أدلة المجيزين للتمثيل 5/7
1-البراءةُ الأصليَّة:
وهو أنَّ الأصل في الأشياءِ الإباحة، ولا يوجد دليلٌ صحيحٌ صريحٌ في تحريمِ التمثيل
.
وردَّ عليهم الذين يرون تحريمَ التمثيل بأنَّ البراءةَ الأصليَّةَ لا تُستصحبُ
إلاَّ في حالِ عدمِ وجودِ
نصِّ ، أو قاعدةٍ شرعيَّةٍ تمنع الفعل، وعددٌ من القواعدِ الشرعيَّةِ تمنع التمثيلَ
كما سيأتي بيانه.
2- وسائل الدَّعوة غيرُ توقيفيَّة:
والتمثيلُ منها، فلا وجه لمطالبتنا بدليل على جواز استعمالها في الدَّعوة إلى الله
تعالى.
وردَّ عليهم المانعون للتمثلِ: بأنَّ كونَ الوسائلِ توقيفيَّةً، أو غيرَ توقيفيَّةٍ
ليس مدارَ حديثنا،
لأنَّ الجميعَ متفقٌ على أنَّ هناك من الوسائلِ ما يمنع الشرعُ منها إذا كانت في
أصلها ملغاةً،
أو في أصلها مباحةً لكن لا تنفكُّ عمَّا يَحفُّها من أمورٍ محرمة، والتمثيلُ منها.
3- القياس:
وذلك أنَّ هناك أحداثاً كثيرةً في الكتابِ والسنَّة تدلّ على تعاطي التمثيل وعدم
الإنكار على متعاطيه.
ثمَّ حكموا على كلِّ قصةٍ فيها توريةٌ، أو تعريضٌ، أو تعليمٌ، أو روايةٌ لأمرٍ على
أنَّها تمثيليَّة.[حكم التمثيل في الدعوة إلى الله ص 11-31].
ومن ذلك:
- أولاً: ظهور جبريل عليه السلام في صورةِ أعرابيٍّ، أو صورةِ دِحيةَ الكلبيِّ رضي
الله عنه
وهذا تمثيل لدور دحية، ودور الأعرابيّ.
وقد أجاب المانعون عن هذا الاستدلال بقولهم: تشكّلُ الملائكةِ عليهمُ السَّلامُ في
صورٍ متعددةٍ؛
مثل: صورةِ الأقرعِ والأبرصِ والأعمى، وفي صورةِ الأعرابيِّ، وغيرها من الصور لا
يدلُّ
على جوازِ التمثيل، ومحاكاةِ الآخرين؛ لأمورٍ عدَّة؛
فمنها:
(1) أنَّ الجميعَ متفقٌ على منع تمثيلِ الملائكةِ عليهمُ السَّلام، فيكون القياسُ
هاهنا قياساً فاسداً لا يصح.
(2) الجميع متفقٌ على أنَّ عالمَ الملائكةِ عليهمُ السَّلامُ عالمٌ غيبيّ، وعالمنا
عالمُ شهادة،
فلا يصح قياس عالمِ الشهادةِ بعالم الغيب.
(3) تشكّلُ هؤلاء الملائكةِ عليهمُ السَّلامُ كان بأمرٍ من اللهِ تعالى الذي إذا
أراد شيئاً قال له:
كن فيكون، واللهُ عز وجل لم يأمرنا، ولم يأذن لنا بذلك.
(4) تشكُّلُ الملائكةِ عليهمُ السَّلامُ تشكُّلٌ حقيقيٌّ بحيثُ ينقلبُ أحدُهم بأمر
اللهِ من قالبِه الملائِكيِّ
الذي خلقه اللهُ عليه إلى قالبِ آدميّ، وليس تشكلاً وهمياً مصطنعاً كما يفعله
الممثل، فإنَّ تشكّلَ
الممثلِ مكشوفٌ محدود، لذا لا يصحُّ قياسُ هذا على هذا.
- ثانياً: استدل المبيحون بمناظرةِ إبراهيم عليه السلام لقومه حيث أظهر لهم عدم
معرفته
لربِّه، فلعله يكون الكوكب، أو القمر، أو الشمس، وهذا تمثيل !
