ظهر جدل في هذا الزمن –لما كثرت وسائل الدعوة وتنوعت وتجددت–
حول هذه الوسائل؛ هل هي توقيفيّةٌ أم اجتهادية ؟
ومن أظهر ما اعترض به من يرى الوسائل توقيفيّة أمور؛ منها:
1- عموم الأدلة الدالة على كمال الشريعة، والتي تحذر من محدثات الأمور،والوسائل من أمور الشرع التي لا يجوز الزيادة فيها.
2- شدّة إنكار السلف لأيّ وسيلة محدثة ولو كانت نافعة.
3-أنّ إحداث الوسائل في الشرع فيه اقتداء بالصوفية الذين هم سلف المنادين بإحداث
الوسائل.
4- لا تعارض بين القول بتوقيفية الوسائل وبين استخدام الوسائل الحديثة من آلات
التقنية
بشرط ألا تكون ممنوعة شرعاً.
[ انظر رسالة ((الحجج القوية على أنّ وسائل الدعوة توقيفية)) للدكتور عبد السلام بن
برجس آل عبد الكريم ].
والذي يظهر –والله أعلم- أنّ الخلف يسير في هذا الباب، وذلك لأمور؛ منها:
1- أنّ الجميع يتفق على أنّه لا يجوز لمسلم، فضلاً عن الدَّاعية، أن يأخذ حكمَ
الوسيلةِ
من غير الشرع.
2- والجميع يتفق على أنّ المكلف لا يجوز له مباشرةُ وسيلةٍ حتى يعرف حكمها الشرعي
المأخوذَ من النصوصِ الشرعيَّةِ الخاصةِ أو العامَّة، أو القواعدِ الشرعيَّة.
3- والجميع يتفق على أنّ الوسيلة لا بدّ أن تكون منضبطةً بحكم الشرع،
فلا يجوز لمسلمٍ الخروجُ على حكمِ الشرعِ في أي أمر من الأمور.
4- والجميع يتفق أنّ الوسائل التي هي من جنس العبادات لا يجوز استخدامها إلاّ
إذا ورد نصٌّ خاصٌّ باستخدامها.
والذي يظهر أنَّ جوانبَ الاتفاقِ في هذا البابِ تقع في الدائرةِ الأوسع، وأنّ
الوسائلُ التي هي
من جنسِ العاداتِ والمعاملاتِ فلا تحتاج إلى نصٍّ خاصٍّ بها، بل تكفي فيها الأدلةُ
والقواعدُ
الشرعيّةُ العامّة.
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميّةَ -رحمه الله تعالى-: باستقراءِ أصولِ الشريعةِ نعلمُ
أنّ العباداتِ
التي أوجبها الله، أو أحبّها لا يثبتُ الأمرُ بها إلاّ بالشرع، وأمَّا العاداتُ؛
فهي ما اعتاده النّاسُ
في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصلُ فيه عدمُ الحظر، فلا يُحْظَرُ منه إلاّ ما
حظره اللهُ
سبحانه وتعالى... وهذه قاعدة عظيمة نافعة.ا.هـ.[مجموع الفتاوى 29/16-18].
وبهذا يظهر أنّ الوسائلَ الدعويّةَ التي ليست من بابِ العباداتِ لا حظر فيها، ولا
تحتاج إلى
نصٍّ خاصٍّ بها؛ كالمخيماتِ، والمعارضِ، والدوراتِ العلميّةِ، والمحاضراتِ،
والأشرطةِ،والإذاعة.
قال العلاّمة الشاطبيُّ –رحمه الله تعالى-: والتبليغُ كما أنّه لا يتقيد بكيفيّةٍ
معلومةٍ، لأنّه من
قبيل المعقولِ معنىً، فيصح بأيِّ شيءٍ أمكنَ من الحفظِ والتلقينِ والكتابةِ
وغيرِها، كذلك
لا يتقيدُ حفظُه عن التحريفِ والزيغِ بكيفيّةٍ دون أخرى إذا لم يَعُدْ على الأصلِ
بالإبطال؛
كمسألةِ المصحف، ولذا أجمع عليه السلف الصالح.اهـ. [الاعتصام 1/238].
والذي عليه كبار علمائنا؛ ومنهم سماحةُ الشيخ عبد العزيز بن باز وسماحة الشيخ
محمد العثيمين أنّ وسائل الدعوة –بهذا المفهوم- ليست توقيفيّة.
