|
المصلحون : العدد الثالث والعشرون
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .
2 – أضواء من الهدي النبوي .
3 – توجيهات ومواقف سلوكية .
4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .
- أضواء من هدي القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله سبحانه (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي
اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ
لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ
عَلِيمٌ{54} إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ{55}
وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ
هُمُ الْغَالِبُونَ{56} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ
الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم
مُّؤْمِنِينَ{57})
[ المائدة :54 – 57] .
[54] في هذه الآية تهديد شديد للذين يرتدون عن دينهم الذي هو الإسلام ويستبدلون به
أديانا محرفة أو مبادئ أرضية ببيان أنهم لن يضروا الله شيئا ولن يضروا الدين بشيء
وإنما يضرون أنفسهم، أما دين الله سبحانه فسوف يهيء الله لنصره فئة مختارة تتميز
بهذه المزايا التي ذكرها الله جل وعلا في هذه الآية (فَسَوْفَ
يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)
فهؤلاء القوم المختارون قد أضفى الله سبحانه عليهم محبته ، وهذا أمر عظيم وحُلُم
بعيد يتمناه المؤمنون المتقون ، وحب الله تعالى عبده لايكون جزافا وإنما يَمنُّ
الله سبحانه على عبده بمحبته لأن هذا العبد قد استحق هذه المحبة ، وإنما يستحق
العبد محبة الله جل وعلا بثلاثة أمور :
أولها : الإيمان الصادق الراسخ الذي يصل إلى حد اليقين .
ثانيها : العمل الصالح الذي يصل إلى درجة الإحسان وهو أن يعبد الله عز وجل كأنه
يراه.
وثالثها : العلم النافع الذي يدرك به شمولية الإسلام لكل نواحي الحياة ، ويكون
عبدًا لله تعالى حيث أمره وحيث نهاه ، فلا يفقده تعالى حيث أمره ، ولا يراه حيث
نهاه ، ولا يشتغل بعبادات على حساب إهماله لعبادات أخرى ، فإذا طبق ذلك فإنه ينال
محبة الله عز وجل التي يدندن حولها أولياؤه المتقون ، وعلى رأسهم الصحابة رضي الله
عنهم ، فحينما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر "لأعطين الراية غدًا رجلا
يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" بات الصحابة ليلتهم يخوضون
في الحديث أيهم يعطاها لقوله صلى الله عليه وسلم " ويحبه الله ورسوله " حتى قال عمر
رضي الله عنه : ما أحببت الإمارة إلا يومئذ ، وقد أعطى الراية رسول الله صلى الله
عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه. (انظر
صحيح البخاري ، رقم 4210).
أما حب هؤلاء المختارون ربهم فهذا أيضًا أمر عظيم ، وعليه يترتب حب الله إياهم ،
وإن من أبرز أسباب الحصول على هذا الحب أن يكون قلب العبد معمورا بذكر الله تعالى ،
بحيث يكون حاضر القلب معه جل وعلا في كل عبادة يؤديها أو عمل صالح يقوم به ، وأن
يستشعر عظمة الله عز وجل في كل أحواله ، وفي مقابل ذلك أن يستهين بكل أمر مخالف
لأمره وبكل من شذ عن الاستقامة على شريعته .
(أَذِلَّةٍ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)
الذلة هنا بمعنى الرحمة والتواضع واللين والعطف ، فالمؤمن يلين بيد إخوانه المؤمنين
ويرحمهم ويتواضع لهم ويعطف عليهم ، ولا يصل المؤمن إلى هذه المعاني السامية إلا إذا
اعتقد بأنه يكوِّن مع إخوانه المؤمنين جسدًا واحدا كما قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " – وشبك بين أصابعه -. (صحيح البخاري
رقم 6026 ، صحيح مسلم رقم 2585).
فلا يمكن أن يُتصوَّر بأن الإنسان يقسو على عضو من أعضائه ، فحينما يبلغ الرقي
الأخلاقي إلى الشعور بأن المؤمنين جميعا جسد واحد يتحقق هذا الوصف الذي وصف الله
تعالى به تلك الفئة المختارة .
ومما يمثل هذا المعنى قول أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه للهرمزان الأمير الفارسي
"خدَعَتني ولا والله لا أنخدع إلا لمسلم " فأسلم الهرمزان خوفا من القتل [سيأتي هذا
الخبر في " مواقف دعوية "], فعمر حينما قال هذا الكلام فكأنما يقول : أنا والمسلمون
نمثل جسدا واحدا فإذا لان المسلم لأخيه فكأنما عطف على عضو من أعضائه ،لكن لا يمكن
أن يكون ذلك من المسلم لغير المسلم .
(أَعِزَّةٍ
عَلَى الْكَافِرِينَ)
والعزة هنا بمعنى الشدة والغلظة والاستعلاء ، فالمؤمنون الصادقون لايهنون أمام
الكفار ولا يضعفون ، لأنهم بهذه العزة إنما يُظهرون عزة الإسلام ويرفعون رايته ،
فليست هذه العزة منبثقة من الكبرياء الذاتية ، وإنما الهدف منها هو إظهار عزة
الإسلام ، وهذا لا يتنافى مع السماحة في معاملة الكفار من أجل تأليفهم للإسلام ،
فهذا مقصد آخر ، وإنما المقصود هو عدم الخضوع للكفار الذين يظهرون قوتهم وهيمنتهم
على الأرض ، ولقد كان الصحابة رضي الله عنهم يمثلون معنى الآية في معاملتهم مع
الكفار ، فأم المؤمنين أم حبيبة رضي الله عنها حينما طوت فراش رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن أبيها أبي سفيان الذي كان آنذاك كافرا وكان زعيم قريش كانت تظهر عزة
الإسلام. (سيأتي هذا الخبر في " مواقف دعوية ").
وجميع أعضاء الوفود الذين وفدوا على قادة الكفار وملوكهم في العهد النبوي وعهد
الخلفاء الراشدين كانوا يظهرون عزة الإسلام أمام أولئك القادة. (ستأتي أمثلة من ذلك
في " مواقف دعوية " و " مواقف جهادية ").
وهاتان الجملتان في الآية جاء في معناهما قول الله تعالى في وصف الصحابة رضي الله
عنهم (أَشِدَّاء
عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ)
[ الفتح : 29] .
(يُجَاهِدُونَ
فِي سَبِيلِ اللّهِ)
فالجهاد في سبيل الله هو أبرز صفات الطائفة التي تريد أن تقيم دولة الإسلام وترفع
رايته في الأرض ، وذلك لأن أهل الباطل لا يمكن أن يقروا ظهور الحق وأهله، ويخطئ
الذين يظنون أنهم يستطيعون إقامة دولة الإسلام بغير الجهاد ، ولو كان ذلك سائغا لم
يكن لذكر هذه الصفة في هذه الآية ضرورة ، وقد أقيمت دولة الإسلام في العهد النبوي
بالجهاد ، وحينما تكالبت قوى الباطل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لإسقاط دولة
الإسلام كانت المبادرة من الصحابة بقيادة أبي بكر الصديق رضي الله عنهم إلى الجهاد
حتى أقاموا دولة الإسلام ، فالجهاد عامل أساسي في وجود الإسلام قويا عزيزا في هذه
الأرض .
