الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
سيرة المشرف
مؤلفات المشرف
ديـوانية المشـرف
الصـوتـيــــات
مقال الموقع
فتاوى الموقع
ملتقيات الخير
شبهات و ردود
مـقـالات مـخـتارة
المـعـهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
من فتاوى العلماء
ســيــر الصــحـابة
تراجم من علمائنا
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة د. عبدالعزيز الحميدي المصلحون المصلحون : العدد السادس والعشرون

المصلحون : العدد السادس والعشرون

تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :

1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .

2 – أضواء من الهدي النبوي .

3 – توجيهات ومواقف سلوكية .

4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .

- أضواء من هدي القرآن الكريم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ{24} وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ{25} وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{26} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ{27} وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ{28} يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ{29}) [ الأنفال :24-29] .

 

[24] لما كان بعض المسلمين قد آمنوا بالإسلام اعتقادا وعملا ولكنهم لم ينهضوا ببعض التكاليف التي دعاهم إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يستدعي مقاومة الأعداء والمخاطرة بالنفوس .. لما كانوا كذلك أمرهم الله سبحانه بالمسارعة إلى الجهاد في سبيل الله تعالى باللسان واليد والمال ، وقد بين الله سبحانه بأن ذلك الجهاد حياة لهم ، وذلك لأنه لا وجود للإسلام الكامل حتى يحكم في الأرض وتكون كلمة الله هي العليا وتتحرر الشعوب المغلوبة على أمرها من حكم الطغاة الذين يحولون بينها وبين تفهم دعوة الإسلام واعتناقه ، فعندما يبلغ المسلمون هذه الغاية النبيلة يكونون قد تحلوا بالحياة المعنوية الكاملة ، أما والجاهلية هي السائدة والطغاة هم الذين يحكمون الناس في الأرض فإن المسلمين لم يبلغوا الكمال في الحياة السامية ، كما أنه لا وجود للإسلام الكامل حتى تتطهر مجتمعات المسلمين من المنكرات وتكون مجتمعات صالحة .

 

ولاينبغي أن يقال بأن الذي دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنين هو الإسلام لأنهم مسلمون ، ولا أن يقال بأنه الاستقامة على أمور الدين لأنهم قد استقاموا على أغلب هذه الأمور ، وإنما يقال بأن هذا الأمر الذي دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم هو بلوغ الكمال فيما قصر فيه المؤمنون ، وإذا نظرنا إلى أغلب عصور المسلمين فإننا نجد أن الأمر البارز في تقصيرهم هو عدم تطبيقهم التكاليف التي فيها مجابهة لمجتمعهم أو لأعدائهم لمشقة ذلك على النفوس .

 

(وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) يعني واعلموا – أيها المؤمنون – أن الله تعالى قد يعاقب عبده الذي أصر على معصيته أو قصر في أداء واجباته بالطبع على قلبه فيحول بين قلبه وبين الهداية لكمال الاستقامة ، فاحذروا من التقصير في أداء الواجبات التي ترون فيها مشقة على نفوسكم كالجهاد في سبيل الله تعالى باليد واللسان والمال ، واحذروا من الإصرار على المعاصي حتى لا يعاقبكم الله عز وجل بالطبع على قلوبكم ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من أن يقول " يامقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " أخرجه الإمام أحمد والترمذي وحسنه. (مسند الإمام أحمد 4/182 ، سنن الترمذي 4/448 ، رقم 2140).

 

وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول ذلك وهو الذي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكيف بعموم الناس ؟

 

(وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) أي واعلموا أن مصيركم ومرجعكم يوم القيامة إلى ربكم جل وعلا فيحاسبكم على أعمالكم ويجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته فاتقوه جل وعلا واستجيبوا لما أمركم به وانتهوا عما نهاكم عنه .

 

[25] (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً) أي واحذروا – أيها المؤمنون – محنة لاتخص المسيئين الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي أو ظلموا غيرهم بالاعتداء عليهم ، أو ظلموا أنفسهم ومجتمعهم بإقصاء حكم الله تعالى وتحكيم القوانين البشرية بينهم ، أو تحريف الإسلام بالادعاء بأنه دين نسك وعبادة وليس له علاقة بنظام الحياة .. احذروا بلاءً لايخص هؤلاء الظالمين ، بل يصيب أهل التقوى معهم إذا قدروا على إنكار هذه المظالم فلم ينكروها .

 

(وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) لمن باشروا المظالم ولمن سكتوا عن إنكار المنكرات وهم قادرون على إنكارها .

 

[26] ثم يُذكِّر الله سبحانه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أنعم  عليهم به من التمكين في الأرض وقيام دولة الإسلام في المدينة والنصر على الأعداء في معركة بدر ، وبما رزقهم من الطيبات ، وذلك حينما أطاعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاهدوا معه حيث يقول (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ) أي أطيعوا الله تعالى واستجيبوا لرسوله صلى الله عليه وسلم إذا دعاكم لما يحييكم وإن كان فيه عليكم مشقة فإن الله عز وجل مُيسِّر لكم أموركم بطاعتكم إياه كما فعل بكم إذ آمنتم به واتبعتموه وأنتم قليل يستضعفكم الكفار حتى أصبحتم من قلتكم تخافون أن يتخطفكم الكفار فيقتلوكم (فَآوَاكُمْ) في المدينة وهيأ لكم قيام دولتكم (وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ) حيث قواكم بالنصر على الأعداء في " بدر "  (وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ) حيث غنمتم أموال الكفار (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) لتشكروا الله سبحانه فتستمروا على طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد معه.

 

[27] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) ذكر الإمام الطبري من خبر علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى (لاَ تَخُونُواْ اللّهَ) قال : يقول : بترك فرائضه (وَالرَّسُولَ) يقول : بترك سنته وارتكاب معصيته، وذكر عنه في قوله تعالى (وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ) : والأمانة الأعمال التي أمن الله عليها العباد ، وفسر ذلك الطبري بأنها ما يخفى عن أعين الناس من فرائض الله. (تفسير الطبري 11/125).

