1- التمثيل كذب :
وذلك أنَّه لا يخلو من حالتين :
- الأولى: أن تكون قصةُ التمثيليَّةِ أسطورةً مختلقةً لا حقيقةَ لها .
- الثانية: أن تكون قصةُ التمثيليّةِ حقيقةً وقعت في سالف الدهر، والممثلون
يتقمصون شخصياتِ هذه القصةَ ويخرجون على النَّاسِ على أنَّهم أصحابُ تلك القصة .
* وفي كلا الحالتين يكون التمثيلُ كذباً.
أمَّا في الحالةِ الأولى: وهي أن تكون قصةُ التمثيليَّةِ أسطورةً مختلقةً لا حقيقةَ
لها، فهي كذب
والكذب محرم، فالقصةُ مختلقة، والممثلون ينسبون أنفسهم وأفعالَهم وصفاتِهم لغيرِهم،
إضافةً
إلى ما يخلطون به تمثيلَهم من أيمانٍ ومواثيق ووعود، وغيرِ ذلك من أمورٍ غيرِ
صحيحة.
- وقد ردَّ عليهم المبيحون: بأنَّهم يفعلون هذا والجمهور الذي يشاهدهم ويسمعهم يعلم
أنَّهم
يكذبون، وأنَّهم لا يقولون الحقّ، لذلك لا يكون قولهم هذا داخلاً تحت النَّهي لأنَّ
المستمعينَ
يعلمون أنَّ ما يقومون به ليس بصحيح.
- وأجاب المانعون بقولهم: إنَّ الكذب محرمٌ سواءٌ علم المستمعُ أنَّه كذبٌ أم لم
يعلم،
ولا يوجد في النصوصِ الشرعيَّةِ ما يُخرج هذا الكذبَ من الكذبِ المحرم.
وقد قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لاَ يَبْلُغُ الْعَبْدُ صَرِيْحَ الإِيْمَانِ حَتَّى يَدَعَ الْمِزَاحَ
وَالْكَذِبَ وَيَدَعَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقّاً )).
[رواه أبو يعلى من حديث عمر رضي الله عنه] .
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((أَنَا زَعِيْمٌ بِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ
كَانَ مَازِحاً)).
[رواه أبو داود: كتاب الأدب/باب في حسن الخلق].
وقال ابنُ مسعود رضي الله عنه: والذي لا إله غيرُه، إنَّ الكذبَ لا يصلح في جدٍّ
ولا هزل.
وسئل شيخ الإسلام ابن تيميّة –رحمه الله تعالى– عمَّن يحدِّثُ النَّاسَ بحكاياتٍ
كلّها كذب، فقال:
أمَّا المتحدث بأحاديثَ مفتعلة، ليُضحك النَّاس، أو لغرضٍ آخر، فإنَّه عاصٍ للهِ
ولرسوله صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقد روى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ
جَدِّي قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ لِيُضْحِكَ
بِهِ الْقَوْمَ فَيَكْذِب، وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَه)).
[رواه الإمام أحمد، وأبو داود: كتاب الأدب/باب التشديد في الكذب، والترمذي:
كتاب الزهد/باب فيمن تكلم بكلمة ليضحك بها الناس، وقال: هذا حديث حسن].
وعلى كلِّ حال، ففاعل ذلك مستحقٌّ للعقوبةِ الشرعيّة التي تردعه عن ذلك.
[مجموع الفتاوى 32/255و256].
وقال العلامةُ الرَّوْيانيُّ الشافعيُّ –رحمه الله تعالى-: من كذب قصداً رُدَّتْ
شهادتُه،
وإن لم يضرَّ غيرَه، لأنَّ الكذبَ حرامٌ بكلِّ حال.
[الزواجر عن اقتراف الكبائر للهيتمي 2/195].