والجهاد نوعان : النوع الأول الجهاد الدفاعي ، وذلك فيما إذا دخل العدو دار الإسلام
، ويكون في هذه الحال فرض عين ، وكذلك عند استنفار الإمام ، وعند التقاء الصفين .
والنوع الثاني : الجهاد الدعوي ، وذلك فيما إذا كان الجهاد لإزالة قوى الباطل
والطغيان التي تحول دون بلوغ دعوة الإسلام للشعوب ، وهذا يُعدُّ فرض كفاية إذا قام
به بعض المسلمين سقط عن بقيتهم ، وإن لم يقم به أحد أو قام به عدد لايكفي أثِمَ
جميع القادرين من المسلمين على ذلك .
وقد طبق الصحابة رضي الله عنهم نوعي الجهاد ، فحينما ارتدت أو تمردت أكثر قبائل
العرب قام كل قادر من الصحابة بالجهاد حتى عادت دولة الإسلام إلى جزيرة العرب ،
وكان الجهاد – والحال تلك – فرض عين ، ثم طبقوا الجهاد الدعوي حينما جيشوا الجيوش
لإزالة أعظم دولتين في العالم آنذاك وهما دولتا الفرس والروم .
(وَلاَ
يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ)
وهذا تعبير عن الجرأة في قول الحق وتطبيقه ، فأفراد هذه الفئة المختارة متوجهون نحو
تطبيق شريعة الله تعالى قولا وعملا والعمل بما يرضيه وإن سخط عليهم الناس جميعا ،
ولا يمنعهم من ذلك لومة لائم ولا بطش سلطان ظالم ، ورائدهم في ذلك قول رسول الله
صلى الله عليه وسلم " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ". (مسند الإمام أحمد
3/19 ، صحيح الجامع الصغير ، رقم 1111 ، (1/361 )).
(ذَلِكَ)
الاختيار لهؤلاء القوم وتوفيقهم لنصر الإسلام وإعزازه (يُؤْتِيهِ
مَن يَشَاءُ)
يوفق إليه من أراد من عباده (وَاللّهُ
وَاسِعٌ عَلِيمٌ)
فهو سبحانه واسع الفضل والإنعام عليم بمن يستحق ذلك من عباده .
[55] (إِنَّمَا
وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ)
يعني : لا تتخذوا – أيها المسلمون – الكفار أولياء تطلبون منهم النصر وتنصرونهم ،
إنما وليكم الناصر لكم هو الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا (الَّذِينَ
يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ)
أي يؤدونها كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها، في مظهرها وهو الأقوال
والأفعال ، وفي مخبرها وهو الخشوع المشتمل على حضور القلب مع الله تعالى ، فهؤلاء
الذين يؤدون صلاتهم كاملة لايُنتظر منهم أن يوالوا الكفار لأن صلاتهم ذات الخشوع
تمنعهم من ذلك كما قال الله تعالى (إِنَّ
الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ)
[ العنكبوت : 45] .
(وَيُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ)
طيبة بها نفوسهم يتقربون بها إلى الله تعالى ، وإن إخراج المال الذي هو من أحب
المحبوبات لدى الإنسان من أجل الله تعالى لدليل واضح على قوة الإيمان .
(وَهُمْ
رَاكِعُونَ)
أي يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحال أنهم راكعون أي خاشعون
ومتواضعون لله عز وجل ، فالركوع هنا بمعناه اللغوي وهو الخضوع والخشوع .
[56] (وَمَن
يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ
الْغَالِبُونَ)
في هذه الآية إخبار من الله جل وعلا بأن الذين يتولون الله ورسوله والذين آمنوا هم
حزب الله ، ووعد كريم بأن حزبه جل وعلا هم الغالبون المنتصرون في النهاية ، هذا
النصر لم يحدد له وقت معين ، ولكن هذه الآية تعطي المؤمنين أملا بأن النصر لهم إذا
حققوا ولايتهم لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ولو بعد زمن يطول أو
يقصر ، كما ينبغي أن يفهم المؤمنون الذين يهتمون بتحقيق هذا الجانب من العقيدة أن
هذا الموضوع عامل من عوامل النصر وأن هناك عوامل لابد من تحققها .
[57] (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ
هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ
وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء)
سبق في الآية الأولى أن الله تعالى نهى عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ، وفي هذه
الآية نهى سبحانه المؤمنين عن أن يتخذوا أهل الكتاب أولياء وأضاف إليهم الكفار .
وفي هذه الآية لفتة مهمة وهي في قوله تعالى (الَّذِينَ
اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً)
ففيها بيان لمسوغ آخر للبراءة من الكفار غير كونهم على غير دين الإسلام وهو أنهم
يسخرون من دين المسلمين ويجعلون منه مثارًا للهزل واللعب ، وفي ذلك تحجيم للجدليين
من المبطلين الذين قد يدافعون عن أهل الكتاب بأنهم أهل ديانات سماوية وأنه يمكن
التعايش معهم وعدم البراءة منهم ، فإن الذين يسخرون من الإسلام في عهد التنـزيل
كانوا من اليهود ، والذين يحاربون الإسلام منذ قرون وما يزالون هم من النصارى
واليهود .
ففي هذه الآية والآية الأولى تحذير من التناصر بين المسلمين والكفار على مختلف
دياناتهم، فالتناصر لايجوز أن يكون إلا بين المسلمين ، فالذي فعله المنافقون من
مناصرة اليهود والدفاع عنهم ضد المسلمين مناقض للإسلام ، وأسوأ من ذلك أن يدخل بعض
المسلمين مع الكفار في خندق واحد وأن يتحالفوا ضد طائفة من المسلمين .
(وَاتَّقُواْ
اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)
أي راقبوا الله تعالى وخافوا من سخطه وعذابه في تولي الكفار ومناصرتهم إن كنتم
مؤمنين حقا بالله تعالى وتوقنون بتحقق وعيده على من خالف أوامره .
* * *
- أضواء من الهدي النبوي –
- نصرة المظلومين –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : فإن من الأحاديث التي وردت في وجوب نصرة المظلومين من المسلمين قول رسول
الله صلى الله عليه وسلم : " ما من امرئ يخذل امرءا مسلما في موضع تُنتهك فيه حرمته
، ويُنتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته ، وما من امرئ ينصر
مسلما في موضع يُنتقص فيه من عرضه ويُنتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب
فيه نصرته " أخرجه أبو داود رحمه الله من حديث جابر بن عبد الله وأبي طلحة رضي الله
عنهم. ( جامع الأصول رقم 4802).
