|
المصلحون : العدد الواحد والعشرون
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .
2 – أضواء من الهدي النبوي .
3 – توجيهات ومواقف سلوكية .
4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .
- أضواء من هدي القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى (وَمَن
لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)
[ المائدة :44].
ويقول تعالى (وَمَن
لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)
[ المائدة :45].
ويقول تعالى (وَمَن
لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)
[ المائدة :47].
ذكر الإمام محمد بن جرير الطبري تفسير حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما
لهذه الآيات، وذلك فيما أخرجه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنه
قال : " من جحد ما أنزل الله فقد كفر ، ومن أقرَّ به ولم يحكم فهو ظالم فاسق ".(
تفسير الطبري 10/357 رقم 12063).
وقد ذكر هذا الأثر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني حفظه الله وقال : وابن أبي طلحة
لم يسمع من ابن عباس ، لكنه جيد في الشواهد .( السلسلة الصحيحة رقم 2552).
وقد ذكر بعض العلماء أن الواسطة بين علي بن أبي طلحة وعبد الله بن عباس إما سعيد بن
جبير أو عكرمة ، وكل واحد منهما ثقة ، ولذلك صحح الحافظ ابن حجر صحيفة علي بن أبي
طلحة التي منها هذا الأثر .
وقولـه " من جحد ما أنزل الله فقد كفر " يعني من حكم بغير ما أنزل الله جحودًا منه
لحكم الله فقد كفر " ومن أقرَّ به ولم يحكم فهو ظالم فاسق " يعني ومن أقر بأن الحكم
لله وحده ولكنه لم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم فاسق .
وأخرج الحافظ أبو عبد الله الحاكم بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " إنه
ليس بالكفر الذي يذهبون إليه ، إنه ليس كفرا ينقل من الملة (وَمَن
لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)
كفر دون كفر " وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ، وأقره الحافظ الذهبي. ( المستدرك
2/313).
ومن الجمع بين هذين الأثرين يتبين لنا أن ابن عباس يقصد بقوله " إنه ليس كفرا ينقل
من الملة" وقوله " كفر دون كفر " من حكم بغير ما أنزل الله تعالى ولم يجحد حكمه جل
وعلا .
فهذا التفسير الثابت عن حبر الأمة رضي الله عنه يبين لنا أن من حكم بغير ما أنزل
الله لا يُعدُّ كافرًا إلا إذا كان حكمه ناتجا عن جحود لما أنزل الله ، وذلك يكون
باعتقاد القلب بأن القوانين الوضعية أفضل من الشريعة الإسلامية ، أو أنها مثلها ،
أو أن الشريعة جاءت لفترة معينة وأن أحكامها القضائية لا تصلح لهذا الزمن ، أو ما
شابه ذلك مما يفهم منه جحدٌ لما أنزل الله عز وجل فالقضاة الذين لا يحكمون بما أنزل
الله تعالى ويحكمون بالقوانين الوضعية وهم لا يعتقدون شرعيتها ويعتقدون في قرارة
أنفسهم أن المشرِّع هو الله وحده وأن شريعته أفضل من جميع القوانين البشرية وإنما
حَمَلهم على الحكم بغير ما أنزل الله مقاصد دنيوية فهؤلاء لم تصل مخالفتهم إلى
معتقد القلب فلا تصل إلى حدِّ الكفر الأكبر المخرج من الملة وإنما باعتبار أنهم قد
خرجوا بعملهم هذا عن طاعة الله تعالى فإنه ينطبق عليهم وصف الفسق لأن الفسق هو
الخروج عن طاعة الله تعالى ، فإذا حكموا بغير الحق فإنه ينطبق عليهم مع ذلك وصف
الظلم .
أما إذا كان القاضي يعتقد بأن القوانين الوضعية أفضل من الشريعة الإسلامية أو أنها
مساوية لها أو أن الشريعة الإسلامية لا تصلح لهذا الزمن ونحو ذلك مما يفهم منه جحد
ما أنزل الله تعالى فإن مخالفة هؤلاء عقدية ويحكم عليهم بالكفر الأكبر المخرج من
الإسلام .
وأما الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله تعالى ويفرضون على محاكمهم الحكم
بالقوانين الوضعية فإن ذلك يتناقض مع إظهارهم الإسلام ، ويصعب تصور أن هؤلاء الحكام
يعظمون الإسلام ويَعدُّون شريعته هي وحدها الشريعة الحقة وأن القوانين الوضعية ليست
مساوية لها فضلاً عن الاعتقاد بأنها أفضل منها أو أن الشريعة الإسلامية لا تصلح
لهذا الزمن ، لأن هؤلاء الحكام هم الذين يفرضون السلطة ولا يزعمون بأن أحدًا يفرض
سلطته عليهم .
