|
بسم الله الرحمن الرحيم
الصبر: حقيقته، درجاته، ثمارته
مقدمة
الصَّبرُ:
خُلُقٌ عَظِيمٌ، بَلْ هُوَ الْجَامِعُ لِمَقَامَاتِ الدِّينِ.
فَهُوَ نِصفُ الإِيْمَانِ، وَالنِّصفُ الآخَرُ الشُّكْرُ، وَهُوَ فَضِيلَةٌ مِنَ
الفَضَائِلِ، تَعَدَّدَتْ مَجَالاَتُهُ، وَانْضَوَتْ تَحتَهُ كَثِيرٌ مِنْ
مَكَارِمِ الأُمُورِ وَمَعَالِيهَا، وَهُوَ وَاجِبٌ –فِي الْجُمْلَةِ– إِجْمَاعاً.
فَنَجِدُهُ فِي مَوَاطِنِ الْجِهَادِ؛ يُسَمَّى: شَجَاعَةً، وفي مواطن قوةِ البدن،
يسمى: جَلَداً، وفي النوائبِ: رحابةَ الصدرِ، وفي الأسرار: كتماناً، وفي شهوة
الفرج: عفةً، وفي الأفراحِ: ضبطَ النفسِ، وفي الغضبِ: كظمَ الغيظ، وفي فضول العيش:
زهداً، لذلك قال علماء الأخلاق: أكثر الفضائل داخلة تحت الصبر.
قَالَ ابْنُ القَيّمِ –رَحِمَهُ اللهُ-: وَالاسْمُ الْجَامِعُ لِذَلِكَ كُلِّهِ
((الصَّبرُ)) وَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى ارْتِبَاطِ مَقَامَاتِ الدِّينِ كُلِّهَا
بِالصَّبرِ. [مدارج السالكين 3/165].
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ رضي الله عنه ، قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى
الله عليه وسلم ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الإِسْلاَمُ؟ قَالَ: ((طِيبُ
الْكَلاَمِ وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ)) قُلْتُ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: ((الصَّبْرُ
وَالسَّمَاحَةُ)). [رواه الإمام أحمد 4/385].
وَهُوَ ضِيَاءٌ لِلْمُسْلِمِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ: عَنْ أَبِي مَالِكٍ
الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :
((الصَّبْرُ ضِيَاءٌ)). [رواه مسلم: كتاب الطهارة/باب الوضوء].
تَعرِيْفُ الصَّبرِ
الصَّبرُ:
الْحَبْسُ مُطلَقاً، وَالْمَقْصُودُ بِهِ: حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الْجَزَعِ
وَالتَّسَخُّطِ، وَحَبْسُ اللِّسَانِ عَنِ الشَّكْوَى، وَحَبْسُ الْجَوَارِحِ عَنِ
التَّشْوِيشِ.
وَهَذَا الْحَبْسُ لاَ يَتَأَتَّى إِلاَّ مِنْ نَفْسٍ فِيْهَا وَقَارٌ وَشَجَاعَةٌ
تُقَاوِمَانِ الأَهْوَالَ وَالآلاَمَ الْحِسِّيَّةِ وَالعَقْلِيَّةِ.
وَلَيْسَ الصَّبرُ خُلُقاً سَلْبِيّاً فَقَط، بَلْ هُوَ خُلُقٌ إِيْجَابِيٌّ
أَيْضاً، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّبرَ فِيهِ حَرَكَةٌ وَسَعيٌ وَإِنْتَاجٌ، حِينَ
يَهْجُمُ الصَّابِرُ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَلاَ يَتَوَانَى عَنْ اقْتِحَامِ
الشَّدَائِدِ لِلْوُصُولِ إِلَى مُرَادِهِ.
وَقَد تَكَرَّرَ الصَّبرُ فِي القُرءَانِ الكَرِيْمِ –كَمَا قَالَ الإِمَامُ
أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ– فِي نَحوِ تِسْعِينَ مَوْضِعاً، آمِراً بِهِ، نَاهِياً
عَنْ ضِدِّهِ، مُثْنِياً عَلَى أَهْلِهِ، مُبَيّناً أَبْرَزَ صِفَاتِهِمْ
وَأَحْوَالِهِمْ، ذَاكِراً حُبَّ اللهِ لَهُمْ، وَكَوْنَهُ مَعَهُمْ، ضَامِناً
النَّصرَ لَهُمْ، وَأَنَّ الصَّابِرَ يُوَرَّثُ دَرَجَةَ الإِمَامَةِ، وَأَنَّهُ
صَاحِبُ أَعظَمِ جَزَاءٍ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
وَالصَّبرُ عَلَى الابْتِلاَءِ: هُوَ الصَّبرُ عَلَى اخْتِبَارِ اللهِ لِلْعَبدِ
فِي صَبرِهِ وَشُكْرِهِ، فَالابْتِلاَءُ بِالْشَّرِ هُوَ مَنَاطُ الصَّبرِ،
وَالابْتِلاَءُ بِالْخَيرِ هُوَ مَنَاطُ الشُّكْرِ.
