|
المصلحون : العدد الثاني والعشرون
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .
2 – أضواء من الهدي النبوي .
3 – توجيهات ومواقف سلوكية .
4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .
- أضواء من هدي القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ{51})
[ المائدة :51] .
هذه الآية وآيات بعدها نزلت في زعيم المنافقين عبد الله بن أبي حينما شفع لمواليه
يهود بني قينقاع عند النبي صلى الله عليه وسلم وألح عليه في أن يعفو عنهم . وقد
أخرج ابن هشام عن ابن إسحاق قال : وحدثني أبي إسحاق بن يسار عن عبادة بن الوليد بن
عبادة بن الصامت قال : لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم تشبث
بأمرهم عبد الله بن أُبي بن سلول وقام دونهم ، قال : ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم وكان أحد بني عوف ، لهم من حلفه مثل الذي لهم من عبد الله
بن أبي فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ إلى الله عز وجل وإلى رسوله
صلى الله عليه وسلم من حلفهم وقال : يارسول الله أتولى الله ورسوله صلى الله عليه
وسلم والمؤمنين وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم ، قال ففيه وفي عبد الله ابن
أبيّ نزلت هذه القصة من المائدة (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء)
وذكـر الآيات إلى قوله تعالى (وَمَن
يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ
الْغَالِبُونَ{56})
[ المائدة :56] رواه ابن هشام عن ابن إسحاق [سيرة
ابن هشام 2/499]
ورواه الطبري أيضًا من طريق يونس بن بكير قال حدثنا ابن إسحاق به. ( جامع البيان
10/396).
قولـه (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء)
المراد بالولاية في الآية ولاية المودة والنصرة كما هو واضح من سبب نزول هذه الآيات
.
المعنى : يا أيها الذين آمنوا لاتجعلوا من اليهود والنصارى أصفياء لكم تحبونهم
وتثقون بهم وتنصرونهم وتستنصرون بهم ، (بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاء بَعْضٍ)
أي هم مرتبطون فيما بينهم بروابط مشتركة من أبرزها اجتماعهم على حرب الإسلام ،
فمهما توسعت شقة الخلاف بينهم فإنهم يد واحدة في حرب المسلمين لأن القضاء على
الإسلام والمسلمين هو الهدف الكبير الذي يسعى إليه الكفار جميعا .
(وَمَن
يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)
أي ما دامت النتائج الطبيعية لوجود الكفر والإيمان أن يتحالف الكفار ضد المؤمنين
فإن من يتولى الكفار من المؤمنين يكون معهم ضد المؤمنين ، ولا يمكن أن يصدر هذا
التصرف من مؤمن له من إيمانه الحافز إلى الخير والزاجر عن الشر .
(إِنَّ
اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)
الظلم وضع شيء في غير موضعه فمن تولى أعداء الإيمان فقد وضع الولاية في غير موضعها
، ولهذا نتائجه الخطيرة على صاحبه وعلى المسلمين فكيف يهديه الله إلى رشده في هذه
الولاية ؟ إن الله لايهدي الناس قسرا إلى الاستقامة لكن يخلق المسببات إثر وجود
أسبابها فمن سلك طريق الهدى اهتدى ومن سلك طريق الضلال ضلّ ولايهدي الله ضالا إلى
رشده قسرا .
وقال المفسر عبد الحق بن عطية الأندلسي في تفسير هذه الآية : ومن تولاهم بمعتقده
ودينه فهو منهم في الكفر واستحقاق النقمة والخلود في النار ، ومن تولاهم بأفعاله من
العضْد ونحوه دون معتقد ولا إخلال بإيمان فهو منهم في المقت والمذمَّة الواقعة
عليهم وعليه. (المحرر الوجيز 4/478).
وقال المفسر محمد الطاهر بن عاشور بعد أن ذكر تفسير ابن عطية : وقد اتفق علماء
السنة على أن ما دون الرضا بالكفر ومُمالأتهم عليه من الولاية لا يوجب الخروج من
الربقة الإسلامية ، ولكنه ضلال عظيم ، وهو مراتب في القوة بحسب قوة الموالاة
وباختلاف أحوال المسلمين ، ثم ذكر القضية التي سئل عنها خمسة عشر من فقهاء غرناطة –
وذكر أسماءهم – وذلك عن عصابة من قواد الأندلس وفرسانهم لجأوا إلى ملك النصارى في "
قشتالة " واستنصروا به على المسلمين فهل يحل لأحد من المسلمين مساعدتهم ؟ فأجابوا
بأن ركونهم إلى الكفار واستنصارهم بهم قد دخلوا به في وعيد قوله تعالى (وَمَن
يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)
فمن أعانهم فهو معين على معصية الله ورسوله ، هذا ماداموا مصرين على فعلهم ، فإن
تابوا ورجعوا عما هم عليه من الشقاق والخلاف فالواجب على المسلمين قبولهم .
قال : فاستدلالهم في جوابهم بهذه الآية يدل على أنهم تأولوها على معنى أنه منهم في
استحقاق المقت والمذمة ، وهذا الذي فعلوه وأجاب عنه الفقهاء هو أعظم أنواع الموالاة
بعد موالاة الكفر. (التحرير والتنوير 6/230 – 231).