 

فالدين الإسلامي أمانة في عنق كل مسلم ، ولابد من تطبيقه كاملا بكل فرائضه ، فيما يخص كل فرد وفيما يعم المجتمع الإسلامي ، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن عرى الإسلام ستنقض شيئًا فشيئًا وذلك بقوله " لتنقضنَّ عُرَى الإسلام عروة عروة ، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها ، وأولهن نقضًا الحكم وآخرهن الصلاة " أخرجه الإمام أحمد . (مسند الإمام أحمد 5/251 ، وصححه الشيخ الألباني – صحيح الجامع الصغير رقم 4951 (5/15)).

 

فإذا انتقضت عروة من عرى الإسلام كانت مسؤولية ذلك على كل من له علم بذلك من المسلمين ، أما الذين يباشرون نقض فرائض الإسلام أو يكونون سببا في ذلك فهؤلاء قد خانوا الله تعالى وخانوا رسوله صلى الله عليه وسلم ، فالذين يحاولون إقصاء الإسلام عن واقع الحياة ويقولون : الإسلام نسك وعبادة وأحوال شخصية وليس نظام حياة قد انحرفوا بالإسلام عن طريقه الصحيح .

 

والذين يلغون الحكم بما أنزل الله تعالى في كل قضايا الحياة أو في بعضها ويبدلون ذلك بالقوانين البشرية قد أبطلوا فريضة من فرائض الإسلام .

 

والذين يحاربون الجهاد في سبيل الله تعالى ويفسرونه بغير حقيقته قد حرفوا دين الله تعالى وحاربوه.

والذين يتعمدون ترك فريضة من فرائض هذا الدين قد خانوا الأمانة التي التزموا بها يوم أن آمنوا بهذا الدين .

وقوله تعالى (وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) أي والحال أنكم تعلمون أن فرائض الإسلام واجبة عليكم ، وقد أصبحت فرائض الإسلام من الوضوح بحيث لا يستطيع مسلم أن يدعي بأنه لايعرفها .

 

[28] (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ) لما كان الله جل وعلا – وهو الخالق لعباده – يعلم مواطن الضعف فيهم وأن فيهم انجذابا قويا لمحبة الأموال والأولاد وأن ذلك قد يؤثر في استجابتهم لنداء الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوتهم إلى الجهاد في سبيل الله تعالى سواء أكان الجهاد باللسان أم بالسنان .. لما كان الله سبحانه يعلم ذلك بَيَّنَ للمؤمنين أن هذه الأموال والأولاد التي أنعم بها عليهم إنما هي ابتلاء وامتحان ، وأن المؤمن الحق هو الذي يجتاز هذا الامتحان بأخذ المال من حله ووضعه في محله وأداء حقوق الأولاد مع عدم الانشغال بالمال والولد عن أداء شيء مما أوجبه الله تعالى عليه .

 

(وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) أي ثواب جزيل في الجنة لايمكن تصوره ، فلا تستجيبوا – أيها المؤمنون – لعواطفكم في محبة المال والولد فيشغلكم ذلك عن الجهاد في سبيل الله تعالى بأيديكم وأموالكم وألسنتكم فإن ماعند الله تعالى خير لكم وأبقى .

 

[29] (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً) في هذه الآية نداء جليل من الله تعالى لعباده المؤمنين ووعد كريم لهم بأن يجعل لهم في تفكيرهم وإحساسهم فرقانا يفرقون به بين الحق والباطل والظلمات والنور والشبهات والحقائق ، وذلك بأن يطبقوا أمرًا واحدا وهو أن يتقوا سخط الله وعذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه .

 

إن كل إنسان قد فطره الله جل وعلا على الإيمان ، ولكن قد يكون هواه سليما فينسجم مع فطرته فيكون مؤمنا ، وقد يكون هواه منحرفا فيتناقض مع فطرته فيكون كافرًا أو عاصيا ، وقد يلتبس على الإنسان أمر الحق والباطل ، فإذا كان من المتقين فإن الله تعالى يجعل له ذلك الفرقان الذي يفرق به بين الحق والباطل ، حيث يبرز في شعوره تعظيم الله سبحانه واستشعار رقابته ويتضاءل تأثير هوى النفس فتتضح له الرؤية ويستنير له الطريق ، وقد تعْرض له في مسيره مغريات من دعاة الضلالة من شياطين الجن والإنس ، ولكنه لا يلتفت إليها لأنه قد تزود بالفرقان الذي يبدد ضباب ظلمات الباطل .

 

(وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) فمع ذلك الفرقان الذي تفضل الله تعالى به على أوليائه المتقين فإنه يستر عليهم سيئاتهم ويغفر لهم ذنوبهم ، فهم في نور ورحمة في الدنيا والآخرة (وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) على عباده لأنه سبحانه هو الذي وفق أولياءه إلى الهداية ثم منحهم مع الاستقامة ذلك الفرقان الذي ينير لهم الطريق ، ثم يثيبهم في الآخرة على إيمانهم الصادق وعملهم الصالح أضعافًا مضاعفة .

*         *         *

- أضواء من  الهدي النبوي –

- التحذير من  مساوئ الأخلاق –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : فقد تقدم معنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إياكم والظن فإن الظن أكذب  الحديث ، ولاتحسسوا ولاتجسسوا ولاتحاسدوا ولاتباغضوا ، ولاتدابروا ،وكونوا عباد الله إخوانا" واستكمالا لبيان  هذا الحديث فإني أقول في قوله صلى الله عليه وسلم " ولاتباغضوا" أي لاتوقعوا أنفسكم في الأسباب المؤدية إلى التباغض بينكم ، كالتنافس على الدنيا بما فيها من جاه ومال ، فإنهم إذا قارفوا الأسباب المفضية إلى التباغض يصعب عليهم أن يتخلصوا من آثارها ، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "فو الله لا الفقر أخشى عليكم ، ولكن أخشى عليكم أن تُبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم " أخرجه الشيخان من حديث عمرو ابن عوف الأنصاري . (صحيح البخاري ، رقم 3158 ، كتاب الجزية ، باب رقم 1 (6/257) ، صحيح مسلم ، رقم 2961 ، كتاب الزهد (ص 2273) ).

