الحمد
لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد ..
فإنَّ يوم عرفة من أعظم أيَّام العام، قال الله تعالى فيه (وشاهد ومشهود) فسر
((المشهود)) بيوم عرفة، يشهده الناس والملائكة، وقال عنه رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((إن الله عز وجل يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى
عبادي أتوني شعثاً غبراً)) رواه الإمام أحمد. وقال عليه الصلاة والسلام: ((من حج
لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)) متفق عليه.
في هذا اليوم العظيم يشرع للمسلم أن يفرِّغ نفسه للذكر والدعاء، ويشغل وقته
بالاستغفار والتوبة من الذنوب حتى تغيب الشمس.
ولهذا اليوم أحكام تخصه؛ ومنها: ((صيام يوم عرفة)).
فهل يشرع صيام يوم عرفة للحاج؟ أم أنّ الصيام فيه منهي عنه؟
اتفق الفقهاء –رحمهم الله تعالى- على استحباب صوم يوم عرفة لغير الحاج.( انظر شرح
فتح القدير لابن الهمام (2/350) والشرح الكبير للدردير (1/515) والمجموع للنووي
(6/379) والمغني لابن قدامة (4/440)).
لما جاء في السنة النبوية من الحث على صيامه؛ ومن ذلك: قول رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده))
رواه مسلم.
واختلفوا –رحمهم الله- في صوم الحاج بعرفة، فذهبوا في ذلك ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: يكره للحاج صوم يوم عرفه، وإليه ذهب المالكية والدارمي والمحاملي
والبندبنجي من الشافعية .
( انظر الشرح الصغير للدردير (1/691) ومواهب الجليل للحطاب (2/402) والزرقاني على
مختصر خليل (2/197) والمجموع (6/380) وروضة الطالبين كلاهما للنووي (2/378)).
المذهب الثاني: يستحب للحاج أن يفطر يوم عرفة، وإليه ذهب الشافعية والحنابلة على
المذهب [ انظر المجموع للنووي (6/380) ومغني المحتاج للشربيني (1/446) ونهاية
المحتاج للرملي (3/207) وكشاف القناع للبهوتي (2/340) والمغني لابن قدامة (4/444)
وشرح المنتهى لابن النجار (3/97) والإنصاف للمرداوي (7/523).]، وبه قال أبو بكر
وعمر وعثمان وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم.( المجموع للنووي (6/380)).
المذهب الثالث: يفرق بين ما إذا كان الصوم يضعفه عن الوقوف والدعاء أو لا، فإن كان
يضعفه فيكره، وإن كان لا يضعفه فيستحب له صومه، وإلى هذا ذهب الحنفية والمتولي
والروياني والخطابي من الشافعية[ انظر المبسوط للسرخسي (3/81) وبدائع الصنائع
للكاساني (2/79) وشرح فتح القدير لابن الهمام (2/350) وحاشية رد المحتار لابن
عابدين (2/375) والمجموع (6/380) وروضة الطالبين كلاهما للنووي (2/387)]، وهو قول
ابن الزبير وعثمان بن أبي العاص وعائشة رضي الله عنهم وإسحاق وقتادة.(انظر التمهيد
لابن عبد البر (21/158) والمجموع للنووي (6/380)).
وسبب اختلافهم في حكم صيام يوم عرفة للحاج:
أن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر يوم عرفة، وقال: ((صيام يوم عرفة أحتسب على الله
أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده)) رواه مسلم. فاختلف الناس فيه هل يصام
لقوله أو يفطر لفعله؟.( انظر بداية المجتهد لابن رشد 2/190).
استدل أصحاب المذهب الأول -القائل بكراهة صوم الحاج يوم عرفة- بالسنة والمعقول، أما
السنة:
1 ـ فما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم
يوم عرفة بعرفة. (رواه أبو داود (7/75) وسكت عنه، وابن ماجه (1/551) والبيهقي
(4/284) والحاكم (1/343) وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه).