وقال الفقيه الشافعيُّ أبو الحسين العمرانيُّ –رحمه الله تعالى-: واللاعبُ
بالشطرنج:
لقولِ عليٍّ رضي الله عنه: اللاعبُ بالشطرنجِ أكذبُ النَّاس، يقول: قتلت، واللهِ ما
قتل !
[رواه البيهقي 10/212]
قال الإمامُ الشافعيُّ –رحمه الله تعالى-: ولأنَّه ليس من أفعالِ المروءاتِ
والديانات، وإنَّما يفعلُه
من لا ديانةَ له. ولأنَّه يأتي بألفاظٍ لا حقيقةَ لها؛ كقوله: شاه مات، وأكلتُ
الفرس، وأكلتُ الفيل.
[البيان للعمراني 13/287].
وأما في الحالة الثانية: أن يكون واقعاً مضى، والممثلُ يحاكي أهل القصة، والمحاكاة
منهيٌّ عنها بإطلاق كما في حديث أمِّ المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها، وسيأتي إن شاء
الله.
* * * * * * * * * *
2- التمثيل بدعة:
وذلك أنَّ منشأ هذه التمثيليات بدعٌ وطقوسٌ نصرانيَّةٌ يحاكون فيها عيسى عليه
السلام
وما وقع له مع يهود ، لذلك كان فاعلها وارثاً عنهم بدعتَهم، ومقتبساً من طقوسِهم
وشعائِرِهم.
والمسلمون لم يعرفوا هذه البدعةَ إلاَّ في هذا العصرِ المتأخرِ عن طريقِ الغربيين
النَّصارى.
وقد ردَّ المجيزون بأنَّهم لا يمارسون التمثيلَ على أنَّه عبادة بل يمارسونه
للترويح فقط.
* * * * * * * * * *
3- التمثيل تشبه بالكفّار:
لأنّ هذه البدعةَ جاءت من عندهم، وقد قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ:
((لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم؛ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا
بِذِرَاع، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُم))
قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ؟ قَالَ: ((فَمَن؟)).
[رواه البخاري : كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب قول النبي صلى الله عليه وسلم
لتتبعن].
والتمثيل لم يُعرف إلاّ عن طريق الكفَّار، وقد نهينا عن التشبّه بهم، والنَّهي عن
التشبّه بهم
أمرٌ بمخالفتِهم، وقد نهى الله تعالى عن الخوض فيما يخوض فيه الكفَّار، فقال تعالى:
[ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِيْنَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي
شَيْءٍ ] .
[سورة الأنعام ، الآية 159].
وهذا يقتضي البراءة منهم في جميعِ أشيائهم، ومن كان متابعاً لرسوله صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حقيقةً كان لازماً عليه أن يتبرأ منهم كتبرئه منهم، ومن كان موافقاً لهم كان
مخالفاً لرسول الله
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقدر موافقته لهم.
وقد ثبت أنَّ التمثيلَ كان عبادةً من عباداتِهم والآن هو من عباداتِهم وعاداتِهم،
فعلى المسلم
مجانبةُ مشابهتِهم والحرصُ على مخالفتِهم.
وقد وقع الإجماع على تحريم مشابهةِ أعداءِ الملّةِ والدين، قال رسول الله صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
في محذّراً تحذيراً شديداً من مشابهتهم: ((بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ
بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لاَ
شَرِيكَ لَه، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ
وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ
تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُم)).
[رواه الإمام أحمد].
قال شيخ الإسلامِ ابنُ تيميَّة –رحمه الله تعالى-:
وهذا الحديثُ أقلُّ أحوالِهِ أنَّه يقتضي تحريمَ التشبُّه بهم، وإن كان ظاهرُه
يقتضي كفر المتشبّه
بهم، كما في قوله تعالى [ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ] .
[سورة المائدة ، الآية 51].
وقال –رحمه الله-:
وبكلِّ حال: يقتضي تحريمُ التشبُّهِ بعلَّةِ كونه تشبهاً، والتشبُّهُ يعمُّ من فعل
الشيءَ لأجل أنَّهم فعلوه، وهذا نادر.