ولهذا فإن من البدهي في الحكم الإسلامي أن يحكم على عمل هؤلاء الحكام بأنه كفر
أكبر.
لكن هل يحكم على أعيانهم بهذا الكفر ؟
الذي يقتضيه الحكم الشرعي أن لا يحكم على أعيانهم بالكفر إلا بعد إقامة الحجة
الشرعية عليهم كما هو مبيَّن في كتب العقيدة. (وينظر تفسير آية 51 من سورة
المائدة).
ويقول الله تعالى (أَفَحُكْمَ
الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ
يُوقِنُونَ)
[المائدة :50] .
الجاهلية هي ما خالف الإسلام من تشريعات البشر لأنفسهم في كل أمور الحياة ،
والمقصود منها في هذه الآية أن يحكم البشر بين الناس بأرائهم وأهوائهم المخالفة
للإسلام ، سواء أكانت هذه الأحكام من الوثنيين أم من المسلمين الذين حرفوا دينهم .
وقد نزلت هذه الآية ضمن آيات نزلت في اليهود الذين رفضوا حكم الرسول صلى الله عليه
وسلم بينهم الذي هو الحكم في التوراة وأرادوا منه أن يحكم بما اتفقوا عليه من تحريف
التوراة ، ومما جاء في ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عباس رضي الله
عنهما أنه قال في هذه الآية والآيات التي قبلها : أنزلها الله في الطائفتين من
اليهود وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا – أو اصطلحوا – على أن
كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا وكل قتيل قتلته الذليلة من
العزيزة فديته مائة وسق ، فكانوا على ذلك حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم فذلت
الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويومئذ لم يظهر [الضمير يعود
إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما في الرواية التي ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد
(7/15) " ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يظهر " أي لم ينتصر على أعدائه بعد ولم
تكن له دولة قوية] ولم يوطئهما عليه [ولم يغلبهما على الحكم ولم يخضعهما] وهم في
الصلح فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا إلينا
بمائة وسق ، فقالت الذليلة : وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد ونسبهما واحد
وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض ؟ إنا إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا
وفَرَقًا منكم فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك ، فكادت الحرب تهيج بينهما ثم
ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، ثم ذكرت العزيزة فقالت :
والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم ولقد صدقوا ما أعطونا هذا إلا ضيما
منا وقهرًا لهم فدُسُّوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه إن أعطاكم ماتريدون حكمتموه وإن
لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه [مسند أحمد 1/246] . وأخرجه الحاكم وصححه وأقره الذهبي.
( المستدرك 4/366 .).
فأولئك اليهود قد عطلوا حكم الله تعالى في الديات الذي جاء في التوراة وميزوا بين
شرفاء النسب من اليهود وبين من هم أقل منهم شرفا في النسب – حسب ادعائهم – فطبقوا
حكم الله تعالى على أفراد القبيلة الوضيعة الذين هم بنو قريظة ولم يطبقوه على أفراد
القبيلة الشريفة الذين هم بنو النضير كما جاء في رواية للطبري [تفسير الطبري 6/243]
، ولم يرضوا بحكم النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم يعلمون بأنه سيحكم بالعدل الذي
يتفق فيه القرآن مع التوراة قبل تحريفها ، فسمى الله تعالى حكم اليهود المحرفين
لتوراتهم حكم الجاهلية .
وهذا ينطبق تمامًا على المسلمين الذين يعطلون أحكام الله تعالى الصريحة في القرآن
والسنة ويحكمون بين الناس بالقوانين التي وضعها البشر ، فمن حكم بين الناس في قضية
بحكم البشر الذي يخالف حكم الله تعالى فإنه قد اختار حكم الجاهلية على حكم الإسلام
.
وفي بيان ذلك يقول العلاَّمة محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى ومن العبرة في الآيات
أنه يوجد بين المسلمين الجغرافيين [وقال في الهامش : المسملون الجغرافيون الذين
يُعدُّون مسلمين في إحصاء الجغرافية] في هذا العصر من هم أشد فسادًا في دينهم
وأخلاقهم من أولئك الذين نزلت فيهم هذه الآيات ، ومن ذلك أنهم يرغبون عن حكم الله
إلى حكم غيره ويرون أن استقلال البشر بوضع الشرائع خير من شرع الله تعالى. ( تفسير
المنار 6/422).
(وَمَنْ
أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)
ومن أعدل وأكمل من الله سبحانه حكما إن كنتم تؤمنون إيمان اليقين بأنكم جميعًا
مخلوقون وأن الله عز وجل هو الذي خلقكم ؟ فهل يأتي شرع المخلوق – مهما أوتي من
العقل والفكر –مساويا لشرع الخالق جل وعلا فضلا عن أن يأتي أفضل منه ؟!
