|
المصلحون : العدد العشرون
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .
2 – أضواء من الهدي النبوي .
3 – توجيهات ومواقف سلوكية .
4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .
- أضواء من هدي القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى (لاَّ
خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ
مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء
مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً{114} وَمَن يُشَاقِقِ
الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ
الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ
مَصِيراً{115})
[ النساء :114 – 115] .
[114] النجوى هي المحادثة بين اثنين أو أكثر ، وقد أخبر الله تعالى في هذه الآية
بأنه لاخير في كثير من نجوى الناس فيما بينهم إلا في نجوى من أمر بصدقة ، وذلك كأن
يخبر إنسان آخر أو عددًا من الناس عن حال الفقراء ويأمرهم بالصدقة عليهم ، وكذلك ما
إذا كانت النجوى في أمر بمعروف ، وذلك يشمل كل أعمال البر والخير التي أمر الله
تعالى بها أو ندب إليها ، وكذلك فيما إذا كانت النجوى في الإصلاح بين الناس
المتخاصمين والمتقاطعين والمتهاجرين ، سواء اقتصر الخلاف والشقاق على التقاطع
والتهاجر والكلام في الأعراض أو تجاوز ذلك إلى القتال بين طائفتين من المسلمين أو
بين بعض المسلمين وغير المسلمين في حال حدوث اعتداء من المسلمين ،فكل ذلك مما أمر
الإسلام فيه بالتدخل السريع المحكم من أصحاب العلم والرأي للإصلاح بين المتنازعين ،
وقد أثبت التاريخ القديم والحديث أن أعداء الإسلام يحاولون أن يقضوا على المسلمين
بمحاولة إيجاد النـزاع بينهم أو بينهم وبين غيرهم ثم يتدخلون لإذكاء نار الصراع من
أجل تفتيت قوة المسلمين ، والمسلمون مأمورون بأن يجتمع أهل الرأي والحل والعقد منهم
وأن يدرسوا تلك الأوضاع وأن يسارعوا بإيجاد الحلول للقضاء على تلك الفتن وتفويت
الفرص على أعداء الإسلام، ونظرًا لأهمية الإصلاح بين الناس فإن الله سبحانه قد أباح
ماكان منهيًّا عنه من أجل الإصلاح، ومن ذلك ما جاء في هذه الآية من إباحة التناجي
من أجل هذا الغرض ، كما أباح الكذب الذي هو محرم من أجل الإصلاح ، وقد أخرج الشيخان
رحمهما الله في ذلك من حديث أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول : " ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيُنمِّي خيرا أو يقول
خيرا ". (
صحيح البخاري ، رقم 2692 (5/299)).
ولقد شهد التاريخ الإسلامي جهودًا كبيرة قام بها المصلحون من علماء الأمة ومفكريها
بين المتخاصمين ، سواء أكان ذلك على مستوى الأفراد أم على مستوى الجماعات ، وخصص
الفقهاء بابًا للصلح في كتبهم ، وأصبح الصلح من مهامِّ القضاة حيث يقدمونه على
الحكم بين المتخاصمين.
ومع هذه الجهود الكبيرة فقد قصَّر بعض علماء المسلمين في حل النـزاعات بين
المتخاصمين عن طريق الإصلاح وتركوا الفيصل في ذلك لمنطق القوة ، فوقعتْ صراعات
مسلحة بسبب الخلاف على بعض القضايا الدينية أو الدنيوية ، وكان يمكن تفادي تلك
الصراعات لو أن العلماء المعاصرين لها بذلوا جهدهم في الإصلاح بين المتنازعين .
(وَمَن
يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)
يعني ومن يتوجه للأمر بالصدقة على المحتاجين ويسعى في ذلك ، أو يتوجه للأمر
بالمعروف بكل أنواعه ومجالاته ويسهم في هذا المجال ، أو يتوجه للأمر بالإصلاح بين
الناس ويسهم في عمل الدراسات اللازمة لذلك والسعي في حل الخلافات والنـزاعات بين
المسلمين .. من يتوجه لذلك طلبا لرضوان الله تعالى لا طلبًا للجاه والسمعة فقد وعده
الله سبحانه بثواب عظيم لا يمكن أن نتصور قدره وعظمته.
[115] (وَمَن
يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ
سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ
مَصِيراً{115})
يعني ومن يخالف الرسول صلى الله عليه وسلم فيتخذ له منهجا غير منهجه ويتخذ له مرجعا
في تنظيم حياة الناس غير مرجعه من بعدما تبين له الهدى في منهج الرسول صلى الله
عليه وسلم ومرجعه ، ويتبع غير سبيل المؤمنين من الصحابة رضي الله عنهم وما أجمع
عليه من بعدهم فإن الله تعالى يتركه وما تولى من ذلك سواء أكان الدافع له هواه
المنحرف أو اتباعه لزعماء الكفار ومفكريهم ، ويجعله في الآخرة في نار عظيمة تحرقه،
وبئست النار مرجعًا ومآلا .
