لكن ماذا لو كانت الوسيلة من الأمور التي اختلف أهل العلم في حكمها بين مبيح وبين
حاظر؟
هذه الوسائل التي اختلف أهل العلم فيها، ينظر في الداعيةِ المتوصلِ بها إلى دعوته،هل هو ممن بلغ رتبةً الاجتهاد، أم أنّه دون ذلك ؟
فإن كان قد بلغ رتبة الاجتهاد التي يستطيع بها أن يرجح قولاً على قول، مستنداً في
ذلك إلى
الأدلَّة الشرعيّة والأصول والقواعد الفقهيّة، إن كان كذلك وأدَّاه نظرُه إلى حكمٍ
فيها، عَمِلَ به،
إلاّ إن خشي أن تترتب على حكمه هذا مفسدة، فعليه أن يراعيها؛ لأنّ درء المفاسد مقدم
على
جلب المنافع.
وإن لم يكن الداعيةُ قد بلغ هذه الرتبة، فليسأل أهل العلم والتّقوى الذين يثق
بعلمهم ودينهم،
ثم يأخذ بما أفتوه به من حكم في مسألته.
لكن على الدَّاعية إلى الله تعالى أن يراعي أموراً إذا كانت الوسيلة مما اختلفت
فيها أنظار
أهل العلم؛ وهي:
1- أن يعلم أنّ سبيلَ أهلِ الورعِ الترفعِ عن الشبهات، فَعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ
بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول -وَأَهْوَى
النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ-:
((إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا
مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى
الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ
وَقَعَ فِي الْحَرَامِ؛ كَالرَّاعِي يَرْعَى
حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمىً،
أَلاَ وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُه)).
[متفق عليه : رواه البخاري : كتاب الإيمان / باب فضل من استبرأ لدينه ، ومسلم :
كتاب المساقاة / باب أخذ الحلال وترك الشبهات].
2- إنْ كانت هذه الوسيلةُ -الْمُخْتَلَفُ فيها– يراها مباحةً، وهناك من الوسائل
غيرُ الْمُخْتَلَفِ
فيها يمكن أن تؤدي الغرض، فليبتعد عن الوسيلة المختلف فيها، وليأت المتفق عليها.
3-عليه أن يعلم أنّه إن رأى وسيلة من الوسائل محرمة رآها غيره مباحة، لا بالتشهي،
ولكن
بناء على اجتهاد معتبر من العالم، فإنّه لا يثرب على من رأى الإباحة؛ لأنّ كلا
القولين بُني
على اجتهاد معتبر، كما لو رآها مباحةً ورآها غيرُه محرمة، فإنّه لا يثرب عليه، أمّا
إن كان
من أهل العلم والذي يرى الإباحة كذلك فلا مانع من مناقشة رأي غيره للتوصل إلى
اتفاق،
وإلا ففي الأمر سعة. والله أعلم.