- أضواء من الهدي النبوي –
- الحث على الأمانة والتحذير من الخيانة –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : فما زال حديثنا عن الحث على لزوم الأمانة والتحذير من الخيانة ، ومما جاء في
ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال : "حدثنا رسول
الله صلى الله عليه وسلم حديثين رأيت أحدهما وأنا انتظر الآخر ، حدثنا أن الأمانة
نزلت في جذر قلوب الرجال ، ثم علموا من القرآن ، ثم علموا من السنة ، وحدثنا عن
رفعها ، قال : ينام الرجل النومة فتُقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت ، ثم
ينام النومة فتقبض فيبقى فيها أثرها مثل أثر المجْل ، كجمر دحرجْتَه على رجلك فنفط
فتراه منتبرا وليس فيه شيء ، ويصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة ،
فيقال : إن في بني فلان رجلا أمينا ، ويقال للرجل : ما أعقله وما أظرفه وما أجلده
وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ، ولقد أتى عليَّ زمان ولا أبالي أيكم بايعت ،
لئن كان مسلما رده علي الإسلام ، وإن كان نصرانيا رده علي ساعيه ، وأما اليوم فما
كنت أبايع إلا فلانا وفلانا ".( صحيح البخاري ، رقم 7086 ، كتاب الفتن ، باب 13 (
13/38 ) ، صحيح مسلم ، رقم 143 ، كتاب الإيمان، باب 64 ( ص126)).
فهذا الحديث فيه بيان عظم الأمانة وأثر تطبيقها في استقامة المجتمع ، وأثر إهمالها
في انحرافه وتخريب عمرانه .
وقوله " حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين " يعني عن نزول الأمانة وعن
رفعها ، وهما في هذا الحديث ، فبدأ بالحديث الأول فقال : " حدثنا أن الأمانة نزلت
في جذر قلوب الرجال " الجذر بفتح الجيم وكسرها هو الأصل ، يعني أن الناس خلقوا على
الفطرة وهي السلامة من الانحراف، قال: " ثم نزل القرآن ، فتعلموا من القرآن وعلموا
من السنة " وهما يأمران بالاستقامة ومن ذلك لزوم أداء الأمانة وذلك فيما يتعلق بحق
الله تعالى ، بفعل أوامره واجتناب نواهيه ، ومايتعلق بحقوق الناس بحفظهم في نفوسهم
وأعراضهم وأموالهم .
قال : " وحدثنا عن رفعها يعني مايطرأ على الناس من ضعف الإيمان الذي يترتب عليه
الوازع الديني ، وبالتالي فساد الفطرة ، ومن ذلك اتصاف الناس بالخيانة وعدم الأمانة
، وهذا هو الحديث الثاني الذي ذكر حذيفة رضي الله عنه أنه ينتظره .
" قال : ينام الرجل النومة فتُقبض الأمانة من قلبه ، فيظل أثرها مثل الوكت" أي يصير
أثرها مثل الوكت وهو السواد في اللون " ثم ينام النومة فتقبض فيبقى فيها أثرها مثل
أثر المَجْل" وهو أثر العمل في اليد "كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس
فيه شيء " أي انتفخ فصار عاليا وليس فيه جمر بل هو رماد ، فهذا مثل الأمانة حينما
ترفع من قلب الإنسان فلا يبقى إلا أثرها، ولعل في هذا تعبيرا عما يقوم به المسلم من
التقلب في هذه الحياة والاغترار بنعيمها الزائل، والابتعاد عن سماع المواعظ والعبر
، فتتضخم في عينه الدنيا ، وتتضاءل في عينه الآخرة ، ويتقلص اتصافه بالإيثار ،
ويمتد تخلقه بالأثرة والأنانية شيئا فشيئا ، ويعظم في قلبه الحقد والحسد ، فيقل
عنده الوازع الديني ، وبالتالي يضعف إيمانه فيصبح شكلا بلا مضمون ، ويحتفظ باسم
الإيمان ولكنه ليس الإيمان الحي المتحكِّم في السلوك ، بل يَخلُفه في هذا التحكُّم
الهوى المنحرف ، وبالتالي فإنه يزدري الأمانة ، ويتجاسر على الخيانة .