فهذا الحديث يُجسِّم لنا الجزاء في الآخرة على حسب العمل في الدنيا ، إنْ خيرا فخير
وإن شرا فشر ، ولقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث جزاء عظيما للمؤمن
الذي ينصر أخاه المسلم في الدنيا ويدافعُ عن عرضه ، حيث ينصره الله جل وعلا في
الآخرة ، وإن أيَّ مسلم في قلبه إيمان حينما يسمع هذا الحديث يسارع إلى نصرة إخوانه
المسلمين والحذر من خذلانهم .
وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر تفصيلا للأجر العظيم الذي يحصل عليه
من قام بنصرة إخوانه المظلومين ، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم : " ومن مشى مع
مظلوم حتى يثبِّت له حقه ثبَّت الله قدميه على الصراط يوم تزلُّ الأقدام" أخرجه أبو
داود .
وما أحوج المسلم إلى تثبيت الله جل وعلا له على الصراط يوم تزل منه الأقدام !!
إن خذلان المسلمين وعدم الإسراع في نصرتهم يُعدُّ ضعفا في الإيمان ، وضعفا في تطبيق
مقتضيات الأخوه الإسلامية ، وإن انتصار المسلمين بعضهم لبعض يُعدُّ صورة حية
للتلاحم بينهم والتكافل القوي بين أفرادهم.
ومن الأمثلة الرائعة لإنصاف النبي صلى الله عليه وسلم للمظلومين وإن كانوا غير
مسلمين ما أخرجه محمد بن إسحاق رحمه الله قال : حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي
سفيان الثقفي ، وكان واعية ، قال: قدم رجل من إراش [اسم قبيلة ويقال : إراشة] بإبلٍ
له مكة ، فابتاعها منه أبو جهل ، فمطله بأثمانها .
فأقبل الإراشي حتى وقف على ناد من قريش ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية
المسجد جالس ، فقال – يعني الإراشي - : يامعشر قريش ، منْ رجل يؤْديني – يعني
ينصفني – على أبي الحكم بن هشام ، فإني رجل غريب ابن سبيل ، وقد غلبني على حقي ؟
فقال له أهل ذلك المجلس : أترى ذلك الرجل الجالس – لرسول الله صلى الله عليه وسلم
وهم يهزؤون به لما يعلمون بينه وبين أبي جهل من العداوة- اذهب إليه فإنه يؤديك عليه
.
فأقبل الإراشي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ياعبد الله ، إن
أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حق لي قِبَلَه ، وأنا رجل غريب ابن سبيل ، وقد سألت
هؤلاء القوم عن رجل يؤديني عليه يأخذ لي حقي منه فأشاروا لي إليك ، فخذ لي حقي منه
يرحمْك الله ، قال: انطلق إليه ، وقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما
رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم : اتبعه فانظر ماذا يصنع .
قال : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فضرب عليه بابه ، فقال : من هذا
؟ قال: محمد فاخرج إلي ، فخرج إليه ومافي وجهه رائحة – أي بقية من روح – قد انتقع
لونه ، فقال: أعط هذا الرجل حقه ، قال : نعم ، لاتبرح حتى أعطيه الذي له ، قال :
فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه إليه ، قال: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال
للإراشي : الْحق بشأنك ، فأقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال : جزاه الله
خيرا فقد والله أخذ لي حقي .
قال : وجاء الرجل الذي بعثوا معه ، فقالوا : ويحك ماذا رأيت ؟ قال: عجبًا من العجب،
والله ماهو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج إليه وما معه روحه ، فقال: أعط هذا حقه ،
فقال: نعم ، لايبرح حتى أُخرج إليه حقه ، فدخل فخرج إليه بحقه فأعطاه إياه .
قال : ثم لم يلبث أن جاء ، فقالوا له : ويلك ، مالك ؟ والله مارأينا مثل ماصنعت قط
! قال: ويْحكم ! والله ماهو إلا أن ضرب علي بابي وسمعت صوته فمُلئت رعبا ، ثم خرجت
إليه وإن فوق رأسه لَفحلاً من الإبل مارأيت مثل هامته ولاقصَرَته – يعني أصل عنقه –
ولا أنيابه لفحل قط ، والله لو أبيت لأكلني. (سيرة ابن هشام 1/410).
فهذا الخبر يحكي صورة من سلوك أهل الجاهلية في ظلم المستضعفين ، ومطِلهم حقوقهم،
وهذا السلوك المنحرف ناتج عن خواء العقل من الوازع الديني الذي يترتب على الخوف من
الله تعالى ورجاء ماعنده .
فالكفار خاوية قلوبهم من هذه العقيدة ، لأنهم لا يؤمنون بالله تعالى واليوم الآخر ،
وإنما يؤمنون بالحياة الدنيا ، ويعتمدون في سلوكهم على نظرة المجتمع بما فيها من
قوة وضعف ، فيخضعون للأقوياء ويوفونهم حقوقهم كاملة ، ويهضمون حقوق الضعفاء لعدم
مقدرة الضعفاء على الانتقام منهم ، ولذلك رأينا في هذا الخبر أبا جهل يشتري الإبل
من ذلك الأعرابي ولايوفيه أثمانها ، لعلمه بضعفه وعدم مقدرته على استخلاص حقه منه .
ونجد في هذا الخبر صورة أخرى من صور الجاهلية ، حيث اغتنم أولئك الكفار شكوى ذلك
الأعرابي ليتخذوا منها مادة للسخرية من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإحراجه ، حيث
أشاروا على ذلك الأعرابي بشكوى أبي جهل إليه ، وهم يعلمون عداوة أبي جهل الشديدة له
، ومايتصف به أبو جهل من العنف والحقد الدفين .
ونجد في هذا الخبر مثلا من السلوك الإسلامي العالي ، وذلك في قيام رسول الله صلى
الله عليه وسلم بنصر المظلومين ، حيث قام مع ذلك الرجل انتصارًا له ليأخذ له حقه من
ظالمه ، وهذا دليل على أهمية هذا الموضوع ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام معه
وهو رجل كافر ، فكيف لو كان مسلما ؟! ولأن الذي ظلم ذلك الرجل هو أعدى أعداء
الإسلام ، وهو أبو جهل ، ومن المنتظر عادة أن يواجه النبي صلى الله عليه وسلم
بالعبوس والشتائم ، ومع ذلك قام صلى الله عليه وسلم مع ذلك المظلوم حتى نصره وأخذ
له حقه .
هذا وإن ماجرى للنبي صلى الله عليه وسلم من معجزة بحماية الله إياه ليس هو المشجعَ
الذي دفعه للقيام بهذا العمل النبيل ، لأنه لم يكن يعلم بحدوث ذلك إلا بعد وقوعه ،
وإنما قام به لأنه عمل صالح يؤجر عليه ، وإن ناله شيء من الأذى فإن أجره يضاعف .
وإن هذا السلوك العالي يُعدُّ قدوة حسنة للمسلمين ، ليدركوا بأن لإخوانهم المسلمين
عليهم حقوقا لابد من أدائها ، ومن ذلك نصرة المظلومين ، فإذا كان النبي صلى الله
عليه وسلم قد انتصر لذلك الرجل الكافر بحكم أنه مظلوم فكيف يتخاذل المسلمون عن نصرة
إخوانهم في الدين الذين يحاول الجبارون أن يهضموهم حقوقهم .
