الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
سيرة المشرف
مؤلفات المشرف
ديـوانية المشـرف
الصـوتـيــــات
مقال الموقع
فتاوى الموقع
ملتقيات الخير
شبهات و ردود
مـقـالات مـخـتارة
المـعـهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
من فتاوى العلماء
ســيــر الصــحـابة
تراجم من علمائنا
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة د. عبدالعزيز الحميدي المصلحون المصلحون : العدد الخامس والعشرون

المصلحون : العدد الخامس والعشرون

تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :

1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .

2 – أضواء من الهدي النبوي .

3 – توجيهات ومواقف سلوكية .

4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .

 

- أضواء من هدي القرآن الكريم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ{20} وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ{21} إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ{22} وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ{23}) [ الأنفال :20-23] .

 

[20] يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بأمر هو من أهم مقتضيات إيمانهم ، وهو أن يطيعوه جل وعلا في كل أمر أمرهم به وأن يجتنبوا كل شيء نهاهم عنه وأن يتخذوا رسوله صلى الله عليه وسلم قدوة لهم فيطيعوه في تنفيذ شريعة الله سبحانه باعتباره مبلغا عن ربه جل وعلا وقدوة لأمته في تطبيق الإسلام ، وينهاهم عز وجل عن الإعراض عن الرسول صلى الله عليه وسلم والحال أنهم يسمعون ماجاء به من الحجج والبراهين الدالة على صدقه فيما دعاهم إليه .

 

[21] (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ) يعني : ولاتكونوا – أيها المؤمنون – كالكفار والمنافقين الذين قالوا سمعنا ، يعني بآذاننا ، وهم في الحقيقة لم يسمعوا بقلوبهم ، حيث لم يسمعوا سماع تدبر وتفكر ورغبة في فهم مقاصد كتاب الله تعالى ، وإنما يسمعون ألفاظًا يفهمون معانيها الإجمالية ولايفهمون مقاصدها ولايُحضرون قلوبهم ومشاعرهم لتفهم ذلك ، وفي هذا إشارة على أن سماع القرآن بالآذان بدون وعي من القلوب ولا تذكر ولاتفكر ولا اهتمام بفهم معاني كلام الله تعالى واستيعاب لمقاصده لايُعدُّ سماعا حقيقيا ولاتلاوة شرعية ، سواء أكان السامع والتالي مؤمنين بالله تعالى وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم أم غير مؤمنين .

 

[22] (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ) الدواب هم كل ما يدب على الأرض من الأحياء ، ومنهم الناس ، والمقصود بشر الدواب في الآية الكفار ، فهم صمٌّ عن سماع الحق بُكْم عن النطق به ، والمراد بذلك صمم العقول وخرسها لاصمم الآذان وخرس الألسنة، فعقولهم صماء لأن هواهم المنحرف قد أقفل عقولهم عن سماع الحق والتفكير فيه، فهم يسمعون آيات الله تعالى بآذانهم لكنها لاتصل على قلوبهم ، وبناء على ذلك فإن عقولهم بكماء لأنها لاتوحي إلى ألسنتهم بالنطق بالحق ، فهؤلاء الكفار بهذا الاعتبار أقل منـزلة من البهائم ، لأن البهائم لم يخلق لها الله تعالى عقولا تفكر بها فهي تسير في حياتها على مقتضى ما سخرها الله سبحانه عليه ، فليس في حياتها تناقض بين خلقها التكويني وسلوكها العملي ، أما الكفار فإنهم مسخرون للخلق التكويني رغم إرادتهم ولكنهم باختيارهم العقلي ساروا على غير ما أراده الله تعالى منهم ، فكان هناك تناقض بين خلقهم التكويني وبين تفكيرهم العقلي وسلوكهم العملي ، فكانوا بذلك شر الأحياء الذين يدبون على الأرض ، ولذلك وصفهم الله سبحانه بفقد العقول (الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ) أي الذين لايستخدمون عقولهم فيما خلقها الله عز وجل من أجله، وذلك في معرفة خالقهم جل وعلا والإسلام الكامل له والعمل لنيل السعادة الأبدية في الآخرة ، والنجاة من الشقاء الأبدي فيها ، فكأنهم بذلك لاعقول لهم .

 

[23] (وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ) أي ولو علم الله عز وجل فيهم استعدادا لقبول الخير والإيمان بالحق لوفقهم لسماع التأثر والاستجابة ولأصبحوا بعد توفيق الله إياهم إلى الهداية مؤمنين (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ) ولو وفقهم لتفهم مقاصد القرآن الكريم (لَتَوَلَّواْ) عن الإيمان بالإسلام عمدا وعنادا مع فهمهم لمقاصد القرآن (وَّهُم مُّعْرِضُونَ) عن التفكير بالإيمان بهذا الدين حتى بعدما تبين لهم أنه الحق ، لأن أهواءهم المنحرفة غلبت على عقولهم فقادتهم إلى العناد والإصرار على الباطل .

*         *        *

- أضواء من الهدي النبوي –

- التحذير من مساوئ الأخلاق –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : فقد سبق ذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا " وإنه إشارة إلى ما ذكر في بيان هذا الحديث أقول : إنه ليس المراد بالحسد المنهيِّ عنه في هذا الحديث  الغبطة ، وإنما المراد به تمني زوال النعمة عن الغير كما سبق ، أما الغبطة فقد جاء فيها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا حسد إلا في اثنـتين : رجلٌ آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلِّمها " أخرجه الإمام البخاري من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. (صحيح البخاري ، رقم 73 ، كتاب العلم ، باب 15(1/165)).