وقد ردَّ عليهم المانعون: بأنَّ هذا ليس من التمثيلِ في شيء، إنَّما هو من باب
التنزل في
المناظرة، فهو يقول لهم: دعوني أقول كما تقولون: إنَّ الكوكب الذي في السماء هو
ربِّي،
ولننظر ما يحمله هذا الكوكب من خصالِ الربُّوبيَّة، وانتظر معهم حتَّى أفل الكوكب،
وكذا
مع القمرِ والشمس، ثم قال لهم بعد ذلك: إنَّ الكوكب والقمر والشمس لا تصلحُ لأنْ
تكون
الربّ الذي يُعبد لأنَّها أفلت، والربُّ لا يمكن أن يكون كذلك.
فأين هذا القولُ من التمثيل ؟
- ثالثاً: تكسيرُه عليه السلام الأصنام، وإسناده التكسيرَ إلى كبيرِهم، فقال [ بَلْ
فَعَلَهُ كَبِيْرُهُمْ هَذَا ]
[سورة الأنبياء ، الآية 63]. فهذا تمثيل !
وقد ردَّ المانعون بأنَّ هذا من أبعد الأدلَّة، وذلك أنَّ معنى قوله [ بَلْ
فَعَلَهُ كَبِيْرُهُمْ هَذَا ]
أي إنَّ الذي تسبب في تكسيرِ جميعِ الأصنامِ هو كبيرهم هذا الذي يغيظون به كلَّ
موحدٍ بنصبِه
وعبادتِه من دون الله، فنصبكم لهذا الصنم الكبير هو الذي جعلني لا أصبر على الأصنام
فقمت بتكسيرها، فهو المتسببُ الرئيسُ في تكسيرِ الأصنام.
- رابعاً: ضربُ الأمثال: وهذا كثيرٌ في الكتابِ والسنَّة ، والتمثيلُ شبيه به.
وقد ردَّ عليهم المانعون بردودٍ؛ فمنها:
(1) أنَّ ضربَ الأمثالِ في الكتابِ والسنَّةِ قولٌ لا تلبيسَ ولا تمويه فيه، إنَّما
هو من بابِ
التشبيهِ الذي يراد منه تقريبُ المعنى إلى الأذهان، أمَّا التمثيلُ فهو أقوالٌ
وأفعالٌ تُمارسها ذواتُ
الممثلين، فثبت بهذا فسادُ هذا القياس لقيامِ الفارقِ الظاهرِ بين المقيسِ والمقيسِ
عليه.
(2) الأمثالُ المضروبةُ في الكتابِ والسنَّةِ يُبَيَّنُ فيها أنَّ القولَ من بابِ
ضربِ الأمثال، وذلك
بذكر التشبيه على حقيقته، فيُبَيِّنُ ضاربُ المثلِ حقيقةَ المشبَّهِ والْمُشَبَّهِ
به حتَّى يتَّضِحَ وجه الشَّبهِ ,
فينتفع المستمعُ من هذا التشبيه، أمَّا الممثلُ فلا يُسمى عملُه تشبيهاً بل هو
تقليدٌ صِرف، يسعى
فيه الممثلُ جاهداً لطمسِ التشبيه حتَّى لا تفسدَ عليه تمثيليته، ويجعلُ فعلَه لا
يعدو أن يكون
تقليداً لشخصٍ ما، يتقمصُ شخصيّتَه، ويجهد في محاكاتِه في هيئتِه ولباسِه، وكلامِه
وأفعالِه،
لذلك فلا صحةَ لقياسِ ضربِ الأمثالِ بالتمثيل، والقياس على هذا فاسد.
(3) أنَّ ضربَ الأمثالِ في الكتابِ والسنَّةِ يدخل فيه ضربُ الأمثالِ بحقيقةِ
الآخرة، والملائكةِ،
والأنبياءِ عليهمُ السَّلام، وهذا ممنوعٌ عند الجميع، فدلَّ على أنَّ جوازَ ضربِ
الأمثالِ غيرُ
مسألةِ التمثيلِ التي نحن بصددِها.
وبعد أنْ ذكرنا أهمَّ ما استدلَّ به المبيحون للتمثيل سنذكر أدلَّةَ المحرمين له.
والله ولي التوفيق
تاريخ إضافة المقال:2008-03-01 11:59:21