قَالَ شَيخُ الإِسْلاَمِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ –رَحِمَهُ اللهُ-: قَد ذَكَرَ اللهُ
الصَّبرَ فِي كِتَابِهِ فِي أَكْثَرَ مِنْ تِسْعِينَ مَوضِعاً، وَقَرَنَهُ
بِالصَّلاَةِ فِي قَولِهِ تَعَالَى ( وَاسْتَعِيْنُواْ بِالصَّبرِ وَالصَّلاَةِ
وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ) .[سورة البقرة، الآية 45].
وَجَعَلَ الإِمَامَةَ فِي الدِّينِ مَورُوثَةً عَنِ الصَّبرِ وَاليَقِينِ بِقَولِهِ
( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لِمَّا صَبَرُواْ
وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) . [سورة السجدة، الآية 24].
فَإِنَّ الدِّينَ كُلَّهُ عِلْمٌ بِالْحَقِّ وَعَمَلٌ بِهِ، وَالعَمَلُ بِهِ لاَ
بُدَّ فِيهِ مِنَ الصَّبرِ، بَلْ وَطَلَبُ عِلْمِهِ يَحتَاجُ إِلَى الصَّبرِ...
قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه : أَلاَ إِنَّ الصَّبرَ مِنَ الإِيْمَانِ بِمَنْزِلَةِ
الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، فَإِذَا انْقَطَعَ الرَّأْسُ بَانَ الْجَسَدُ، ثُمَّ
رَفَعَ صَوتَهُ فَقَالَ: أَلاَ لاَ إِيْمَانَ لِمَنْ لاَ صَبْرَ لَهُ!
أَنْوَاعُ الصَّبرِ
الصَّبرُ ثَلاَثَةُ أَنْوَاعٍ:
صَبرٌ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَصَبرٌ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ، وَصَبرٌ عَلَى أَقْدَارِ
اللهِ الْمُؤْلِمَةِ.
مَوَاطِنُ الصَّبرِ
الصَّبرُ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ:
لاَ شَكَّ أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالدِّينِ مِنْ أَعظَمِ أَنْوَاعِ الابْتِلاَءِ
الَّتِي تَحتَاجُ مِنَ العَبدِ إِلَى صَبرٍ وَمُصَابَرَةٍ حَتَّى يَنَالَ رِضَا
رَبِّهِ عز وجل ، قَالَ اللهُ تَعَالَى ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ
وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ ) . [سورة
الملك، الآيتان 1و2].
وَقَالَ اللهُ تَعَالَى ( الم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوآ أَن يَقُولُوآ
ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكَذِبِينَ ) . [سورة
العنكبوت، الآيات 1-3].
وَعَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ رضي الله عنه ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ
اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ،
قُلْنَا لَهُ: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلاَ تَدْعُو اللهَ لَنَا؟ قَالَ:
((كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ
فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ
بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ
الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ، أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ
عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ
صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللهَ، أَوْ الذِّئْبَ عَلَى
غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ)). [رواه البخاري: كتاب المناقب/باب
علامات النبوة في الإسلام].
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله
عليه وسلم : ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ
كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ)). [رواه الترمذي: كتاب الفتن/باب ما جاء في النهي عن
سب الرياح، وقال: حديث غريب].
قَالَ الطِّيبِيُّ –رَحِمَهُ اللهُ-: الْمَعْنَى كَمَا لاَ يَقْدِرُ الْقَابِضُ
عَلَى الْجَمْرِ أَنْ يَصْبِرَ لإِحْرَاقِ يَدِهِ, كَذَلِكَ الْمُتَدَيِّنُ
يَوْمَئِذٍ لاَ يَقْدِرُ عَلَى ثَبَاتِهِ عَلَى دِينِهِ لِغَلَبَةِ الْعُصَاةِ
وَالْمَعَاصِي، وَانْتِشَارِ الْفِسْقِ وَضَعْفِ الإِيمَانِ.