وفي خطبة للعلاّمةِ عبد الرحمن بن سعدي –رحمه الله تعالى– يحثّ فيها المسلمين على
الجهاد، وعلى استعمال جميع الوسائل الممكنة للإعداد له والقيام به، يقول: فقد أمر
الله
رسولَه بالجهادِ في نصوص كثيرة، ورتّب عليه خيراتٍ وأجوراً غزيرة، وما لا يتم
المأمور
به من وسائله فهو داخلٌ في المأمور، ومترتبٌ عليه ما فيه من الخيراتِ والأجور، لا
يقوم
الجهادُ إلاّ بتعلم العلوم الحربيّة، والتفننِ بالفنون العسكريّة، والتدريبِ على
القوة والشجاعة،
والحزمِ في الأمور وعدمِ الإضاعة، قال الله تعالى [ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَا
اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ
رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِيْنَ مِنْ
دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللهُ يَعْلَمُهًُمْ وَمَا تُنْفِقُواْ
مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ]
[سورة الأنفال ، الآية 60]. ...
يا عجباً لنا معشر المسلمين، كيف أهملنا هذا الأصلَ العظيمَ من أصولِ ديننا، وكيف
ضيعنا
هذا الفرضَ الذي لا تستقيم الأمور إلاّ به ؟ تجدنا لا نحسن الرمي والركوبَ ولا
فنونَ الجهاد،
وليس عندنا اهتمامٌ بتنظيمِ الجيوشِ التي تحمي الدينَ والبلاد، بهذا يقعُ التخاذلُ
والضعفُ
والهوان، وبهذا يتسلط علينا الأعداءُ من كلِّ مكان ... فعلى المسلمين أن يتوبوا إلى
ربِّهم،
ويستدركوا أمرهم، ويستعدوا لعدوهم بكلِّ ما استطاعوا من قوةٍ ماديّةٍ وقوةٍ
معنويّة.[ابن سعدي : المجموعة الكاملة 6/32].
ولما استُعملت مكبراتُ الصوتِ في المساجدِ استنكر بعضُ النَّاسِ هذه الوسيلةَ
لكونها ليست مما
كان على عهدِ رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والسلفِ الصالح، خطب رحمه
الله تعالى خطبةً
قال فيها: اعلموا أنَّ الله أمر بتبليغ الدين، ويسر كلَّ سببٍ يوضِّحُ الحقَّ
ويَبِين،
فكما أنّ الأسـلحةَ القويّةَ العصـريّةَ والعنايةَ بها داخـلٌ في قوله تعالى:[ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ] [سورة الأنفال، الآية 60].
واستعمالَ الوقاياتِ
والتحصيناتِ عن الأسلحةِ الفتّاكةِ، داخلٌ في قوله تعالى [ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ ]
[سورة النساء ،الآية 102]. والقدرةَ على المراكبِ البحريّةِ والجويّةِ والهوائيّةِ، داخلٌ في قوله
تعالى:[ وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيْلاً ]
[سورة آل عمران ، الآية 97]
وجميعَ ذلك داخلٌ في الأوامرِ بأخذِ جميعِ وسائلِ القوةِ والجهاد، فكذلك إيصالُ
الأصواتِ
والمقالاتِ النافعةِ إلى الأمكنةِ البعيدةِ؛ من برقياتٍ، وتليفوناتٍ، وغيرِها،
داخلٌ في أمر الله
ورسولِه بتبليغ الحقِّ إلى الخلق، فإنَّ إيصالَ الحقِّ والكلامِ النّافعِ بالوسائلِ
المتنوعةِ من نِعَم
الله، وترقيةَ الصنائعِ والمخترعاتِ لتحصيلِ المصالحِ الدينيّةِ والدنيويّةِ من
الجهادِ في سبيل الله.
[ابن سعدي : المجموعة الكاملة 6/54].
وقال –رحمه الله تعالى-: الوسائلُ لها أحكام المقاصد: فما لا يتم الواجبُ إلاّ به
فهو واجب،وما لا يتمُّ المسنونُ إلاّ به فهو مسنون، وطرقُ الحرامِ والمكروهاتِ تابعةٌ لها،
ووسيلةُ المباحِ
مباحة، ويتفرع عليها أنّ توابعَ الأعمالِ ومُكَمِّلاَتِهَا تابعةٌ لها...
ومعنى الوسائل: الطرقُ التي يُسلكُ منها إلى الشيء، والأمورُ التي تتوقف الأحكامُ
عليها
من لوازم وشروط، فإذا أمر الله ورسولُه بشيءٍ كان أمراً به، وبما لا يتم إلاّ به.
وكان أمراً بالإتيان بجميع شروطه الشرعيّةِ والعاديّةِ والمعنويّةِ والحسيّة، فإنّ
الذي شَرَعَ
الأحكامَ عليمٌ حكيمٌ يعلم ما يترتب على ما حَكَمَ به على عباده من لوازم وشروطٍ
ومتممات،
فالأمر بالشيء أمرٌ به، وبما لا يتم إلاّ به، والنَّهيُ عن الشيء نهيٌ عنه وعن كلِّ
ما يؤدي إليه.
[ابن سعدي : المجموعة الكاملة 4/25].