ومما يبرز مكانة الأم ، ويظهر الدرجة الرفيعة التي رفعها الإسلام إليها ، والمقام
العلي الذي بوأها إيَّاه : أنَّ الله تعالى جعل حقَّها مقدماً على الفروض الكفائية
، التي قام بها من المسلمين
من أسقط وجوبها العيني عن الباقين ، فأصبحت في باب المستحبات ، فحقُّ الأمِّ حينئذٍ
مقدم
على هذه الفروض الكفائية .
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما ، قَالَ : جَاءَ
رَجُلٌ إِلَى النبي صلى الله
عليه وسلم يُبَايِعُهُ ، قَالَ : جِئْتُ لِأُبَايِعَكَ عَلَى الْهِجْرَةِ ،
وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ ! قَالَ :
(( فَارْجِعْ إِلَيْهِمَا ، فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا )).
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه : أنَّ رَجُلًا هَاجَرَ إِلَى
رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
مِنَ الْيَمَنِ ، فَقَالَ: (( هَلْ لَكَ أَحَدٌ بِالْيَمَنِ ؟ )) قَالَ : أَبَوَايَ
. قَالَ : (( أَذِنَا لَكَ ؟ )) قَالَ : لَا .
قَالَ : (( ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَاسْتَأْذِنْهُمَا ، فَإِنْ أَذِنَا لَكَ
فَجَاهِدْ ، وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا )) .
قال العز بن عبد السلام – رحمه الله تعالى - : " يحرم على الولد الجهاد بغير إذن
الوالدين ،
لما يشق عليهما من توقع قتله ، أو قطع عضو من أعضائه ، وشدة تفجعهما على ذلك " .
وسئل الحسن البصري – رحمه الله تعالى - : عن رجل استأذن والدته في الجهاد ، فأذنت
له ،
وعلم أنَّ هواها في المقام ؟ قال : فليقم .
أما إن كان الأمر فرضاً عينياً فلا ، كأن يريد أن يصلي مع الجماعة فتمنعه والدته ،
خوفاً عليه ، فإنَّه لا يطيعها ، لأنَّ صلاة الجماعة فرض عين على الرجال ؛ أو تمنعه
من
الخروج لتعلم العلم الواجب عليه ، فإنَّه لا يطيعها ، لأنَّ رفع الجهل عن نفسه واجب
عليه
حينئذ ، ولكن لا يكن رفضه بشدة وغلظة ، وهو يقدر على اللين واللطف .
وقد سئل الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – عن رجل له والدة ، يستأذنها أن يرحل لطلب
العلم
؟ فقال : إن كان جاهلاً ، لا يدري كيف يطلق ، ولا يصلي ، فطلب العلم أوجب ، وإن كان
قد
عرف ، فالمقام عليها أحبُّ إلي .