الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
المشرف
المؤلفات
الديوانية
الصوتيات
مقال الموقع
فتاوى الموقع
تراجم علمائنا
ملتقـيات الخير
شبـهات و ردود
مقـالات مخـتارة
المـعهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
من فتاوى العلماء
ســيــر الصـــحـابة
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة د. عبدالعزيز الحميدي المصلحون المصلحون : العدد الرابع والعشرون

المصلحون : العدد الرابع والعشرون

تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :

1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .

2 – أضواء من الهدي النبوي .

3 – توجيهات ومواقف سلوكية .

4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .

- أضواء من هدي القرآن الكريم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ{2} الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ{3} أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ{4}) [الأنفال :2–4].

 

[2] يعني : ليس المؤمنون حقا هم الذين لايتحرك وجدانهم ولاتهتز مشاعرهم إذا سمعوا ذكر الله جل وعلا ، إنما المؤمنون حقا هم الذين إذا ذكر الله سبحانه عندهم فزعت قلوبهم وعظم اهتمامهم ونسوا كل شيء كانوا يفكرون به وقصروا تفكيرهم على تعظيم الله جل وعلا والانقياد لجميع أوامره واجتناب جميع نواهيه .

 

(وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً) وهذه هي علامات قوة الإيمان ، وذلك بأن يشعر المسلم وهو يسمع القرآن الكريم بانشراح في نفسه ويقظة في ضميره واستعداد قوي لتطبيق كل ماجاء فيه ، وهو يشعر بأنه يسمع كلام الله عز وجل وأنه يخاطبه بهذا الكلام ، فإذا كان حاضر القلب والمشاعر عند سماع آيات الله سبحانه فإن إيمانه يزداد قوة ورسوخا .

 

(وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) فلا يرجون غيره ويعتمدون عليه وحده في كل أمورهم ، فمن اعتمد على غير الله تعالى في جلب نفع لنفسه أو دفع ضرر عنها فقد اختل إيمانه ، ويجب أن يلاحظ هنا أنه لاتناقض بين فعل الأسباب والتوكل على الله تعالى ، لأنه جل وعلا هو الذي خلق الأسباب وجعل فيها فاعليتها الموصلة إلى النتائج المترتبة عليها ، ففعل الأسباب مع التوكل على الله تعالى واعتقاد أنه هو الفاعل الحقيقي طاعة الله عز وجل ، أما فعل الأسباب مع غياب الشعور بأن الله سبحانه هو الفاعل الحقيقي وغياب التوكل عليه فإنه نقص في الإيمان ، ولا يحصل الإنسان على أي ثواب بفعله تلك الأسباب ، ولكن لو اعتقد الفاعل أن الأسباب مستقلة بإيجاد النتائج فإن ذلك يتنافى مع أصل الإيمان .

 

[3] (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ) فمن صفات المؤمنين المذكورين أنهم يقيمون الصلاة كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها مع اشتمالها على الخشوع المترتب على حضور القلب مع الله تعالى .

 

(وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) فالإنسان ليس هو المالك الحقيقي للمال الذي بيده ، وإنما هو من فضل الله تعالى وإنعامه عليه ، وإن استشعار هذا المعنى يجعل صاحب المال يسخو بماله ولايتشدد في إمساكه ، وقد أثنى الله سبحانه على هؤلاء المؤمنين بأنهم ينفقون من أموالهم التي رزقهم الله تعالى إياها سواء أكانت النفقة واجبة كالزكاة أم مستحبة كصدقة التطوع ، وإن إنفاق المال مع إخلاص النية دليل على قوة الإيمان ، لأن المال من أهم محبوبات الإنسان ، فإذا أخرجه تقربًا إلى الله تعالى فإن ذلك يدل على قوة إيمانه .

 

[4] (أُوْلَـئِكَ) المؤمنون المذكورة صفاتهم في الآيتين السابقتين (هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً) الذين يمثلون الإيمان الحقيقي الذي ملأ قلوبهم ، فنوَّر بصائرهم وحرر أفكارهم من جميع قيود الجاهلية ، وقاد سلوكهم نحو العمل الصالح ، ولم يعد في قلوبهم أي مُتَّسع لتلبية هوى النفوس أو أهواء دعاة الضلالة ، وأصبحوا يعلمون عظمة الله سبحانه وحقه ، ويعلمون حقائق الآخرة علم اليقين .

 

وفي معنى هذه الآية ما أخرجه الحافظ الطبراني من حديث الحارث بن مالك الأنصاري : أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : كيف أصبحت يا حارث ؟ قال : أصبحت مؤمنا حقا ، قال : "انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك ؟ " قال : عزفَتْ نفسي عن الدنيا فأسهرتُ ليلي وأظمأتُ نهارى ، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها ، فقال:"ياحارث عرفت فالزم " ثلاثا. (تفسير ابن كثير 2/307).