 

قال الحافظ ابن حجر : وأما الحسد المذكور في الحديث فهو الغبطة ، وأَطلق الحسد عليها مجازا ، وهي أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه ، والحرص على هذا يسمى منافسة ، فإن كان في الطاعة فهو محمود ، ومنه (فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) [المطففين :26] وإن كان في المعصية فهو مذموم ، ومنه " ولا تنافسوا " ، وإن كان في الجائزات فهو مباح ، فكأنه قال في الحديث : لا غبطة أعظمُ أو أفضل من الغبطة في هذين الأمرين. (فتح الباري 10/167).

 

وقوله " رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق " أي سخر ماله في الإنفاق في وجوه الخير على مقتضى الحق الذي بينَتْه الشريعة حتى أفنى ماله في هذا الطريق ، ولا يدخل في ذلك الإسراف والتبذير لأن الإنفاق في ذلك مجانب للحق ، وهذا دليل على أن إنفاق المال في الحق لا يُعدُّ إسرافا وإن أتى ذلك على المال كله لأنه يدخل في الحق الإنفاق في الحقوق الواجبة وإبقاء ما يكفي من المال لإنفاق الإنسان على من يعول .

 

وقوله " ورجلٌ آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلِّمها " المراد بالحكمة العلمُ الشرعي ، وقد جاء في بعض الروايات " رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار ويتَّبع ما فيه " أخرجه أحمد من حديث يزيد بن الأخنس السلمي. (فتح الباري 10/167).

 

والقرآن هو أبرز مصدر للعلم الشرعي ويليه السنة وهي تابعة للقرآن لأنها مبينة له .

 

فهذا الحديث يبين لنا أن الذين يُغبطون حقا على أعمالهم هم الأغنياء المنفقون لوجه الله تعالى ، والعلماء الربانيون الذين يعلِّمون الناس العلم ويوجهونهم به ويحلون به مشكلاتهم .

 

فالذي يَغبط أفراد هذين الفريقين ويتمنى أن يكون مثلهم لا يكون قد دخل في الحسد المذموم ، بل يكون ذلك من التنافس المحمود ، كما جاء في حديث أخرجه أبو عيسى الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" وأحدثكم حديثا فاحفظوه ، قال : إنما الدنيا لأربعة نفر ، عبدٍ رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ، ويعلم لله فيه حقا ، فهذا بأفضل المنازل ، وعبدٍ رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول : لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو ونيته ، فأجرهما سواء ، وعبدٍ رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم ، لايتقي فيه ربه ، ولا يصل فيه رحمه ، ولا يعلم لله فيه حقا ، فهذا بأخبث المنازل ، وعبدٍ لم يرزقه الله مالا ولا علما ، فهو يقول : لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو ونيته ، فوزرهما سواء " .

 

قال أبو عيسى : هذا حديث صحيح. (سنن الترمذي ، رقم 2325 ، كتاب الزهد ، باب رقم 17(4/562)).

 

فالرجل الثاني كان محمودًا بتمني المال لينفقه في سبيل الخير ، وكان مأجورا على ذلك التمني الجازم ، ولم يكن تمنِّيه من الحسد المذموم .

 

وفي المقابل كان الرجل الرابع مذموما على تمني المال لينفقه في سبيل الشر ، وكان آثما في هذا التمني الذي بلغ مرحلة التصميم والعزم وليس مجرد نية خطرت على باله ، حيث إن العبد لا يؤاخذ على مجرد النية إلا إذا خرج ذلك إلى حد العزم والتصميم .

 

أما الحسد المذموم الذي هو تمني زوال نعمة الغير فإنه إذا تطور إلى السعي في الإضرار بالمحسود يكون من أسوء الأعمال ويكون صاحبه معَرَّضا للعذاب الأخروي ، وقد يعود عليه الضرر في الدنيا لأنه قد دخل في باب الظلم ، ومن الأخبار الواردة في ذلك ما ذكره أبو حامد الغزالي من خبر بكر بن عبدالله قال : كان رجل يغشَى بعض الملوك فيقومُ بحذاء الملك فيقول : أحسِنْ إلى المحسن بإحسانه فإن المسيئ سيكفيك إساءتَه ، فحسده رجل على ذلك المقام والكلام، فسعى به إلى الملك ، فقال :  إن هذا الذي يقوم بحذائك ويقول مايقول زعم أن الملك أبخر ، فقال له الملك : وكيف يصح ذلك عندي ؟ قال : تدعوه إليك فإنه إذا دنا منك وضع يده على أنفه لئلا يشم ريح البخر ، فقال له : انصرف حتى أنظر ، فخرج من عند الملك فدعا الرجلَ إلى منـزله فأطعمه طعاما فيه ثوم ، فخرج الرجل من عنده وقام بحذاء الملك على عادته ، فقال : أحسِنْ إلى المحسن بإحسانه فإن المسيئ سيكفيكه إساءته ، فقال له الملك : ادن مني ، فدنا منه فوضع يده على فيه مخافة أن يشم الملك منه رائحة الثوم ، فقال الملك في نفسه : ما أرى فلانا إلا قد صدق ، قال : وكان الملك لا يكتب بخطه إلا بجائزة أوصلة ، فكتب له كتابا إلى عامل من عماله : إذا أتاك حامل كتابي فاذبحه واسلخه واحش جلده تبناً وابعث به إلي ، فأخذ الكتاب وخرج ، فلقيه الرجل الذي سعى به فقال : ما هذا الكتاب ؟ قال : خطُّ الملك لي بصلة قال : هبه لي ، قال : هو لك ، فأخذه ومضى به إلى العامل ، فقال العامل : في كتابك أن أذبحك وأسلخك ، قال: إن الكتاب ليس هو لي فالله الله في أمري حتى تراجع الملك ، فقال : ليس لكتاب الملك مراجعة، فذبحه وسلخه وحشا جلده تبنًا وبعث به ، ثم عاد الرجل إلى الملك كعادته وقال مثل قوله ، فعجب الملك وقال : مافعل الكتاب ؟ فقال : لقيني فلان فاستوهبه مني فوهبته له، قال له الملك: إنه ذكر لي أنك تزعم أني أبخر ، قال : ما قلت ذلك ، قال : فلِمَ وضعت يدك على فيك ؟ قال: لأنه أطعمني طعاما فيه ثوم فكرهت أن تشمه ، قال: صدقت ، ارجع إلى مكانك فقد كفى المسيء إساءتُه. (إحياء علوم الدين 3/185).