* * *
- توجيهات ومواقف سلوكية –
- مواقف في الورع والعفة والزهد –
- من مواقف أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز –
تربيته أولاده على التقشف والزهد :
ذكر الحافظ ابن الجوزي من خبر يعقوب عن أبيه أن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز أتى
إلى أبيه وهو خليفة يستكسي أباه ، فقال : يا أبت اكسني ، فقال : اذهب إلى الخيار بن
رياح البصري فإن لي عنده ثيابا فخذ منها مابدا لك ، قال : فذهبت إلى الخيار بن رياح
فقلت : إني استكسيت أبي فأرسلني إليك وقال : إن لي عند الخيار بن رياح ثيابا ، فقال
صدق أمير المؤمنين ، فأخرج إليه ثيابا سنبلانية أو قطرية ، فقال : هذا ما لأمير
المؤمنين عندي فخذ منها مابدا لك ، قال عبد الله: ماهذا من ثيابي ولا من ثياب قومي
، فقال : هذا مالأمير المؤمنين عندي ، فرجع عبد الله إلى أبيه عمر فقال : يا أبتاه
استكسيتك فأرسلتني إلى الخيار بن رياح فأخرج لي ثيابا ليست من ثيابي ولا من ثياب
قومي . قال : فذاك مالنا عند الرجل ، فانصرف عبد الله حتى إذا كاد يخرج ناداه فقال:
هل لك أن أسلفك من عطائك مائة درهم ، قال: نعم يا أبتاه ، فأسلفه مائة درهم فلما
خرج عطاؤه حوسب بها فأُخذت منه. ( سيرة عمر بن عبد العزيز /335).
موعظة المنصور بسيرة عمر المالية :
قال الحافظ ابن الجوزي : وبلغني أن المنصور قال لعبد الرحمن ابن القاسم بن محمد بن
أبي بكر الصديق رضي الله عنه : عظني . قال : بما رأيت أو بما سمعت ؟ قال: بما رأيت
قال: مات عمر بن عبد العزيز رحمه الله وخلَّف أحد عشر ابنا وبلغت تركته سبعة عشر
دينارا كُفِّن منها بخمسة دنانير واشتُري له موضع قبره بدينارين وقُسم الباقي على
بنيه ، وأصاب كل واحد من ولده تسعة عشر درهما ، ومات هشام بن عبد الملك وخلف أحد
عشر ابنا ، فقسمت تركته وأصاب كل واحد من تركته ألف ألف . ورأيت رجلا من ولد عمر
ابن عبد العزيز قد حمل في يوم واحد على مائة فرس في سبيل الله عز وجل ، ورأيت رجلا
من ولد هشام يُتصدق عليه. ( سيرة عمر بن عبد العزيز /254).
وإن في هذا الخبر لعبرة للمعتبرين ، حيث تحولت حال أبناء عمر بن عبد العزيز الذين
لايملك الواحد منهم عشرين درهما إلى أن ملكوا الألوف ، بينما تحولت حال أبناء هشام
بن عبد الملك الذين يملك الواحد منهم مئات الألوف إلى أسوإ حال ، وذلك من آثار صلاح
عمر بن عبد العزيز ومن بركة دعائه الصالح لأولاده ، فإن صلاح الآباء يكون خيرا
وبركة على أبنائهم في الدنيا والآخرة ، فأما في الدنيا فمن أدلة ذلك خبر الغلامين
اللَّذَين حفظ الله تعالى لهما رزقهما بسبب صلاح أبيهما كما جاء في قوله تعالى (وَأَمَّا
الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ
كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا
أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ
عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً{82})
[الكهف : 82] .
وأما في الآخرة فإن الله تعالى يُلحق بفضله وكرمه ذرية الصالحين بهم في الجنة كما
جاء في قولـه تعالى (وَالَّذِينَ
آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ
ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ
بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ{21})
[الطور : 21] ، وإن في ذلك لبشرى لمن وُفقوا بآباء صالحين، وذلك مما يدفعهم إلى
الاستقامة على ماكان عليه آباؤهم حتى يسعدوا في دنياهم وآخرتهم .
دقة موازنته بين الدنيا والآخرة :
ذكر الحافظ ابن الجوزي من خبر جزيمة أبي محمد بن العابد أن عمر بن عبد العزيز قال:
ما أعطيت أحدًا مالا إلا وأنا استقله ، وإني لأستحي من الله عز وجل أن أسأل الجنة
لأخ من إخواني وأبخل عليه بالدنيا ، فإذا كان يوم القيامة قيل لي : لو كانت الجنة
بيدك كنت بها أبخل. (سيرة عمر بن عبد العزيز /133).
وهذا يدل على اهتمامه بالجنة وتعظيمه إياها وأنه يرى أن الدنيا لاتساوي شيئًا عندها
، فلذلك يرى أن من تكرم على أخيه بسؤال الجنة له لاينبغي له أن يبخل عليه بالدنيا
مهما كان حجم الطلب منها ، وفي ذلك عبرة للمسلمين الذين يستهينون بطلب نعيم الآخرة
الخالد ، بينما يُبدون اهتماما كبيرا بطلب متاع زائل .
أمثلة من زهده وإصلاحه :
ذكر الحافظ ابن الجوزي من خبر الحكم بن عمر الرعيني قال : شهدت عمر حين جاءه أصحاب
المراكب يسألونه العلوفة ورزق خدمها . قال وكم هي؟ قالوا هي كذا وكذا . قال أبعث
بها إلى أمصار الشام يبيعونها فيمن يريد وأجعل أثمانها في مال الله عز وجل ، تكفيني
بغلتي هذه الشهباء ، وجاءه صاحب الرقيق يسأل أرزاقهم وكسوتهم ومايصلحهم ، فقال عمر
: كم هم؟ قالوا : هم كذا وكذا ألفا ، فكتب إلى أمصار الشام أن ارفعوا إليَّ كل أعمى
في الديوان أو مقعد أو من به فالج أو من به زمانة تحول بينه وبين القيام إلى الصلاة
، فرفعوا إليه ، فأمر لكل أعمى بقائد وأمر لكل اثنين من الزَّمنَى بخادم ، وفَضُل
من الرقيق فكتب : أن ارفعوا إليّ كل يتيم ومن لا أحد لـه ممن قد جرى على والده
الديوان ، فأمر لكل خمسة بخادم يتوزعونه بينهم بالسوية. (سيرة عمر بن عبد العزيز
/130).
فلينظر العقلاء وليوازنوا بين عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وعهود من قبله
من الأمراء بالنسبة لهؤلاء المملوكين الذين خُصِّصوا للخدمة ونحو ذلك ، كم هي
نفقاتهم وهم قد بلغوا عدة آلاف ؟ وكم هو النقص الذي يحصل على بيت مال المسلمين منهم
؟! ثم ليعتبروا بما قرره عمر بن عبد العزيز من التخلي عنهم وتوزيعهم على المسلمين
من أصحاب العاهات واليتامى ليقوموا بخدمتهم ، فهو بهذا وفَّر نفقاتهم الكبيرة على
بيت المال ، وفي الوقت نفسه نفع بهم أعدادًا كثيرة من المسلمين هم بحاجة إليهم ،
فهكذا تكون الاستقامة ، وهكذا تكون العدالة !!
