ومما يبرز مكانة الأم ، ويظهر الدرجة الرفيعة التي رفعها الإسلام إليها ، والمقام
العلي الذي
بوأها إيَّاه : أنَّ الله تعالى جعل حقَّها مقدماً على الفروض الكفائية ، التي قام
بها من المسلمين
من أسقط وجوبها العيني عن الباقين ، فأصبحت في باب المستحبات ، فحقُّ الأمِّ حينئذٍ
مقدم
على هذه الفروض الكفائية .
وكنَّا قد ذكرنا ذلك في الحلقة الماضية ، وفي هذه الحلقة سنضرب بعض الأمثلة الموضحة
لذلك ، التي بها أبان رسول الهدى صلى الله عليه وسلم ما يجب على الولد لأمّه من
حقُّوق ،
يجب عليه تقديمها على الفروض الكفائية .
فهذا معاوية بن جاهمة السلمي رضي الله عنه ، يخرج من دياره ـ ديار بني سليم ـ
وينطلق إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يكون جندياً في الجيوش
الإسلامية،
الخارجة لرفع راية الإسلام ، التي وعد الله تعالى الخارجين فيها بإحدى الحسنيين ،
إمَّا الاستشهاد في سبيله تعالى ، والفوز بجنة عرضها السموات والأرض ،
مع النبيين والصديقين ، وإمَّا الفوز والظفر بالعدو ، والعيش في رضوان الله تعالى .
قال معاوية السلمي رضي الله عنه : جئت رسول الله صلى الله عيله وسلم فقلت :
يا رسول الله ، خرجت أريد الجهاد معك ، ابتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة ، فقال :
(( ويحك – يا معاوية – ألك والدة ؟ )) قلت : نعم . قال : (( ارجع فبرها )) قال :
فأتيته من الجانب الآخر ؛ فقلت : يا رسول الله ، خرجت أريد الجهاد معك ، ابتغي بذلك
وجه الله والدار الآخرة ، فقال : (( ويحك – يا معاوية – ألك والدة ؟ )) قلت : نعم .
قال :
(( ارجع فبرها )) قال : فأتيته من أمامه ؛ فقلت : يا رسول الله ، خرجت أريد الجهاد
معك ،
ابتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة ، فقال : (( يا معاوية ، الزم رجلها ، فثم الجنة
)) .
أي إن المكث عند أمِّك ، والمداومة على طاعتها ، وتقديم حقها سيكون سبب دخولك الجنة
،
فإن كنت تبحث عن ذلك فالزمها حتى تنال رضاها ، فإن فعلت فقد وجبت لك الجنة .