 

(لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ) أي منازل ومقامات عالية في الجنة ، وقد جاء في درجات الجنة ما أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدرِّيَّ الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم ، قالوا : يارسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم ؟ قال: بلى والذي نفسي بيده ، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ". (صحيح البخاري ، رقم 3256 (6/320) ، صحيح مسلم ، رقم 2831 (ص 2177)).

 

(وَمَغْفِرَةٌ) لذنوبهم حيث يسترها فلا يفضحهم بها ويمحوها عنهم مقابل إيمانهم الصادق وعملهم الصالح (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) وهو النعيم العظيم الخالد في الجنة .

*         *        *

- أضواء من الهدي النبوي  –

- التحذير من مساوئ الأخلاق –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : فإن من التوجيهات السلوكية النافعة التحذير من مساوئ الأخلاق . ومما جاء في ذلك ما أخرجه الإمام البخاري رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ، ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا ". (صحيح البخاري ، رقم 6064 ، كتاب الأدب ، باب ماينهى عن التحاسد (10/481)).

 

وأخرج نحوه الشيخان من حديث أنس رضي الله عنه بزيادة " ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام " ، ولمسلم بزيادة " ولا تقاطعوا ". (صحيح البخاري ، رقم 6065 ، كتاب الأدب ، باب ماينهى عن التحاسد (10/481) ، صحيح مسلم ، رقم 2559 ، كتاب البر ، باب تحريم التحاسد (ص 1983)).

 

ففي هذا الحديث ينهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مجموعة من مساوئ الأخلاق .

 

فالخلق الأول : الحكم على الأمور بالظن وذلك في أمور المعاملات التي تجري بين المسلمين ، وليس المقصود الأحكام الشرعية المبنية على الظن ، وفي ذلك يقول الحافظ ابن حجر : قال الخطابي وغيره : ليس المراد ترك العمل بالظن الذي تناط به الأحكام غالبا ، بل المراد ترك تحقيق الظن الذي يضر المظنون به. (فتح الباري 10/481).

 

والحكم بالظن في التعامل بين الناس يترتب عليه مفاسد كثيرة منها : ترتيب الأمور والتصرفات على غير الحقائق فيما إذا أخطأ الظن ، ووقوعُ الظلم على المظنون به فيما يخالف الواقع ، وإضعاف الأخوة الإسلامية حيث يترتب على ذلك حدوث البغضاء والغل بين من وقع بينهم ذلك الظن السئ .

 

وجاء وصف الظن بأنه أكذب الحديث مع أن الكذب الصريح أشد من ذلك ، وفي بيان هذا الأمر يقول الحافظ ابن حجر : وأما وصف الظن بكونه أكذب الحديث مع أن تعمد الكذب الذي لا يستند إلى ظنٍّ أصلا أشد من الأمر الذي يستند إلى الظن فللإشارة إلى أن الظن المنهي عنه هو الذي لايستند إلى شيء يجوز الاعتماد عليه، فيُعتمدُ عليه ويجعل أصلا ويجزم به ، فيكون الجازم به كاذبا ، وإنما صار أشد من الكاذب لأن الكذب في أصله مستقبح مستغنىً عن ذمه ، بخلاف هذا فإن صاحبه بزعمه مستند إلى شيء ، فوُصف بكونه أشد الكذب مبالغةً في ذمه والتنفير منه ، وإشارةً إلى أن الاغترار به أكثرُ من الكذب المحض لخفائه غالبا ووضوحِ الكذب المحض. (فتح الباري 10/482).

 

والخلق الثاني والثالث : التحسس والتجسس ، والمقصود من هتين الكلمتين  البحث عن عيوب الناس وعثراتهم ، لكنْ غلب إطلاق التجسس على البحث عن بواطن الأمور ، وإطلاق التحسس على ما يدرَك بحاستي السمع والبصر. (فتح الباري 10/482).

 

فالتجسس والتحسس على المسلمين لمعرفة أخبارهم وكشف عوراتهم وتتبع عثراتهم نوع من الهبوط في القيم الإنسانية ، لأنه يعتمد على الخداع والمخاتلة واستغلال غفلات الآخرين ، والحُرُّ الكريم الشهم يواجه خصومه بالصراحة والوضوح ، أما الخَبُّ اللئيم فإنه يواجه خصمه بالابتسامات وإظهار اللطف والعناية ، بينما هو يخطط للإضرار به ونسف كيانه .

 

والخلق الرابع : التحاسد ، فالحسد هو الشعور بكراهية النعمة للغير وتمني زوالها عنه ، وهو حرام بين المؤمنين ، أما إذا كانت النعمة عند كافر أو فاجر وهو يسخرها للإفساد في الأرض فهو مشروع لإزالة الفساد ، وقد جاءت أحاديث وآثار في ذم الحسد وبيان آثاره السيئة والحث على تطهير النفس منه وبيان آثار ذلك في الدنيا والآخرة .

 

فمن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث أنس بن مالك قال : كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يطْلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة ، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وَضوئه ، قد تعلق نعليه في يده الشمال ، فلما كان الغد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى ، فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضا فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى ، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تبعه عبدالله بن عمرو بن العاص [يعني تبع ذلك الرجل] فقال : إني لاحَيْتُ أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا ، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت قال : نعم .