ومن تَبِعَ غيرَه في فعلٍ لغرضٍ له في ذلك، إذا كان أصلُ الفعلِ مأخوذاً عن ذلك
الغير.ا.هـ.
وقد أجمعَ العلماءُ على تحريمِ مشابهتِهم في عباداتِهم وشعائِرِهم.
* * * * * * * * * *
4- التمثيل من اللهو الباطل :
واللهو الباطلُ واللعب مذموم شرعاً وعقلاً، أمَّا في الشرع فقد قال رسول الله
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: (( وَلَيْسَ مِنْ اللَّهْوِ إِلاَّ ثَلاَثٌ: تَأْدِيبُ الرَّجُلِ
فَرَسَه، وَمُلاَعَبَتُهُ امْرَأَتَه، وَرَمْيُهُ بِقَوْسِه،
وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَمَا عُلِّمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ
تَرَكَهَا)).
[رواه الإمام أحمد ، وأبوداود : كتاب الجهاد / باب في الرمي] .
* * * * * * * * * *
5- منافاةُ التمثيلِ للمروءة:
والمروءةُ: الحفاظُ على مكارم الأخلاقِ والأفعالِ التي يحبّها اللهُ ويرعاها
المسلمون ذووا
الاستقامة، والبعدُ عن سفاسفِ الأخلاقِ والأفعَالِ التي لا يرضاها اللهُ والمسلمون
ذووا الاستقامة.
ولأهميّة المروءةِ في حياةِ المسلم كان حفظها من مقاصد الشرع الحنيف، وارتكابُ ما
يُسقطها
من الأمور المرذولةِ التي تُسقط عدالةَ فاعلها، وتجعلُ شهادته مردودة.
وقد نصّ الفقهاء –رحمهم اللهُ تعالى- على سقوط شهادة المستهزيءِ، وكثيرِ الدُّعابة،
والمتمسخرِ، والمضحك.
قال العلاّمةُ علاءُ الدّين الحنفيُّ –رحمه الله تعالى– وهو يعدد من تسقط عدالتُه
وتردُّ شهادتُه
لسقوط مروءتِه: وطفيليٌّ ومسخرة.
[حاشية ابن عابدين 7/147].
وقال الفقيه الشافعيُّ أبو الحسين العمرانيُّ –رحمه الله تعالى-:
ومن كان غالبُ أحوالِه تركُ المروءةِ، رُدَّتْ شهادتُه، لأنَّه إذا لم يستحِ من
تركِ المروءة، لم
يستحِ ممَّا فعل. والدليل عليه قولُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ
النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت)).[رواه البخاري : كتاب أحاديث الأنبياء / باب حديث الغار].
ثم ضرب أمثلةً بمن تُرَدُّ شهادتُهم لتركهم المروءةَ؛ فقال: ومن كان رقَّاصاً، أو
قَوَّالاً فقد ترك المروءة .
[القوال : هو الذي يتغنّى بالموال]
واللاعبُ بالشطرنج: لقولِ عليٍّ رضي الله عنه: اللاعبُ بالشطرنجِ أكذبُ النَّاس،
يقول: قتلت. واللهِ ما قتل !
[رواه البيهقي 10/212]
قال الإمامُ الشافعيُّ –رحمه الله تعالى-:
ولأنَّه ليس من أفعالِ المروءاتِ والديانات، وإنَّما يفعلُه من لا ديانةَ له.
ولأنَّه يأتي بألفاظٍ لا
حقيقةَ لها؛ كقوله: شاه مات، وأكلتُ الفرس، وأكلتُ الفيل.[البيان للعمراني 13/287].
وقال الفقيهُ الشافعيّ أبو الحسن الماوردي –رحمه الله تعالى– في بيان أثر التزامِ
المروءةِ على
العدالةِ، وأثرِ تركِها في إسقاطِها الموجبِ لردِّ شهادته:
مجانبةُ ما سَخُفَ من الكلامِ المؤذي، أو المضحك، وتركُ ما قَبُحَ من الضحك الذي
يلهو به،
فمجانبةُ ذلك من المروءةِ التي هي شرطٌ في العدالة، وارتكابُها مُفْضٍ إلى الفسق.