 

فهذا خبر عجيب ، فقد كان ذلك الرجل الناصح حكيما ركز على تلك النصيحة التي ترفع من شأن المحسنين ، وتحذِّر المسيئين من مغبة إساءتهم .

 

أما ذلك الرجل المسيء فقد جمع بين الحسد والنميمة فعوقب بإساءته في دنياه ، وسقط في الحفرة التي حفرها لصاحبه ، فليعتبر أهل الغل والحسد والنميمة بما حل بذلك المسيء في دنياه إن لم يكن إيمانهم بالجزاء الأخروي رادعا لهم عن ارتكاب السوء والإفساد في الأرض .

*          *          *

- توجيهات ومواقف سلوكية –

- مواقف في الورع والعفة والزهد –

من أخبار محمد بن واسع رحمه الله :

من العلماء الربانيين المشهورين بالزهد والورع والخشوع الإمام الصالح العابد محمد بن واسع الأزدي :وسنبدأ بذكر شيء من أقواله النَّيِّرة في الزهد والورع واليقين ، فمن ذلك قوله " إني لأغبط رجلا معه دينه وما معه من الدنيا شيء وهو راض ". (سير أعلام النبلاء 6/121).

 

وإذا كان هذا الإمام يغبط أهل الدين المجردين من الدنيا فما أكثر من يغبطون أصحاب الأموال، وما أبعد الفرق بين السابقين بالخيرات والمقصِّرين !

 

وقيل إنه قال لرجل : هل أبكاك قط سابق علم الله فيك ؟. (سير أعلام النبلاء 6/121).

 

يعني أن المقربين مع مايقومون به من الورع والعمل الصالح يخشون من سابق قدر الله فيهم، حيث يخافون من سوء الخاتمة،فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن جل جلاله يقلبها كيف يشاء.

 

وقيل له : كيف أصبحت ؟ قال : قريبًا أَجَلي ، بعيدًا أملي ، سيِّئًا عملي. (سير أعلام النبلاء 6/121).

 

وهذا من عمق الإدراك وقوة تصور مابعد الموت ، وإذا كان محمد بن واسع الذي قيل عنه إنه أفضل أهل البصرة في زمنه يتَّهم نفسه بطول الأمل وسوء العمل ، فكيف بحال المقصرين الظالمي أنفسهم ؟

 

وقال رجل لمحمد بن واسع : أوصني ، قال : أوصيك أن تكون مَلِكًا في الدنيا والآخرة ، قال: كيف ؟ قال : ازهد في الدنيا. (سير أعلام النبلاء 6/120).

 

وهذه وصية نافعة من طبيب ماهر في طب القلوب ، فهذا الرجل يطلب الوصية من محمد بن واسع فيوصيه بأعلى مرتبة تطمح لها النفوس عادة ، وهي أن يكون ملكا في الدنيا والآخرة ، فيتعجب ذلك الرجل لأنه لم يرد الدنيا حينما طلب منه الوصية ، ثم كيف يجمع بين الأمرين فيكون ملكا في الدنيا والآخرة ! فلذلك استفهم منه استفهام تعجب ، فكان جواب ابن واسع له: ازهد في الدنيا.

 

وإذا كان الزهد يرفع من مقام صاحبه في الآخرة لما يترتب عليه من ترك بعض المحبوبات من أجل الله تعالى ، واجتناب مجال المحرمات والشبهات التي يدفع إليها حب الدنيا .. فكيف يكون الزهد رفعة في الدنيا؟

 

إنما كان كذلك لأمور منها : أن الزاهد لايصل إلى الزهد في الدنيا إلا إذا وصل إلى مرحلة من القوة يملك فيها هواه ، ويتحكم في جوارحه أن تطيش سهامها ذات اليمين وذات الشمال، والذي يتحكم في نفسه بعقله السليم هو أرفع الناس في الدنيا ، لأنه لايملك جوهرا في جسمه أغلى من العقل ، فإذا أخضع نفسه لعقله السليم الذي يسير على هدى الله تعالى كان في أعلى طبقات المجتمع، لأن فكره سيكون صحيحا ، وسلوكه سيكون قويما .

 

وقيل : إن الوالي مالك بن المنذر دعا محمد بن واسع فقال : اجلس على القضاء ، فأبى ، فعاوده وقال: لتجلسنَّ أو لأجلدنَّك ثلاثمائة ، قال : إن تفعل فإنك مسلَّط ، وإن ذليل الدنيا خير من ذليل الآخرة. (سير أعلام النبلاء 6/122).