وَقَالَ الْقَارِي –رَحِمَهُ اللهُ-: الظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ كَمَا
لاَ يُمْكِنُ الْقَبْضُ عَلَى الْجَمْرَةِ إِلاَّ بِصَبْرٍ شَدِيدٍ وَتَحَمُّلِ
غَلَبَةِ الْمَشَقَّةِ كَذَلِكَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لاَ يُتَصَوَّرُ حِفْظُ
دِينِهِ وَنُورِ إِيمَانِهِ إِلاَّ بِصَبْرٍ عَظِيمٍ.
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ
اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((خَصْلَتَانِ مَنْ كَانَتَا فِيهِ كَتَبَهُ
اللهُ شَاكِراً صَابِراً، وَمَنْ لَمْ تَكُونَا فِيهِ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ
شَاكِراً وَلاَ صَابِراً، مَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ
فَاقْتَدَى بِهِ، وَمَنْ نَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فَحَمِدَ
اللهَ عَلَى مَا فَضَّلَهُ بِهِ عَلَيْهِ كَتَبَهُ اللهُ شَاكِراً صَابِراً، وَمَنْ
نَظَرَ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ
هُوَ فَوْقَهُ فَأَسِفَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْهُ، لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ شَاكِراً
وَلاَ صَابِراً)). [رواه الترمذي: كتاب صفة القيامة/باب منه، وقال: حديث حسن
غريب].
الصَّبرُ عَلَى الظُّلْمِ:
لاَ يَسْلَمُ الإِنْسَانُ مِنْ ظُلْمٍ يَقَعُ عَلَيْهِ مِنْ قَريْبٍ، أَوْ بَعِيدٍ،
وَهُوَ بِحَاجَةٍ إِلاَّ الصَّبرِ عَلَى الظُّلْمِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيهِ، فَإِنْ
صَبَرَ ظَفَرَ بِالعِزِّ وَالسُّؤْدَدِ، وَإِنْ جَزِعَ، لَمْ يَزِدهُ جَزَعُهُ
إِلاَّ نَكَداً وَذُلاً.
فَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ الأَنَّمَارِيِّ رضي الله عنه ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ
اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((ثَلاَثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ،
وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثاً فَاحْفَظُوهُ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ،
وَلاَ ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلاَّ زَادَهُ اللهُ عِزّاً،
وَلاَ فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلاَّ فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ
فَقْرٍ)). [رواه الإمام أحمد، وابن ماجه: كتاب الزهد/باب النية، والترمذي: كتاب
الزهد/باب ما جاء مثل الدنيا، وقال: حديث حسن صحيح].
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :
((لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللهِ
وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلاَثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ
وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلاَلٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلاَّ شَيْءٌ
يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلاَلٍ)). [رواه الإمام أحمد، وابن ماجه: كتاب المقدمة/باب فضل
سلمان، والترمذي: كتاب صفة القيامة/باب منه، وقال: حديث حسن صحيح].
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ، قَالَ: ((جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ جَالِسٌ حَزِينٌ قَدْ خُضِبَ
بِالدِّمَاءِ، ضَرَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: وَمَا لَكَ؟
قَالَ: فَقَالَ لَهُ: فَعَلَ بِي هَؤُلاَءِ وَفَعَلُوا. قَالَ: فَقَالَ لَهُ
جِبْرِيلُ عليه السلام : أَتُحِبُّ أَنْ أُرِيَكَ آيَةً؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:
فَنَظَرَ إِلَى شَجَرَةٍ مِنْ وَرَاءِ الْوَادِي، فَقَالَ: ادْعُ بِتِلْكَ
الشَّجَرَةِ، فَدَعَاهَا، فَجَاءَتْ تَمْشِي حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ،
فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَرْجِعْ، فَأَمَرَهَا فَرَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَسْبِي)). [رواه الإمام أحمد، وابن ماجه:كتاب
الفتن/باب الصبر على البلاء].
الصَّبرُ عَلَى الفَقرِ:
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: جَاءَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ
عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالُوا: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّا
وَاللهِ مَا نَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ؛ لاَ نَفَقَةٍ وَلاَ دَابَّةٍ وَلاَ مَتَاعٍ،
فَقَالَ لَهُمْ: مَا شِئْتُمْ، إِنْ شِئْتُمْ رَجَعْتُمْ إِلَيْنَا
فَأَعْطَيْنَاكُمْ مَا يَسَّرَ اللهُ لَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ ذَكَرْنَا أَمْرَكُمْ
لِلسُّلْطَانِ، وَإِنْ شِئْتُمْ صَبَرْتُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى
الله عليه وسلم يَقُولُ: ((إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ
الأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفاً))
قَالُوا: فَإِنَّا نَصْبِرُ، لاَ نَسْأَلُ شَيْئاً. [رواه مسلم: كتاب الزهد
والرقائق/باب منه].