 

والمقصود بالتباغض المنهي عنه ماكان من أجل الدنيا والأهواء ، أما ما كان من أجل الله تعالى فإنه مطلوب شرعا ، وهو من علامات كمال الإيمان ، كما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أحب لله وأبغض لله ،  وأعطى لله ومنع لله ، فقد استكمل  الإيمان " أخرجه أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن عباس وأنس الجهني رضي  الله عنهم . (سنن أبي داود ، رقم 4681 ،  كتاب السنة ،  باب 16 (5/60) ، سنن الترمذي ، رقم 2521 ،  كتاب صفة القيامة باب 60 ( 4/670))

 

وقوله صلى الله عليه وسلم " ولاتدابروا " يعني : ولايُعرض بعضكم عن بعض ، قال ابن  عبد البر : قيل للإعراض مدابرة لأن من أبغض أعرض ومن أعرض ولَّى دبره ، والمحب بالعكس. (فتح الباري 10/482).

 

فالمسلم لايُعرض بوجهه عن أخيه لأن في ذلك إيلاما لنفسه وفتحا لباب الوساوس والأوهام التي يغذيها الشيطان وينميها ليتخذ منها سببا يقطع به حبل الأخوة  بين المسلمين .

 

وقوله صلى الله عليه وسلم " ولاتقاطعوا " أي لاتقطعوا صلتكم بإخوانكم المسلمين ، فالصلة بينهم تُعمِّق المحبة في قلوبهم ، وترسخ الأخوة الإيمانية بينهم ، بينما يورث التقاطع شيئا من الجفوة ويعمل على تجفيف منابع المودة والأخوة ، كما أنه إذا طال يورث سوء الظن الذي تنتج عنه  مجموعة من  الأخلاق السيئة ، وخاصة إذا كان التقاطع بين الأقارب .

 

إن بين المسلم وأخيه المسلم حبلا وثيقا مـن الصلة والأخوة عقده ربنا جل جلاله وبيَّن أهميته بقوله (لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) [الأنفال :63] ، فعلى كل مسلم أن يحترم قدسية هذا الحبل وأن لا يدنسه أو يضعفه بمساوئ  الأخلاق التي تؤثر على قوة الأخوة الإيمانية بينهما .

 

وقوله صلى الله عليه وسلم " وكونوا عباد الله إخوانا " أي اعتصموا بحبل الأخوة الإيمانية جميعا فإن هذا هو الجامع لجوانب العصمة من المساوئ المذكورة في هذا الحديث ، فإنَّ تذكُّر الأخوة الإسلامية يدفع الإنسان المؤمن إلى اكتساب مايقويها واجتناب ما يضعفها .

 

وفي قوله " عباد الله " إشارة إلى الهدف المشترك بينهم وهو عبوديتهم لله تعالى ، فينبغي أن يجمعهم هذا  الهدف على الأخوة في الله ، لأن أي جرح لهذه الأخوة ينقص من عبوديتهم لله جل وعلا، وكأن هذا الخطاب يقول : إن كنتم عباد الله حقا فتجنبوا هذه الأخلاق السيئة .

 

قوله صلى الله عليه وسلم " ولايحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام " أي أن التهاجر بين المسلم وأخيه المسلم جائز للضرورة لمدة ثلاثة أيام ولايجوز استمرار الهجر بعد ذلك ، فالهجر بين المؤمنين يُعدُّ قطعا لحبل الصلة السامي الذي ربط الله جل وعلا به بين قلوب المؤمنين .

 

وإن الهجر بين الإخوة المؤمنين يُعدُّ إذابة لِلِّحام الذي يربط بينهم حتى يصبحوا جسدا واحدا.

 

وحينما يكون بينك أيها الأخ المسلم وبين أخيك خلاف فإن الشيطان يُبرز قَرْنه وينشر جنوده ليعمق مابينك وبين  أخيك ، فيحاول سقي شجرة الظنون السيئة بكل ما يستطيع حتى يصل إلى النتيجة السيئة التي بها يحصل الهجر والقطيعة بين المتحابين ، فتذكَّر ذلك جيدا أيها المسلم واعلم أنك لاتصارع أخاك وحده ، وإنما  تصارع عدوا لك يراك ولاتراه ، وهو يحاول الإيقاع بك وبأخيك ، ولن تفلحا في الكيد به إلا إذا حصل الصلح بينكما ورجعتْ بينكما المودة والأخوة.

 

وبما أن الإنسان ضعيف ومُعرَّض لنوبات من الغضب تنتابه كل ماشعر بأن أحدا اعتدى  عليه بأي نوع من أنواع الاعتداء ، وبما أن الشعور بالذات قد يغلب  على الإنسان في بعض الأحيان فإن الله تعالى قد أباح للإنسان أن يهجر أخاه ثلاثة أيام مراعاة للحظات الضعف البشري التي تمر على الإنسان .

 

وإن هذه الأيام الثلاثة تعدُّ وقتا كافيا لامتصاص الغضب الذي يكون قد استولى على النفس فحدا بها إلى حالة الهجر ، وإن في  هذه الأيام الثلاثة أيضا فرصةً كافية لتدخُّل أهل الإصلاح بين المتهاجرين ليبحثا عن أسباب الخلاف بينهما ويحاولا القضاء عليها وإعادة حبل المودة والأخوة بينهما .

 

ولقد جاء في بعض روايات هذا الحديث " يلتقيان فيعرض  هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ أخاه بالسلام " .

 

وبهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد عدَّ الإعراض والإشاحة بالوجه مَعْلمًا واضحا من  معالم الهجر ، كما أنه قد عدَّ السلام بينهما مَعلَمًا بارزًا من معالم قطع  الهجر بينهما .