 

وهذا مثال للورع ، فقد كان منصب القاضي يلي منصب الأمير في العلو ، وقد يكون أعلى منه ، وهو بالنسبة للنظرة الدنيوية يلبِّي شهوتين .. شهوة المال وشهوة الجاه ، ومع ذلك رفضه محمد بن واسع حتى بعد التهديد بالجلد وبيّن أن سبب رفضه أن هذا المنصب يورث ذلة في الآخرة ، وذلك فيما إذا مال القاضي عن العدل أو لم يتمكن منه ، أو داخل نفسه شيء من العجب والنظر إلى الجاه ونحو ذلك ، وبيَّن أن ذلة الدنيا بالتعرض للجلد بسبب الرفض أهون من ذلة الآخرة بالحساب والعذاب .

 

وهذا لايعني أن القضاة كلَّهم معرضون لذلك ، بل إن العالم إذا آنس من نفسه القوة على العدل، وضمن التمكن من ذلك فإن تولِّي أمور المسلمين في القضاء وغيره يُعدُّ من الأعمال الصالحة ، وإنما تورع عنه هذا الإمام وأمثاله خشية عدم القدرة على العدل الكامل فيؤُول الأمر إلى اكتساب السيئات بدلا من الحسنات .

 

قيل : ودعاه بعض الأمراء فأراده على بعض الأمر فأبى ، فقال : إنك أحمق ، قال محمد : مازلت يقال لي هذا منذ أنا صغير. (سير أعلام النبلاء 6/122).

 

يعني أن أهل الدنيا ينظرون إلى المصالح الدنيوية من المال والجاه ونحو ذلك ، فالذي يسير في حياته وهو يلاحظ مستقبله الدنيوي ويخطط له يُعدُّ عندهم حصيف الرأي كامل العقل ، وإنْ قصر في العمل لمستقبله الأخروي أو أهمل ذلك ، بينما يتَّهمون من يعمل لآخرته ويهمل أمور دنياه بالحماقة وربما وصفوه بالجنون.

 

ورُوي أن قاصّا كان بقرب محمد بن واسع فقال : مالي أرى القلوب لاتخشع ، والعيون لاتدمع ، والجلود لاتقشعر ؟ قال محمد : يافلان ما أرى القوم أُتُوا إلا من قِبَلك ، إن الذكر إذا خرج من القلب وقع على القلب.

 

وهكذا كان محمد بن واسع صريحا مع ذلك الواعظ الذي وصف المشكلة والداء وأراد من محمد بن واسع أن يساعده في الحل والعلاج ، ولم يَدْرِ ذلك الواعظ أنه هو مصدر المشكلة ومكمن الداء، فبين له محمد بن واسع أن المواعظ إذا صدرت من القلب وصلت إلى القلب ، وإذا صدرت من اللسان لم تتجاوز الآذان .

 

وبهذا يُفسَّر كثرة المواعظ والخطب والدروس الدينية مع قلة التأثر وضعف الالتزام  فالدُّرر تبقى في أصدافها حتى تجد من يحسن إخراجها .

 

ولكن ليس العيب دائما في المتكلم ، فقد يكون في السامع لعدم تجرده من الهوى ، وعلى ذلك يحمل عدم استجابة بعض المدعوين للرسل عليهم السلام ، وكلام محمد بن واسع محمول على أنه قد فهم من الواعظ عدم إخلاصه في تلك الموعظة .

 

وقال سعيد بن عامر : دخل محمد بن واسع على الأمير بلال بن أبي بردة فدعاه إلى طعامه فاعتل عليه ، فغضب وقال : إني أراك تكره طعامنا ، قال: لاتقل ذاك أيها الأمير ، فو الله لخياركم أحب إلينا من أبنائنا. (سير أعلام النبلاء 6/122).

 

وصدق محمد بن واسع وبرَّ في قسمه ، لأن الأمراء العادلين تطبَّق بهم الحدود ، ويثبت بهم الأمن، ويعمُّ بهم الرخاء ، وتُحفظ بهم الحقوق ، ويقوم بهم الجهاد ، وتنتعش بهم الدعوة ، فهم أحب للمخلصين لدينهم من أبنائهم الذين ليسوا كذلك .

 

وربما اعتذر محمد بن واسع عن طعام ذلك الوالي لأنه كان يصوم ويخفي صيامه فلعله كان صائما ذلك اليوم.

 

وذكر الإمام الذهبي عن ابن شوذب قال : قسم أمير البصرة على قرائها ، فبعث إلى مالك بن دينار فأخذ ، فقال لـه ابن واسع : قَبِلتَ جوائزهم ؟ قال: سل جلسائي ، قالوا : يا أبا بكر اشترى بها رقيقا فأعتقهم ، قال : أنشدك الله أقلبك الساعةَ على ماكان عليه ؟ قال: اللهم لا ، إنما مالكٌ حمار، إنما يعبد الله مثل محمد بن واسع.( سير أعلام النبلاء 6/120).