وعلى هذا فإن مناصرة الكفار على المسلمين إذا كانت مبنية على معتقد القلب بمحبة
الكفار والميل إلى معتقداتهم فإنها تُعدُّ كفرا مخرجا من الملة ، وإن كانت من أجل
جلب منفعة أو دفع مضرة دنيوية من غير تأثير على معتقد القلب فإنها تكون معصية كبيرة
، ومما يؤيد ذلك ماجاء في خبر حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه لما أرسل كتابا إلى
كفار مكة يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح ، فإن ظاهر عمله من
تَولِّي الكفار وأنه رِدّةٌ عن الإسلام ، ولذلك قال عمر رضي الله عنه : يارسول الله
قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدَعْني فلأضرب عنقه ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم
سأله عن مقصده الباعث له على ذلك فأجابه بأنه فعل ذلك من أجل أن يُقدِّم للمشركين
خدمة يدفع الله بها عن أهله وماله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صدق ولا
تقولوا له إلا خيرا " وبهذا تحوَّل عمل حاطب من عمل ظاهره الكفر إلى المعصية ، ولما
كرر عمر رضي الله عنه اتهامه بالخيانة وطلب إقامة الحدِّ عليه قال النبي صلى الله
عليه وسلم : " أليس من أهل بدر ؟ فقال : لعلَّ الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا
ما شئتم فقد غفرت لكم " فدمعت عينا عمر وقال : الله ورسوله أعلم . أخرجه الشيخان من
حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وجاء في رواية مسلم فأنزل الله عز وجل (وَمَن
يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ
الْغَالِبُونَ{56})
[ الممتحنة : 1]. (صحيح البخاري ، رقم 3983 و 4890 (7/304 و 8/633) ، صحيح مسلم رقم
2494(ص1941)).
فالذي فعله حاطب معصية كبيرة ، ولكن شهوده معركة بدر قد محاها ، وكون شهوده معركة
بدر قد محا عنه خطيئته تلك دليل على أن تولِّي الكفار إذا لم يكن عن عقيدة بحبهم
والرغبة في انتصارهم فإنه لا يصل إلى الشرك الأكبر لأن ذلك يتعارض مع قول الله
تعالى (إِنَّ
اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ)
[النساء :48] فلو كان التولِّي المذكور من الشرك الأكبر فإن الحسنات ولو كانت كبيرة
كشهود معركة بدر لا أثر لها في محو تلك الخطيئة .
وآية سورة الممتحنة المذكورة تدل على أن ما فعله حاطب هو من تولِّي الكفار، وكون
النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم عليه بالكفر بسبب ذلك دليل على أن تولِّي الكفار
إذا كان بدافع من المصالح الدنيوية ولم يكن مبنيا على حب الكفار والرضا بما هم عليه
من الكفر لايكون كفرا مخرجا من الملة، وإنما هو معصية من كبائر الذنوب .
وهذا الحديث من أدلة أهل السنة والجماعة على عدم الاقتصار على ظاهر العمل في الحكم
على الفاعل ، بل لابد من معرفة قصده الباعث له على العمل .
ولكن مما يجب النظر إليه بالنسبة للاستدلال بهذا الحديث أن نلاحظ وضع حاطب بن أبي
بلتعة الديني ، فإن من المعلوم أن له رصيدا كبيرا من الإيمان الصادق والعمل الصالح
، وإنما وقع فيما وقع فيه لأنه لايعلم بأنه قد ارتكب مخالفة كبيرة تخدش إيمانه ،
ولابد لكمال الاستدلال بهذا الحديث أن يكون من وقع منه ما يحتمل الكفر له رصيد من
الإيمان الصادق والعمل الصالح وإعزاز الإسلام والمسلمين ، فإن هذا ظاهر أمره أنه لم
ينطلق في تولِّيه للكفار من معتقد قلبي ، ولكنه قد ارتكب معصية كبيرة ، أما إذا كان
ظاهره الاستهانة بالإسلام ومحاولة إذلال المسلمين المتقين والتضييق عليهم فإن ظاهر
عمله في تولِّي الكفار أن ذلك صادر عن معتقد قلبي ، فيُحكم عليه بأنه قد ارتكب
معصية كبيرة ، ويحكم على عمله بأن ظاهره الكفر ، ولكن لايجوز الحكم عليه بعينه
بالكفر إلا بعد قيام الحجة الشرعية عليه .
ولكن مع ذلك فإنه لايجوز الحكم بالكفر ولو ظاهرا على الذين يناصرونه أو يعملون معه
أو يدافعون عنه إلا إذا كانوا يعلمون بكفره ومع ذلك قاموا بمناصرته ، فيحكم عليهم –
والحال هذه – بالكفر على سبيل العموم ولايجوز الحكم على الأفراد المعينين إلا بعد
إقامة الحجة الشرعية عليهم.
هذا ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتابات كثيرة في بيان عدم جواز الحكم على
الإنسان المعيَّن بالكفر إلا بعد قيام الحجة الشرعية عليه ، فمن ذلك قوله " فإن
نصوص الوعيد التي في الكتاب والسنة ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك لا
يستلزم ثبوت موجبها في حق المعيَّن إلا إذا وُجدت الشروط وانتفت الموانع ، لا فرق
في ذلك بين الأصول والفروع. (مجموع الفتاوى 10/372).
ويقول أيضًا : " وكنت أبيِّن لهم أنما نُقل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول
بتكفير من يقول كذا وكذا فهو أيضًا حق ، ولكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين ،
وهذه أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار وهي مسألة " الوعيد " فإن
نصوص القرآن في الوعيد مطلقة كقوله (إِنَّ
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي
بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً{10})
[ النساء :10] وكذلك سائر ماورد ، مَنْ فعل كذا فله كذا فإن هذه مطلقة عامة. (مجموع
الفتاوى 3/230).