 

قال أنس : وكان عبدالله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئا، غير أنه إذا تعارَّ [أي هب من نومه واستيقظ كما جاء في النهاية 1/190] وتقلب على فراشه ذكر الله عز وجل وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر ، قال عبدالله : غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرا ، فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبدالله إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجْر ثَمَّ ، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرار:يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة ، فطلعتَ أنت الثلاث مرار،فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتديَ به ، فلم أرك تعمل كثـير عمل ، فما الذي بلغ بك ما قـال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ما هو إلا ما رأيت ، قال : فلما وليت دعاني فقال : ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه ، فقال عبدالله : هذه هي التي بلغت بك ، وهي التي لا نطيق. (مسند أحمد 3/166).

 

فهذا الحديث فيه بيان لفهم الصحابة العميق لشمول العبادة والعمل الصالح ، فقد أدرك ذلك الرجل الأنصاري أن أزكى عمل قدمه هو سلامة قلبه من الغش والغل والحسد للمسلمين ، كما حكم عبد الله بن عمرو بأن هذا العمل هو سبب حكم الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل بأنه من أهل الجنة ، وقد كان يظن بأن ذلك السبب هو من قبيل كثرة الحسنات بالصلاة والصيام ، فتبين له أن ذلك من قبيل اجتناب السيئات .

 

فالحسد تمني زوال النعمة عن الغير ، فإذا أضيف إلى ذلك السعيُ بزوالها كان بغيا وعدوانا ، قال الحافظ ابن حجر : فإن سعى كان باغيا ، وإن لم يسع في ذلك ولا أظهره ولا تسبب في تأكيد أسباب الكراهية التي نُهي المسلم عنها في حق المسلم نُظِر : فإن كان المانعَ له من ذلك العجزُ بحيث لو تمكن لفعل فهذا مأزور ، وإن كان المانعَ له من ذلك التقوى فقد يُعذر لأنه لا يستطيع دفع الخواطر النفسية ، فيكفيه في مجاهدتها أن لا يعمل بها ولا يعزم على العمل بها ، قال : وقد أخرج عبدالرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أمية رفعه – يعني إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : - " ثلاث لا يسلم منها أحد : الطيرة والظن و الحسد ، قيل فما المخرج منها يارسول الله ؟ قال : إذا تطيرت فلا ترجع ، وإذا ظننت فلا تُحقِّق ، وإذا حسدت فلا تبْغ " قال : وعن الحسن البصري قال : ما من آدمي إلا وفيه الحسد ، فمن لم يجاوز ذلك إلى البغي والظلم لم يتبعه منه شيء. (فتح الباري 10/482).

 

وظاهرٌ أن قوله " فلا تبغ " يشمل السعي في زوال النعمة عن صاحبها ، كما أنه يشمل تمني زوالها عنه فإن ذلك من البغي وإنما المعفو عنه مجرد الخواطر النفسية مثل شعور الإنسان حينما يرى النعمة على الغير بالرغبة في أن يكون أفضل من غيره وأن لا يتفوق عليه أحد ، وعليه أن يمحو هذه الخواطر من فكره عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " .

*          *          *

- توجيهات ومواقف سلوكية –

- مواقف في الورع والعفة والزهد –

- من مواقف أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله –

من أخبار إبراهيم بن أدهم رحمه الله :

في بيان حقيقة الزهد يقول الحافظ ابن كثير في  ترجمة إبراهيم بن أدهم الزاهد المشهور: وقال له رجل : هذه جبة أحب أن تقبلها مني ، فقال : إن كنت غنيا قبلتها ، وإن كنت فقيرًا لم أقبلها ، قال : أنا غني ، قال : كم عندك ؟ قال : ألفان ، قال : تود أن تكون أربعة آلاف ؟ قال: نعم ، قال : فأنت فقير ، لا أقبلها منك. ( البداية والنهاية 10/141).

 

وهذا تعليم جيد من إبراهيم بن  أدهم رحمه الله تعالى لذلك الرجل ، حيث يبين له أن الغِنَى الحقيقي هو غنى القلب ، وليس غنى الجيب ، وقد جعل مقياس معرفة الغني الحقيقي بالقناعة ، وذلك بأن لا يكون لدى الإنسان رغبة في تضاعف المال عنده ، لأنه – والحال هذه – يكون قد سخَّر نفسه لماله ، فأما حين يرغب في جمع المال لا لذاته وإنما لينفقه في وجوه الخير ، فإنه يكون قد سخَّر ماله ، وهذا هو الغنى الحقيقي .

ومن أخباره في الزهد والتوكل على الله تعالى ماذكره الحافظ ابن كثير قال: وقال حذيفة المرعشي : أويت أنا وإبراهيم – يعني ابن أدهم – إلى مسجد خراب بالكوفة ، وكان قد مضى علينا أيام لم نأكل فيها شيئا ، فقال لي : كأنك جائع ، قلت : نعم ، فأخذ رقعة فكتب فيها : بسم الله الرحمن الرحيم ، أنت المقصود إليه بكل حال المشار إليه بكل معنى .