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
((إِنَّ أَغْبَطَ أَوْلِيَائِي عِنْدِي لَمُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ، ذُو حَظٍّ
مِنْ الصَّلاَةِ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَأَطَاعَهُ فِي السِّرِّ، وَكَانَ
غَامِضاً فِي النَّاسِ لاَ يُشَارُ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ
كَفَافاً فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ)) ثُمَّ نَقَرَ بِيَدِهِ، فَقَالَ: ((عُجِّلَتْ
مَنِيَّتُهُ، قَلَّتْ بَوَاكِيهِ، قَلَّ تُرَاثُهُ)). [رواه الإمام أحمد، والترمذي:
كتاب الزهد/باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه].
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله
عليه وسلم يَقُولُ: ((إِنَّ اللهَ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي
بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ)) يُرِيدُ عَيْنَيْهِ.
[رواه البخاري: كتاب المرضى/باب فضل من ذهب بصره].
الصَّبرُ عَلَى تَربِيَةِ الأَوْلاَدِ:
فَعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: دَخَلَتْ
امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئاً
غَيْرَ تَمْرَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا،
وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله
عليه وسلم عَلَيْنَا فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ((مَنْ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ
الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْراً مِنْ النَّارِ)).
[متفق عليه: صحيح البخاري: كتاب الزكاة/باب اتقوا النار ولو بشق تمرة، ومسلم: كتاب
البر والصلة/باب ].
الصَّبرُ عِنْدَ فَقدِ الأَوْلاَدِ وَالأَحبَابِ:
الأَوْلاَدُ فِلْذَاتُ الأَكْبَادِ، وَقُرَّةُ أَعيُنِ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ؛
لِذَلِكَ كَانَ فَقدُهُمْ عَلَى النَّفْسِ عَزِيزاً، وَوَقْعُهُ عَلَيْهَا
أَلِيْماً، وَالْجَزَعُ عَلَيهِمْ يُخْشَى عَلَى دِينِ الآبَاءِ بِسَبَبِهِ، إِذْ
تَخْتَلِطُ فِي نُفُوسِ الآبَاءِ عِندَ فَقدِ الأَبْنَاءِ مَحَبَّةُ الوَلَدِ،
وَالشَّفَقَةُ عَلَى الصَّغِيرِ، وَالإِحسَاسُ بِالتَّقْصِيرِ، وَالرَّغْبَةُ فِي
بَقَاءِ العَقِبِ، فَيُسَبِّبُ طَيْشَ العَقلِ، وَحُزْنَ النَّفْسِ، وَتَشْوِيشَ
الْجَوَارِحِ، وَظُهُورِ الْجَزَعِ مِنْ قَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، فَيَكُونَ
سَبَباً لِذَهَابِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا؛ لِذَلِكَ حَذَّرَ النَّبِيُّ صلى الله
عليه وسلم مِنْ الْجَزَعِ عِنْدَ فَقدِ الأَولاَدِ، وَأَمَرَ بِالصَّبرِ عَلَى
فَقْدِهِمْ، وَبَيَّنَ فَضلَ ذَلِكَ .
فَمِمَّا وَرَدَ فِيهِ: حَدِيْثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَتَى عَلَى امْرَأَةٍ تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ
لَهَا، فَقَالَ لَهَا: ((اتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي)) فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي،
فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَلَمَّا ذَهَبَ، قِيلَ
لَهَا: إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَأَخَذَهَا مِثْلُ الْمَوْتِ،
فَأَتَتْ بَابَهُ فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ
اللهِ، لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ
الأُولَى)). [متفق عليه: صحيح البخاري: كتاب الجنائز/باب زيارة القبور، ومسلم: كتاب
الجنائز/باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى].
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ –رَحِمَهُ اللهُ-: إِذَا وَقَعَ الثَّبَاتُ أَوَّلَ شَيْءٍ
يَهْجُمُ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْجَزَعِ، فَذَلِكَ هُوَ الصَّبْرُ
الْكَامِلُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الأَجْرُ, قَالَ الْخَطَّابِيُّ –رَحِمَهُ
اللهُ-: الصَّبْرُ الَّذِي يُحْمَدُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ مَا كَانَ عِنْدَ
مُفَاجَأَةِ الْمُصِيبَةِ, بِخِلاَفِ مَا بَعْدَ ذَلِكَ.