وجه الدلالة: أنّ الأصل في النهي أنه يفيد التحريم لكن صرفه عنه إلى الكراهة ما
يلي:
2 ـ ما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سئل عن صوم يوم عرفة فقال: حججت مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم فلم يصمه، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع
عثمان فلم يصمه، فأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه.( رواه الترمذي (3/378)
وقال: حديث حسن).
وأما المعقول:
1 ـ فقالوا يكره له الصوم؛ لأن الفطر يقويه على الوقوف بعرفة.( انظر شرح الصغير
للدردير (1/691))
2 ـ ولأنَّ في الفطر بعرفة تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم.( انظر التمهيد
لابن عبد البر، تحقيق سعيد أحمد أعراب (21/157)).
واستدل أصحاب المذهب الثاني -القائل باستحباب فطر الحاج يوم عرفة- بالسنة والمعقول،
فمن السنة:
1 ـ ما روت أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها أنَّ أناساً تماروا عندها يوم عرفة
في صوم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم،
فأرسلت إليه بقدح لبن، وهو واقف على بعيره، فشربه".( رواه البخاري (4/278) ومسلم
(8/249)).
2 ـ وما روت ميمونة رضي الله عنها قالت: إنَّ الناس شكوا في صيام النبي صلى الله
عليه وسلم يوم عرفة فأرسلت إليه بحلاب وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون.(
رواه البخاري (4/278) ومسلم (8/249)).
وجه الدلالة: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام رغَّب في صوم يوم عرفة ثم أفطر، فدل
على أنَّ الإفطار بعرفة أفضل؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يفعل إلا الأفضل، ولا
يكون فعله خلاف المستحب ولا سيما في الموضع نفسه.
3 ـ وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يوم
عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب)).( رواه
أبو داود (7/46) والنسائي (5/252) والترمذي (3/402) وقال: حسن صحيح، والحاكم
(1/443) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي).
ومن المعقول:
1 ـ قالوا: إنَّ الصوم يضعف الحاج ويمنعه الدعاء في هذا اليوم العظيم الذي يستجاب
فيه الدعاء في ذلك الموقف الشريف الذي يقصد من كل فج عميق رجاء فضل الله ومنه
وإجابة دعائه فكان تركه أفضل.( انظر المجموع للنووي (6/379) والمغني لابن قدامة
(4/445)).
2 ـ أن الحاج ضاح، والضاحي البارز للشمس يناله من ذلك مشقة ينبغي أن لا يصوم معها.(
انظر المجموع للنووي (6/381).)
ثالثا: أدلة أصحاب المذهب الثالث: القائل بالتفريق بين ما إذا كان الصوم بعرفة
يضعفه، فيكره له الصوم، وبين ما إذا كان لا يضعفه، فيستحب صيامه: بالسنة والآثار
والمعقول، فمن السنة:
1 ـ ما روى أبو قتادة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((صيام يوم
عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده)) .( رواه مسلم
(8/298-299))
2 ـ ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم
عرفة بعرفة .( سبق)
وجه الدلالة: دل الحديث الأول على الترغيب في صوم يوم عرفة وهو عام للحاج وغيره،
ودل الحديث الثاني على النهي عنه، وإنما نهى عنه لعلة؛ وهي الضعف عن الدعاء، وشدة
التعب بعرفة، فإذا كان كذلك فيكره الصوم لمن يضعف عن الدعاء؛ لوجود العلة.( انظر
شرح معاني الآثار للطحاوي (2/73) المغني لابن قدامة (4/444)).
وأما الآثار: فما روي أنَّ ابن الزبير وأسامة وعائشة رضوان الله عليهم كانوا
يصومونه.( انظر فتح الباري لابن حجر (4/280))
أما المعقول: فلأن فضيلة صيام هذا اليوم مما يمكن استدراكها في غير هذه السنة، أما
فضيلة الوقوف والدعاء فيه فإنه لا يستدرك في حق عامة الناس عادة إلا في العمر مرة
واحدة فكان إحرازها أولى.