قال : " ويصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة ، ويقال : إن في بني فلان
رجلا أمينا ، ويقال للرجل : ما أعقله وما أظرفه وما أجلده ومافي قلبه مثقال حبة
خردل من إيمان" وهذا تعبير عن ضعف الإيمان وقلة الوازع الديني عند المسلمين ، حيث
يحل الغش والخيانة والغدر مكان الأمانة والوفاء والصدق ، ويبقى الرجال الذين يطمحون
نحو الكمال ويحملون عناصر السيادة محل إعجاب الناس بحسن تدبيرهم وسياستهم لدنياهم ،
ولكن مستوى الإيمان قد تضاءل جدا في قلوبهم ، فهم قد حققوا أحد عنصري التأهيل لحمل
المسؤولية وهو الكفاءة في العمل ولم يحققوا العنصر الآخر وهو الأمانة ، وقد ذكر
الله سبحانه هذين العنصرين في خبر موسى عليه الصلاة والسلام مع شعيب وذلك في قوله
عن ابنة شعيب (يَا
أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)
[القصص : 26] وقد كانت القوة هي الكفاءة في ذلك العمل ، كما ذكرهما على لسان يوسف
عليه الصلاة والسلام في قوله لملك مصر (اجْعَلْنِي
عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)
[يوسف :55] ، فالحفظ هو الأمانة ، والعلم هو الكفاءة وذلك بالبصيرة والمعرفة فالذين
يفقدون عنصر الأمانة لايصلحون لحمل المسؤولية وإن حازوا على إعجاب الناس بكفاءتهم
في أعمالهم ، كما أن الذين يفقدون الكفاءة لاينجحون في أعمالهم .
قال حذيفة : " ولقد أتى عليَّ زمان ولا أبالي أيكم بايعت ، لئن كان مسلما رده علي
الإسلام، وإن كان نصرانيا رده علي ساعيه ، وأما اليوم فما كنت أبايع إلا فلانا
وفلانا" يعني أنه في زمان حذيفة الماضي كان الناس يتمتعون برادعين يردعانهم عن
الخيانة ، أحدهما الدين بالنسبة للمسلمين ، فالصحابة رضي الله عنهم لدينهم القوي
يتحلون بالأمانة ولا يحتاجون إلى رادع من السلطان يردعهم عن الخيانة ، والثاني
الرادع السلطاني فيما إذا كانت المعاملة مع نصراني أو يهودي ، لأنهم كانوا يعيشون
في دولة الإسلام ، ودولة الإسلام في عصر الخلفاء الراشدين كانت قوية وعادلة بحيث
لايستطيع أحد أن يتجرأ على الخيانة وإن كان غير مسلم .
ولقد عدَّ النبي صلى الله عليه وسلم ضياع الأمانة من علامات الساعة ، يعني من
العلامات الصغرى حيث يقول : " إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة ، قال – أي
الأعرابي الذي سأله عن الساعة - : كيف إضاعتها يارسول الله ؟ قال : إذا أُسند
الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة" أخرجه أبوعبد الله البخاري رحمه الله من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه. ( صحيح البخاري ، رقم 6496 ، كتاب الرقاق ، باب 35
(11/333)).
وهكذا عدَّ النبي صلى الله عليه وسلم إسناد الأمر إلى غير أهله من تضييع الأمانة ،
وأن ذلك من علامات الساعة ، وإسناد المسؤوليات إلى غير الأكفاء من أهم عوامل الفشل
وعدم نجاح العمل ، لأن التفاصيل الدقيقة للعمل في واد ومن أسند إليه العمل في واد
آخر ، فتصبح تصرفاته سلبية إن لم تكن مناقضة لمصلحة العمل .
* * *
- توجيهات ومواقف سلوكية –
- مواقف في الورع والعفة والزهد –
- من مواقف أمير المؤمنين عمر بن عبد عبد العزيز رحمه الله –
مثل من حرصه على إخفاء عمله الصالح :
ذكر الشيخ عمر بن محمد الخضر الملاء من خبر رجاء بن حَيْوة قال: لما مات أمير
المؤمنين عمر بن عبد العزيز وقام يزيد بن عبد الملك بعده في الخلافة ، أتاه عمر بن
الوليد بن عبد الملك فقال ليزيد : يا أمير المؤمنين ! إن هذا المرائي – يعني عمر بن
عبد العزيز – الذي مضى بالأمس قد أخذ كل ماقدر عليه من جوهر ثمين وجعله في بيتين ،
فأرسل يزيد إلى أخته فاطمة وسألها عما أُخْبر به . فقالت : والله يا أخي إن عمر
ماترك سبدًا ولا لبدًا إلا مافي هذا المنديل من الثياب . فَحلَّهُ فوجد فيه قميصًا
مرقوعًا ورداءً غليظًا قشبًا ، وجبَّة محشوة غليظة ذاهبة البطانة . قال: ليس عن هذا
أسألك ، إنما سألتك عن البيت المقفل . فقالت : والذي فجعني بأمير المؤمنين مادخلت
إلى ذلك البيت منذ وُلِّي عمر الخلافة ، لعلمي أنَّه كان يكره ذلك ، وهذه مفاتيحه
فانظر مافيه، فإن كان مايقال لك حقّا فحوِّل مافيه إلى بيت المال .
فجاء يزيد ومعه عمر بن الوليد والناس ففتحوا البيت الأول وإذا فيه كرسي من أَدم
وأربع آجرّات مبسوطات ، وقمقم نصفه ماء . فقال عمر : استغفر الله .