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ،
قَالَ: يَقُولُ: ((اللهُ سُبْحَانَهُ: ابْنَ آدَمَ، إِنْ صَبَرْتَ وَاحْتَسَبْتَ
عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى لَمْ أَرْضَ لَكَ ثَوَاباً دُونَ الْجَنَّةِ)).
[رواه ابن ماجه: ما جاء في الجنائز/باب ما جاء في الصبر عند المصيبة، وقال في
الزوائد: إسناده صحيح رواته ثقات].
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
قَالَ: ((صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ، يَتَلَقَّى أَحَدُهُمْ أَبَوَيْهِ
فَيَأْخُذُ بِثَوْبِهِ، أَوْ قَالَ: بِيَدِهِ كَمَا آخُذُ أَنَا بِصَنِفَةِ
ثَوْبِكَ هَذَا، فَلاَ يَنْتَهِي حَتَّى يُدْخِلَهُ اللهُ وَأَبَاهُ الْجَنَّةَ)).
[رواه مسلم: كتاب البر والصلة/باب من مات له ولد فاحتسبه].
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّ اللهَ لاَ يَرْضَى لِعَبْدِهِ
الْمُؤْمِنِ إِذَا ذَهَبَ بِصَفِيِّهِ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ،
وَقَالَ مَا أُمِرَ بِهِ بِثَوَابٍ دُونَ الْجَنَّةِ)). [رواه النسائي: كتاب
الجنائز/باب ثواب من صبر واحتسب].
وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله
عليه وسلم ، قَالَ: ((إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ، قَالَ اللهُ لِمَلاَئِكَتِهِ:
قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ
فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ:
حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ. فَيَقُولُ اللهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتاً فِي
الْجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ)). [رواه الإمام أحمد، و الترمذي: كتاب
الجنائز/باب فضل المصيبة إذا احتسب، وقال: حديث حسن غريب].
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
((لاَ يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلاَثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ، فَتَمَسَّهُ
النَّارُ إِلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ)).
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه ، قَالَتْ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ
صلى الله عليه وسلم : غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ فَاجْعَلْ لَنَا يَوْماً مِنْ
نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْماً لَقِيَهُنَّ فِيهِ فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ،
فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: ((مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلاَثَةً مِنْ
وَلَدِهَا لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلاَّ كَانَ لَهَا حِجَاباً مِنْ النَّارِ))
فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: ((وَاثْنَتَيْنِ)). [متفق عليهما:
صحيح البخاري: كتاب الجنائز/باب فضل من مات له ولد فاحتسبه، ومسلم: كتاب البر
والصلة/باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه].
وَكَانَ رَسُِولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُعَزِّي أَصحَابَهُ الَّذِينَ فَقَدُوا
أَحداً مِنْ أَوْلاَدِهِمْ؛ لِيَخِفَّ وَقْعُ مُصِيبَةِ الْمَوْتِ عَلَيْهِمْ.
فَعَنْ قُرَّةَ بْنِ إِيَاسٍ رضي الله عنه :كَانَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم
إِذَا جَلَسَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ لَهُ
ابْنٌ صَغِيرٌ يَأْتِيهِ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ فَيُقْعِدُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ،
فَهَلَكَ، فَامْتَنَعَ الرَّجُلُ أَنْ يَحْضُرَ الْحَلْقَةَ لِذِكْرِ ابْنِهِ،
فَحَزِنَ عَلَيْهِ، فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: ((مَالِي
لاَ أَرَى فُلاَناً؟)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، بُنَيُّهُ الَّذِي رَأَيْتَهُ
هَلَكَ. فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ عَنْ بُنَيِّهِ
فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ هَلَكَ، فَعَزَّاهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((يَا فُلاَنُ،
أَيُّمَا كَانَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ تَمَتَّعَ بِهِ عُمُرَكَ، أَوْ لاَ تَأْتِي
غَداً إِلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلاَّ وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ
إِلَيْهِ يَفْتَحُهُ لَكَ؟)) قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، بَلْ يَسْبِقُنِي إِلَى
بَابِ الْجَنَّةِ فَيَفْتَحُهَا لِي، لَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ. قَالَ: ((فَذَاكَ
لَكَ)). [رواه النسائي: كتاب الجنائز/باب الأمر بالصبر والاحتساب عند نزول المصيبة،
وباب في التعزية].