 

أنا حامـد أنا ذاكر أنـا شاكر                أنا جائع أنا حاسر أنا عاري

هي ستة وأنـا الضمين لنصفها             فكن الضمين لنصفها ياباري

مدحي لغيرك وَهْجُ نارٍ خضتُها               فأَجِرْ عُبَيْدك من دخول النار

 

ثم قال لي : اخرج بهذه الرقعة ولاتعلِّق قلبك بغير الله سبحانه وتعالى ، وادفع هذه الرقعة لأول رجل تلقاه ، فخرجت فإذا رجل على بغلة فدفعتها إليه ، فلما قرأها بكى ودفع إلي ستمائة دينار وانصرف ، فسألت رجلاً : مَنْ هذا الذي على البغلة ؟ فقالوا : هو رجل نصراني ، فجئت إبراهيم فأخبرته فقال : الآن يجيء فيسلم ، فما كان غير قريب حتى جاء فأكبَّ على رأس إبراهيم وأسلم. (البداية والنهاية 10/143).

 

ففي هذا الخبر مثل بليغ في التوكل على الله تعالى واستحضار عظمته في القلب ، وإذا تجرد قلب المسلم لله جل وعلا فذكره وحده وعظمه وحده ، وأنزل به حاجته وحده فإنه سبحانه يسخِّر قلوب العباد لعبده المؤمن الموحد ، فيفرجُ له من الكربات وييسر له من الأمور مالا يخطر على باله .

 

فتلك الرقعة المشتملة على كلمات هي من كمال التوحيد سخَّر الله تعالى بها قلب ذلك الرجل النصراني ، فدفع ذلك المبلغ الكبير ، ثم كان لها الأثر البالغ على نفسه حيث دخل قلبه الإسلام .

 

ولقد كانت فراسة ذلك العالم الربانيِّ إبراهيم بن أدهم قوية ، حيث توقع مجئ ذلك النصراني ليسلم ، فكان كما توقع ، وذلك لأن الذي يتأثر إلى حد البكاء وبذل ذلك المبلغ الكبير يغلب على الظن أن عقله السليم يقوده إلى هذا الدين الذي خرَّج رجالا موحدين مثل ابن أدهم .

 

من أخبار إياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة رحمهما الله :

من أخبار الورع عن الجاه والسمعة ماذكره الحافظ ابن كثير عن المدائني قال: بعث عمر بن عبد العزيز عديَّ بن أرطأة على البصرة نائبا ، وأمره أن يجمع بين إياس [يعني ابن معاوية ] والقاسم بن ربيعة الجوشني ، فأيهما كان أفقه فليولِّه القضاء ، فقال إياس – وهو يريد أن لايتولى: أيها الرجل سل فقيهَي البصرة : الحسن وابن سيرين ، وكان إياس لايأيتهما ، فعرف القاسم أنه إن سألهما أشارا به – يعني بالقاسم – لأنه كان يأتيهما ، فقال القاسم لعدي : والله الذي لا إله إلا هو إن إياسًا أفضل مني وأفقه مني وأعلم بالقضاء ، فإن كنتُ صادقًا فولِّه وإن كنت كاذبًا فما ينبغي أن تُوَلِّيَ كاذبًا القضاء ، فقال إياس : هذا رجل أُوقف على شفير جهنم فافتدى منها بيمين كاذبة ، يستغفر الله ، فقال عدي : أمَا إذا فطنت إلى هذا فقد ولَّيتك القضاء. (البداية والنهاية 9/350).

 

فهذا مثل في الورع يقدمه هذان العالمان الجليلان ، وقد غلَّبا – لشدة خوفهما من الله تعالى- جانب السلامة من المآثم على جانب اكتساب العمل الصالح ، فإن الولايات ومنها القضاء تُعدُّ من الأعمال الصالحة لمن وُفق فيها إلى العدل والسلامة من الزلل ، ولكنها مزلة قدم وباب من أبواب الفتنة لمن لم يقدر على العدل والوقاية من المآثم .

 

وقد ظهر في هذا الخبر مقدرة إياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة على التخلص من ذلك الأمر لولا ماوُفق إليه أمير البصرة عدي بن أرطأة من إلزام إياس بالقضاء .

*         *         *

- مواقف جهادية من السيرة النبوية –

- مواقف من غزوة أحد –

- من مواقف النساء الجهادية –

( أخبار أم عمارة )

أخرج محمد بن عمر الواقدي بإسناده عن شيوخه قالوا : وكانت نُسيبة بنت كعب أمّ عُمارة ، وهي امرأة غَزيّة بن عمرو ، وشهدت أُحدًا هي وزوجها وابناها ، وخرجت ومعها شَنّ لها في أوّل النهار تُريد أن تسقي الجرحى [الشَّنُّ هو القربة القديمة] ، فقاتلتْ يومئذ وأبْلَتْ بلاءً حسنًا ، فجُرحت اثنى عشر جُرحًا بين طعنة برمح أو ضربة بسيف .

