قال الله تعالى:(في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر
فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع
عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه
الأبصار ، ليجزيهم الله أحسن ماعملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من
يشآء بغير حساب).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يقول الرب عزوجل : سيعلم أهل
الجمع اليوم من أهل الكرم)) فقيل: ومن أهل الكرم يارسول الله؟ قال:
((أهل الذكر في المساجد)). رواه الإمام أحمد.
مقدمة :
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبي
بعده وعلى آله وصحبه ، أما بعد.
فإن المسجد بيت الله سبحانه وتعالى الذي أمر أن يُرفع بناؤه ، وأن يعلى
بذكر الله شأنه ، فهو البيت الذي تقام فيه الصلوات، وتؤدى فيه الشعائر
والقربات، وهو مكان الصلح واللقاءات ، فيه تلقى الدروس والمواعظ
والمحاضرات، ويتفقد فيه الأغنياء الفقراء والمرضى وذوي الحاجات، ويجد
فيه من لامأوى له بيتاً يؤويه، ومسكناً يغنيه، وزاداً لا يُطغيه، وأخاً
يواسيه.
لِذَلِكَ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى لرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم
عَظِيمَ فَضْلِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ بِقَاعِ الأَرضِ، فَعَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
قَالَ: ((أَحَبُّ الْبِلاَدِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ
الْبِلاَدِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُهَا)).[رواه مسلم: كتاب المساجد
ومواضع الصلاة/باب فضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح].
وَقَالَ صلى الله عليه وسلم حَاثّاً عَلَى بِنَائِه: ((مَنْ بَنَى
مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ، بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي
الْجَنَّة)).
[متفق عليه: رواه البخاري: كتاب الصلاة/باب من بنى مسجداً، ومسلم: كتاب
المساجد ومواضع الصلاة/باب فضل بناء المساجد].
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا أَكْرَمَ اللهُ تَعَالَى بِهِ أُمَّةَ
مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم: عِبَادَةُ الْمُكْثِ فِي الْمَسَاجِدِ
لإِقَامَةِ ذِكْرِهِ تَعَالَى فِيْهَا؛ مِنْ خِلاَلِ صَلاَةٍ تُؤَدَّى،
أَوْ آيَاتٍ تُتْلَى، أَوْ ذِكْرٍ يُقَال، أَوْ اسْتِمَاعِ مَوْعِظَةٍ،
أَوْ حُضُورِ دَرْسٍ، يَجْعَلُ الْمُسْتَفِيْدَ مِنْهُ يُرَابِطُ مِنْ
صَلاَةٍ إِلَى صَلاَة.
وَقَدْ تَوَاتَرَتْ الأَحَادِيْثُ فِي فَضْلِ عِبَادَةِ الْمَشْي إِلَى
الْمَسَاجِدِ، وَحُضُورِ الصَّلَوَاتِ وَمَجَالِسِ الذِّكْرِ فِيهَا،
وَآدَابِ الْمُكْثِ بِهَا انْتِظَاراً لِصَّلاَةٍ أُخْرَى، حَيْثُ
بَيَّنَ صلى الله عليه وسلم أَنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِتَكْفِيرِ
السَّيِّئَات، وَتَكْثِيْرِ الْحَسَنَات، وَرَفْعِ الدَّرَجَات،
وَتَقْرِيبِ الْعَبْدِ إِلَى رَبِّ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَات، وَأَنَّ
صَاحِبَهَا يَحْيَا حَيَاةً طَيِّبَة، وَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْر،
وَتُغْفَرُ ذُنُوبُهُ، وَتُستَرُ عُيُوبُه، وَيَنْعَمُ بِالنُّورِ
التَّامِّ إِذَا لَقِيَ رَبَّهُ عزوجل .
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ
أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ )
. [سورة النحل، الآية 97].
لِذَلِكَ كَانَتْ هَذِهِ الرِّسَالَةُ الْمُخْتَصَرَةُ –تَذْكِرَةً لِي
وَلإِخْوَانِي الْمُصَلِّينَ- بَيَّنْتُ فِيهَا فَضلَ عَبَادَةِ
الْمُكْثِ فِي الْمِسَاجِد، وَمَا وَرَدَ فِيْهَا مِنْ آثَارٍ عَنِ
النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ صلى الله عليه وسلم ، وَعَنْ صَحبِهِ
الأَخْيَار، وَسَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ الأَبْرَار، وَمَنْ
بِنَهْجِهِمْ تَمَسَّكَ وَعَلَى هُدَاهُمْ سَار، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ
يَلْتَزِمَهُ الْجَالِسُ فِي الْمَسجِدِ مِنْ أَحكَامٍ وَآدَابٍ
بِاخْتِصَارٍ غَيرِ مُخِلٍّ وَدُونَ إِمْلاَلٍ أَوْ تِكْرَار.
سَائِلاً اللهَ تَعَالَى أَنْ يَنْفَعَنِي بِهَا وَكُلَّ مَنْ
قَرَأَهَا وَأَعَانَ عَلَى نَشْرِهَا. وَاللهُ الْمُوَفِق وَالْهَادِي
إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاط.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ
وَصَحبِه.
كتبه
أحمد بن عبد العزيز الحمدان
في 23/10/1423هـ.