 

فهذا مثال رائع لدقة الإحساس والغيرة على الإيمان ، لأن الإيمان ينمو في القلب شيئًا فشيئًا بالتقوى في الفكر والعمل ، وإن من أهم مايحرص عليه أطباء القلوب أن يظل مستوى الإيمان في القلب في علو وتَرَقِّي ، وإن مما يحذرون منه أن ينخفض مستوى الإيمان في القلب ، وإنما ينخفض بارتكاب شيء من المخالفات ، أو ترك بعض الطاعات ، وقد تكون المخالفة معتادة عند عامة الناس، لكنها تكون ذات أهمية عند الخلَّص من أهل التقوى ، وهم يشعرون بهذا الانخفاض إذا خالط إحساسهم شيء من القلق والضجر ، لأن شفافية الإيمان الخالص لاتقبل أن يعانقها شيء من الكدر أو الغبش ، فلذلك لما قال محمد بن واسع لمالك بن دينار : " أنشدك الله أقَلْبُكَ الساعة على ما كان عليه ؟ أجابه بقوله : " اللهم لا " فكأنما قال له: انظر إلى قلبك في المرآة هل خالط صفاءه شيء من الكدرة ؟

 

ولقد كان مالك بن دينار صريحا حينما أخبر عن إحساسه بما خالطه من الكدر الذي يتمثَّل في تسرُّب شيء من تعظيم البشر إلى القلب ولو بنسبة ضئيلة،حيث يزاحم ذلك وجود الإيمان بالله تعالى وحده،وذلك له عواقبه المؤثرة على الفكر والسلوك إن لم يُحدث صاحبه تصحيحا وتوبة.

 

ولئن كان مالك بن دينار قد حكم على نفسه بذلك الحكم القاسي فإنه محمول على التواضع والمبالغة في إهانة النفس ، وإلا فهو العالم الرباني ذو المحامد المعروفة ، وإن من فضائله أن يتواضع أمام من يرى له فضلا عليه في اليقين والإيمان ، فيأخذ بنصحه ويثني عليه ، ولو كان ممن غلبت عليهم سمعة الدنيا واعتباراتها المعروفة لأخذته العزة بالإثم ، ولردَّ على ذلك الإمام الرباني الناصح بما يقلل من مكانته ، ويُضعف من رأيه ولسوَّغ ماقام به هو من تصرف وأظهره بأنه هو الأمر المشروع الموافق للحكمة .

 

ولقد كانت سمعة محمد بن واسع عالية في الصلاح والتقوى حتى أصبح القادة يتيمَّنون بدعائه، قال الأصمعي : لما صافَّ قتيبة بن مسلم الترك وهاله أمرهم . سأل عن محمد بن واسع ، فقيل له : هو ذاك في الميمنة جامح على قوسه ، يُبَصْبِص بإصبعه نحو السماء ، قال : تلك الإصبع أحب إليَّ من مائة ألف سيف شهير وشاب طرير. (سير أعلام النبلاء 6/121 ، وشاب طرير يعني في مقتبل عمره قد طرَّ شاربه).

 

وهذا فهم راسخ من قتيبة بن مسلم الباهلي لأهم أسباب النصر ، ألا وهو التوكل على الله تعالى ، وتوثيق الصلة به ، واستلهام النصر منه .

 

ولقد عبأ جيشه وتأكد من حسن إعداده ، ولكنه بحاجة إلى التأكد مما هو أهم من الإعداد المادي، حيث يتجاوز المسلمون بالسلاح المعنوي حدود التكافؤ المادي في القُوَى بمراحل عديدة .

 

ولما كان محمد بن واسع في جيشه سارع إلى السؤال عنه ، فلما أُخبر بأنه مستغرق في مناجاة الله تعالى ودعائه أطمأن قلبه وارتفع مستوى الأمل بالنصر عنده ، وقال تلك الكلمات العالية : " تلك الإصبع أحب إلي من مائة ألف سيف شهير وشاب طرير " .

 

إن قُوَى الأرض كلَّها بيد الله تعالى ، وإن النظر إلى القوى المادية من حيث العدد والعُدد والمواقع، إنما هو من حسابات البشر والله جل جلاله قادر على تغيير هذه الموازين في لحظة ، وإن من أهم استجلاب نصر الله تعالى دعاءَ الصالحين ، فلذلك استبشر قتيبة خيرا حينما علم باستغراق محمد بن واسع في الدعاء .

 

وهذا الفهم العالي من قتيبة رحمه الله يبين لنا سببا مهما من أسباب انتصاراته الباهرة ، التي ظلت تتوالى أكثر من عشر سنوات ، فعلى الرغم من كونه بطلا لايُشَقُّ له غبار ، وقائدًا مخططا يضع للأمور أقرانها ، وسياسيًا محنكا لايُخدع ، فإنه لم يغتر بكل ذلك بل عَدَّ ذلك كله من الأمور الثانوية ، ونظر قبل ذلك إلى مدى توثيق الحبل الذي يصل جيشه بالله تعالى ، فلما عرف بأن محمد بن واسع قد وصل ذلك الحبل بالدعاء وبما سبق ذلك من شهرته بالإيمان القوي والعمل الصالح حصل له اليقين وزال عنه سبب من أسباب الخوف المتمثل بضعف الصلة بالله تعالى .

 

ولقد بلغت شهرة محمد بن واسع الدينية مبلغا عظيما في عصره ، قيل إن حوشبًا قال لمالك ابن دينار : رأيت كأن مناديًا ينادي : الرحيلَ الرحيل ، فما ارتحل إلا محمد بن واسع فبكى مالك وخر مغشيّا عليه. (سير أعلام النبلاء 6/120).

 

لقد فهم مالك بن دينار من هذه الرؤيا أن المراد بالرحيل كمال الخلاص والنجاة ، خصوصا وقد اقترنت بمحمد بن واسع الذي عُرف عندهم بأنه أفضل أهل بلده .