 

وإذا كان هذا الهجر المؤقت يُحدث اهتزازا محدودا في الأخوة الإسلامية فإن الهجر المستمر يقطع هذه الأخوة ويميتها في القلوب ، ولذلك شبه النبي صلى الله عليه وسلم المستمر في  الهجر بالقاتل حيث يقول " من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه " أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي  خداش السلمي رضي الله عنه. (مسند أحمد 4/220).

 

ولقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الشحناء بين المسلمين التي تؤدي إلى التهاجر تقف  سدا مانعا دون رحمة  الله تعالى حيث يقول : " تُفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس فيُغفر لكل عبد لايشرك بالله شيئا إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء ، فيقال : أنظروا هذين حتى يصطلحا ، أَنظروا هذين حتى يصطلحا ، أَنظروا هذين  حتى يصطلحا " ، أخرجه مسلم بن الحجاج من حديث أبي هريرة رضي الله  عنه . (صحيح مسلم ، رقم 2565 ، كتاب البر ، باب 11 (ص1987 )).

*          *          *

- توجيهات ومواقف سلوكية –

- مواقف في الورع والعفة والزهد –

من أخبار إبراهيم التيمي رحمه الله [هو الإمام الفقيه الواعظ إبراهيم بن يزيد التيمي من تيم الرباب]:

ومن أخبارهم في الورع ما أخرجه ابن سعد عن علي بن محمد قال : كان سبب حبس  إبراهيم التيمي أن الحجاج طلب إبراهيم النخعي ، فجاء الذي طلبه فقال : أريد إبراهيم ، قال إبراهيم التيمي : أنا إبراهيم ، فأخذه وهو يعلم أنه يريد إبراهيم النخعي فلم يستحلَّ أن يدلَّه عليه ، فأُتِيَ به الحجاج فأمر بحبسه في الديماس [الديماس يطلق  على الحمام والسَّرَب ويسمى به سجن الحجاج كما ذكر صاحب القاموس]،ولم يكن لهم ظل من الشمس ولاكنٌّ من البرد، وكان كل اثنين في سلسلة ، فتغير إبراهيم فجاءته أمه في الحبس فلم تعرفه حتى كلمها ، فمات في السجن، فرأى الحجاج في منامه قائلاً يقول : مات في هذه البلدة الليلةَ رجل من أهل الجنة ، فلما أصبح قال: هل مات الليلة أحد بواسط ؟ قالوا : نعم إبراهيم التيمي مات في السجن ، فقال : حُلُم ، نزغة من نزغات الشيطان ، وأمر به فأُلْقِيَ على الكناسة. (طبقات ابن سعد 6/285).

 

فهذا مثال للورع الذي يكلف صاحبه تضحية بالنفس ، فقد كان إبراهيم التيمي يعلم أن رسول الحجاج لايريده وإنما يريد إبراهيم النخعي ، فلم يستحل أن يدله عليه وفداه بنفسه فأيُّ عنصر زكي قد اشتمل عليه هذا العالم الجليل !

 

إن هذه التضحية نادرة المثال ، وإن مما ساعد التيمي على انتصاره على شهوات النفس وأهوائها ما اشتهر به من  الزهد في الدنيا والتخفف من  مطالب الحياة ، فهو عبد لله تعالى قد سعى حثيثا في إكمال هذه العبودية التي تقتضي من العبد أن يكون على مراد الله  تعالى ، يتوجه حيثما وجهه الإسلام ، كلما لاح له عمل صالح سارع إليه ، وكلما اعترضه عمل سيء اجتنبه وإن كان في ذلك زهاق نفسه .

 

من أخبار يونس بن عبيد رحمه الله :

ومن  العلماء المشهورين بالورع الإمام عبد الله يونس بن عبيد العبدي ومن أخباره في الورع والاحتياط في كسب المال الحلال وتحريه الشديد في ذلك ماذكره الإمام الذهبي عن الأصمعي عن مؤمل بن إسماعيل قال : جاء رجل شامي إلى سوق الخزازين ، فقال : عندك مُطْرَف بأربعمائة؟ فقال يونس بن عبيد : عندنا بمائتين ، فنادى المنادي : الصلاة ، فانطلق يونس إلى بني قُشَيْر ليصلي بهم ، فجاء وقد باع ابن  أخته المطرف من الشامي  بأربعمائة ، فقال : ماهذه الدارهم ؟ قال : ثمن ذلك المطرف ، فقال : ياعبد الله هذا المطرف الذي عرضته عليك بمئتي درهم ، فإن شئت فخذه وخذ مائتين وإن شئت فَدَعْه ، قال : من أنت ؟ وما  اسمك ؟ قال : يونس بن عبيد ، قال : فو الله إنا لنكون في نحر العدو فإذا اشتد الأمر علينا قلنا : اللهم رب يونس فرِّج عنا ،أو شبيه هذا.

 

فقال يونس : سبحان الله سبحان الله !. (سير أعلام النبلاء 6/289).

 

قال الذهبي : وقال :  أمية بن خالد : جاءت امرأةٌ يونسَ بن عبيد بجبة خَزّ ، فقالت له: اشترِها، قال: بكم ؟ قالت : بخمسمائة ، قال : هي خير من ذلك ، قالت : بستمائة ، قال: هي خير من ذلك ، فلم يزل حتى بلغت ألفا .

 

وكان يشتري الإبريسم من البصرة فيبعث به إلى وكيله بالسوس ، وكان وكيله يبعث إليه بالخز، فإن كتب وكيله إليه : إن المتاع عندهم زائد لم يشتر منهم أبدا حتى يخبرهم أن وكيله كتب إليه أن  المتاع عندهم زائد. (سير أعلام النبلاء 6/289).