وَهَذَا نَمُوذَجٌ لِلْمَرأَةِ الصَّابِرَةِ الْمُحتَسِبَةِ كَامِلَةِ الإِيْمَانِ
عِنْدَمَا فَقَدَتْ وَلَدَهَا؛ كَيْفَ صَنَعَتْ، وَكَيفَ نَالَتْ مَرتَبَةَ
الصَّابِرَاتِ:
فَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه ، قَالَ: اشْتَكَى ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ
سُلَيْمٍ فَمَاتَ، فَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ، وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ،
فَقَالَتْ: لأَهْلِهَا: لاَ تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بِابْنِهِ حَتَّى أَكُونَ
أَنَا أُحَدِّثُهُ، قَالَ: فَجَاءَ، فَقَالَ: كَيْفَ الْغُلاَمُ؟ قَالَتْ: قَدْ
هَدَأَتْ نَفْسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَرَاحَ. وَظَنَّ أَبُو
طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً، فَأَكَلَ وَشَرِبَ،
فَقَالَ: ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذَلِكَ،
فَوَقَعَ بِهَا، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعَ وَأَصَابَ مِنْهَا، قَالَتْ:
يَا أَبَا طَلْحَةَ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْماً أَعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ
بَيْتٍ فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ، أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ؟ قَالَ: لاَ.
قَالَتْ: فَاحْتَسِبْ ابْنَكَ، قَالَ: فَغَضِبَ، وَقَالَ: تَرَكْتِنِي حَتَّى
تَلَطَّخْتُ، ثُمَّ أَخْبَرْتِنِي بِابْنِي؟ فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ
اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى
الله عليه وسلم : ((بَارَكَ اللهُ لَكُمَا فِي غَابِرِ لَيْلَتِكُمَا)) قَالَ:
فَحَمَلَتْ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ وَهِيَ
مَعَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَتَى الْمَدِينَةَ مِنْ
سَفَرٍ لاَ يَطْرُقُهَا طُرُوقاً، فَدَنَوْا مِنْ الْمَدِينَةِ فَضَرَبَهَا
الْمَخَاضُ فَاحْتُبِسَ عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَةَ، وَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ صلى
الله عليه وسلم ، قَالَ: أَبُو طَلْحَةَ: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ -يَا رَبِّ- إِنَّهُ
يُعْجِبُنِي أَنْ أَخْرُجَ مَعَ رَسُولِكَ إِذَا خَرَجَ، وَأَدْخُلَ مَعَهُ إِذَا
دَخَلَ، وَقَدْ احْتَبَسْتُ بِمَا تَرَى، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا أَبَا
طَلْحَةَ، مَا أَجِدُ الَّذِي كُنْتُ أَجِدُ، انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا، قَالَ:
وَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ حِينَ قَدِمَا، فَوَلَدَتْ غُلاَماً، فَقَالَتْ لِي أُمِّي:
يَا أَنَسُ، لاَ يُرْضِعُهُ أَحَدٌ حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى
الله عليه وسلم فَلَمَّا أَصْبَحَ احْتَمَلْتُهُ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ
اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: فَصَادَفْتُهُ وَمَعَهُ مِيسَمٌ، فَلَمَّا
رَآنِي قَالَ: ((لَعَلَّ أُمَّ سُلَيْمٍ وَلَدَتْ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ. فَوَضَعَ
الْمِيسَمَ، قَالَ: وَجِئْتُ بِهِ فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ، وَدَعَا رَسُولُ
اللهِ صلى الله عليه وسلم بِعَجْوَةٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ فَلاَكَهَا فِي
فِيهِ حَتَّى ذَابَتْ، ثُمَّ قَذَفَهَا فِي فِي الصَّبِيِّ، فَجَعَلَ الصَّبِيُّ
يَتَلَمَّظُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : ((انْظُرُوا إِلَى
حُبِّ الأَنْصَارِ التَّمْرَ)) قَالَ: فَمَسَحَ وَجْهَهُ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللهِ.
قَالَ سُفْيَانُ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ: فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ
أَوْلاَدٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ. [متفق عليه: صحيح البخاري: كتاب
الجنائز/باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة/باب من فضائل
أبي طلحة].
وَعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّهَا
قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ
تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ
رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْراً مِنْهَا،
إِلاَّ أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْراً مِنْهَا)) قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو
سَلَمَةَ، قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَوَّلُ
بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا،
فَأَخْلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم . [رواه مسلم: كتاب
الجنائز/باب ما يقال عند المصيبة].
يتبع
|