 

فكانت أُمّ سعد بنت سعد بن الرَبيع تقول : دخلتُ عليها فقلت لها : ياخالة حدثيني خبرك، فقالت: خرجت أوّل النهار إلى أُحُد ، وأنا أنظرُ مايصنع الناس ، ومعي سقاءٌ فيه ماءٌ ، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه ، والدَّولة والريح للمسلمين ، فلمّا انهزم المسلمون انْحَزْتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعلت أُباشر القتال وأذُبّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف وأرمي بالقوس حتى خلصتْ إليَّ الجراحُ .

 

فرأيت على عاتقها جُرحًا له غَورٌ أجْوَف ، فقلت : يا أُمّ عُمارة ، من أصابك بهذا؟ قالت: أقبل ابن قَمئة ، وقد ولَّى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يصيح : دُلّوني على محمد ، فلا نجوتُ إن نجا، فاعترض له مُصْعَبُ بن عُمير وأُناس معه ، فكنت فيهم ، فضربني هذه الضربة ، ولقد ضربته على ذلك ضربات ، ولكنَّ عدو الله كان عليه درعان .

 

قلت : يدك ، ما أصابها ؟ قالت : أصيبتْ يوم اليَمامة لمّا جَعَلَت الأعرابُ ينهزمون بالناس، نادت الأنصارُ : "أخلصونا" فأُخلصَت الأنصارُ ، فكنت معهم ، حتى انتهينا إلى حديقة الموت [البستان الذي كان مسيلمة قد تحصن به في اليمامة]، فاقتتلنا عليها ساعة حتى قُتل أبو دُجانة على باب الحديقة ، ودخلتُها وأنا أُريد عدوّ الله مُسيْلمة ، فيعترض لي رجلٌ منهم فضرب يدي فقطعها ، فو الله ماكانت لي ناهيةٌ ولاعرّجتُ عليها حتى وقفتُ على الخبيث مقتولاً ، وابني عبد الله بن زيد المازنيّ يمسح سيفه بثيابه . فقلت: قتلتَه ؟ قال: نعم. فسجدت شكرًا لله . وكان ضمرة بن سعيد يُحدّث عن جدته ، وكانت قد شهدت أُحُدًا تسقي الماء ، قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لَمقامُ نُسيبة بنت كَعب اليوم خير من مقام فلان وفلان! وكان يراها تُقاتل يومئذ أشد القتال ، إنها لحاجزةُ ثوبها على وسطها ، حتى جُرحت ثلاثة عشر جُرْحًا ، فلما حضرتْها الوفاةُ كنت فيمن غسّلها ، فعددت جراحها جُرْحًا جُرْحًا فوجدتها ثلاثة عشر جُرْحًا . وكانت تقول : إني لأنظر إلى ابن قَمئة وهو يضربها على عاتقها – وكان أعظم جراحها ، لقد داوته سنة – ثم نادى مُنادي النبي صلى الله عليه وسلم إلى حَمْراْء الأَسد ، فشدّتْ عليها ثيابها فما استطاعت من نَزْف الدَّم ، ولقد مكثنا ليلنا نُكمِّد الجراح حتى أصبحنا ، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحَمْراء ، ماوصل إلى بيته حتى أرسل إليها عبد الله بن كعب المازني يسأل عنها ، فرجع إليه يُخبره بسلامتها فُسرّ النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.

 

وأخرج الواقدي ، عن موسى بن ضَمْرَة بن سعيد ، عن أبيه ، قال : أتيَ عمر بن الخطاب بمُروط [أي بملابس]، فكان فيها مرْطٌ واسع جيد ، فقال بعضهم : إنَّ هذا المرْط لِثَمن كذا وكذا ، فلو أرسلت به إلى زوجة عبد الله بن عمر صَفية بنت أبي عُبيد – وذلك حدْثانَ مادخلت على ابن عمر : فقال: أبعثُ به إلى مَن هو أحقّ منها ، أُمّ عمارة نُسيبة بنت كعب . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد يقول: ما التفتُ يمينًا ولا شمالاً إلا وأنا أراها تُقاتل دوني .

 

قال الواقدي : حدثني سعيد بن أبي زيد ، عن مروان بن أبي سعيد ابن المُعَلَّى ، قال: قيل لأُم عمارة : هل كنَّ نساءُ قُريش يومئذ يُقاتلن مع أزواجهنَّ ؟ فقالت : أعوذ بالله ، مارأيت امرأة منهنَّ رمت بسهم ولابحجر ، ولكن رأيت معهنَّ الدِّفاف والأكبار ، يضربن ويُذكِّرن القوم قتلى بَدْر ، ومعهنَّ مكاحلُ ومرَاود ، فكلّما ولَّى رجلٌ أو تكعكع [أي تكعكع : أحجم وتأخر إلى وراء ( النهاية ، ج4 ، ص 23 ) عن هامش المغازي] ناولته إحداهن مرْوَدًا ومكْحلة ويقلن: إنما أنت امرأة ! ولقد رأيتهنَّ ولَّين مُنهزمات مُشمِّرات – ولَهَا عنهنّ الرجالُ أصحاب الخيل، ونَجَوا على متون الخيل – يتبعن الرجال على الأقدام ، فجعلن يسقطن في الطريق . ولقد رأيت هند بنت عتبة ، وكانت امرأة ثقيلة ولها خَلْقٌ ، قاعدةً خاشيةً من الخيل ما بها مَشْىٌ ، ومعها امرأة أخرى ، حتى كّر القوم علينا فأصابوا منَّا ما أصابوا ، فعند الله نحتسب ما أصابنا يومئذ من قبَل الرماة ومعصيتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