وإن كان لا يضعفه الصوم فيستحب له صومه لما فيه من الجمع بين القربتين.( انظر بدائع
الصنائع للكاساني (2/79))
مناقشة الأدلة:
أولاً: مناقشة أدلة أصحاب المذهب الأول القائل بأنه يكره للحاج صوم يوم عرفة:
استدلالهم بحديث أبي هريرة رضي الله عنه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم...
اعترض عليه بأنَّ الحديث فيه مهدي الهجري وهو مجهول [انظر المحلى لابن حزم (7/18)
وتلخيص الحبير لابن حجر (2/226).] ومثل هذا لا يحتج به.
وقد أجيب عن ذلك: بأن ابن خزيمة والحاكم صححا حديثه، ووثقه ابن حبان.( انظر
المستدرك للحاكم (1/434) المحلى لابن حزم (7/18) وتلخيص الحبير لابن حجر (2/226))
أما استدلالهم بما روي عن ابن عمر فاعترض عليه بأنه لا حجة فيه؛ لأنَّه عليه الصلاة
والسلام حض على صيامه أعظم حض [ انظر تلخيص الحبير لابن حجر (2/226).]، وأخبر أنه
يكفر ذنوب سنتين، فلا ينظر بعد هذا أيصومه عليه الصلاة والسلام أم لا ؟ ( انظر
المحلى لابن حزم (7/18))
وبأنَّه ليس فيه نهي وإنما هو خلاف الأفضل كما قال الشافعي وأصحابه.( انظر المجموع
للنووي (6/380))
ثانياً: مناقشة أدلة أصحاب المذهب الثاني القائل بأنه يستحب للحاج الفطر يوم عرفة:
استدلالهم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث أفطر بعرفة، اعترض عليه بأن فعله صلى
الله عليه وسلم المجرد لا يدل على نفي استحباب الصوم، إذ قد يترك الشيء المستحب
لبيان الجواز، ويكون في حقه أفضل لمصلحة التبليغ [ انظر فتح الباري لابن حجر
(4/280)].
كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
ليترك العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم.( رواه البخاري
(3/13) ومسلم (1/497)).
وأما استدلالهم بترك أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم لصيامه، فاعترض عليه بأن
هذا لا حجة فيه لأنه قد صامه غيرهم من الصحابة وهم أم المؤمنين عائشة وابن الزبير
وعثمان ابن أبي العاص رضي الله عنهم، وإذا اختلفوا فالرجوع يكون إلى السنة وقد رغب
رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيامه.( انظر المحلى لابن حزم (7/19)).
ثالثاً: مناقشة أدلة أصحاب المذهب الثالث -القائل بالتفريق بين ما إذا كان الصوم
يضعف الحاج عن الدعاء فيكره، وبين ما إذا لم يضعفه فيستحب-: فيمكن أن يُعترض عليها
بما يلي:
استدلالهم بحديث أبي قتادة، يعترض عليه بما سبق من كون النبي صلى الله عليه وسلم
رغب في صوم يوم عرفة، ولكنه أفطره، فهذا يدل على أن الحديث يحمل على غير الحاج؛
لأنَّه عليه الصلاة والسلام لا يفعل إلا الأفضل.
وأما استدلالهم بما روي عن صوم ابن الزبير وعثمان بن أبي العاص وعائشة فيمكن أن
يعترض عليه بأنه قد خالفهم غيرهم من الصحابة، كما مرَّ معنا، وعندها يرد الأمر إلى
الله ورسوله.
رابعا: الترجيح:
بعد عرض أدلة الفقهاء ومناقشتها يظهر رجحان المذهب الثاني القائل بأن الحاج يستحب
له الفطر يوم عرفه، وذلك لما دلت عليه الأحاديث الصحيحة السالمة من المعارضة،
وتأسياً بفعل النبي عليه الصلاة والسلام الذي أُمرنا بالتأسي به، ولأنَّه يوم عيد
كما جاء في الحديث الذي رواه عقبة بن عامر رضي الله عنه: أنَّ النبي صلى الله عليه
وسلم قال: ((يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل
وشرب)).
والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فاطمة بنت عويض الجلسي
عضو هيئة التدريس
بجامعة الملك عبد العزيز بجدة