 

وإن هذا التأثر من مالك الذي وصل إلى حد البكاء ثم الإغماء يدل على قوة إيمانه وشدة خشيته من الله تعالى ، ومَنْ كان بالله أعرف كان من الله أخوف .

 

وفي وصف خشية محمد بن واسع يقول جعفر بن سليمان : كنت إذا وجدت من قلبي قسوة غدوت فنظرت إلى وجه محمد بن واسع كأنه ثكْلَى.

 

إن العالم بالله الذي يرزقه الله اليقين والمعرفة تظهر آثار العبادة والخشية على وجهه ، وذلك لأن قلبه يكون قد امتلأ من تعظيم الله تعالى وخشيته ، وإذا امتلأ القلب بالإيمان فرض على الفكر أن يكون حاضرا مع الله تعالى مستحضرا عظمته ، متذكرا ما أعده لأوليائه من النعيم المقيم ، وما أعده لأعدائه من العذاب الأليم ، فلا غرابة أن يكون وجه صاحبه كالثكلى من الحزن والهم .

 

ولقد كان جعفر بن سليمان فقيهًا في معرفة علاج أمراض القلوب حينما قال هذا الكلام .

 

ألا ما أحوج الأمة إلى أطباء القلوب الذين في رؤيتهم شفاء القلوب من أمراضها ، وفي مواعظهم توجيه سديد للاستقامة على الصراط المستقيم !

*          *          *

- مواقف جهادية من السيرة النبوية –

- مواقف من غزوة أحد –

- موقف جهادي للحارث بن الصمة وأبي دجانة –

قال الواقدي فما يرويه عن شيوخه : وأقبل عثمان بن عبد الله بن المُغيرة المَخزومي يُحضر فرسًا له [أي يعدو بها ، والحَضْر ارتفاع الفرس في عدوه] أبلق ، يُريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعليه لأمَة لـه كاملة [اللأمة هي الدرع ومايتبعه من المغفر والبيضة ونحو ذلك]، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مُوَجِّهٌ إلى الشِّعب، وهو يصيح : لانجوتُ إن نجوتَ ! فيقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعثر به [أي بعثمان المخزومي] فرسه في بعض تلك الحفر التي كانت حَفَر أبو عامر ، فيقع الفَرس لوجهه ، وخرج الفرس عائرًا فيأخذه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعقرونه. (أي يقطعون قوائمه حتى لاينجو عليه صاحبه ، والعائر الذي أفلت وانطلق على وجهه).

 

ويمشي إليه الحارث بن الصِّمَّة فتضاربا ساعةً بسيفين ، ثم يضرب الحارث رجله – وكانت الدِّرعُ مُشمِّرة – فَبَرك وذَفَّف عليه . وأخذ الحارث يومئذ درعًا جيدة ومغفرا وسيفًا جيدًا ، ولم يُسمع بأحد سُلب يومئذ غيره ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى قتالهما وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل، فإذا عُثمان بن عبد الله بن المُغيرة ، فقال : الحمد لله الذي أحانه. (أحانه : أهلكه ( الصحاح ، ص 2106) ، عن هامش المغازي).

 

وكان عبد الله بن جَحش أسره ببطن نَخْلَة حتى قدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فافتدى فرجع إلى قُريش حتى غزا أُحُدًا فقُتل به .

 

ويرى مَصرعه عُبيد بن حاجز العامريّ – عامر بن لُؤَيّ – فأقبل يعدو كأنه سَبُع ، فيضرب الحارث بن الصِّمَّة ضربةً جَرَحه على عاتقه ، فوقع الحارث جريحًا حتى احتمله أصحابه . ويُقبل أبو دُجانة على عُبيد فتناوشا ساعة من نهار ، وكلّ واحد منهما يتَّقي بالدَّرَقَة ضرْبَ السيف ، ثم حمل عليه أبو دُجانة فاحتضنه ، ثم جَلَد به الأرض ، ثم ذبحه بالسيف كما تُذبح الشاة ، ثم انصرف فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم . (مغازي الواقدي 1/252 – 253).

 

في هذا الخبر موقفان بطوليان للحارث بن الصمة وأبي دجانة رضي الله عنهما ، فأما الحارث فإنه تصدَّى لعثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزومي مع كونه قد حصَّن نفسه بالحديد الواقي من السلاح ، وبذلك وقى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك الذي أقبل يريد قتله .

 

وأما أبو دجانة فإنه قام بإنقاذ الحارث الذي أسرع إليه عبيد بن حاجز مغتنما فرصة انشغاله مع ابن المغيرة حيث أصابه بجرح فكان أبو دجانة له ، ولم يحتمل طول الصراع والمصاولة حيث هجم على ابن حاجز فاحتضنه وضرب به الأرض ثم ذبحه كما تذبح الشاة ، وهذا العمل يدل على شجاعة فائقة من أبي دجانة ، كما أنه يُعدُّ إهانة لمن وقع عليه مثل هذا النوع من القتل .