مثل من خشيته وموقف لأبي قلابة :
أخرج الإمام أحمد من خبر حميد الطويل أبي عبيدة الخزاعي قال : لما استخلف عمر بن
عبد العزيز بكى وقال : يا أبا قلابة هل تخشى علي ؟ قلت : كيف حبك الدرهم ؟ قال: لا
أحبه ، قال: لاتخف إن الله عز وجل سيعينك. (الزهد /301).
فهذا فهم جيد من أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي رحمه الله تعالى ، فقد ذكر أهم
أسباب الفتنة وهو حب المال ، فإن حب المال يحمل صاحبه على إكتسابه من طريق الحرام
والشبهات ، وإذا وقع المسؤول في ذلك سارع إلى منافسته ومحاولة احتوائه أمثاله من
أهل الدنيا ، فيضطر إلى إنفاق المال على الكبراء من هؤلاء الذين هم خبراء به لكيلا
يفضحوه أمام الناس ، فيكون الجميع شركاء في نهب أموال الأمة وحرمان أصحاب الحقوق .
نهاية عمر بن عبد العزيز وما في ذلك من مواقف :
ذكر ابن سعد من خبر محمد بن قيس قال : حضرت أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أول
مرضه، اشتكى لهلال رجب سنة إحدى ومئة ، فكان شكوه عشرين يوما ، فأرسل إلى ذمي ونحن
بدير سمعان ، فساومه موضع قبره ، فقال الذمي : يا أمير المؤمنين إنها لخيرة أن يكون
قبرك في أرضي، قد حللتك ، فأبى عمر حتى ابتاعه منه بدينارين ، ثم دعا بالدينارين
فدفعهما إليه. (طبقات ابن سعد 5/406).
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز : كان قد شدد على
أقاربه وانتزع كثيرًا مما في أيديهم فتبرموا وسموه،فروى معروف بن مشكان عن مجاهد
قال قال لي عمر ابن عبد العزيز : مايقول الناس في ؟ قلت : يقولون إنك مسحور ، قال :
ما أنا بمسحور ، ثم دعا غلاما لـه فقال لـه ويحك ماحملك على أن سقيتني السم ؟ قال:
ألف دينار أعطيتُها وعلى أن أعتق، قال : هات الألف ، فجاء بها . فألقاها عمر في بيت
المال . وقال : اذهب حيث لايراك أحد. ( تذكرة الحفاظ 1/121).
فهذا مثل عجيب في العفو ، حيث عفا أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى
عن غلامه الذي وضع له السم وتسبب في قتله وهو قادر على أن يقتله شر قتلة ، ولكنه
يوقن بأن ماعند الله خير وأنه إن عفا عنه حصل له الثواب من الله تعالى على العفو ،
وإن انتصر منه فأقام عليه الحد لم يأثم ولكنه لايحصل على أجر العفو ، ونظرًا إلى أن
أغلى شيء عنده في هذه الحياة أن يرتفع رصيده من الحسنات فإنه قد فضل العفو على
الانتصار للنفس .
ومما جرى منه في مرضه ما أخرجه محمد بن سعد من خبر أيوب السختياني قال : قيل لعمر
بن عبد العزيز : يا أمير المؤمنين لو أتيت المدينة فإن قضى الله موتا دُفِنتَ في
الموضع الرابع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ، قال : والله لأن
يعذبني الله بكل عذاب إلا النار فإني لاصبر لي عليه أحب إليَّ من أن يعلم الله
تعالى من قلبي أني أُراني لذلك أهلا. (طبقات ابن سعد 5/404 ، وانظر سيرة عمر بن عبد
العزيز لابن الجوزي /148).
فهذا مثال على خشيته العظيمة وتواضعه الكبير رحمه الله تعالى رحمة واسعة .
وذكر الحافظ ابن الجوزي من خبر أبي زيد الدمشقي قال : لما ثقل عمر بن عبد العزيز
دُعي له طبيب فلما نظر إليه قال: الرجل قد سُقي السم ، ولا آمن عليه الموت . فرفع
عمر بصره فقال: ولاتأمن الموت أيضا على من لم يُسْقَ السم ؟ قال الطبيب هل أحسست
بذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال: نعم قد عرفت حين وقع في بطني ، قال : فتعالج يا أمير
المؤمنين فإني أخاف أن تذهب نفسك، فقال ربي خير مذهوب إليه والله لو علمت أن شفاي
عند شحمة أذني مارفعت يدي إلى أذني فتناولته . اللهم خِرْ لعمر في لقائك ، قال: فلم
يلبث أياما حتى مات. (سيرة عمر بن عبد العزيز /239).
وأخرج ابن سعد من خبر عمرو بن عثمان قال : مات عمر بن عبد العزيز لعشر ليال بقين من
رجب سنة إحدى ومائة ، وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر ، وكانت خلافته سنتين وخمسة
أشهر، ومات بدير سمعان. (طبقات ابن سعد 5/407 – 408).
سؤال الفقهاء عن حال عمر في بيته :
أخرج الحافظ أبو القاسم ابن عساكر من خبر وُهيب بن الورد قال : بلغنا أن عمر بن عبد
العزيز لما توفي جاء الفقهاء إلى امرأته يُعزُّونها به فقالوا لها : جئناك لنعزيك
بعمر ، فقد عمت مصيبته الأمة، فأخبرينا يرحمك الله عن عمر ، كيف كانت حاله في بيته
؟ فإن أعلمَ الناس بالرجل أهله، فقالت : والله ماكان بأكثركم صلاة ولاصياما ، ولكني
والله مارأيت عبدا لله قط كان أشد خوفا لله من عمر ، والله إن كان ليكون في المكان
الذي ينتهى إليه سرور الرجل بأهله ، بيني وبينه لحاف فيخطر على قلبه الشيء من أمر
الله فينتفض كما ينتفض طائر وقع في الماء ثم ينشج ، ثم يرتفع بكاؤه حتى أقول :
والله لتخرجن نفسه التي بين جنبيه ، فأطرح اللحاف عني وعنه رحمة له ، وأنا أقول :
ياليتنا كان بيننا وبين هذه الإمارة بُعْدَ المشرقين ، فو الله مارأينا سرورا منذ
دخلنا فيها. (تاريخ دمشق 45/235 – 236 ، وأخرج نحوه الإمام أحمد في الزهد / 299).
من ثناء العلماء على عمر :
من ذلك ما أخرجه ابن عساكر من خبر حماد بن واقد قال : سمعت مالك بن دينار يقول :
يقولون مالك بن دينار زاهد ! [يعني نفسه] أيُّ زهد عند مالك وله جبة وكساء !! إنما
الزاهد عمر بن عبد العزيز ، أتته الدنيا فاغرة فاها فتركها. (تاريخ دمشق 45 / 209 ،
وانظر حلية الأولياء 5/257).