 

قال : وقال بشر بن المفضل : جاءت امرأة بمُطْرَف خزٍّ إلى يونس ابن عبيد تعرضه عليه ، فقال لها: بكم ؟ قالت : بستين درهما ، فألقاه إلى جاره فقال : كيف تراه ؟ قال : بعشرين ومائة، قال: أرى ذاك ثمنه أو نحوا من ثمنه ، فقال لها : اذهبي فاستأمري  أهلك في بيعه بخمس وعشرين ومائة، قالت : أمروني أن أبيعه بستين ، قال : ارجعي فاستأمريهم. (سير أعلام النبلاء 6/290).

 

قال : وقال النضر بن شميل : غلا الخَزّ في  موضع كان إذا غلا هناك غلا بالبصرة ، وكان يونس بن عبيد خزَّازًا فعلم بذلك فاشترى من رجل متاعا بثلاثين ألفا ، فلما كان بعد ذلك قال لصاحبه: هل كنت علمت أن المتاع غلا بأرض كذا وكذا ؟ قال : لا ، لو علمت لم أَبِعْ  قال : هَلُمَّ إليَّ مالي وخذ مالك ، فرد عليه الثلاثين الألف. (سير أعلام النبلاء 6/293).

 

وبعد : فهذه أمثلة مهمة للأمانة والورع والمعاملة الإسلامية ، فهذا يونس بن عبيد رحمه الله تعالى يرد على الرجل الشامي نصف المبلغ الذي دفعه ثمنا لذلك الكساء ، وكان بإمكانه أن يسكت ويأخذ المبلغ كاملا مادام المشتري راضيا بذلك .

 

ونراه يرفع سعر  الجُبَّة التي أراد شراءها من تلك المرأة إلى الضعف مع أنها قد عرضتها عليه بنصف ذلك الثمن .

 

ونراه يخبر التجار بزيادة الأسعار في البلاد الأخرى قبل أن يشتري منهم ، ولما اشترى من أحد التجار قماشا وخشيَ أنه لم يعلم بزيادة الأسعار في بلد آخر يؤثِّر على سعر البلد عندهم جاء إليه فأخبره ثم رد عليه بضاعته .

 

ولما عرضت عليه تلك المرأة ذلك الكساء بستين رفع سعره إلى خمسة وعشرين ومائة .

 

فما الذي دفع يونس بن عبيد إلى التعفف عن ذلك المال الذي  جاء برضَى من أصحابه ؟!

 

إنه شعوره القوي برقابة الله عز وجل ، وإحساسه بأن أخذ ذلك المال لايُرضي الله سبحانه ، وإيمانه القوي الحي باليوم الآخر ومافيه من الوقوف بين يدي الله تعالى للحساب ، ثم المصير إلى الثواب العظيم أو العقاب الأليم .

 

إن هذا الشعور لايماثله ولايقاربه أي دافع آخر نحو العفة والنـزاهة ، لأنه يحول بين المرء وهواه المنحرف ، ويعدِّل سلوكه حتى في الأمور التي لاتزال حبيسة الصدور ، ولم تظهر للناس .

 

وإن يونس بن عبيد بهذه المعاملة الإسلامية ليُعدُّ قدوة عالية للتجارة في  العفة والورع واكتساب المال الطيب .

 

من أخبار الإمام مالك رحمه الله :

من ذلك مارواه عبد الله بن مسلمة القعنبي قال : دخلت على مالك فوجدته باكيا ، فقلت: يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك ؟ قال : يا ابن قعنب على ما فَرَطَ مني ، ليتني جُلِدْتُ بكل كلمة تكلمت بها في  هذا الأمر بسوط ولم يكن فرط مني مافرط من هذا الرأي ، وهذه المسائل  ، قد  كان لي سعة فيما سُبِقْتُ إليه. (سير أعلام النبلاء 10/264).

 

فالإمام مالك بن أنس رحمه الله يندم في هذا الخبر على ماصدر عنه من  مسائل الاجتهاد الفقهية ، ويخشى أن يكون قد لحقه في ذلك إثم فيما لو خالف الصواب ، مع أنه يعلم أن المجتهد إذا كان من أهل الاجتهاد له أجر واحد إن أخطأ وأجران إن أصاب ، ولكنْ غلب  عليه مقام الورع والخشية فقال هذا  الكلام .

 

ولم يكن هذا الكلام بشعورٍ منه بالتَّعجل في الفتيا أو التفريط ، فلقد كان شديد التحري في الفتوى، بالغ الدقة في  تحرير المسائل ، ولقد نفع الله تعالى الأمة بمسائله وفتاويه في أمور لم يُفْتِ فيها من سبقوه من الأمور المستجدَّة ، وإنه ليُعدُّ بهذا الكلام قدوةً حسنة للعلماء الذين قد يتعجل بعضهم بالفتوى ولايعتريه مع ذلك شيء من الخشية ولايدركه الورع .

 

من أخبار الإمام الشافعي رحمه الله :

من ذلك ماذكره المزني قال : دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه ، فقلت: ياأبا عبد الله كيف أصبحت ؟ فرفع رأسه وقال : أصبحت من الدنيا راحلا ، ولإخواني مفارقا ، ولسوء عملي ملاقيا ، وعلى الله واردا ، ما أدري روحي  تصير  إلى جنة فأهنِّيها ،  أو إلى نار فأعزِّيها، ثم بكى وأنشأ يقول :

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي                        جعلت رجائي دون عفوك سلَّما

تـعاظَمَني ذنبي فـلما قـرنته                        بعفوك ربِّي كـان عفوك أعظما

 فما زلتَ ذا عفو عن الذنب لم                         تَزَلْ تجـود وتعفو مِنَّةً وتكرُّمـا

(سير أعلام النبلاء 10/75 – 76)

 

فهذا مثل مما كان يتحلى به الإمام الشافعي من  خشية الله تعالى ، وهذا دليل على قوة إيمانه ورسوخ علمه ، لأن من كان بالله أعرف كان منه أخوف  .

