام ، واستمع وأنصت ، ولم يلغ كان له
بكل خطوة يخطوها من بيته إلى المسجد عمل سنة أجر صيامها وقيامها ))
.
ومما ينبغي التنبه له : أن أحاديث الفضائل هذه تكفر الذنوب الصغائر
، أما الكبائر فتشترط لها التوبة .
ومن أدلة ذلك : حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : (( الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ،
ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر )) .
وحديث أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم :
(( ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها ، وخشوعها
وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة ،
وذلك الدهر كله )).
وقوله صلى الله عليه وسلم : (( وأما الدرجات : فإطعم الطعام ،
وإفشاء السلام ، والصلاة بالليل والناس نيام )) .
هذه الأعمال العظيمة الصالحات الجليلة من أهم أسباب رفعة الدرجات ،
وترقي المسلم فيها .
قال الله تعالى : [ ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً
وأسيراً . إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً .
إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً . فوقهم الله شر ذلك اليوم
ولقاهم نضرة وسروراً . وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً . متكئين فيها
على الأرائك لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً . ودانية عليهم
ظلالها وذللت قطوفها تذليلاً . ويطاف عليهم بئانية من فضة وأكواب
كانت قواريراً . ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلاً . عيناً
فيها تسمى سلسبيلاً ].
كل ذلك النعيم ، والرفعة في الدرجات مقابل إطعامهم الطعام . نسأل
الله من فضله العظيم .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال ك قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : (( أيما مؤمن أطعم مؤمناً على جوع أطعمه الله من ثمار
الجنة ، ومن سقى مؤمناً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم )) .
وعن أمير المؤمنين لي رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : (( إن في الجنة لغرفاً يرى ظهورها من بطونها ، وبطونها
من ظهورها )) فقام إليه أعرابي فقال : لمن هي يا رسول الله ؟ قال :
(( هي لمن أطاب الكلام ، وأطعم الطعام ، وأدام الصيام ، وصلى
بالليل والناس نيام )) .
وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال : لما قدم رسول الله صلى
الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه ، وقيل : قدم رسول الله
صلى الله عليه وسلم ! فجئت في الناس لأنظر إليه ، فلما استثبت وجه
رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب ، وكان
أول شيء تكلم به أن قال : (( أيها الناس ! أفشوا السلام ، وأطعموا
الطعام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام )) .
وبذا يتبين أن إطعام الطعام من أعظم موجبات الجنة ، جعلنا اله
تعالى من أهلها ، ومن أعظم أسباب النجاة من النار ، أعاذنا الله
منها.
قال الله تعالى : [ فلا أقتحم العقبة . وما أدراك ما العقبة . فك
رقبة . أو إطعام في يوم ذي مسغبة . يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا
متربة ]
أي : إن السبب المنجي من نار جهنم يكون في إنفاق المال في فك
الرقاب المؤمنة ، وإطعام الطعام في أيام حاجة المحتاجين إليه من
فقراء ومساكين .
وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : (( اتقوا النار ولو بشق تمرة )) .
وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لا يفطر إلا مع اليتامى
والمساكين .
وكان عبد الله بن المبارك _ رحمه الله _ يطعم الطعام وهو صائم ،
ويجلس يخدمهم ن ويروح عنهم .
واشتهى الربيع بن الخثيم حلواء ، فأمر أهله بصنعها ، ثم دعا
الفقراء فأكلوها ، فقال له أهله : فلم أتعبتنا بصنعها ، وأنت لم
تأكلها؟ فقال : وهل أكلها غيري؟
والسبب الثاني لرفع الدرجات : (( إفشاء السلام )) وفي بعض الروايات
: (( ليْن الكلام )) : وإفشاء السلام داخل في لين الكلام .
قال الله تعالى : [ وقولوا للناس حسناً ]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( والكلمة الطيبة صدقة )) .
وقال : (( اتقوا النار ولو بشق تمرة ، فمن لم يجد فبكلمة طيبة )) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : (( لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ،
أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم ))
.
وجميع إطعام الطعام ولين الكلام وإفشاء السلام ليكمل الإحسان بها
إلى الخلق يكون بالفعل وبالقول ، وأعظم أنواع الفعل إطعام من احتاج
إلى الطعام ، ولين الكلام يشمل إحسان القول ، وأفضله إفشاء السلام
، لذلك لما سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الإسلام خير
؟ قال له : (( تطعم الطعام ، وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف
)) .
ولين الكلام أحب إلى الخلق من إطعام الطعام ، واجمع بينهما بلوغ
الكمال في الإحسان إليهم ، أما إطعام الطعام مع الإساءة في القول
فهو مبطل للعمل الصالح ، لأن فيه إساءة تفوق فضل إطعام الطعام ،
قال الله تعالى : [ يأيها الذين ءامنوا لا تبطلوا أعمالكم بالمن
والأذى ] .
وروي أن عمر رضي الله عنهما كان ينشد :
بني إن البر شيء هين وجه طليق وكلام لين
السبب الثالث لرفع الدرجات : (( الصلاة بالليل والناس نيام )) :
وهذا موجب آخر من موجبات الجنة ، وسبب عظيم من أسباب رفعة الدرجات
فيها .
قال الله تعالى : [ إن المتقين في جنات وعيون . ءاخذين ما ءاتاهم
ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين . كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون
. وبالأسحار هم يستغفرون . وفي أموالهم حق للسائل والمحروم ] .
فوصفهم تعالى بالتيقظ بالليل ، والاستغفار بالأسحار ، والإنفاق من
أموالهم ، من أجل ذلك نالوا هذه الدرجات العلا .
وقال تعالى : [ ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك
مقاماً محموداً ] .
وهذا أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقوم الليل
لتكون صلاته بالليل سبباً في زيادة علو قدره ، ورفع درجاته .
والله نسأل أن يعيننا على فعل المنجيات ، واجتناب المهلكات ،
والإتيان بالكفارات ، والمحافظة على الدرجات ، حتى ننال من الله
تعالى ، ما وعد به عباده الصالحين ، إنه على كل شيء قدير ،
وبالإجابة جدير .
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم .
بقلم / أحمد بن عبد العزيز الحمدان
ملاحظة : ( حقوق الاستفادة من هذه الكتب مشاعة لكل مسلم بشرط العزو
إليها )
|