ثم فتح البيت الثاني فوجد فيه مسجدًا مفروشًا بالحصى وسلسلة معلقة بسقف البيت فيها
كهيئة الطوق يدخل رأسه فيها – كان يجعله في رقبته إذا نعس في الصلاة – وصندوقًا
مقفلاً . ففتح الصندوق فإذا فيه دراعة وثياب من شعر وعطاف من مسوح ، فبكى يزيد وبكى
الناس . واستغفر عمر بن الوليد الله تعالى. (الكتاب الجامع لسيرة عمر بن عبد العزيز
/664 – 665 ، وانظر البداية والنهاية 10/223).
تورعه عن البناء :
قال ابن عياش : كانت لعمر مِرْقاتان يرقى من صحن داره إلى قعر بيته عليهما ،
فانقلعت إحدى المرقاتين فأتاها رجل من أهل بيته فأصلحها كراهية أن يشق على عمر ،
فلما جاء عمر ونظر إليها قال: من صنع هذا ؟ قالوا : فلان قال : عليَّ به فلما جاء
قال: ويحك يافلان ، أنفست على عمر أن يخرج من الدنيا ولم يضع لبنة على لبنة ؟ والله
لولا أن يكون فساد بعد إصلاح لغيرتها إلى ماكانت عليه. (سيرة عمر بن عبد العزيز
لابن عبد الحكم /154).
تورعه عن قبول الهدية :
أخرج الحافظ أبو نعيم الأصبهاني من خبر عمرو بن مهاجر قال : اشتهى عمر تفاحا فقال
لو أن عندنا شيئًا من تفاح فإنه طيب ؟ فقام رجل من أهله فأهدى إليه تفاحا ، فلما
جاء به الرسول قال: ما أطيبه وأطيب ريحه وأحسنه ، ارفع ياغلام واقرأ على فلان
السلام وقل له : إن هديتك قد وقعت عندنا بحيث تحب ، قال عمرو بن مهاجر : فقلت له يا
أمير المؤمنين ابن عمك رجل من أهل بيتك وقد بلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يأكل الهدية ولايأكل الصدقة ، قال : إن الهدية كانت للنبي صلى الله عليه وسلم هدية
، وهي لنا رشوة. (حلية الأولياء 5/294 ، وانظر تاريخ دمشق 45/220).
مثل آخر من رده الهدية :
أخرج الحافظ ابن عساكر من خبر يعقوب قال : سمعت أبي يحدث أن عمر بن عبد العزيز جاءه
ثلاثون ألف درهم من مال بالبحرين ، فجاءه الذي كان يقوم على طعام أهله ، فقال: يا
أمير المؤمنين قد جاءك الله بنفقة ، قال: من أين ؟ قال: من مالك الذي بالبحرين ،
جاءتك ثلاثون ألفا ، قال: فاسترجع عمر وقال : ادع لي مُزاحما ، فلما جاءه مزاحم قال
: أي مزاحم ، مارددتَ ذلك المال الذي جاءنا من البحرين في مال الله ! قال مزاحم :
سقط عليّ يا أمير المؤمنين ، قال : فاردده وصل بهذا المال في بيت مال المسلمين .
قال : فدخل عليه قَيّمُ ذلك المال فقال : يا أمير المؤمنين أعتق رقبتي من الرق
أعتقك الله من النار ، قال: فنظر إليه ثم قال : إنّما أنت وذاك المال من مال الله
فلا سبيل إلى عتقك ، قال : يا أمير المؤمنين جَرّة زنجبيل مُربَّت كنت أهديها لك
كلّ عام وقد جئت بها ، قال: ائت بها ، قال: فأخرج منه عودًا فوضعه على شفتيه ثم قال
: مَهْ ، إذا شككت في الشيء فدعه ، لاحاجة لي بجرتك. (تاريخ دمشق 45/221 ، وانظر
سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي /140).
مثل من إجلاله رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أخرج الحافظ أبو نعيم من خبر عبد الله بن يونس قال : سمعت بعض شيوخنا يذكر أن عمر
ابن عبد العزيز أُتِيَ بكاتب يخط بين يديه ، وكان مسلما وكان أبوه كافرًا نصرانيًا
أو غيره ، فقال عمر للذي جاء به : لو كنت جئت به من أبناء المهاجرين ! قال : فقال
الكاتب : ماضرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر أبيه ، قال فقال عمر : وقد جعلته
مثلا ! لاتخط بين يدي بقلم أبدا. (حلية الأولياء 5/283 – 284).
