ومازال حديثنا موصولاً بدرجات الاحتساب على الوالدة ، وفي هذه الحلقة يكون الحديث
إكمالاً
لتفسير قوله تعالى : ( واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً ، إذ قال
لأبيه يا أبت
لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً ، يا أبت إني قد جاءني من العلم
مالم يأتك
فاتبعني أهدك صراطاً سوياً ، يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً ،
يا أبت
إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً ، قال أراغب أنت عن آلهتي يا
إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني ملياً ، قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان
بي حفياً، واعتزلكم وما تدعون من دون الله وادعوا ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي
شقياً ) .
وهكذا سلك إبراهيم عليه السلام مع والده أسلوب التعريف أولاً ، والنصح والتذكير ،
والتخويف من سخط الله تعالى ثانياً ، والجدال بالحسنى ثالثاً .
وعندما رأى من والده الإصرار على الكفر ، والتمسك بعبادة الأصنام عنفه ، فقال تعالى
- على لسان إبراهيم عليه السلام لأبيه - ( إني أراك وقومك في ضلال مبين ) .
قال ابن عاشور – رحمه الله تعالى - : " لما رأى تصميمه على الكفر ، سلك معه الغلظة
،
استقصاءً لأساليب الموعظة ، لعلَّ بعضها أن يكون أنجح في نفس أبيه من بعض ، فإنَّ
للنفوس
مسالك ، ولمجال أنظارها ميادين متفاوتة ، ولذلك قال الله تعالى لرسوله صلى الله
عليه وسلم
( ادع إلى سبيل ربِّك بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ وجادلهم بالتي هي أحسن )
وقال له في موضع آخر ( واغلظ عليهم ) " .
ولما رأى التعنيف لم يجد معه أنكر عليه بيده ، حيث انتظر حتى غادروا موقع وجود
الأصنام ،
فقام يكسرها ، قال تعالى – على لسانه عز وجل ( وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن
تُوَلُّواْ مدبرين .
فجعلهم جُذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يَرْجِعُون) .
ثمَّ سلك معه آخر أنواع الاحتساب ، وهو الهجر ، عندما رأى إصراره على الكفر ،
وعدم قبوله النصح ، وكون عدائه لله تعالى ظاهر ، قال الله تعالى ( فلما تبيّن له
أنَّه عدوٌ لله تبرأَ منه) .