* * *
- أضواء من الهدي النبوي –
- الحث على الأمانة والتحذير من الخيانة –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : فاستكمالا لما سبق الحديث عنه من الحث على أداء الأمانة والتحذير من الخيانة
أذكر ما أخرجه الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : " بينا
نحن صفوف خلف النبي صلى الله عليه وسلم في الظهر أو العصر إذ رأيناه يتناول شيئا
بين يديه وهو في الصلاة ليأخذه ، ثم تناوله ليأخذه ، ثم حيل بينه وبينه ، ثم تأخر
وتأخرنا ، ثم تأخر الثانية وتأخرنا ، فلما سلم قال أُبيُّ بن كعب رضي الله عنه :
يارسول الله رأيناك اليوم تصنع في صلاتك شيئا لم تكن تصنعه ، قال : إنه عُرضَتْ علي
الجنة بما فيها من الزهرة فتناولت قطفا من عنبها لآتيكم به ، ولو أخذته لأكل منه من
بين السماء والأرض ولاينقصونه ، فحيل بيني وبينه ، وعُرضَتْ علي النار فلما وجدت حر
شعاعها تأخرت ، وأكثر من رأيت فيها النساء اللاتي إن إئتمنَّ أفشين ، وإن سألن
أحفين". (مسند أحمد 5/137).
ففي هذا الحديث تحذير للنساء اللاتي يفشين أسرار بيوتهن ، وينشرن أخبار أزواجهن
التي لا يحبون نشرها ، وقد يبالغ بعضهن في ذلك حتى تصبح أخبار الأسرة مكشوفة لكثير
من الناس ، وذلك من خيانة الأمانة فإن ما يجري في حياة الأسرة أمانة بين الزوجين ،
ولذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر أهل النار من النساء ، وعلَّل ذلك
بوقوعهن في خيانة الأمانة الأسرية والإلحاح في المطالب الدنيوية ، والرجال قد يقعون
في شيء من إفشاء الأسرار الأسرية ، لكن ذلك قليل فيما إذا نسب لما يقع من النساء .
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن من الأمانة الحفاظ على أسرار المجالس ، وذلك
بعدم نقل ما يدور فيها من الحديث ، وذلك فيما أخرجه أبو داود رحمه الله من حديث
جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "
المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس : سفك دم حرام ، أو فرجٍ حرام ، أو اقتطاع مال
بغير حق ". (سنن أبي داود ، رقم 4869 ، كتاب الأدب ، رقم 37(5/189)).
وكتمان الأسرار من الأخلاق العالية التي تدل على عظمة صاحبها ، لأن النفوس ميالة
إلى التحدث للآخرين بما يجهلونه ، ويحتاج الإنسان إلى قوة كبيرة كي يلجم نفسه عن
الحديث بكل ما يعلم من أحوال الناس .
وكتمان الأسرار من المميزات الكبرى التي تبين صلاحية الرجال للقيام بالأعمال المهمة
، لأن إفشاء الأسرار يُضيِّع على أصحاب القيادة والإدارة مصالح كبيرة ، ويوقعهم في
مشكلات خطيرة.
وفي هذا الحديث يقرر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من أخلاق الإسلام التي تجب
مراعاتها أن يحافظ المسلم على الأحاديث التي سمعها من إخوانه في المجالس فلا يفشيها
بين الناس إلا بإذن أصحابها .
والمقصود من هذه الأحاديث التي يجب كتمانها ما كان في إفشائه ضرر على المسلمين ،
سواء كان هذا الضرر يقع على المتحدِّث أو على المتحدَّث عنهم ، أو على سائر أفراد
المجتمع الإسلامي ، فيجب على المسلم كتمان ذلك لما يترتب عليه من الأضرار البالغة
على أفراد المسلمين وجماعتهم .
وإن إفشاء الأسرار التي يترتب عليها ضرر بالمسلمين يعدُّ مرضا نفسيا منبعثا من عدم
مقدرة العقل السليم على التحكم في تصرفات النفس .
وما أهون كتمان السر على من فكر بعقله في النتائج السيئة التي تترتب على إفشائه ،
وإنه لو فكر فقط في هذه النتائج المتعلقة به هو لأقلع عن التفكير في إفشاء السر ،
فإن هذه النتائج لاتقتصر على الإضرار بمن صدرت منهم هذه الأسرار ، بل تتعداهم إلى
أفراد آخرين .
فأما ضررها على من أفشاها فإنها إذا وصلت إلى صاحبها الذي تكلم بها يكون بينه وبين
مفشيها خلاف ونزاع ، ويضطر مفشي السر إلى أن يعتذر من أمر كان من اليسير عليه أن لا
يقع فيه ، إن في ذلك من تأنيب الضمير والعذاب النفسي لمفشي الأسرار ما لو فكر في
قليل منه لأمكنه تفادي الوقوع في هذا الخلق الذميم .
ولقد استثنى النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ثلاثة أمور يُشرع فيها إفشاء
الأسرار وهي :
أولا : أن يتحدث المجتمعون في أمر فيه سفك لدماء المسلمين بغير حق ، ويستوي في ذلك
ما إذا اتفقوا على قتل رجل أو جماعة من المسلمين ، أو اتفقوا على أمر يترتب عليه
سفك لدماء المسلمين ، فيجب – والحالة هذه – على من شهد ذلك إبلاغ من بيده القدرة
على إزالة هذا المنكر ، وإبلاغُ من سيقع عليه ذلك حتى يأخذ حذره .
ثانيا : أن يتحدث المجتمعون عن أمر فيه إنتهاك لأعراض المسلمين ، وذلك في التفكير
بارتكاب الفواحش ، فيجب على من شهد ذلك إزالة هذا المنكر بالطريقة التي يراها
مجدية في حماية أعراض المسلمين .
ثالثا : أن يتحدث المجتمعون في أخذ أموال المسلمين بغير حق ، سواء من الأفراد أو
الجماعات أو من الدول ، فيجب على من شهد ذلك تنبيه من سيقع عليه الضرر وإبلاغ الأمر
لمن يستطيع إزالته .