ثناء ملك الروم عليه :
أخرج الحافظ أبو نعيم من خبر محمد بن معبد أن عمر بن عبد العزيز أرسل بأسارى من
أسارى الروم ففادى بهم أسارى من أسارى المسلمين ، قال : فكنت إذا دخلت على ملك
الروم فدخلَتْ عليه عظماء الروم خرجت ، قال: فدخلْتُ يوما فإذا هو جالس في الأرض
مكتئبًا حزينا ، فقلت: ماشأن الملك ؟ قال : وماتدري ماحدث ؟! قلت : وماحدث ؟ قال :
مات الرجل الصالح، قلت: من ؟ قال : عمر بن عبد العزيز . قال : ثم قال ملك الروم :
لأحسب أنه لو كان أحد يحيى الموتى بعد عيسى بن مريم عليه السلام لأحياهم عمر بن عبد
العزيز ، ثم قال : لست أعجب من الراهب أغلق بابه ورفض الدنيا وترهَّب وتعبَّد ،
ولكن أتعجب ممن كانت الدنيا تحت قدميه فرفضها ثم ترهب. (حلية الأولياء 5/290 ،
وأخرج نحوه ابن عساكر – تاريخ دمشق 45/261 – 262 ، وانظر سير أعلام النبلاء 5/142 ،
وسيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي /249).
* * *
- مواقف جهادية من السيرة النبوية –
- مواقف من غزوة أحد –
- ثبات النبي صلى الله عليه وسلم العظيم –
بعد أن داهم فرسان المشركين المسلمين من خلفهم ، وصاح الشيطان بهم : ألا إن محمدًا
قد قتل، حصل ماحصل على المسلمين من الاضطراب والارتباك ففر منهم من فر وانسحب منهم
إلى سفح الجبل من انسحب وثبت من ثبت في ميدان المعركة .
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يفر ولم ينسحب ، ولقد ضرب بنفسه أروع
الأمثال في الشجاعة ورباطة الجأش والإقدام على المكاره ، فلقد أُفرد في نفر من
أصحابه فثبت وقاتل الكفار هو ومن ثبتوا معه ، بل أعظم من ذلك أنه نادى المسلمين
المنسحبين إلى أعلى الوادي من خلفهم يقول: إليّ عباد الله ، إليّ عباد الله .
وقد نزل في ذلك قول الله تعالى (إِذْ
تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ
فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ
مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ{153})
[آل عمران :153] .
وأخرج الإمام ابن جرير الطبري من طريق ابن جُريج عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه
قال في قوله تعالى(وَالرَّسُولُ
يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ):
إليَّ عباد الله إليَّ عباد الله. (تفسير الطبري 4/134).
وقوله تعالى (فَأَثَابَكُمْ
غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ)
معناه أن الله تعالى جازاهم بغمٍّ جديد وهو إشراف جيش الكفار عليهم بعد توقف
المعركة على غمِّهم السابق بالإصابة وفوات النصر كما أخرج الإمام ابن جرير من طريق
أسباط بن نصر عن السدي الكبير إسماعيل بن أبي كريمة قال : فلما اجتمعوا وفيهم رسول
الله صلى الله عليه وسلم حين ذهب عنهم الحزن – يعني برؤيتهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم حيًّا – فأقبلوا يذكرون الفتح ومافاتهم منه ويذكرون أصحابهم الذين قُتلوا
، فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم ، فلما نظروا إليه نسوا ذلك الذي كانوا عليه
وهمَّهم أبو سفيان. (تفسير الطبري 4/136).
فكَوْن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع صوته بنداء أصحابه يُعدُّ منتهى الشجاعة
والبطولة لأنه هو مقصود المشركين الأول وهم يعرفون صوته ، وهو بهذا النداء يغري
المشركين بنفسه ، لكنه لم يلتفت إلى ذلك لأن عودة المؤمنين واجتماعهم تحت قيادته
أهمُّ من أمر سلامته مع بقائه منفردًا عن أصحابه وتفرقهم بغير قيادة ولانظام .
وقد أقبل المشركون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقاتلهم وقاتل دونه عدد قليل من
أصحابه حتى قُتل بعضهم بين يديه وأُثخن بعضهم بالجراح ، إلى أن فاء المسلمون بعدما
عرفوا مكان النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي .
إن مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد وثباته العظيم في وجه العدو دليل
واضح على اهتمامه الكبير بأصحابه وترفُّعه عن النظر إلى الذات ، فلقد كان بوسعه صلى
الله عليه وسلم أن يبقى في مكان حصين وأن يجعل حوله حرسًا يحمونه من هجمات الأعداء
، وسيجد أن جميع الصحابة سيتنافسون على حمايته ووقايته بأرواحهم ، ولكنه واجه حَرَّ
المعركة وتعرَّض لاستهداف العدو لأنه يشرِّع لأمته ويرسم للقادة من بعده الطريق
الأمثل ، وعلى هذا الطرق سار قادة المسلمين منن الصحابة رضي الله عنهم. هذا وقد
جاءت روايات تبين جهود النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد ، فمن ذلك ما أخرجه
الواقدي في سياق رواية له قال : وباشر رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال ، فرمى
بالنَّبل حتى فنيت نَبُله وتكسرّت سيَة قوسه ، وقبل ذلك انقطع وَتَره ، وبقيت في
يده قطعةٌ تكون شبرًا في سية القوس ، وأخذ القوسَ عُكَّاشة بن محْصَن يُوتره له ،
فقال : يارسول الله ، لايبلغ الوَتَر . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مُدّه
، يبلغْ! قال عُكَّاشة : فو الذي بعثه بالحقّ ، لمددتُه حتى بلغ وطويتُ منه اثنين
أو ثلاثة على سية القوس. ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قوسه ، فما زال يرمي
القوم ، وأبو طلحة أمامهم يَستْره مُترّسًا عنه، حتى نظرت إلى قوسه قد تحطّمت ،
فأخذها قتادة بن النُّعمان. (مغازي الواقدي 1/242).
فهذا الخبر فيه بيان شيء من الجهد الذي بذله رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال
الأعداء ، حيث لم يكن عمله قاصرًا على إدارة المعركة ، وإنما تجاوز ذلك إلى الإسهام
في القتال ، ولقد كان الجهد الذي بذله في الرمي كبيرًا حيث بلغت كافة الرمي إلى
الحد الذي أتلف قوسه .
- مواقف من جهاد حمزة بن عبد المطلب واستشهاده –
1 – أخرج الإمام أبو عبد الله البخاري من حديث جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال
"خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار ، فلما قدمنا حمص قال لي عبيد الله بن عدي :
هل لك في وحشي . نسأله عن قتل حمزة ؟ قلتُ : نعم . وكان وحشيُ يسكنُ حمص ، فسألنا
عنه، فقيل لنا : هو ذاك في ظل قصره كأنه حَميت. (حَميت بوزن رغيف أي زقّ كبير قاله
الحافظ ابن حجر وقال : وفي رواية لابن عائذ " فوجدناه رجلا سمينا محمرة عيناه" (
الفتح 7/368)).