قال الواقدي : حدّثني ابن أبي سَبْرة ، عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن أبي صَعْصَعَة ، عن الحارث بن عبد الله ، قال : سمعت عبد الله بن زيد بن عاصم يقول : شهدتُ أُحدًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما تفرّق الناسُ عنه دنوت منه ، وأُمي تّذُبّ عنه ، فقال : يا ابن أُمّ عُمارة ! قلت : نعم . قال: ارْم ! فرميت بين يديه رجلاً من المشركين بحجر ، وهو على فَرَس ، فأصبتُ عين الفَرَس فاضطرب الفَرَس حتى وقع هو وصاحبه ، وجعلت أعلوه بالحجارة حتى نضَّدتُ عليه منها وقْرًا، والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر ويتبسم ، فنظر إلى جُرْح بأُمي على عاتقها فقال : أُمَّك ، أُمَّك ! اعصبْ جُرْحَها، بارك الله عليكم من أهل بيت ! مقام أُمك خيرٌ من مقام فلان وفلان ، ومَقام ربيبك – يعني زوج أُمّه – خير من مقام فلان وفلان ، ومقامك لخيرٌ من مقام فلان وفلان ، رحمكم الله أهلَ بيت ! قالت : ادع الله أن نُرافقك في الجنَّة . قال : اللَّهمّ اجعلهم رفقائي في الجنة قالت : ما أُبالي ماأصابني من الدنيا. (مغازي الواقدي 1/268 – 273 . وذكر ابن هشام بعض رواية سعيد بن أبي زيد الأنصاري – الروض الأنف 5/444 -).

 

في هذه الأخبار مواقف منها :

الأول : الإشارة إلى الدور الذي كانت تقوم به النساء في العهد النبوي من الأعمال الجهادية حيث كنَّ يقمن بحمل الماء وسقي المجاهدين والاستعداد بمواد الإسعافات لتضميد الجرحى وغير ذلك من الخدمات التي يقدِّمْنَها للمجاهدين .

 

ولقد ظلت نساء المسلمين يقمْن بهذه الخدمات الجهادية بعد ذلك في عصر الفتوحات الإسلامية .

 

الثاني : ماقامت به أم عمارة نسيبة بنت كعب رضي الله عنها من التحول عن أداء مَهَامِّها كامرأة إلى أداء مهام الرجال الجهادية ، وذلك حينما وقعت الإصابة على المسلمين وأُفردَ النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه ، فرأت أم عمارة أن واجبها آنذاك أكبر من تقديم الخدمات المساعدة فباشرت قتال المشركين دفاعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحصل منها ماذُكر في هذه الأخبار من التصدي للأعداء والمشاركة في رد هجماتهم .

 

إن هذه الأعمال الجهادية الخشنة لايستغرب صدورها من الرجال لأنهم – خصوصا في ذلك العهد- قد مَرَنوا عليها وألفَتْ عليها أجسامهم ، لكن صدور ذلك من النساء أمر غير مألوف عادة، فكَوْن أم عمارة تقوم بذلك الجهد الكبير ، وتواصل الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم رغم إصابتها بتلك الجراح التي بلغت ثلاثة عشر يُعدُّ تضحية كبيرة وطاقة عالية غير معتادة ، ولايشك المتأمل بأن هذه الصحابية الجليلة قد حظيت بعون من الله تعالى جعلها تصمد ذلك الصمود العجيب وتقدِّم ذلك الجهد الكبير .

 

ومن المدهش في خبر تلك المرأة العظيمة أنها لم تُقَدِّم نفسها في الجهاد فحسب بل قدَّمت ابنيها ليكونا فداء للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولئن كان الدافع لدى زوجها وابنيها مألوفا في مجتمع الصحابة رضي الله عنهم فإن صدور ذلك من أمهما وهي تشاهدهما وتتوقع في أي لحظة أن يكونا تحت سنابك الخيل شهيدين .. إن ذلك يُعدُّ مثالا عاليا لقوة الإيمان ورسوخ اليقين .

 

فلهذه  الأفاعيل الكبيرة والتضحيات العالية من أم عمارة بنفسها وبحثِّ بنيها على الجهاد نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني عليها ذلك الثناء الطيب ، ولكنها لقوة إحساسها بالحياة الآخرة وشدة استحضارها لما أعده الله تعالى لأهل الجنة من النعيم المقيم لاتكتفي بسماع ذلك الثناء من رسول الله صلى الله عليه وسلم بل تهْتَبل هذه الفرصة الغالية لتطلب منه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله تعالى لها ولأفراد أسرتها بمرافقته في الجنة وهي تعلم علم اليقين أنه في أعلى عليين .