[الحاوي للماوردي 17/151].
وقال الإمامُ الموفقُ ابنُ قدامةَ –رحمه الله تعالى-:
فلا تُقبلُ شهادةُ المصافع، والمتمسخر، والمغني، والرقَّاص، واللاعبِ بالشطرنج...
إلخ.
[المقنع مع الشرح الكبير 29/350و351].
قال في الشرح الكبير:
أو يتمسخر بما يُضْحِكُ النَّاسَ به... لأنَّ هذا سخفٌ ودناءة، فمن رضيه لنفسِه
واستحسنه، فليستْ له مروءة، ولا تحصلُ الثِّقةُ بقوله.
[المقنع مع الشرح الكبير 29/351 ، وانظر المغني 14/152].
وقال العلاّمةُ مرعي بنُ يوسفَ الكرميُّ –رحمه الله تعالى-:
فلا شهادةَ لمتمسخرٍ ولا لمن يحكي المضحكات، ومُتَزَيِّ بِزِيٍّ يُسْخَرُ منه،
وأشباهِ ذلك
مما تأنفُ منه أهلُ المروءات.
[منار السبيل 2/489].
ولا يشك عاقل، ولا يمتري فاضل في أنَّ كثيراً من التمثيل الذي يُمَارَسُ باسمِ
الدعوةِ إلى اللهِ
تعالى منافٍ للمروءة، لا يرضاه ذو نفسٍ شريفة ولا همَّةٍ أبيّة حيث يخرجُ بعضُ
الممثلين فيه
في هيئاتٍ وصورٍ يُزرون من خلالها بأنفسِهم، فيلبسون ثياباً مضحكة، تثيرُ اشمئزاز
النَّاظِرِ
إليهم، ويتكلمون بلهجاتٍ فيها تكلّفٌ وسوقيَّة، ويتلفظون بألفاظٍ –في بعض الأحيان–
لا تليق
بمن يحترم نفسه ولا يرضى لها الهوان.
فمثلُ هؤلاء أقلُّ ما يقال فيهم: إنَّهم يتمسخرون، ويستهزئون، ويجعلون من أنفسهم
أُضحوكةً
لغيرِهم، وهذه الأفعال باتفاقِ الفقهاء من خوارمِ المروءةِ التي تسقطُ العدالة،
وتُرَدُّ بسببها الشهادة.
وقد ردَّ القائلون بجواز التمثيل:
بأنَّ هذا نوعٌ من أنواعِ التمثيل؛ وهو التمثيلُ الذي يُسَمَّى بالكوميديّ، وليس
كلُّ تمثيل كذلك.
* * * * * * * * * *
6- التمثيل سهرٌ في غير طاعة:
أكثر حفلات التمثيل لا تُقام إلاّ بعد العشاء، وهو وقت نُهي عن الحديث فيه إلاَّ في
طاعة،
والمجيزون يعترفون أنَّ التمثيلَ ليس من الطاعات.
فَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأسلميِّ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ
الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا.
[متفق عليه : صحيح البخاري : كتاب مواقيت الصلاة / باب وقت العصر ، ومسلم : كتاب
المساجد ومواضع الصلاة / باب استحباب التبكير في الصبح].
وردَّ المبيحون: بأنّ هذا غير لازم؛ لأنّا لو أقمناه في غير وقت النهي عن السمر فلا
تثريب علينا.
* * * * * * * * * *
7- في التمثيلِ إضاعةٌ للمال:
وإضاعة المال هذه في غير وجهها، وقد قال الله تعالى [ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ
كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِين ] .
ويمكن أن يردَّ المجيزون بأننا لا نعني التمثيل الذي تُنفق من أجله الأموال.