ولا يُعدُّ إفشاء السر في هذه الأمور الثلاثة من الإفشاء المحرم ، لما يترتب عليه
من جلب المصلحة ودفع المضرة عن المسلمين ، ولما يترتب على كتمانه من وقوع الضرر
وفوات المصلحة على المسلمين .
ومن التوجيهات النبوية في حفظ أمانة الحديث ما أخرجه أبو داود رحمه الله من حديث
جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا حدث
الرجل بالحديث ثم التفت فهو أمانة ". (سنن أبي داود ، رقم 4868 ، كتاب الأدب ، باب
رقم 37(5/188)).
وقوله " ثم التفت " أي مريدا بذلك مفارقة صاحبه ، والمقصود أن الحديث يكون أمانة
بين المتحدثين منذ أن يفارق أحدهما الآخر ، فلا يجوز لواحد منهما إفشاء ذلك الحديث
مالم يكن معلوما لهما أن ذلك الحديث من النوع الذي لايترتب على إفشائه ضرر لهما أو
لأحدهما .
* * *
- توجيهات ومواقف سلوكية –
- مواقف في الورع والعفة والزهد –
- من مواقف أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله –
وعظه مسلمة في الاقتصاد في المأكل :
ومن أمثلة زهده وتزهيده في الدنيا مارُوي عن مسلمة بن عبد الملك قال: دخلت على عمر
بن عبد العزيز بعد الفجر في بيت كان يخلو فيه فلا يدخل عليه أحد ، فجاءت جارية بطبق
تمر صيحاني – وكان يعجبه التمر – فرفع بكفيه فقال : يامسلمة أتُرى رجلا لو أكل هذا
ثم شرب عليه من الماء – فإن الماء على التمر يطيب – أكان يُجزيه إلى الليل ؟ فقلت :
نعم يا أمير المؤمنين كان كافيه دون هذا حتى مايبالي أن لايذوق طعاما غيره ، قال:
فعلامَ تدخلُ النار ؟
قال مسلمة : فما وقعَتْ مني موعظة ماوقعت مني هذه.( سيرة عمر بن عبد العزيز لابن
عبد الحكم /157 ، وانظر سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي /184-185).
فهذه موعظة بليغة من عمر تأثر بها مسلمة بن عبد الملك ، وإنما قصد عمر نهي مسلمة عن
الإسراف في الطعام ، وكان ممن اشتهر بذلك .
والإسراف في الطعام قد نهى الله تعالى عنه وكذلك في اللباس ونحوه من متاع الدنيا،
كما قال تعالى (وكُلُواْ
وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ{31})
[الأعراف :31] .
حواره مع عمته في رد مخصصاتها :
ومن ذلك ماذكره ابن عبد الحكم رحمه الله قال : ولما ولي عمر بن عبد العزيز أتت عمة
له إلى فاطمة امرأته فقالت : إني أريد كلام أمير المؤمنين ، قالت لها : اجلسي حتى
يفرغ فجلست، فإذا بغلام قد أتى فأخذ سراجا .
فقالت لها فاطمة : إن كنت تريدينه فالآن ، إذا كان في حوائج العامة كتب على الشمع،
وإذا صار على حاجة نفسه دعا بسراجه ، فقامت فدخلت عليه ، فإذا بين يديه أقراص وشيء
من ملح وزيت ، وهو يتعشى ، فقالت : يا أمير المؤمنين أتيت بحاجة لي ثم رأيت أن أبدأ
بك قبل حاجتي .
قال : وماذاك ياعمة ؟ قالت : لو اتخذت لك طعاما ألين من هذا ، قال: ليس عندي ياعمة،
ولو كان عندي لفعلت ، قالت : يا أمير المؤمنين كان عمك عبد الملك يُجري عليَّ كذا
وكذا، ثم كان أخوك الوليد فزادني ، ثم وليت أنت فقطعته عني .
قال : ياعمة إن عمي عبد الملك وأخي الوليد وأخي سليمان كانوا يعطونك من مال
المسلمين، وليس ذلك المال لي فأعطيكه ، ولكني أعطيك مالي إن شئت ، قالت : وماذاك يا
أمير المؤمنين ؟ قال : عطائي مائتا دينار فهي لك ، قالت : ومايبلغ مني عطاؤك ؟ قال
: فليس أملك غيره ياعمة ، قالت [يعني فاطمة بنت عبد الملك] : فانصرفَتْ عنه.( سيرة
عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم /63).
في هذا الخبر مواقف إسلامية رائعة من عمر بن عبد العزيز رحمه الله ، فهو أولا يضرب
مثلا عاليا في الورع حيث لايستعمل في حوائجه الخاصة شيئا من مال المسلمين العام .
وهو ثانيًا يضرب مثلا عاليا في الزهد حيث اكتفى بتلك النفقة القليلة والطعام
الزهيد، الذي أشفقت عليه منه عمته فبدأت بلومه على ذلك .
ثم هو ثالثًا يضرب مثلا عاليا في الحزم والقوة في تطبيق الحق وتنفيذ العدل حتى مع
أقاربه الكبار حيث قطع عنهم المخصصات التي كانت تصرف لهم ، ولم يثنه عن عزمه في ذلك
كثرة شكواهم وإلحاحهم عليه في الطلب .
ولقد أبدى لعمته استعداده لمنحها ماله الخاص مع أنه لايملك غيره ، فهو الأمر الذي
يوقن بأن الله تعالى لن يسأله عنه ، أما مال المسلمين العام فإنه مسؤول عنه أمام
الله تعالى يوم القيامة ، فكيف يجامل أقاربه مهما كان حقهم وقدرهم ليواجه الحساب
يوم القيامة ولاحجة له .
