ومما يبرز مكانة الأم ، ويظهر الدرجة الرفيعة التي رفعها الإسلام إليها :
وجوب مراعاة ولهها على ولدها ، وخوفها عليه ، وتعلق قلبها به ، ووهو ممَّا يُبرز
شدَّة حبِّها
له ، وهذا الأمر لا بدَّ أن تجازى عليه بالإحسان إليها [ هل جزاء الإحسان إلا
الإحسان ] .
إنَّ للوالدين ولهاً على ابنهما ، وفيهما حرقة عليه لا يدركها ، ولا يمكن وصفها إلا
لمن كابدها
، وعاناها ، وأشد ما يكون ذلك عند الوالدة ، لذلك كان حقُّها أعظم ، ورتبتها – في
البرِّ –
أعلى ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أمُّك ، ثمَّ أمُّك ، ثمَّ أمُّك ،
ثمَّ أبوك )) .
يروى : أنَّ بعض الصالحين أراد الحجَّ فاستأذن أمَّه ، فأذنت له - مراعية بذلك حاجة
ولدها ،
متحملة ألم فرقاه - فودعها عند باب داره ، ثمَّ انصرف ، فلمَّا كان في بعض طريقه ،
جلس
ليقضي حاجته ، فأصاب البول ثوبه ، فاستنكر ذلك ، ولم يكن يعهده من نفسه ، فقال
لنفسه :
لا بدَّ أن أحدثت شيئاً ، فعاد إلى بلده ، فطرق الباب ، وإذا بأمِّه وراء الباب ،
فقال لها :
مالك ، يا أمَّاه ؟ قالت : يا بني ، آليت على نفسي أن لا أبرح هذا المكان حتى ترجع
إليَّ !
* وهذا شاعر يصور وله الوالدة على ولدها ، وإن كان عاصياً مسيئاً ، فيقول :
أغرى امرؤٌ – يوماً – غـلاماً جاهلاً * * * بدراهـمٍ كي ما ينالَ به الضــرر
قال : ائتني بفـؤاد أمِّـك ، يا فتى * * * ولك الدراهـمُ والجـواهرُ والدُّرر
فمضى فأغرز خنجراً في صـدرها * * * والقلبَ أخـرجه وعاد على الأثر
لكـنَّه من فـرط سـرعته هـوى * * * فتدحـرج القلب المضرج إذ عثر
ناداه قـلبُ الأمِّ وهـو معفر : * * * ولدي ، حبيبي ، هل أصابك من ضرر