 

من أخبار حجاج بن منهال رحمه الله :

لقد كان للعلماء مواقف عالية في  القناعة والعفة ، ومن أمثلة ذلك ماذكره الإمام أحمد بن عبد الله العجلي عن حجاج بن منهال ، قال : كان – يعني حجاج بن منهال – سمسارًا يأخذ من كل دينار حبة فجاء خراساني موسر من أصحاب الحديث ، فاشترى له أنماطًا ، فأعطاه التاجر ثلاثين دينارًا ، فقال : ماهذه ؟ قال : سمسرتك ، قال : دنانيرك أهون عليَّ من هذا التراب ، هات من كل دينار حبة ، فأخذ منه دينارًا وكسرا. (سير أعلام النبلاء 10/353).

 

فهذا العالم التقي حجاج بن منهال الذي كان يعمل في التجارة قد رد ذلك  المبلغ الكبير مع أنه يعلم أن التاجر الخراساني قد أعطاه ذلك المبلغ عن طيب نفس وأنه أراد صلته لكونه من العلماء الصالحين ، فالمال حلال له والحال هذه ولكنه تورع عنه وقنع بحقه الذي يأخذه مقابل عمله .

 

ولقد كان في عمل هذا العالم الجليل قدوة حسنة للعاملين في التجارة ، وهكذا حينما يدخل علماء الدين الربانيون في المجال التجاري فإنهم يقدمون للمجتمع الإسلامي  وغير الإسلامي أروع النماذج في العفة والزهد والورع ، أما حين تقتصر الأسواق على النفعيين فإنها لاتكون بعيدة في الصورة والمضمون عن أسواق غير المسلمين ، فلا يستطيع المسلمون أن يقدموا من التجارة أمثلة حية في الدعوة إلى الإسلام والتمسك بتعاليمه السامية .

*          *          *

- مواقف جهادية من السيرة النبوية –

- مواقف من  غزوة أحد –

- ضرار بن الخطاب يصف شجاعة الأنصار –

قال  الواقدي في سياق رواية له : وكان ضرار بن الخطاب يُحدّث ويذكر وقعة أُحُد [يعني بعدما أسلم]، ويذكر الأنصار ويترحّم عليهم ،ويذكر غناءَهم في الإسلام ، وشجاعتهم وإقدامهم على الموت ، ثم يقول: لمّا قُتل اشراف قومي ببدر جعلتُ أقول : مَن قتل أبا الحَكَم ؟ يقال : ابن عَفْراءَ . من قتل أُميّة بن خَلَف ؟ يقال : خُبَيب بن  يَساف . من قتل عُقبة بن أبي مُعيط ؟ قالوا : عاصم بن ثابت بن أبي الأقْلَح . منَ قتل  فلانًا ؟ فيُسمَّى لي . مَن أسر سُهَيل بن عمرو ؟ قالوا : مالك بن الدُّخْشُم .

 

فلما خرجنا إلى أُحُد وأنا أقول : إن أقاموا في صَياصيهم [أي في حصونهم] فهي مَنيعة ، لاسبيل لنا إليهم ، نُقيم أيّامًا ثم ننصرف ، وإن  خرجوا إلينا من صَياصيهم أصبنا منهم – معنا عددٌ كثيرٌ أكثر من  عددهم، ونحن قوم موتورون [أي سبقت لنا الإصابة على يد المسلمين فنحن نأخذ بالثأر ومن كان كذلك يكون أقوى في  القتال]، خرجنا بالظُّعُن [أي النساء] يذكّرننا قتلى بَدْر ، معنا كُراعٌ ولاكُراع معهم [المراد بالكراع هنا الخيل] ومعنا سلاح أكثرُ من سلاحهم .

 

فقُضي لهم أن خرجوا ، فالتقينا ، فو الله ما أقمنا لهم حتى هُزمنا وانكشفنا مُولِّين ، فقلت في نفسي: هذه أشدّ من وقعة بَدْر ! وجعلتُ أقول لخالد بن الوليد : كُرّ على القوم ! فجعل يقول : وترى وجها نكر فيه ؟ حتى نظرت إلى الجبل الذي كان عليه الرماة خاليا ، فقلت : يا أبا سليمان،  انظر وراءك ! فعطف عنان فرسه . فكرَّ وكررنا معه ، فانتهينا إلى الجبل فلم نجد عليه أحدا له بال ، وجدنا نُفَيْرًا فأصبناهم ، ثم دخلنا العسكر ، والقوم غارُّون ينتهبون العسكر ، فأقحمنا الخيل عليهم فتطايروا في كل وجه ، ووضعنا السيوف فيهم حيث شئنا .

 

وجعلت أطلب الأكابر من الأوس والخزرج فلا أرى أحدا ، قد هربوا ، فما كان حَلْبُ ناقة حتى تداعت الأنصار بينها ، فأقبلت فخالطونا ونحن فرسان ، فصبروا لنا ، وبذلوا أنفسهم حتى عقروا فرسي وترجلت ، فقتلت منهم عشرة . ولقيت من رجل منهم الموت الناقع حتى وجدت ريح الدم. وهو معانقي ، مايفارقني حتى أخذَتْه الرماح من كل ناحية ووقع، فالحمد لله الذي أكرمهم بيدي ولم يُهنِّي بأيديهم. (مغازي الواقدي 1/282 – 283).

 

هذا الخبر فيه وصف لحال المسلمين مع أعدائهم من بداية المعركة حتى حصلت الإصابة على المسلمين .

 

وفيه ثناء واضح على الأنصار رضي الله عنهم بالشجاعة والثبات من رجل كان مع الكافرين وأثخن في المسلمين بعد إصابتهم ثم هداه الله تعالى للإسلام فسجل في هذا الخبر موقف المسلمين الثابت وخاصة الأنصار منهم الذين كانوا مقصد الكفار بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لكَون الأنصار هم أكثر من قتل المشركين يوم بدر .

 

وكون المسلمين يثبتون وهم مشاة لأعدائهم وهم فرسان مع تفوق المشركين كثيرا في العدد يبين لنا شجاعة المسلمين العالية وإقدامهم على بذل أرواحهم في سبيل الله تعالى .