* * * * * * * * * *
8- تقليدٌ أناسٍ معينين: وقد ورد النَّصُّ بتحريم ذلك.
فَعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قُلْتُ
لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:
((حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا)) قَالَ: تَعْنِي قَصِيرَة، فَقَالَ صلى
الله عليه وسلم:
((لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْه)) قَالَتْ:
وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَاناً، فَقَالَ:
((مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَاناً وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا)).
[رواه الإمام أحمد، وأبو داود: كتاب الأدب/باب في الغيبة، والترمذي:
كتاب صفة القيامة والرقاق والورع/باب منه، وقال: حديث حسن صحيح].
(وَحَكَيْت لَهُ إِنْسَاناً) أَيْ فَعَلْت مِثْل فِعْله, يُقَالُ: حَكَاهُ
وَحَاكَاه.
(مَا أُحِبّ أَنِّي حَكَيْت إِنْسَاناً): أَيْ مَا يَسُرّنِي أَنْ أَتَحَدَّث
بِعَيْبِهِ,
أَوْ مَا يَسُرّنِي أَنْ أُحَاكِيه بِأَنْ أَفْعَل مِثْل فِعْله، أَوْ أَقُول مِثْل
قَوْله عَلَى وَجْه التَّنْقِيص.
(وَإِنَّ لِي كَذَا وَكَذَا): أَيْ وَلَوْ أَعْطَيْت كَذَا وَكَذَا مِنْ الدُّنْيَا
أَيْ شَيْئاً كَثِيراً عَلَى ذَلِك.
وفي التمثيل إهانة لمن يمثلون، ودليل ذلك أنَّهم لا يستطيعون تمثيل ملوكهم وحكامهم،
لأنَّهم
يعلمون قدر الإهانة التي تلحق الحاكم إذا مثَّله الممثلون، لذلك يتحاشون تمثيله،
ويمثلون من
يعلمون عدم قدرته على منعهم.
فقوله: (حكيتُ إنساناً) من المحاكاة؛ وهي التمثيل، أي قلدته في أقواله أوحركاته،
وهذه غيبة،
وذلك أنَّ الغيبةَ تكون بالأقوالِ والأفعال، بل قد تكون الغيبةُ بذكر الأفعال أشدَّ
من الأقوال، لأنَّ
النّفوس مجبولةٌ على النّفرة ممن يحاكيها في أفعالها وأقوالها حتَّى في مواطن
الحمد، فكيف إذا
كان التقليدُ في موطنٍ من مواطنِ الذّم، أو على وجه الاستهزاء كما هو الغالب من حال
الممثلين.
* * * * * * * * * *
9- تمثيلُ الأنبياء والصالحين:
يدخل في التمثيل تمثيلُ الأنبياءِ والرسل، والصالحين والفضلاء، وهذا الفعل يدور بين
الكفر والفسق.
وردَّ المجيزون بأننا لا نجيز ذلك.
* * * * * * * * * *
10- تمثيلُ الكفرةِ والفسقة:
يدخل في التمثيل تمثيلُ الكفرةِ والفسقة، وقولُ الكفر والفسوق.
فيقوم الممثلُ بدورِ الكافرِ والمنافق، وقد يقول كلمة الكفر من أجل أداءِ دورِه،
وقد قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلامِ كَاذِباً
مُتَعَمِّداً فَهُوَ كَمَا قَال)).
[متفق عليه: صحيح البخاري: كتاب الجنائز/باب ما جاء في قاتل النفس، ومسلم: كتاب
الإيمان/باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، والترمذي: كتاب الإيمان والنذور/باب ما
جاء في
كراهية الحلف بغير ملّة الإسلام].