 

ونجد أم عمارة مع هذا الجهد الكبير والجراح المتعددة المؤلمة تقوم لتَشُدَّ عليها ثيابها لما سمعت منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو المسلمين لملاحقة جيش العدو في حمراء الأسد ، ولكنها لم تستطع المشاركة في هذه المهمة لأن جراحها مازالت تنـزف دما ، فأي عزيمة كانت تملكها تلك المرأة ، وأي حيوية كان يشتمل عليها قلبها الكبير ؟!!

 

إن الطاقة لدى الفرد المسلم لاتحدها الحدود المعتادة إذا كان وراء تلك الطاقة إيمان قوي محرك، ،وإذا كانت هذه المرأة المؤمنة قد قامت بهذه العجائب وهي لم تكن مؤهلة لذلك بحكم طبيعتها النسوية فكيف بالرجال إذا ملكوا ذلك الإيمان القوي الحيوي ؟!

 

وتمر الأيام ويقع المسلمون في لحظات حرجة جدًّا وهم يواجهون أعنف مقاومة واجهوها في حروب الردة ، وتبرز أم عمارة بصحبة ابنها لتبحث عن رأس المشركين المرتدين مسيلمة الكذاب وهي تريد أن تتصدى لقتله وإراحة المسلمين منه ، ولاتبالي وهي تدفع نفسها لهذا الهدف العالي بيدها التي قُطعت وهي تؤدي هذه المهمة ، لأن الله تعالى قد أبقى لها اليد الأخرى التي بإمكانها أن تبذل بها ما تستطيع من طاقة ، ولكن ابنها عبد الله بن زيد المازني يسبقها لأداء هذه المهمة فيشارك في قتل رأس الكفر مسيلمة ، وَتَقرُّ عين أم عمارة بهذه النهاية الحميدة للمسلمين وبما قدمه ابنها للإسلام والمسلمين من عمل جليل. (سبق في مواقف الجرأة أن ابنها حبيب بن زيد قتله مسيلمة لما أرسله إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشفى الله صدرها وصدر ابنها عبد الله حينما قتل مسيلمة).

 

الموقف الثالث : ماكان من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه من تقدير أهل الفضل وتَذَكُّر ماقدمته أم عمارة يوم أحد من بلاء وتضحية في سبيل الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فحينما وردت عليه وهو في خلافته ملابس مما أفاءه الله تعالى على المسلمين وكان فيها لباس متميز أرسله إلى أم عمارة وذكر جهادها المشكور ولم يلتفت إلى من أشار عليه ببعثه إلى زوجة ابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما .

 

وهذا موقف يذكر لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ، ويضاف إلى مواقفه الكثيرة في العدالة وتقديم أهل الفضل والتقدم في خدمة الإسلام والمسلمين .

- موقف جهادي لوهب المزني وابن أخيه –

قال الواقدي فيما يرويه عن شيوخه : وأقبل وهب بن قابوس المزني ، ومعه ابن أخيه الحارث بن عقبة بن قابوس ، بغَنَم لهما من جبل مُزَينة ، فوجدا المدينة خلوًا فسألا : أين الناس ؟ فقالوا: بأُحُد، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين من قريش . فقالا : لانبتغي أثرا بعد عين .

 

فخرجا حتى أتيا النبي صلى الله عليه وسلم بأحد فيجدان القوم يقتتلون ، والدولة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فأغارا مع المسلمين في النهب ؛ وجاءت الخيل من وراءهم ؛ خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل، فاختلطوا ، فقاتلا أشد القتال ، فانفرقت فرقة من المشركين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَنْ لهذه الفرقة؟ فقال وهب بن قابوس : أنا يارسول الله . فقام فرماهم بالنبل حتى انصرفوا ثم رجع .

 

فانفرقت فرقة أخرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لهذه الكتيبة ؟ فقال المزني : أنا يارسول الله . فقام فذبها بالسيف حتى ولَّوْا ، ثم رجع المُزّنيّ . ثم طلعت كتيبةُ أخرى فقال : من يقوم لهؤلاء ؟ فقال المزني : أنا يارسول الله . فقال : قم وأبشرْ بالجنة . فقام المزني مسرورًا يقول : والله لا أقيل ولا أستقيل .

 

فقام فجعل يدخل فيهم فيضرب بالسيف ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى المسلمين ، حتى خرج من أقصاهم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم ارحمه ! ثم يرجع فيهم فما زال كذلك ، وهم مُحدقون به ، حتى اشتملت عليه أسيافهم ورماحهم فقتلوه ، فوُجد به يومئذ عشرون طعنةً برمح، كلها قد خلصت إلى مقتل ، ومُثِّل به أقبح المثل يومئذ .