 

ونجد في نهاية الخبر شعور المسلم الموقن حيث  يحمد ضرار بن الخطاب ربه تعالى على أن أبقاه حيا حتى دخل في الإسلام ، وحيث  عبر عن قتل الشهداء بأنه إكرام من الله تعالى لهم وعن قتل الكفار بأنه إهانة منه تعالى لهم .

 

-       مثل من  شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزة ظاهرة –

(مقتل أُبَيّ بن خلف )

قال محمد بن عمر الواقدي رحمه الله تعالى :

فحدثني يونس بن محمد الظفري ، عن عاصم بن عمر ، عن عبد الله بن كعب بن مالك ، عن أبيه ، قال : كان أبَيُّ بن خلف قدم في فداء ابنه ، وكان أُسر يوم بدر ، فقال : يامحمد إن عندي فرسا لي أعلفها فَرَقا [الفرق مكيال بقدر ستة عشر رطلا] من ذرة كل يوم ،  أقتلك عليها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل أنا أقتلك عليها إن شاء الله .

 

ويقال قال ذلك بمكة فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمته بالمدينة فقال : أنا أقتله عليها إن شاء الله.

 

قالوا : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال لايلتفت وراءه ، فكان يقول لأصحابه : إني أخشى أن يأتي أبَيّ بن خلف من خلفي ، فإذا رأيتموه فآذنوني به . فإذا بأبَيّ يركض على فرسه ، وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفه ، فجعل يصيح بأعلى صوته : يامحمد ، لانجوتُ إن نجوتَ ! فقال القوم: يارسول الله ،ماكنت صانعا حين يغشاك ! فقد جاءك ، وإن شئت عطف عليه بعضنا . فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

ودنا أبَيّ فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة . ثم انتفض بأصحابه كما ينتفض البعير، فتطايرنا عنه تطاير الشعارير [في رواية ابن إسحاق " الشَّعراء " قال ابن هشام : الشَّعراء ذباب له لدغ]، ولم يكن أحد يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جَدَّ الجدّ . ثم أخذ الحربة فطعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحربة في عنقه وهو  على فرسه [جاء  في رواية الزهري عند البيهقي " وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبيّ بن خلف من فرجة بين سابغة البيضة والدرع فطعنه بحربته ، فوقع أبي عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم "]. فجعل يخور كما يخور الثور .

 

ويقول له أصحابه : أبا عامر ، والله مابك بأس . ولو كان هذا الذي بك بعين أحدنا ماضرَّه. قال واللات والعزى ، لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون ! أليس قال : " لأقتلنك" ؟ فاحتملوه وشغلهم ذلك عن طلب النبي صلى الله عليه وسلم ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعُظْم أصحابه في  الشِّعب . ويقال تناول الحربة من الزبير بن العوام. (مغازي الواقدي 1/251 – 252).

 

وأخرجه ابن إسحاق بأخصر من هذا ، وذكر شعرًا لحسان بن ثابت يوبخ فيه أبَيَّ بن خلف ويشيد بموقف النبي صلى الله عليه وسلم في قتله إياه ، ومن ذلك قوله :

ألا مـن مبلغ عني أبيَّا                       لقد ألقيتَ في سحق السعير

تمنَّى بالضـلالة مـن بعيد                             وتُقسم إن قدرت مع النذور

تَمنِّيك الأماني مــن بعيد                             وقول الكفر يرجع في غـرور

فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ *1                          كريم البيت ليس بذي فجور

له فضـل على الأحياء طُراّ                            إذا نابت ملمَّات الأمــور *2

1* أي أنَفَة وترفع عن الدنايا

2*سيرة ابن هشام 3/35 – 38

 

وذكر هذا الخبر الإمام البيهقي من روايته عن الإمام الزهري من حديث سعيد بن المسيب وعن أبي الأسود من رواية عروة بن الزبير رحمه الله ورضي عن أبيه. (دلائل النبوة للبيهقي 3/206 – 210  و 258 – 259).

 

في هذا الخبر مثل من شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم الفائقة فقد أقبل عليه أبَيُّ بن خلف وهو فارس ومدجج بالسلاح ، وصار يتوعده بالقتل فتصدى له النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقبل من أصحابه أن يكفوه أمره، ولقد كان متدرعا بالحديد الواقي من السلاح ولكن النبي صلى الله عليه وسلم استطاع أن يطعنه بالرمح من فرجة صغيرة في عنقه بين الدرع والبيضة ، ومثل هذه الفجوات عادة لا تتم إصابتها إلا عن قرب وفي حال غفلة ممن وجهت إليه ، ولذلك لا يهتم بها المقاتلون .

 

وفي هذا الخبر معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال لأبَيّ قبل ذلك بزمن حينما توعده " بل أنا أقتلك إن شاء الله " فتم ذلك بمشيئة الله تعالى .

 

وفي الخبر عبرة في إيمان المشركين بأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال شيئا وقع فقد كان أبَيّ بن خلف على يقين بأنه سيموت من تلك الطعنة الخفيفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم السابق ، ومع ذلك لم ينفعهم ذلك في الإيمان به والدخول في الإسلام لأنهم كانوا يعبدون أهواءهم .

 

- من مواقف سعد بن أبي وقاص الجهادية –

1 – أخرج أبو عبد الله الحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : لما جال الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الجولة يوم أحد تنحيت فقلت : أذود عن نفسي فإما أن أستشهد وإما أن أنجو حتى ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

فبينا أنا كذلك إذا رجل مخمِّر وجهه ما أدري من هو ، فأقبل المشركون حتى قلت قد ركبوه فملأ يده من الحصى ثم رمى به في وجوههم فَنُكبوا على أعقابهم القهقري حتى يأتوا الجبل، ففعل ذلك مرارا ولا أدري من هو ، وبييني وبينه المقداد بن الأسود ، فبينا أنا أريد أن أسأل المقداد عنه إذ قال المقداد : ياسعد هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك ، فقلت : وأين هو ؟ فأشار لي المقداد إليه ، فقمت ولكأنه لم يصبني شيء من الأذى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين كنت اليوم ياسعد ؟ فقلت : حيث رأيت يارسول الله ، فأجلسني أمامه ، فجعلت أرمي وأقول : اللهم سهمك فارم به عدوك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم استجب لسعد ، اللهم سدد لسعد رميته ، إيهًا ياسعد [يعني زدْ ياسعد وهي كلمة يعبَّر بها عن الرضى]، حتى إذا فرغت من كنانتي نثر رسول الله صلى الله عليه وسلم مافي كنانته فَنَبَّلني سهما نَضيَّا ، قال : وهو الذي قد ريْشَ وكان أشد من غيره .