 

- موقف جهادي لطلحة وعدد من الصحابة –

أخرج الإمام البيهقي بإسناده عن جابر بن عبد الله ، أنه قال : انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد وبقي معه أحَدَ عشر رجلاً من الأنصار فيهم طلحة بن عبيد الله وهو يصعد في الجبل فلحقهم المشركون فقال : ألا أحَدٌ لهؤلاء ؟ فقال طلحة : أنا يارسول الله ، فقال : كما أنت ياطلحة فقال رجل من الأنصار : فأنا يارسول الله فقاتل عنه ، وصَعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بقي معه، ثم قُتلَ الأنصاريُّ ، فلحقوه ، فقال : ألا أحد لهؤلاء ؟ فقال طلحة مثل قوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قولـه ، فقال رجل من الأنصار : أنا يارسول الله فأذن له ، فقاتل مثل قتاله وقتال صاحبه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يصعدون ، ثم قُتل فلحقوه ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول مثل قوله الأول، ويقول طلحة : أنا يارسول الله فيحبسُه ، فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال ، فيأذن له ، فقاتل مثل  قتال من كان قبله ، حتى لم يَبْق معه إلا طلحة فغشوهما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لهؤلاء ؟ فقال طلحة : أنا : فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله وأصيبَتْ أنامله فقال حَسِّ [حَسِّ بكسر السين المشددة تعبير عن الألم الشديد]. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو قلت بسم الله ، أو ذكرت اسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك حتى تلج بك في جو السماء ، ثم صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم مجتمعون. (دلائل النبوة 3/236 – 237 . وأخرجه الإمام النسائي من حديث جابر رضي الله عنه وذكر مثله – سنن النسائي 6/29 – 30 ، كتاب الجهاد ، باب مايقول من يطعنه العدو . وذكره الحافظ الذهبي وقال : رواته ثقات – سير أعلام النبلاء 1/27 - . وقال الحافظ ابن حجر : إسناده جيد – فتح الباري 7/360 - .).

 

في هذا الخبر بيان لموقف جهادي عظيم لطلحة بن عبيد الله وعشرة من الأنصار لم تذكر أسماؤهم ، وهذا الجهاد تم في أخطر مرحلة من مراحل المعركة ، وذلك حينما أصيب المسلمون بالذُّهول لهول المفاجأة بهجوم خيول العدو من خلفهم وإشاعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قُتل ، فقرر النبي صلى الله عليه وسلم الانسحاب عن مركز القيادة بمن بقي معه للاعتصام بجبل أحد ، فتولى طلحة ورفاقه حماية النبي صلى الله عليه وسلم حتى تمت عملية الانسحاب بسلامة النبيصلى الله عليه وسلم بعد أن قدَّم الأنصار العشرة أرواحهم فداء له.

 

وإن ماقام به هؤلاء الأنصار يُعدُّ تضحية خالدة وعملاً عظيمًا نالوا به الشرفين : شرف حماية النبي صلى الله عليه وسلم والإسلام وشرف الظفر بالشهادة فرضي الله عنهم أجمعين .

 

أما طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه فإنه كان يتقدم في كل مرة فيبقيه النبي صلى الله عليه وسلم ، لاحمايةً له وإنما ادخارًا لـه لموقف أكثر صعوبة وأبلغ خطرًا ، وقد مثَّل هذا الموقف أبلغ تمثيل حيث قاتل المشركين وحده كقتال العشرة من الأنصار ، حتى عرف أبو بكر وأبو عبيدة ومن اجتمع من الصحابة رضي الله عنهم موقع النبي صلى الله عليه وسلم فقاموا جميعا بإكمال تلك المهمة ، وهذا موقف عظيم في التضحية والشجاعة يذكر لطلحة بن عبيد الله رضي الله عنه ، مما حدا بأبي بكر رضي الله عنه إلى أن يقول " ذلك يوم كله لطلحة " .

 

وقول جابر رضي الله عنه في هذه الرواية " انهزم الناس " قال الحافظ ابن حجر في بيان ذلك في حديث آخر : أي بعضهم أو أطلق ذلك باعتبار تفرقهم (فتح الباري 7/362)، وقد تقدم بيان أقسام الناس بعد الإصابة .

 

وأخرج الواقدي من حديث شيوخه قالوا : وقاتل طلحةُ بن عُبيد الله يومئذ عن النبي صلى الله عليه وسلم قتالاً شديدًا ، فكان طلحة يقول : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انهزم أصحابه ، وكرّ المشركون وأحدقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من كلّ ناحية ، فما أدري أقومُ من بين يديه أو من ورائه ، أو عن يمينه أو عن شماله ، فأذُبُّ بالسيف من بين يديه مرّة وأخرى من ورائه حتى انكشفوا . فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ يقول طلحة : قد أنْحَب . (أي قضى ما عليه ، والنَّحب هو النذر المحكوم بوجوبه – مفردات الراغب 484 -).

 

وقال سعد بن أبي وقاص وذكر طلحة فقال : يرحمه الله ، إنه كان أعظمنا غناءً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحُد ! قيل : كيف يا أبا إسحاق ؟ قال : لزم النبي صلى الله عليه وسلم وكنا نتفرّق عنه ثم نثوب إليه، لقد رأيته يدور حول النبي صلى الله عليه وسلم يُترّس بنفسه .

 

وسئُل طَلحة : يا أبا محمدّ ، ما أصاب إصبعك ؟ قال : رمى مالك بن زُهير الجُشَميّ  بسهم يُريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان لاتُخطئ رميته ، فاتَّقيت بيدي عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصاب خنصَري ، فَشُكَّ فَشُلَّ إصبعه . وقال حين رماه . حَسِّ ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو قال بسم الله لدخل الجنة والناس ينظرون ! من أحبّ أن ينظر إلى رجل يمشي في الدنيا وهو من أهل الجنة فلينظر إلى طلحة بن عُبيد الله ، طلحة ممّن قضى نحْبَه .