أمره والي المدينة بالاقتصاد في الوقود والورق :
ومن أمثلة اقتصاده وحفاظه على مال المسلمين العام ماجاء في كتابه لأبي بكر بن محمد
بن عمرو بن حزم والي المدينة وقد جاء فيه : أما بعد فقد قرأت كتابك إلى سليمان تذكر
فيه أنه كان يقطع لمن كان قبلك من أمراء المدينة من الشمع كذا وكذا يستضيئون به في
مخرجهم ، فابتليتُ بجوابك فيه ، ولعمري لقد عهدتك يا ابن أم حزم وأنت تخرج من بيتك
في الليلة الشاتية المظلمة بغير مصباح ، ولعمري أنت يومئذ خير منك اليوم ، ولقد كان
في فتائل أهلك مايغنيك والسلام .
وكتب إليه أيضًا : أما بعد فقد قرأت كتابك إلى سليمان تذكر أنه كان يُجرَى على من
كان قبلك من أمراء المدينة من القراطيس لحوائج المسلمين كذا وكذا ، فابتليت بجوابك
فيه، فإذا جاءك كتابي هذا فأَرِقَّ القلم ، واجمع الخط ، واجمع الحوائج الكثيرة في
الصحيفة الواحدة فإنه لاحاجة للمسلمين في فضل قول أضَرَّ ببيت مالهم ، والسلام
عليك. (سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم /64 – 65 ، وانظر سيرة عمر بن عبد
العزيز لابن الجوزي /66، وحلية الأولياء 5/307).
فهذان مثلان عاليان في الاقتصاد ، فالمسؤول مؤتمن على أموال الدولة ، فلايجوز لـه
أن يُسرف حتى في الأشياء الرخيصة الثمن كالورق والأقلام ونحوها ، لأن القليل مع
القليل كثير ، وقبل ذلك لأن الذمة لاتبرأ إلا في الاقتصار على مايؤدي الغرض المطلوب
.
وما أشار إليه عمر في هذين الكتابين يُعدُّ توجيها سديدا لكل مسؤول ، بحيث يكون في
ذهنه لزوم الاقتصاد في أموال الدولة ، من أجل أن تصرف على مستحقيها ، بدلا من أن
تضيع في معاملات طويلة تستنفد وقتا طويلا وتكاليف كثيرة وهي يمكن أن تؤدَّى في أقل
من ذلك .
إن عدم الشعور بوجوب حفظ مال الدولة – الذي هو مال المسلمين العام – يُعدُّ نوعا من
التفريط في الواجب ، وقد يقود صاحبه إلى أنواع من المآثم التي قد لايحسب لها حسابا
.
أما إذا شعر بأن كل فرد من أفراد المسلمين له حق في ذلك المال الذي أصبح مسؤولا عنه
، وأن الله تعالى سيحاسبه على القليل والكثير من ذلك إذا صرفه في غير حقه ، فإن ذلك
يجعله يفكر كثيرًا في حفظ ذلك المال ، وعدم صرفه إلا في وجوهه المشروعة ، وأن يجتهد
في الاقتصاد في ذلك، بحيث يؤدي العمل الكثير بالانفاق القليل .
* * *
- مواقف جهادية من السيرة النبوية –
- مواقف من غزوة أحد –
- موقف لأبي بكر في تحقيق الولاء والبراء –
قال الواقدي في سياق رواية له :
وطلع يومئذ عبد الرحمن بن أبي بكر على فرس ، مدججا لايُرى منه إلا عيناه ، فقال: من
يبارز؟ أنا عبد الرحمن بن عتيق . قال : فنهض إليه أبو بكر فقال: يارسول الله ،
أبارزه . وقد جرد أبو بكر سيفه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : شمْ سيفك ،
وارجع إلى مكانك ومتعنا بنفسك. (مغازي الواقدي 1/257).
فهذا موقف لأبي بكر الصديق رضي الله عنه في تحقيق مبدأ الولاء للمؤمنين والبراء من
الكافرين وإن كانوا من أقاربه الأدنين ، فقد كان مصمما على مبارزة ابنه عبد الرحمن
الذي كان آنذاك مع الكفار ، لولا أن الرسول صلى الله عليه وسلم منعه من ذلك ، وهذا
دليل على وضوح العقيدة وصدق اليقين عند أبي بكر رضي الله عنه .
ولقد أسلم بعد ذلك عبد الرحمن وحسن إسلامه وأصبح من أكابر المسلمين رضي الله عنه .
- مثل من شجاعة الحباب بن المنذر–
(هو
أبو عمرو الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري الخزرجي السَّلمي – الإصابة 1/302
رقم 1552-)
أخرج الواقدي من حديث عمارة بن خزيمة قال: حدثني من نظر إلى الحباب بن المنذر بن
الجموح وإنه لَيَحُوشُهم يومئذ كما تُحاش الغنم ، ولقد اشتملوا عليه حتى قيل قد قتل
، ثم برز والسيف في يده وافترقوا عنه ، وجعل يحمل على فرقة منهم وإنهم ليهربون منه
إلى جمع منهم ، وصار الحباب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان الحباب يومئذ
معلما بعصابة خضراء في مغفره. (مغازي الواقدي 1/257).