 

قال الزهري : إن السهام التي رمى بها سعد يومئذ كانت ألف سهم .

 

قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ، وأقره الذهبي. (المستدرك 3/26).

 

في هذا الخبر معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان يأخذ الحصى فيرمي به المشركين فيتحول إلى أسلحة فتاكة لاتُبقي أحدًا منهم ثابتا في مكانه .

 

وفي هذا الخبر موقفان لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه :

الأول : في حبه العظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث زال عنه كل مايجد من الغم والحزن لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم سالما ، وتجددت له طاقة عالية وحماس قوي نحو الجهاد .

 

الثاني : في إسهامه الكبير في رماية الأعداء ، وسلاح الرماية أمضى في العدو من سلاح المواجهة خصوصا إذا كان الرمي من رام ماهر كسعد رضي الله عنه ، وإنه لجهد كبير أن يرمي فرد واحد بألف سهم في بعض يوم ، ولقد حاز سعد على شرف دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بتسديد رميته وإجابة دعوته، فكان بعد ذلك مشهورا بدقة الإصابة في الرمي وإجابة الدعاء ، كما حاز على شرف فداء النبي صلى الله عليه وسلم إياه بأبيه وأمه ، وقد أخرج الإمام البخاري خبر ذلك عن سعد رضي الله عنه قال : "نثل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته يوم أحد فقال : ارم فداك أبي وأمي ". (صحيح البخاري المغازي ، رقم 4055 (7/358)).

 

2 – قال الواقدي في سياق روايته عن شيوخه :

وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يّذمِّر الناس ويحضهم على القتال ، وكان رجال من المشركين قد أذلقوا المسلمين بالرمي ، منهم حبَّان بن العَرقة ، وأبو أسامة الجشمي ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول لسعد بن أبي وقاص : ارم ، فداك أبي وأمي ! ورمى حبان بن العرقة بسهم فأصاب ذيل أم أيمن – وجاءت يومئذ تسقي الجرحى – فقلبها وانكشف ذيلها عنها ، فاستغرق في الضحك ؛ فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدفع إلى سعد بن أبي وقاص سهما لانصل له فقال : ارم ! فوقع السهم في ثغرة نحر حبان فوقع مستلقيًا وبدت عورته .

 

قال سعد : فرأيت رسول الله ضحك يومئذ حتى بدت نواجذه . ثم قال : استقاد لها سعد ؛ أجاب الله دعوتك وسدد رميتك ! ورمى يومئذ مالك بن زهير الجشمي أخو أبي أسامة الجشمي ، وكان هو وحبان بن العرقة قد أسرعا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرا فيهم القتل بالنبل ، يتستران بالصخر ويرميان المسلمين . فبينا هم على ذلك أبصر سعد بن أبي وقاص مالك بن زهير وراء صخرة ، قد رمى وأطلع رأسه ، فيرميه سعد فأصاب السهم عينه حتى خرج من قفاه ، فنـزا في السماء قامة ثم رجع فسقط ، فقتله الله عز وجل. ( مغازي الواقدي 1/241).

 

وهذا الخبر يدل على دقة سعد في الرماية وجودته في إصابة الهدف ، وقد أراح المسلمين من اثنين من رماة الكفار كانا قد أضرا بالمسلمين ، فكم هي الجهود الكبيرة التي بذلها سعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في تلك المعركة !!

 

ولقد كان لسعد شرف القيام بإهباط المشركين من الجبل بالرماية الهادفة المسددة كما ذكر الأموي في مغازيه : أن المشركين صعدوا على الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد : " ارددهم " فقال: كيف أردهم وحدي ؟ فقال ذلك ثلاثا ، فأخذ سعد سهما من كنانته فرمى به رجلا فقتله، قال : ثم أخذت سهمي أعرفه فرميت به آخر فقتلته ، ثم أخذته أعرفه فرميت به آخر فقتلته ، فهبطوا من مكانهم. (ذكره الصالحي في سبل الهدى والرشاد 4/211).

 

وقوله " ثم أخذت سهمي أعرفه " يفسره ماجاء في رواية أخرجها الواقدي بإسناده عن سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه قال : لقد رأيتني أرمي بالسهم يومئذ فيرده على رجل أبيض حسن الوجه لا أعرفه ، حتى كان بعد فظننت أنه مَلَك. (مغازي الواقدي 1/234).

 

3 – قال ابن إسحاق : فحدثني صالح بن كيسان عمن حدثه عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يقول : والله ماحرصت على قتل رجل قط كحرصي على قتل عتبة بن أبي وقاص ، وإن كان ماعلمت لسيء الخلق مبغَضا في قومه ، ولقد كفاني منه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : اشتد غضب الله على من دمَّى وجه رسوله. (سيرة ابن هشام 3/38).

 

في هذا الخبر موقف إيماني لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ، ببراءته من أهل الشرك وإن كانوا من أقرب الناس إليه ، فقد حرص على قتل أخيه عتبة لإصابته رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهكذا كان الصحابة رضي الله عنهم يلغون عامل القرابة إذا تعارض مع الدين ، وهذا دليل على قوة إيمانهم .

*          *          *

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 46:40:03


11 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8310689 عدد زيارات الموقع 71 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com