 

وقال طلحة : لمّا جال المسلمون تلك الجولة ثم تراجعوا ،أقبل رجلٌ من بني عامر بن لُؤيّ بن مالك بن المُضَرَّب يجرّ رمحًا له ، على فَرَس كُمَيت أغرّ ، مُدجَّجًا في الحديد ، يصيح : أنا أبو ذات الوَدَع [الودع خرز بيض تستخرج من البحر]، دُلّوني على محمد ! فأضربُ عرقوبَ فرسه فانكسعتْ ، ثم أتناول رمحه فوالله ما أخطأت به عن حَدَقَته ، فخار كما يخور الثور ، فما برحتُ به واضعًا رجلي على خَدّه حتى أزرْتُه شَعُوبَ [أي الموت]. وكان طلحة قد أصابته في رأسه المُصلَّبة ، ضربه رجلٌ من المشركين ضربتين ، ضربة وهو مُقبل والأخرى وهو مُعرض عنه [يعني صارت الضربتان على هيئة صليب]، وكان قد نَزَف منها الدم . قال أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه : جئت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد فقال : عليك بابن عمّك ! فأتى طَلحة بن عُبيد الله وقد نَزَف الدم ، فجعلت أنضح في وجهه الماء وهو مَغشىُّ عليه ، ثم أفاق فقال : مافعل رسول الله؟ فقلت : خيرًا ، هو أرسلني إليك . قال : الحمد لله ، كلّ مُصيبة بعده جَلَل. (أي صغيرة ، وهذا من أسماء الأضداد يطلق على الكبير والصغير ويعرف المراد به من السياق).

 

وكان ضرار بن الخَطَّاب الفهْريّ يقول : نظرت إلى طَلحة بن عُبيد الله قد حلق رأسه عند المَرْوَة في عُمْرَة ، فنظرت إلى المُصلَّبة في رأسه . فقال ضرار : أنا والله ضربته هذه ، استقبلني فضربته ثم أكرُّ عليه وقد أعرض فأضربُه أخرى .

 

وقالوا : لمّا كان يوم الجمل وقَتَل عَليٌّ عليه السلام من قتل من الناس ودخل البَصْرًة ، جاءَه رجلٌ من العرب فتكلَّم بين يديه ، ونال من طَلحة فزبَره عليّ وقال : إنَّك لم تشهد يوم أُحُد وعِظَم غَنائه في الإسلام مع مكانه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فانكسر الرجل وسكت .

 

فقال رجلٌ من القوم : وماكان غَناؤه وبلاؤه يوم أُحُد يرحمه الله ؟ فقال عَلُّى : نعم ، يرحمه الله ! فلقد رأيته وإنه ليُترّس بنفسه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنَّ السيوف لتغشاه والنَّبل من كلّ ناحية، وإنْ هو إلا جُنَّة بنفسه لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال قائل : إنْ كان يومًا قد قُتل فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصاب رسول الله فيه الجراحة . فقال عَلي عليه السلام : أشهدُ لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ليت أني غودرت مع أصحاب نحْص الجبل [قول الرسول صلى الله عليه وسلم هذا أخرجه الحافظ البزار بإسناد حسن – المطالب العالية 4/222 -]. قال ابن أبي الزِّناد : نُحْص الجبل أسفله .

 

ثم قال عَليٌّ عليه السلام : لقد رأيتني يومئذ وإني لأذُبُّهم في ناحية ، وإنَّ أبا دُجانة لفي ناحية يَذُبّ طائفة منهم  وإنَّ سعد بن أبي وقاص يذب طائفة منهم ، حتى فرج الله ذلك كله . ولقد رأيتني وانفردَتْ منهم يومئذ فرقةٌ خشناءُ فيها عكْرمة بن أبي جهل ، فدخلتُ وسْطها بالسيف فضربت به واشتملوا عليّ حتى أفضَيت إلى آخرهم ، ثم كررت فيهم الثانية حتى رجعتُ من حيث جئت ، ولكن الأجل استأخر ويقضي الله أمرًا كان مفعولاً. (مغازي الواقدي 1/254 – 256).

 

هذه الأخبار تبين لنا الجهد الكبير الذي بذله طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه بشهادة هؤلاء الصحابة الكرام من الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقايته من سلاح الأعداء ، ولقد استمر يجمع بين حماية النبي صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه حتى فاء عدد من الصحابة رضي الله عنهم وكان طلحة قد أُغمي عليه من كثرة ماواجه من سلاح الأعداء ، ولقد استحق بهذا ثناء النبي صلى الله عليه وسلم والحكم له بأنه قد أدَّى ماعليه كاملاً .

 

كما اشتملت هذه الأخبار على موقف جليل لعلي بن أبي طالب الذي أثنى على طلحة رضي الله عنهما ودافع عنه على الرغم مما جرى بينهما من خلاف ، ولقد ذكره بأبرز موقف تفوَّق فيه على غيره من الصحابة .

 

وهذا دليل على مبلغ الرقي الأخلاقي الذي وصل إليه الصحابة رضي الله عنهم حيث كانوا يُشيدون بإخوانهم ويذكرون محاسنهم وإن وقع الخلاف بينهم إلى حد المواجهة في الميدان .

 

كما أن في هذا الخبر وصفا لشجاعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث كان وحده يقاتل كتيبة من كتائب المشركين فلم يستطيعوا إصابته .

*          *          *

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 46:40:03


4 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8318648 عدد زيارات الموقع 67 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com