ولكن هذه المرأة – مع كبر سنها – زهدت في عطاء عمر لأنه لايساوي شيئًا يُذكر أمام
مخصصها الذي قُطع ، مع أن هذا العطاء قد خُصِّص من أهل النظر لكفاية بيت من بيوت
المسلمين، وذلك لأنها تعودت على نمط من الحياة لايغطي تكاليفه إلا المال الكثير .
وهكذا تكون طبيعة النفوس إذا ألفت على الإنفاق الكثير فإنها لاتستطيع أن تألف على
القليل .
والنفس كالطفل إن تهمله شبَّ على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
رفضه أن يوصي لأولاده بشيء :
ومن ذلك ماذكره أبو محمد عبد الله بن عبد الحكم رحمه الله تعالى قال: لما حضرت عمر
بن عبد العزيز الوفاة دخل عليه مسلمة بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين إنك قد
أفغرت أفواه ولدك من هذا المال ، فلو أوصيت بهم إليّ وإلى نظرائي من قومك فكفوك
مؤونتهم ! فلما سمع مقالته قال: أجلسوني فأجلسوه فقال : قد سمعت مقالتك يامسلمة ،
أما قولك : إني قد أفغرت أفواه ولدي من هذا المال فو الله ماظلمتهم حقا هو لهم ،
ولم أكن لأعطيهم شيئًا لغيرهم، وأما ماقلت في الوصية فإن وصيِّي فيهم (اللّهُ
الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ)
[الأعراف:196]، وإنما ولد عمر بين أحد رجلين : إما رجل صالح فسيغنيه الله ، وإما
غير ذلك فلن أكون أول من أعانه بالمال على معصية الله ، ادْعُ لي بَنيّ ، فأتوه
فلما رآهم ترقرقت عيناه ، وقال: بنفسي فتيةٌ تركتهم عالة لاشيء لهم – وبكى - :
يابِنَيّ إني قد تركت لكم خيرًا كثيرًا ، لاتمرون بأحد من المسلمين وأهل ذمتهم إلا
رأوا لكم حقا ، يابَنِيَّ إني قد مَثُلتُ بين الأمرين : إما أن تستغنوا وأدخل النار
، أو تفتقروا إلى آخر يوم الأبد وأدخل الجنة ، فأرى أن تفتقروا إلى ذلك أحب إليّ ،
قوموا عصمكم الله ، قوموا رزقكم الله. ( سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم
/115 – 116 ، وانظر تاريخ دمشق 345 – 252 ، وحلية الأولياء 5/333).
وقد جاء في إحدى الروايات أن الراوي قال : فما احتاج أحد من أولاد عمر ولاافتقر. (
هامش السيرة المذكورة /116)
في هذا الخبر مثل من ورع أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى حتى في
وصيته لأولاده بعد موته ، حيث لم يرض لنفسه أن يفارق الدنيا وقد حمَّل ذمته شيئًا
لايدري على أي وضع يكون تنفيذه ، فربما تصور أنه لو أوصى بهم أحد أقاربه لأعطاهم من
مصدر لايحل، فيلحقه بذلك شيء من الإثم ، فلجأ إلى الله تعالى وفوض أمرهم إليه .
لقد تصور في معاملة أولاده وقوعه بين أمرين : أن يغنيهم في الحياة الدنيا ، وذلك
بمنحهم شيئًا من المال العام للمسلمين فيتعرض بذلك للفحات النار ، أو أن يكتفي
بالإنفاق عليهم من المورد القليل الحلال الخالي من الشبهات فيتعرض بذلك لنفحات
الجنة ، فاختار الطريق الأخير مع ثقته بالله تعالى أنه لن يضيعهم ، وقد أشار إلى
أنه ترك لهم السمعة العالية ، حيث سيكونون موضع احترام وعطف جميع المسلمين وأهل
الذمة ، وأكرِمْ بذلك من ترِكة !!
إنها تركة عظيمة لاتقدر بها أموال الدنيا عند أصحاب الأفكار النيرة والعقول المبصرة
.
وفي قولـه " إنما ولد عمر بين أحد رجلين : إما رجل صالح فسيغنيه الله وإما غير ذلك
فلن أكون أول من أعانه بالمال على معصية الله " لفتة جليلة إلى معية الله تعالى
لأوليائه بالحفظ أخذًا من قول الله تعالى (وَهُوَ
يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ)
، وإشارة إلى أن الأمر المهم أن يبذل الوالد أقصى جهده في تربية أولاده على الصلاح
ليحفظهم الله تعالى ، وليس المهم أن يسعى في جمع المال لهم حتى يغتنوا من بعده ،
لأنهم إن لم يكونوا صالحين فسيكون ذلك المال عونا لهم على معصية الله تعالى .
وصيته لمسلمة بالتحري في الأموال :
ومن أمثلة تحري أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الحلال وبُعده عن الشبهات ماذكره
ابن عبد الحكم قال : ودخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز في مرضه الذي
مات فيه، فأوصاه عمر بأن يحضر موته وأن يلي غسله وتكفينه ، وأن يمشي معه إلى قبره ،
وأن يكون ممن يلي إدخاله في لحده ، ثم نظر إليه وقال: انظر يامسلمة بأي منـزل
تتركني ، وعلى أي حال أسلمَتني إليه الدنيا ، فقال لـه مسلمة : فأوص يا أمير
المؤمنين ، قال: مالي من مال فأوصي فيه ، قال: مسلمة : هذه مائة ألف دينار فأوصِ
فيها بما أحببت ، قال: أوَخير من ذلك يامسلمة ؟ أن تردها من حيث أخذتها ، قال مسلمة
: جزاك الله عنا خيرًا يا أمير المؤمنين والله لقد ألَنْتَ لنا قلوبا قاسية، وجعلت
لنا ذكرًا في الصالحين. ( سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم /122 – 123).