قال فجئنا حتى وقفنا عليه بيسير ، فسلمنا ، فرد السلام ، قال وعبيد الله مُعتجرٌ
بعمامته مايرى وحشيٌ إلا عينيه ورجليه فقال عبيد الله : ياوحشي أتعرفني ؟ قال فنظر
إليه ثم قال : لا والله، إلا أني أعلمُ أن عدي بن الخيار تزوج امرأةً يقالُ لها أم
قتال بنت أبي العيص ، فولدت لـه غلامًا بمكة فكنتُ أسترضع له ، فحملتُ ذلك الغلام
مع أمه فناولتها إياهُ ، فلكأنِّي نظرتُ في قدميك .
قال فكشف عُبيد الله عن وجهه ثم قال : ألا تخبرنا بقتل حمزة ؟ قال : نعم ، إن حمزة
قتل طُعيمة بن عدي بن الخيار ببدر ، فقال لي مولاي جبير بن مُطعم : إن قتلت حمزة
بعمي فأنت حرّ قال: فلما أن خرج الناس عام عينين – وعينين جبل بحيال أحد ، بينه
وبينه واد – خرجتُ مع الناس إلى القتال ، فلما اصطفوا للقتال خرج سباع فقال : هل من
مبارز ؟ قال فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فقال : ياسباعُ ، يا ابن أم أنمار مقُطعة
البُظور [يعني الختَّانة قال الحافظ ابن حجر : قال ابن إسحاق : وكانت أمه ختانه
بمكة تختن النساء أ.هـ قال: والعرب تطلق هذا اللفظ في مَعْرض الذم وإلا قالوا :
خاتنة – الفتح 7/369] ، أتحارُّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ؟ قال ثم شدَّ عليه
، فكان كأمس الذاهب . قال : وكمنتُ لحمزة تحت صخرة ، فلما دنا مني رميته بحربتي
فأضعها في ثُنَّته [أي في عانته] حتى خرجتُ من بين وركيه قال : فكان ذك العهد به .
فلما رجع الناسُ رجعتُ معهم ، فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلامُ . ثم خرجتُ إلى
الطائف، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رُسُلا ، فقيل لي : إنه لايهيج
الرُّسل ، قال: فخرجتُ معهم حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآني
قال : آنت وحشي ؟ قلت : نعم . قال : أنت قتلتَ حمزة ؟ قلتُ : قد كان من الأمرُ
مابَلَغكْ . قال : فهل تستطيع أن تُغيب وَجَهك عني ؟
قال فخرجت .فلما قُبض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فخرج مُسيلمة الكذابُ قلت:
لأخرجنَّ إلى مُسيلمة لعلي أقتله فأكافيء به حمزة . قال فخرجت مع الناس فكان من
أمره ماكان ، قال : فإذا رجلٌ قاسم في ثلمة جدار كأنه جملٌ أورقُ ثائر الرأس ، قال
فرميتُه بحربتي ، فأضعها بين ثدييه حتى خرجَتْ من بين كتفيه . قال ووثب رجلٌ من
الأنصار فضربه بالسيف على هامته " .
قال قال عبدُ الله بن الفضل : فأخبرني سليمانُ بن يسار أنه سمع عبد الله بن عمر
يقول : "فقالت جاريةٌ على ظهر بيت " وا أمير المؤمنين ، قتله العبدُ الأسود". (صحيح
البخاري ، المغازي ، رقم 4072 ( الفتح 7/368)).
في هذا الخبر مواقف وعبر منها :
أولاً : بيان شجاعة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه العظيمة ، فلقد ذكر وحشي قتله
لأحد المبارزين من المشركين بصورة تدل على قوة حمزة وشجاعته الخارقة ومقدرته
الحربية الفائقة.
وذكر الحافظ ابن حجر عن رواية الطيالسي لهذا الخبر " فإذا حمزة كأنه جمل أورق
مايرفع له أحد سيفه إلا قمعه بالسيف فَهبتُه " ، قال : وعند ابن عائذ " فرأيت رجلا
إذا حمل لايرجع حتى يهزمنا ، فقلت : من هذا ؟ قالوا : حمزة ، قلت : هذا حاجتي ". (
فتح الباري 7/369).
وهذا يعني أنه كان متلثما فلم يعرفه وحشي ، لكن أهل الخبرة الحربية يعرفونه بجلاده
لتميزه عن غيره في الحرب .
وجاء في رواية ابن إسحاق : ويهدُّ الناس بسيفه هدًّا ، مايقوم له شيء ".( سيرة ابن
هشام 3/19).
وهذا يدل على مقدار شجاعة حمزة أسد الله وأسد رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومبلغ
النكاية التي أوقعها بالكفار في تلك المعركة .
ثانيًا : موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من وحشي قاتل حمزة حينما أسلم ، وقد
ذكر الحافظ ابن حجر في ذلك روايات أخرى ، منها رواية الطيالسي وفيها يقول وحشي في
نفسه :" فأردت الهرب إلى الشام فقال لي رجل : ويحك والله مايأتي محمدًا أحد بشهادة
الحق إلا خلَّى عنه ، قال: فانطلقت فما شعر بي إلا وأنا قائم على رأسه أشهد شهادة
الحق .. فقال : ويحك حدثني عن قتل حمزة ، قال: فأنشأت أحدثه كما حدثتكما ". (فتح
الباري 7/370).
وقد قبل منه النبي صلى الله عليه وسلم إسلامه لأن الإسلام يَجُبُّ ماقبله ، ولم يصل
إليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولامجرد عتاب ، وهذا منتهى مايتصوره الإنسان
من السماحة والعفو والإحسان .
ولابد لنا هنا من أن نقف وقفه تأمل أمام هذا المشهد العظيم ، فهذا حمزة بن عبد
المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقتل غدرا من هذا الرجل الحبشي ويمثِّل
الكفار بجسده ويَحزن عليه الرسول صلى الله عليه وسلم حزنا بالغا ، ومع ذلك ينطلق
قاتله ليعيش في مكة حُرّا طليقا لايخشى من كيد المسلمين ولم يخطر بباله أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم يمكن أن يدبِّر خطة للانتقام منه ، لأنه لم يسبق لـه أن
فعل ذلك مع أمثاله، ولو فعله مع ذلك الرجل لم ينتطح في قتله عنـزان ، فهو رجل كان
مملوكا فلا قوم لـه بمكة ولاعشيرة ، ومع ذلك فإن شيئًا من ذلك لم يحدث ، لأن رسول
الله صلى الله عليه وسلم - وهو الإمام الأول للمسلمين – لم يكن يتصرف بدافع من
الانتصار للنفس ، وإنما كان يُقْدم أحيانا على تدبير المكائد للكفار إذا كانوا من
الزعماء الذين يكيدون للمسلمين ، فالقضاء عليهم قبل ذلك يوفر على المسلمين معارك قد
تُضعف من قوتهم ، أما أن يفكر في قتل رجل لاقوة له ولاعشيرة لمجرد الانتقام منه فإن
ذلك لايفيد شيئًا في نصر الإسلام ولايوهن من كيد الكافرين .