 

ثم قام ابن أخيه فقاتل كنحو قتاله حتى قُتل ، فكان عمر بن الخطاب يقول : إنَّ أحبَّ ميتة أموتُ عليها لمَا مات عليها المُزنيّ .

 

وكان بلال بن الحارث المُزني يُحدّث يقول : شهدنا القادسية مع سعد بن أبي وقَّاص . فلما فتح الله علينا وقُسمَتْ بيننا غنائمنا ، فأسقط فتى من آل قابوس من مُزينة. (أي أسقط اسمه من قسمة الغنائم).

 

فجئت سعدًا حين فرغ من نومه فقال : بلال ؟ قلت : بلال ! قال : مرحبًا بك . من هذا معك ؟ قلت : رجلٌ من قومي من آل قابوس . قال سعد : ما أنت يافتى من المُزني الذي قُتلَ يوم أُحد ؟ قال : ابن أخيه . قال سعد: مرحبًا وأهلاً وأنْعَمَ الله بك عَيْنًا ، ذلك الرجل شهدتُ منه يوم أحُد مشهدًا ماشهدتُه من أحَد ، لقد رأيُتنا وقد أحدق المشركون بنا من كلّ ناحية ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطنا والكتائب تطلع من كل ناحية ، وإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرمي ببصره في الناس يتوسّمهم [أي يتفرس فيهم] يقول : من لهذه الكتيبة؟ كلّ ذلك يقول المُزنّي : أنا يارسول الله ! كلُّ ذلك يردّها ، فما أنسى آخر مرّة قامها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قمْ وأبشر بالجنَّة ! قال سعد : وقمت على أثره ، يعلم الله أني أطلبْ مثل مايطلب يومئذ من الشهادة ، فخُضْنا حَوْمتهم حتى رجعنا فيهم الثانية ، وأصابوه رحمه الله . ووددتُ والله أني كنت أًصبت يومئذ معه ، ولكن أجَلي استأخر . ثم دعا سعد من ساعته بسهمه فأعطاه وفضَّله وقال: اختر في المقام عندنا أو الرجوع إلى أهلك ، فقال بلال : إنه يستحب الرجوع ، فرجعنا.

 

وقال سعد : أشهدُ لرأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفًا عليه وهو مقتول ، وهو يقول : رضي الله عنك فإني عنك راض . ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على قدميه – وقد نال النبي صلى الله عليه وسلم من الجراح ماناله، وإني لأعلم أن القيام ليشقُّ عليه – على قبره حتى وُضع في لحده ، وعليه بُرْدَة لها أعلامٌ خُضْر ، فمدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم البُرْدَة على رأسه فَخَمَّره ، وأدرجه فيها طولاً وبلغت نصف ساقَيه ، وأمرَنا فجمعْنا الحَرْمَل فجعلناه على رجلَيه وهو في لحده ، ثم انصرف . فما حالٌ أموتُ عليها أحبُّ إليّ من أن ألقى الله تعالى على حال المُزَنيّ. (مغازي الواقدي 1/275 – 277).

 

في هذا الخبر مواقف منها :

أولاً : بيان الجهد الكبير الذي بذله في الجهاد وهب بن قابوس المزني وابن أخيه الحارث بن عقبة بن قابوس رضي الله عنهما حيث تركا ما قدما من أجله من بيع غنمهما في المدينة وخرجا إلى موقع المعركة في أحد ، ولم يكن لهما دافع إلى الخروج إلا نصرة الإسلام والمسلمين ، ولقد بذل كل واحد منهما جهدًا كبيرًا في صد الأعداء والنكاية بهم حتى سقطا شهيدين .

 

وإننا لنجد في هذا الخبر مثلا لقوة تمثُّل الحياة الآخرة في أذهان الصحابة ، فحينما بشَّر النبي صلى الله عليه وسلم وهبًا المزني بالجنة قام مسرورًا وهو يقول : لا أُقيل ولا أستقيل فقد اشترى الجنة بنفسه وطلب موطن الشهادة بعدما أثخن في العدو ، ونجد أن الصحابة يتمنون أن يموتوا تلك الميتة التي رافقها ضمان دخول الجنة .

 

وهذا الشعور القوي نحو الحياة الآخرة هو الذي أنتج العجائب في حياة الصحابة رضي الله عنهم، حيث أصبحوا قوة عظمى على قلة العَدد وضعف العُدد ، واشتهر في أوساط الأمم أن المسلمين لايمكن أن يقف لهم أحد مهما كانت قوة استعداده وكثرة جنوده .

 

ثانيًا : موقف جليل لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في تذكر خبر وهب المزني على الرغم من مرور ثلاث عشرة سنة تقريبًا على غزوة أحد لمجرد مرور اسم رجل من عشيرته عليه ، وهذا يعني اهتمام الصحابة رضي الله عنهم بأخبار أهل الفضل والمواقف الحميدة في الإسلام ، وكذلك ينبغي أن يُشادَ بأهل المكارم والمحامد لتحصل الأسوة الحسنة بهم .

*          *          *

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 46:40:03


4 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8360734 عدد زيارات الموقع 82 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com