ففي هذا الخبر يوجه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ابن عمه مسلمة بن عبد الملك
إلى التحري في اكتساب المال ، ويبين لـه أن إنفاق المال بالصدقة أو الهدية لايجعله
حلالا، بل لابد من التحري في كسبه ، فإذا لم يكن للإنسان حق فيه وجب عليه أن يرده
إلى مستحقيه ، ولايبرئ ساحته أن يتصدق به أو يهديه .
اعتباره بزهد النبي صلى الله عليه وسلم :
قال الحافظ ابن الجوزي : وعن عمرو بن مهاجر قال : كان متاع رسول الله صلى الله عليه
وسلم عند عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه في بيت ينظر إليه كل يوم قال : وكان ربما
اجتمعت إليه قريش فأدخلهم ذلك البيت ثم استقبل ذلك المتاع فيقول : هذا ميراث من
أكرمكم الله وأعزكم به، قال وكان سريرًا مرمولا بشريط ومرفقة من أدم محشوة بليف
وجفنة وقدحا وقطيفة من صوف كأنها جرمقانية [نسبة إلى الجرامقة وهم من العجم يصنعون
هذه القطائف]، قال : ورَحَى وكنانة فيها أسهم وكان في القطيفة أثر وسخ رأسه ، فأصيب
رجل فطلبوا أن يغسلوا بعض ذلك الوسخ فيسعط به ، فذُكر ذلك لعمر فسُعط فبرأ.( سيرة
عمر بن عبد العزيز /185).
من أمثلة زهده :
أخرج الحافظ أبو القاسم ابن عساكر من خبر مسلمة بن عبد الملك قال : دخلت على عمر
ابن عبد العزيز أعوده في مرضه ، فإذا عليه قميص وسخ فقلت لامرأته فاطمة : اغسلوا
قميص أمير المؤمنين فقالت : نفعل ذلك إن شاء الله ، ثم عدت فإذا القميص على حاله
فقلت : يافاطمة ألم آمركم أن تغسلوا قميص أمير المؤمنين ! فقالت : والله ماله قميص
غيره.( تاريخ دمشق 45/211).
* * *
- مواقف جهادية من السيرة النبوية –
- مواقف من غزوة أحد –
- إسلام مخيريق وجهاده –
قال ابن إسحاق : وكان من حديث مُخيريق ، وكان حَبْرًا عالمًا ، وكان رجلاً غنيًّا
كثير الأموال من النخل ، وكان يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته ، وما يجد
في علمه ، وغلب عليه إلْفُ دينه فلم يزل على ذلك ، حتى إذا كان يومُ أُحدُ وكان
يومُ أُحد يومَ السبت ، قال: يامعشر يهود، والله إنكم لتعلمون إن نصرَ محمد عليكم
لحقّ ، قالوا : إن اليوم يومُ السبت ، قال: لاسَبت لكم ، ثم أخذ سلاحه ، فخرج حتى
أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأحُد ، وعَهد إلى منْ ورَاءه من قومه:
إنْ قُتلتُ هذا اليوم . فأمْوالي لمحمد صلى الله عليه وسلم يصنع فيها ما أراه الله
، فلما اقتتل الناسُ قاتل حتى قُتل، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما
بلغني – يقول : مخيريق خيرُ يهود . وقَبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أمواله ،
فعامَّةُ صَدَقات رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة منها.( سيرة ابن هشام
2/152 ، 3/42).
في هذا الخبر بيان إسلام مخيريق أحد علماء اليهود ، وإنفاقه جميع ماله في سبيل الله
تعالى، وجهاده مع المسلمين واستشهاده .. مواقف عالية من هذا العالم الحَبْر تتابعت
كلها في يوم واحد، فقد كان يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الرسول الذي
بشر به أنبياؤهم وأمروهم بالإيمان به ونصره إذا ظهر ، وقد تيقظ ضميره يوم أحد
وتذكَّر وجوب نصر النبي صلى الله عليه وسلم الذي تكالب عليه أهل الباطل، فكان ذلك
دافعا له إلى إعلان إسلامه .
ومثل هذا العالم يكون عادة مترددًا بين قناعته بصدق دعوة النبي صلى الله عليه وسلم
ووجوب اتباعه وبين مداراة قومه الذين كفروا به وناصبوه العداء ، ويكون الفكر
المهيمن على هذا وأمثاله هو تأجيل البَتِّ في الأمر رجاء أن يقتنع علماء قومه
بالإسلام فيدخل معهم ويجمع بين إرضاء ضميره وإرضاء قومه ، ولكن نزول ذلك البلاء
بالمسلمين واحتياجهم الشديد للنصرة عجل بموضوع البت في القضية فأعلن مخيريق إسلامه
أمام قومه وأمرهم بذلك .
ولقد كان إسلام هذا الرجل إسلام العالم الموقن فلم يكْتَف بمجرد الإسلام وإنما قام
بإنفاق جميع أمواله في سبيل الله تعالى ، والمال من أعز المحبوبات لدى الإنسان
فالخروج من المال دليل على قوة الإيمان بهذا الدين الذي خرج من أمواله في سبيله .
ثم لم يكتف بذلك وإنما خرج بنفسه للجهاد في سبيل الله تعالى ، وهذا دليل على ارتفاع
مستوى الإيمان عنده حيث حمله على بذل نفسه بعد ماله في سبيل الله جل وعلا ، ولقد
أكرمه الله تعالى بالشهادة في ذلك اليوم فنال أجرا عظيما في وقت قصير جدًّا .