وكون ذلك الرجل أغاظ النبي صلى الله عليه وسلم وأحزنه صحيح ، ولكن الذي يرفع هذا
الحزن والغيظ هو احتساب الأجر عند الله تعالى والإيمان بأن أمَد هذه الحياة قصير
وأن هناك لقاء خالدا في الآخرة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعظم من يمثل
هذا المبدأ السامي .
أما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لوحشي " فهل تستطيع أن تُغِّيب وجهك عني ؟
"فهذا لايعني شيئًا من المؤاخذة والتأثيم ، وإنما هو تذكير له بأن رؤيته إياه تجلب
له شيئًا من المتاعب النفسية لأن ذلك يذكره بتلك المصيبة العظيمة التي كان لها في
نفسه أثر بالغ ، فأشار عليه النبي صلى الله عليه وسلم بأن يغيب وجهه حتى يفقد مصدر
التذكير بتلك المصيبة .
إن الرجال الكُمَّل من صفاتهم أن نفوسهم مرهفة الإحساس ، يتأثرون إذا أخطأ عليهم
أحد خطأً كبيرًا ، ولكنهم مع ذلك يكتمون مشاعر نفوسهم فلا يتصرفون إلا بما يوافق
العقل السليم ، وإذا أخطؤوا على غيرهم تأثروا كثيرًا وسارعوا إلى الاعتذار ومحو
آثار ذلك الخطأ ، ومع ذلك يبقى في نفوسهم شيء من أثر ذلك .
وإن من رحمة الله تعالى بالإنسان أنه ينسى سريعًا ، فتمر عليه المصائب ، فلا تخلِّف
في نفسه أثرًا بالغا لأنه ينساها ويُشغَل بما في حاضره ، ولكن حينما يواجه مشهدًا
من مشاهد تلك المصائب فإنه يتذكر حالاً في الغالب ، فيحصل له شيء من التأثر النفسي
إذا كان مرهف الإحساس .
والنبي صلى الله عليه وسلم وهو القدوة العظمى لأمته لم يكتم ذلك ويصبر على تحمل
الآثار النفسية كلما واجه ذلك الرجل ، لأنه مشرِّع للأمة ، وكلمته هذه التوجيهية
تبين أن شعور الإنسان بالألم والحزن عند تذكر المصيبة لايعني نقصًا في الإيمان
بقضاء الله تعالى وقدره ، ولاضعفًا في الصبر على الأذى ، لأن ذلك أمر جبلِّي فطر
الله الإنسان عليه ، فلا يملك محوه من نفسه ، وإنما يملك جوارحه أن تقول أو تفعل
مالا يليق .
لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذًا يتحمل الكثير من الآلام النفسية من مواجهة
عتاة الكفار الذين كانوا يواجهونه بأنواع من الأذى النفسي والجسمي ثم يرى وجوههم مع
كل صباح ومساء !
ولقد ظل طويلا يذكر ماواجهه به عتاة ثقيف حينما خرج لدعوتهم لما سألته عائشة رضي
الله عنها عن أشد يوم مرَّ عليه كما سبق .
2 – أخرج أبو عبد الله الحاكم من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل قال : سمعت جابر بن
عبد الله رضي الله عنهما يقول : فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد حمزة
حين فاء الناس من القتال، قال: فقال رجل : رأيته عند تلك الشجرة وهو يقول : أنا أسد
الله وأسد رسوله اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء لأبي سفيان وأصحابه وأعتذر
إليك مما صنع هؤلاء من انهزامهم ، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه فلما رأى
جبهته بكى ولما رأى ما مُثِّل به شهق ثم قال : ألاَ كَفَنٌ فقام رجل من الأنصار
فرمى بثوب ، قال جابر : : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سيد الشهداء عند
الله تعالى يوم القيامة حمزة .
قال الحاكم : هذا حديد صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وأقره الذهبي.( المستدرك 3/199).
هذا الخبر يفيد بأن حمزة رضي الله عنه تأخر استشهاده حتى حصلت الإصابة على
المسلمين، فيكون قد أبلى بلاء عظيما في المرحلة الأولى من المعركة وثبت حينما حصل
الارتباك في صفوف المسلمين إلى أن استشهد ، وهذا شاهد على شجاعته الفذة وثباته
العظيم رضي الله عنه .
3 – أخرج الأئمة أحمد وأبو يعلى والبزار من حديث الزبير بن العوام رضي الله عنه أنه
لما كان يوم أحد أقبلت أمرأة تسعى حتى كادت أن تشرف على القتلى قال فكره النبي صلى
الله عليه وسلم أن تراهم، فقال : المرأة المرأة ، قال الزبير : فتوسمت أنها أمي
صفية قال : فخرجت أسعى إليها قال فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى ، قال :
فَلَدَمَتْ [أي ضربت ودفعت] في صدري وكانت امرأة جَلْدة قالت : إليك عني لا أرض لك
فقلت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عزم عليك قال : فوقفتْ وأخرجت ثوبين معها
فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة فقد بلغني مقتله فكفنوه فيهما ، قال: فجئنا
بالثوبين لنكفِّن فيهما حمزة فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار قتيل فُعل به كما فُعل
بحمزة قال: فوجدنا غضاضةً وخَنًى أن يكفَّن حمزة في ثوبين والأنصاري لاكفن له ،
فقلنا : لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب فقدرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر فأقرعنا
بينهما فكفَّنَّا كل واحد منهما في الثوب الذي طار له .
ذكره الحافظ الهيثمي وقال : فيه عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو ضعيف وقد وثق .( مجمع
الزوائد 6/118).
في هذا الخبر مواقف :
الأول : ما كان من صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها حينما رضيت وسلَّمت لأمر
النبي صلى الله عليه وسلم لها بالرجوع بينما كانت قبل ذلك تخاطب ولدها الزبير رضي
الله عنه بعنف وتضرب في صدره ظنّا منها أنه هو الذي يمنعها من رؤية أخيها حمزة رضي
الله عنه ، والوقوف عند أوامر النبي صلى الله عليه وسلم دليل على قوة الإيمان .
الثاني : موقف أخلاقي نبيل وذلك حينما واسى آل حمزة أخاه الأنصاري المقتول بجانبه
في الكفن فجعلوا لكل واحد منهما ثوبا ، ويبلغ هؤلاء العظماء منتهى النبل في
المعاملة حينما لجؤوا إلى القرعة في توزيع الثوبين على الشهيدين ولم يفضِّلوا حمزة
بأكبرهما .
إن هذا المشهد يكشف لنا صورة من أخلاق الصحابة رضي الله عنهم العالية في المعاملة
بينهم من الإيثار والمواساة والبعد عن الأثرة والأنانية .
* * *
|