هذا الخبر يدل على شجاعة الحباب بن المنذر رضي الله عنه ورباطة جأشه ، حيث استطاع
الصمود لفئة من الكفار وإلجائهم إلى الفرار منه لسرعة هجومه ومقدرته على التحرك في
القتال في عدة اتجاهات .
إن وجود مثل هذا البطل في جيش المسلمين يُفزع الكفار ويملأ قلوبهم رعبا ، ويجعلهم
يترددون كثيرًا قبل التفكير في مواجهة المسلمين .
- أخبار عمرو بن الجموح واليمان وثابت بن وقش –
1 - قال ابن إسحاق : وحدثني أبي إسحاق بن يسار ، عن أشياخ من بني سَلمَة : أن عمرو
بن الجموح كان رجلا أعرج شديد العرج ، وكان له بنون أربعة مثل الأسْد يشهدون مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد ، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه ، وقالوا له
: إنّ الله عزّ وجل قد عَذرك ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن بَنيَّ
يريدون أن يَحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه ، فو الله إني لأرجو أن أطأ
بعرجتي هذه في الجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما أنت فقد عذرك الله
فلا جهاد عليك ، وقال لبنيه : ماعليكم لعل الله أن يرزقه الشهادة ، فخرج معه فقتل
يوم أحد.
(سيرة ابن هشام 3/45).
وأخرج خبره الإمام أحمد من حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال : أتى عمرو بن الجموح
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يارسول الله أرأيت إن قاتلت في سبيل الله
حتى أقتل أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة ؟ - وكانت رجله عرجاء – فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : نعم فقُتلوا يوم أحد هو وابن أخيه ومولًى لهم ، فمر عليه رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقال : كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة ،
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهما وبمولاهما فجُعلوا في قبر واحد. (
مسند أحمد 5/299).
وذكره الحافظ الهيثمي وقال : ورجاله رجال الصحيح غير يحيى بن نصر الأنصاري وهو ثقة.
(
مجمع الزوائد 9/315).
في هذا الخبر موقف لعمرو بن الجموح وذلك في إظهار شوقه الشديد للجهاد في سبيل الله
تعالى ، مع أن الله سبحانه قد عذره في القعود بعرَجه الشديد ، ومن كان كذلك فإنه
لايستطيع أن يجاهد بطاقة كاملة ، وإن كان الدافع الإيماني لديه قويا ، ومع كونه
مصابا بهذا العذر ومع كونه قد قدَّم للجهاد بنين أربعة في غاية الشجاعة فإنه لم
يقبل عرض بَنيه عليه بالقعود ورجا الله تعالى أن يطأ بعرجته تلك في الجنة ، وذلك
بما يرجوه من نيل الشهادة .
ولما ذكر هذا الأمل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أبان لـه بأنه ممن عذر الله
تعالى ولكنه أشار على بنيه بتمكينه من الخروج لعل الله تعالى أن يحقق له تلك
الأمنية الغالية ، وقد تحقق له مارجاه حيث قتل شهيدا رضي الله عنه .
ومع كونه شديد العرج فإنه قد أبلى في المعركة بلاء حسنا كما ذكر أبو طلحة ، وكان
لايفارقه شعوره بالشوق إلى الجنة حتى استشهد رضي الله عنه .
2 - قال ابن
إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لَبيد قال : لما خرج رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلى أُحد ، رُفع حُسَيل بن جابر ، وهو اليمان أبو حُذيفة بن
اليمان وثابت بن وقَش في الآطام [يعني الحصون] مع النساء والصّبيان ، فقال أحدهما
لصاحبه وهما شيخان كبيران : لا أبالك ، ماتنتظر؟ فو الله مابقي لواحد منَّا من عمره
إلا ظمْء [أي مقدار مابين شربتي الحمار] حمار ، إنما نحن هامةُ اليوم أوغد [أي نموت
اليوم أو غدًا]، أفلا نأخذ
أسيافنا ثم
نلحق برسول الله
صلى الله عليه وسلم ، لعلّ الله يرزقنا شهادة مع رسول الله ؟
فأخذا أسيافهما ثم خرجا حتى دخلا في الناس ولم يُعلم بهما ، فأمَّا ثابت بن وَقَش
فقتله المشركون ، وأما حسيل بن جابر فاختلفت عليه أسيافُ المسلمين فقتلوه
ولايعرفونه ، فقال حذيفة: أبي فقالوا : والله إن عرفناه،وصدقوا.قال حذيفة:يغفرُ
الله لكم وهو أرحم الراحمين ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يَديهُ،فتصدق
حُذيفة بديته على المسلمين،فزاده ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا .
(سيرة ابن هشام 3/40 ، وأخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق بإسناده وصححه على شرط مسلم
– المستدرك 3/202-. وأخرجه الإمام البخاري باختصار من حديث عائشة رضي الله عنها –
صحيح البخاري ، المغازي رقم 4065 (فتح الباري 7/361)).