- مثل من تعظيم الشهادة والشوق إليها –
( خبر حنظلة الغسيل )
أخرج محمد بن عمر الواقدي بإسناده عن شيوخه قالوا : وكان حَنظلة بن أبي عامر تزوج
جميلة بنت عبد الله بن أُبي ابن سلول ، فأُدخلتْ عليه في الليلة التي في صُبحها
قتال أُحد . وكان قد استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيت عندها فأذن له ،
فلمّا صلَّى الصبح غدا يُريد رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولزمته جميلة فعاد
فكان معها ، فأجنب منها ثم أراد الخروج ، وقد أرسلت قبل ذلك إلى أربعة من قومها
فأشهدتهم أنه قد دخل بها ، فقيل لها بَعْدُ : لمَ أشهدت عليه ؟ قالت : رأيت كأنّ
السماء فُرجَتْ فدخل فيها حنظلة ثم أطبقَت ، فقلت : هذه الشهادة ! فأشهدتْ عليه أنه
قد دخل بها . وتَعْلَق بعبد الله بن حنظلة ، ثم تزوجها ثابت بن قيس بعدُ فولدت له
محمد بن ثابت بن قيس .
وأخذ حنظلة بن أبي عامر سلاحه ، فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم بأُحُد وهو
يُسوّى الصفوف. قال: فلمّا انكشف المشركون اعترض حنظلة ابن أبي عامر لأبي سفيان بن
حرب فضرب عُرقوب فَرَسه فاكتسعت الفرس ، ويقع أبو سفيان إلى الأرض ، فجعل يصيح :
يامعشر قُريش ، أنا أبوسفيان بن حَرب ! وحنظلة يريد ذبحه بالسيف ، فأسمع الصوت
رجالاً لايلتفتون إليه من الهزيمة حتى عاينه الأسود بن شَعوب ، فحمل على حنظلة
بالرمح فأنفذه ، فمشى حنظلة إليه بالرمح وقد أثبته، ثم ضربه الثانية فقتله . وهرب
أبو سُفيان يعدو على قدميه فلحق ببعض قُريش ، فنـزل عن صدر فَرسه وردف وراء أبي
سُفيان .
إلى أن قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني رأيت الملائكة تُغسِّل حنظلة
ابن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المُزْن في صحاف الفضَّة .
قال أبو أسيد الساعديّ : فذهبنا فنظرنا إليه فإذا رأسُه يقطُر ماءً ، قال أبو
أُسَيد ، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فأرسل إلى امرأته
فسألها ، فأخبرَتْه أنه خرج وهو جُنُبٌ.( مغازي الواقدي 1/273).
وأخرجه أبو عبد الله الحاكم من طريق ابن إسحاق قال : حدثني يحيى بن عباد بن عبد
الله عن أبيه عن جده رضي الله عنه مختصرًا وجاء في آخره : فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : لذلك غسلته الملائكة. (المستدرك 3/204 ، وعبد الله المذكور في السند هو
عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما).
في هذا الخبر مواقف وعبر منها :
الأول : في تعلُّق جميلة بنت عبد الله بن أبي بحنظلة بن أبي عامر حين رأت له تلك
الرؤيا التي فسرتها بالشهادة ، فالمظنون في مثل هذه الحال أن تحاول الابتعاد عنه
حتى لاتحمل منه فتكون بعد ذلك غير حظيَّة لدى الخُطَّاب ، لكنها تعلقت به رجاء أن
تحمل منه فتلد ولدًا ينسب لذلك الشهيد الذي بلغ درجات عليا في الصلاح باستقامته
أوَّلا ثم بما ترجوه من نيله الشهادة .
ولقد حصل لها ما أمَّلت به فحملت منه وولدت ولدًا ذكرًا سمِّي عبد الله ، وكان له
ذكرٌ بعد ذلك ، وكان من أعلى مايفتخر به أن يقول : أنا ابن غسيل الملائكة .
وهكذا نجد ارتفاع مستوى الصحابة في النظر إلى رفعة الدين والعلو في الآخرة واعتبار
الأمور الدنيوية أمورا ثانوية خاضعة لأمر الدين .
الثاني : في شوق حنظلة القوي إلى الجهاد في سبيل الله تعالى ، الذي يتمثل في سرعة
خروجه إلى الميدان ، الأمر الذي لم يتمكن معه من غُسل الجنابة ، حيث عَدَّ ذلك مما
يعوقه عن الجهاد .
والذي يغلب على الظن أن امرأته جميلة قد أخبرته برؤياها ، وأنها قد جعلت من تلك
الرؤيا مسوِّغا لإقناعه باللُّبث معها ذلك الوقت رجاء أن تَعْلَق منه بابن ينسب
لذلك الشهيد الصالح، إذ أنه يبعد أن تخبر بتلك الرؤيا الأباعد ولاتخبر بها زوجها ،
خصوصا وأن رجاء الشهادة كان هدفا ساميا ومقصدا عاليا عند الصحابة رضي الله عنهم ،
فيكون إسراعه بالخروج مع علمه بتلك الرؤيا شاهدا على قوة إيمانه ورسوخ يقينه ،
وتكون استجابته لها لتغليب هذا المقصد السامي ليكون له عقب يرجو صلاحه ودعاءه
الصالح ، لا لمجرد قضاء شهوة لاتخطر له على بال في الغالب وقد نزل بالمسلمين ما نزل
.
الثالث : موقف جهادي كبير حينما تصدى حنظلة لقائد المشركين أبي سفيان بن حرب
والقائد غالبا يكون حوله من يحميه ، وهو فارس وحنظلة راجل ، ولقد كاد أن يقضي عليه
لولا معاجلة الأسود بن شعوب له بطعنة من خلفه ليقضي الله أمرا كان مفعولا ، لينال
حنظلة الشهادة، وليبقى أبو سفيان على قيد الحياة حتى يوفقه الله تعالى للإسلام بعد
ذلك .
