ومما يبرز مكانة الأم ، ويظهر الدرجة الرفيعة التي رفعها الإسلام إليها ، والمقام
العلي الذي
بوأها إيَّاه : أنَّ الله تعالى جعل حقَّها مقدماً على الفروض الكفائية ، التي قام
بها من المسلمين
من أسقط وجوبها العيني عن الباقين ، فأصبحت في باب المستحبات ، فحقُّ الأمِّ حينئذٍ
مقدم
على هذه الفروض الكفائية .
فمن ذلك : الجهاد في سبيل الله : فإنَّه فرض عين على كلِّ مسلم ، إن كان لدفع عدوٍ
عن
ديار المسلمين ، وحرماتهم ، وحقوقهم ، أو تعين على مسلم باستنفار إمام المسلمين
رجلاً
بعينه لقتالهم .
والجهاد فرض كفاية إن كان جهاد طلب ، وهو غزو المسلمين الكفَّار في ديارهم ،
إن قام به من يكفي سقط الوجوب عن الباقين .
ففي الحالة الأولى ، وهو تعينه على رجل بعينه فلا إذن للوالدين فيه ، لأنَّه
بالتعين أصبح حقَّاً
لله تعالى ، يجب على المسلم القيام به ، وحقُّه سبحانه وتعالى مقدم على حقُّوق
الآدميين ،
مهما كانوا ، وإن كانوا من الوالدين ، لأنَّ ترك حقِّ الله تعالى الواجب على المسلم
لا يجوز
لإرضاء مخلوق ، وتركه حينئذ يكون معصية ؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( لا طاعة لمخلوق في معصية الله تبارك وتعالى )) رواه الإمام أحمد .
وفي الصحيحين : عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال :
(( لا طاعة في معصية الله ، إنَّما الطاعة في المعروف )) .
أمَّا في الحالة الثانية ، وهي كونه فرضاً كفائياً فيقدم حقُّ الأمِّ ، وتستأذن في
الخروج ،
فإن أذنت فبها ونعمت ، وإلا قدم الولد حقَّ والدته ، وقعد عن الجهاد في سبيل الله .
وهذا ينسحب على كلِّ فرض عيني وفرض كفائي ، من صلاة ، وصيام ، وصدقة ،
وحجٍّ وعمرة ، وغيرها من الفروض ، إن كانت عينية ، لم ينظر فيها إلى رضا الوالدين ،
وإن كانت كفائية سعى الولد ـ قدر طاقته ـ في كسب رضا والديه ، والحصول على إذنهما
في ذلك .