في هذا الخبر مواقف منها :
الأول : ماكان من ذينك الشيخين الكبيرين : حُسَيل بن جابر ( اليمان ) وثابت بن وقش
الأنصاريين رضي الله تعالى عنهما ، حيث اشتاقت نفوسهما إلى الاستشهاد في سبيل الله
تعالى ، فخرجا إلى الجهاد مع كونهما ممن عذرهم الله سبحانه بالقعود لكبر سنهما ،
لكن دفعهما إلى الخروج رغبتهما في الشهادة التي هي غاية أماني المؤمنين المتقين ،
وقد حصل لهما ما أرادا من ذلك رضي الله عنهما .
الثاني : موقف لحذيفة بن اليمان رضي الله عنهما حينما سامح المسلمين الذين قتلوا
أباه خطأ وتصدق بديته على المسلمين ، مما أثار إعجاب النبي صلى الله عليه وسلم به
وزاد في مكانته عنده .
-موقف جهادي لعاصم بن ثابت –
قال ابن إسحاق
: وقاتل عاصم بن ثابت بن أبي الأقْلح فقتل مُسافع بن طلحة وأخاه الجُلاس ابن طلحة ،
كلاهما يُشْعره سَهْمًا [أي يصيبه بسهم]، فيأتي أمّه سُلافة فيضع رأسه في حجْرها
فتقول : يابُني من أصابك ؟ فيقول : سمعتُ رجلا حين رماني وهو يقول : خُذْها
وأنا ابن أبي الأقْلح ، فنذرت إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر .
وكان عاصم قد عاهد الله أن لايمس مُشركًا أبدًا ، ولايمسه مشرك.( سيرة ابن هشام
3/22).
فهذا الخبر يبين براعة عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري رضي الله عنه في
الرماية ، فقد أصاب اثنين من حملة لواء المشركين هما مسافع والجلاس ابنا طلحة بن
أبي طلحة العبدري، وقَتْلُ حملة اللواء له أثره الكبير في النكاية بالأعداء وتفريق
صفهم .
وقول الراوي : وكان عاصم قد عاهد الله أن لايمس مشركا ولايمسه مشرك أبدًا ، إشارة
إلى خبر سيأتي – إن شاء الله – بيانه في قصة استشهاده في سرية الرجيع .
- مثل من أثر الجهاد في الإيمان –
( إسلام الأصيرم وجهاده )
قال ابن إسحاق : وحدثني الحُصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن أبي سفيان
مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة قال: كان يقول : حدِّثوني عن رجل دخل الجنة لم
يُصلّ قطُّ ، فإذا لم يعرفه الناسُ سألوه:من هو ؟فيقول:أصيرم بني عبد الأشهل،عمرو
بن ثابت بن وقش.
قال الحصين : فقلت لمحمود بن لبيد : كيف كان شأن الأصيرم ؟ قال: كان يأبى الإسلام
على قومه فلما كان يوم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أُحد ، بدا لـه في
الإسلام فأسلم ثم أخذ سيفه فعدا حتى دخل في عرض الناس ، فقاتل حتى أثبتته الجراحة .
وأخرجه الإمامان أبو داود والحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن عمرو بن
أقَيْش كان له ربًا في الجاهلية فكره أن يسلم حتى يأخذه .. ثم ذكر خبر مجيئه إلى
أُحد. ( سنن أبي داود ، الجهاد ، باب فيمن يسلم ويقتل رقم 2537 ( 3/43) ، المستدرك
3/28).
في هذا الخبر مثل واضح على أثر الجهاد في الإيمان بالله تعالى فهذا الأصيرم عمرو بن
ثابت الأشهلي كان قبل يوم أحد منكرًا للإسلام مباعدًا لقومه من المسلمين ، فلما حضر
ماحضر من غزو الكفار للمسلمين في بلادهم ، لاطمعًا في بلادهم وأموالهم وإنما فقط
ليصرفوهم عن دينهم عظُم هذا الدين في نظر الأصيرم فدخل قلبه الإسلام ، وكان إيمانه
قويا إلى الحد الذي حمله على المشاركة في الجهاد الذي هو ذورة سنام الإسلام،فلحق
بقومه في أحد وقاتل الأعداء حتى استشهد رضي الله عنه .
لقد كان في حسِّ الأصيرم وأمثاله أن دينًا يحمل معتنقيه على التضحية بالأنفس
والأموال من أجله ، ويحمل أعداءه على تجييش الجيوش من أجل القضاء عليه .. أنه دين
عظيم في غاية الجلال والعظمة ، وإن أدنى ذلك أن يسارع المقتنعون بعظمته إلى اعتناقه
، ثم أن يبذلوا وسعهم وطاقتهم في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله .
* * *
|