الرابع : عبرة عظيمة في نزول الملائكة عليهم السلام لتغسيل حنظلة بمياه المزن في
صحاف الفضة ، فإن هذا الخبر يدل على عظمة المؤمن ومنـزلته العالية عند الله تعالى ،
حيث أمر جلَّ وعلا ملائكته بالنـزول لتطهير حنظلة لتصعد روحه إلى الملأ الأعلى
وجسمه طاهر .
الخامس : في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بذلك معجزة بالغة حيث لم ير
الصحابة الملائكة وماقاموا به من تغسيل حنظلة ، فرؤية النبي صلى الله عليه وسلم ذلك
من المعجزات النبوية .
- موقف جليل في ثبات عبد الله بن جبير وأصحابه –
1 – أخرج الإمام البخاري من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال : لقينا المشركين
يومئذ وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشًا من الرُّماة ، وأمَّر عليهم عبد الله
[هو عبد الله بن جبير كما في رواية زهير عند البخاري ( الفتح 7/350)] .وقال :
لاتبرحوا ، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا ، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا
تُعينونا . فلما لقيناهم هربوا ، حتى رأيتُ النساء يشتددن في الجبل ، رفعن عن
سُوقهن قد بدت خلاخلهنَّ فأخذوا يقولون : الغنيمة الغنيمة. فقال عبدُ الله : عهد
إلي النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن لاتبرحوا . فأبوا . فلما أبوا صُرفَ وُجوهُهم ،
فأصيب سبعون قتيلا. (صحيح البخاري ، المغازي ، رقم 4043 ( 7/349 )).
تقدم في رواية ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر خمسين من الرماة أن يبقوا
فوق جبل عينين وأن يحرسوا المسلمين حتى لايأتيهم الأعداء من خلفهم ، فلما رأى
الرماة انتصار المسلمين واشتغال بعضهم بحيازة الغنائم نادى بعضهم بعضا للنـزول من
الجبل ومشاركة المسلمين في جمع الغنائم ، فنهاهم قائدهم عبد الله بن جبير بن
النعمان الأنصاري ، فأطاعه تسعة منهم وظلوا معه مرابطين ونزل الآخرون إلى ساحة
المعركة .
قال الواقدي : وحدّثني صالح بن خوات . عن يزيد بن رومان ، قال : قال خوات بن جبير:
لما كرّ المشركون انتهوا إلى الجبل ، وقد عَريَ من القوم ، وبقي عبد الله بن جبير
في عشرة نفر ، فهم على رأس عينين . فلما طلع خالد بن الوليد وعكرمة في الخيل ، قال
لأصحابه [يعني عبد الله بن جبير] : انبسطوا نَشَرًا [أي منتشرين] لئلا يجوز القومُ
! فصفوا وجه العدوّ . واستقبلوا الشمس ، فقاتلوا ساعة حتى قُتل أميرهم عبد الله بن
جُبير ، وقد جُرح عامَّتهم.( مغازي الواقدي 1/284).
وقال رافع بن خَديج : فلمّا انصرف الرُّماة وبقي من بقي ، نظر خالد بن الوليد إلى
خلاء الجبل وقلَّة أهله ، فكرّ بالخيل وتبعه عكرمة في الخيل ، فانطلقا إلى بعض
الرُّماة فحملوا عليهم. فراموا القوم حتى أصيبوا ، ورامى عبد الله بن جُبير حتى
فنيت نَبْله ، ثم طاعن بالرمح حتى انكسر، ثم كسر جَفن سيفه ، فقاتلهم حتى قُتل رضي
الله عنه. (مغازي الواقدي 1/232).
في هذين الخبرين بيان ثبات أمير الرماة عبد الله بن جبير هو ومن بقي من الرماة ،
وكانوا كما جاء في رواية خوات بن جبير عشرة ، ولقد حاول عبد الله جهده منع خيل
المشركين من الاقتحام على المسلمين فنشر أصحابه في طريقهم ، ولكنهم كانوا أقل من أن
يقفوا في وجه أولئك الفرسان ، فدخلوا معهم في معركة غير متكافئة كانت نتيجتها
القضاء على أولئك الرماة والانطلاق نحو جيش المسلمين .
ولقد ضَرب ابن جبير وصحبه في ذلك مثلا عاليا في طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم
والتضحية بالنفس في سبيل حماية المسلمين ، لقد استعمل رضي الله عنه كل مافي جعبته
من سلاح فرماهم بالنبل حتى فنيت سهامه ثم طاعنهم بالرمح حتى انكسر ثم كسر جفن سيفه
مُشعرًا أعداءه بأنه سيستقتل هو وأصحابه حماية للمسلمين ، وهذا يصور لنا قوة
المقاومة التي شنها ابن جبير على الأعداء .
وقد يقال : ماقيمة عشرة مشاة في مقابل جيش من الفرسان ؟! أفلا انحازوا إلى جيش
المسلمين ليحموا أنفسهم وليكثِّروا الجيش الإسلامي ؟!
فيقال : إن هؤلاء أوَّلاً من قوم لايُلقون بالاً لحماية أنفسهم ، بل إن أسمى
أمانيهم أن يفوزوا بالشهادة في سبيل الله تعالى ، وثانيا هم يُنفِّذون أمر النبي
صلى الله عليه وسلم فهم لايلتفتون إلى أي سلوك آخر يتعارض مع طاعة الأمر النبوي ،
وثالثًا فإن وقوفهم في وجه الأعداء يؤخر هجومهم بعض الوقت وربما تنبه لهم المسلمون
فيقومون بهجوم مضاد عليهم ، فوقوف هؤلاء النفر في وجه الأعداء المهاجمين كان هو عين
الحكمة لهذه الوجوه المذكورة وغيرها .
* * *
|