وقال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِيْنٍ فَهُوَ كَمَا حَلَف، إِنْ
قَالَ : هُوَ يَهُودِيٌّ فَهُوَ
يَهُودِيّ، وَإِنْ قَالَ: هُوَ نَصْرَانِيٌّ فَهُوَ نَصْرَنِيّ، وَإِنْ قَالَ: هُوَ
بَرِيءٌ مِنَ الإِسْلاَمِ فَهُوَ بَرِيءٌ مِنَ الإِسْلاَم)).
[رواه أبو يعلى، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد].
قال المجيزون: نحن لا نجيز ذلك، وليس كلُّ تمثيلٍ فيه تمثيلُ الكفرة.
* * * * * * * * * *
11- الاستهزاء بالآخرين:
ومعلوم أنَّ هذا محرَّم في الدين، وأشدُّ أنواعِه أن يقع الاستهزاء بالصالحين خاصة
حين يسعى الممثل لإخراجهم في صورةٍ تزري بهم وبأهل الاستقامةِ بعامَّة.
قال ابن حجرٍ الهيتمي –رحمه الله تعالى– في بيانه لنواقض الإسلام: ومنها: -أي ومن
نواقض الإسلام- لو حضر جماعةٌ، وجلس أحدُهم على مكان رفيع تشبيهاً بالمذكرين،
فسألوا المسائل، وهم يضحكون ثم يضربونه بالمجراف.
أو تشبه بالمعلمين، فأخذ خشبةً، وجلس القومُ حوله كالصبيان، فضحكوا، واستهزؤا...
ولا يُغترّ بذلك، وإن فعله أكثر النَّاس، حتَّى من له نسبةٌ إلى العلم، فإنَّه يصير
مرتدّاً على
قول جماعة، وكفى بهذا خسارةً وتفريطاً.
[الإعلام بقواطع الإسلام 2/362].
* * * * * * * * * *
12- اختلاط النِّساء بالرجال الأجانب:
يدخل في التمثيل الاختلاط بالنِّساء، وإن تحفظوا في بداية أمرهم فإنَّ مآلهم إلى
الوقوع فيه.
وقد صدرت فتوىً صارخةٌ أباحَ فيها بعضُهم خروجَ المرأةِ أمامَ الرجالِ للتمثيل،
واختلاطَ
النِّساءِ بالرجال.
وردَّ المجيزون بأنَّا لا نقول بجواز ذلك.
* * * * * * * * * *
13- من أصول التمثيل مشاركةُ النساء للرجال فيه، ومعلوم ما في ذلك من مفاسد لا تخفى
على ذي لبّ، فإن لم تشارك النِّساء قام بعض الرِّجال بتقليدهنّ، وفي هذا دخول تحت
دائرة
التشبه بهنّ.
وفي الحديث: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ
اللهِ صلى الله عليه وسلم
الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاء، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ
النِّسَاءِ بِالرِّجَال.
[رواه البخاري : كتاب اللباس / باب المتشبهون بالنساء والمتشبهات بالرجال].
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه
وسلم الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ
الْمَرْأَة، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُل.
[رواه الإمام أحمد ، وأبو داود : كتاب اللباس / باب في لباس النساء].
* * * * * * * * * *
14- تمثيل النساء :
وعندما رأى بعضُهم أنَّ اختلاط النِّساءِ بهم، وظهورهنَّ أمام الرجال الأجانب لا
يُسمح به، أو
لا يرضونه هم قام بعضُهم بتمثيل دور النِّساء.
وقد ردَّ المجيزون بأنَّهم لا يجيزون تمثيلَ الرجلِ للمرأةِ والمرأةِ للرجل.
* * * * * * * * * *
15- في التمثيل تقليد للحيوانات:
وهذا مما أجمع العلماءُ على منعه والتَّحذيرِ منه.
وردَّ القائلون بالجواز: بأنَّهم لا يجيزون تمثيل الحيوانات.
* * * * * * * * * *
16- الأيمان الفاجرة:
الحلف على بعض الأمور في التمثيل، وهو كذب لا حقيقة له، فيأثم الحالف بيمين غموسٍ
تورده نارَ جهنَّم، عياذاً بالله تعالى.