ومما يبرز مكانة الأم ، ويظهر الدرجة الرفيعة التي رفعها الإسلام إليها ، والمقام
العلي الذي
بوأها إيَّاه : أنَّ الله تعالى جعل حقَّها لا ينقطع بوفاتها ، بل هو قائم موصول من
الابن إلى
أمِّه حتى بعد وفاتها ، وهذا الأمر من محاسن دين الإسلام ، حيث يبرز من خلاله
خُلُقُ الوفاء ...
الذي لا ينقطع بانقطاع اللقاء ، ولا تتعلق العلاقة فيه على المصالح ، بل هو خُلُقٌ
ينطلق من
نفس الوفي ، بناءً على قناعة ذاتية ، يعتقد الوفي بسببها أنَّه ملزم بمواصلة ذلك
البر ،
وطلب الرضا ، وإن كان بعد تفرق الأجساد في الحياة الدنيا .
وهو سببٌ ـ كذلك ـ لتدارك الولد شيئاً من حقِّ والدته الذي فرط فيه ووالدته على قيد
الحياة
، والإنسان معرض لمثل هذا التفريط ، وبعض الأبناء لا يشعر بالندم إلا بعد موت
الوالدة ،
ففتح الله تعالى له باب الخير هذا حتى يستدرك شيئاً مما فاته ، ويصلح ما وقع فيه من
خلل .
وهو ـ كذلك ـ باب من أبواب الاستزادة من الخير والأجر في باب برِّ الوالدة ، وإن
كان
الولد محسناً إليها في حياتها ، فإنَّه لا يعدم الحاجة إلى الاستزادة من البر ،
لبلوغ ما تسمو
إليه نفسه فيه من رتب عليّة .
وهو باب خير لمن لم يدرك والدته ، إمَّا لموتها وهو صغير ، أو لفقد الولد أو الأم ،
أو غير ذلك من أسباب حالت بين الولد وبين أمِّه أن يعيش في كنفها ، وينال شيئاً من
برها.
وهو دليل على أنَّ العلاقات بين المسلمين علاقات أسمى من المصالح الدنيوية ،
وأنَّ أخلاقهم أخلاقٌ ربَّانية ، يبتغي المسلم الأجر فيها من ربِّه عز وجل .
ومن أنواع برِّ الولد أمَّه بعد وفاتها : الدعاء لها ، والاستغفار لها ، وإنفاذ
عهدها ، وصلة
الرحم التي لا توصل إلا عن طريقها ، والإحسان إلى صويحباتها ، فإنَّ ذلك من أنواع
البرِّ
التي لا تنقطع بعد وفاة الأم ، بل من فضل الله تعالى أنَّ من أنواع البرِّ مالا
ينقطع حتى بعد
وفاة الولد ، كأن يوقف وقفاً ويجعل ريعه ، أو جزءً منه صدقة لوالدته ، أو يوصي
بجزءٍ من
ماله صدقة لوالدته ، أو يوصي بفعل بعض القُرب لوالدته ، كالصدقة والأضحية ، فكلُّ
هذا
من برِّ الوالدة بعد وفاتها ووفاة ابنها .