ومن أمثلة مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع غير سبيل المؤمنين الحكم بغير ما
أنزل الله تعالى وتَولِّي الكفار ، فمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم وسبيل المؤمنين
هو الحكم بما أنزل الله تعالى والبراءة من الكفار ، فمن حكم بغير ما أنزل الله فقد
شاق الرسول صلى الله عليه وسلم واتبع غير سبيل المؤمنين ووقع في الضلال والكفر أو
في الضلال والفسق على تفصيل في ذلك.(
انظر تفسير آية 44 من سورة المائدة).
ومن تولى الكفار فقد شاق الرسول صلى الله عليه وسلم واتبع غير سبيل المؤمنين ووقع
في الضلال والكفر أو الضلال والفسق على تفصيل في ذلك .( انظر تفسير آية 51 من سورة
المائدة).
وقوله تعالى (مِن
بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى)
يبين مسؤولية العلماء في بيان أحكام الإسلام، وخاصة في الأمور التي يترتب على فعلها
الكفر والفسق والضلال ، وذلك من أجل ظهور الهدى من الضلال وإقامة الحجة على
المخالفين ، ومن أجل أن الحكم على المخالفين بأعيانهم يتوقف على تبيُّن الهدى لهم
من الضلال .
* * *
- أضواء من الهدي النبوي –
- الحث على الأمانة والتحذير من الخيانة –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد :فموضوعنا اليوم حول أداء الأمانة والتحذير من الخيانة ، فمن الآيات الكريمة
التي جاءت في الحث على أداء الأمانة قول الله تبارك وتعالى (َإِنْ
أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ)
[البقرة :283] ،وقوله تعالى (إِنَّ
اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)
[ النساء : 58] ،وقوله تعالى (وَالَّذِينَ
هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ{32})
[المعارج:32].
ومما جاء من الأحاديث النبوية في الحث على أداء الأمانة قول رسول الله صلى الله
عليه وسلم في خطبة حجة الوداع " ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها "
أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه رضي الله عنه (مسند أحمد 5/72)،
وقولُه صلى الله عليه وسلم : " أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" أخرجه
أبو داود السجستاني من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.( سنن أبي داود ، رقم 3535 ،
البيوع باب 81).
فالمسلم الحق يرتفع نحو الأعلى ولاينـزل نحو الأسفل ، فهو يتعامل مع الناس بمقتضى
المبادئ السامية التي آمن بها ، ولايتعامل معهم على مستوى تعاملهم معه ، فإذا نزلوا
وعاملوه بالخيانة فإنه لاينـزل إلى مستواهم ، بل يعاملهم بالأمانة ويحاول أن يشعرهم
بخطئهم وأن يرفعهم إلى مستواه .
أما منـزلة الأمانة فإنها عظيمة وعالية في الدين ، ومما يدل على ذلك ماجاء في حديث
أهوال يوم القيامة واعتذار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الشفاعة وفيه " فيأتون
محمدًا صلى الله عليه وسلم فيقوم فيؤذن له ، وتُرسَل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي
الصراط يمينا وشمالا" أخرجه مسلم بن الحجاج من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله
عنهما. ( صحيح مسلم ، رقم 195 ، كتاب الإيمان باب 84 ( ص 186)).
وإذا كانت الأمانة بهذه المنـزلة فهل يجوز الحلف بها ؟
لايجوز الحلف بالأمانة كما أخرج أبو داود من حديث بريدة الأسلميِّ رضي الله عنه قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من حلف بالأمانة فليس منا". (سنن أبي داود رقم
3253 ، كتاب الأيمان والنذور ، باب 6(3/571) ؛ مسند أحمد 5/352)
وعن جبلة بن سحيم قال : أقبلت مع زياد بن حدير من الجابية فقلت في كلامي : لا
والأمانة ، فجعل زياد يبكي ويبكي ، فظننت أني أتيت أمرا عظيما ، فقلت له : أكان
يُكرَهُ هذا؟ قال: نعم ، كان عمر بن الخطاب ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي .
ذكره الحافظ ابن كثير.( تفسير ابن كثير 3/547).
وفي بكاء زياد بن حدير مَثلٌ على ماكان يتصف به الصالحون من هذه الأمة من خشية الله
تعالى والاستقامة التامة على تكاليف الإسلام ، وإن في تلك الدموع التي تحدرت من
عيني زياد رحمه الله لأبلغ الأثر في النهي عن ذلك المنكر الذي سمعه .
والأمانة أصل مهم في أداء المسؤولية ، قال الله تعالى : (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا
أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ{26})
[ القصص : 26] يعني إحدى ابنتي شعيب وتعنى بذلك موسى عليه الصلاة والسلام ، وأخرج
أبو جعفر ابن جرير الطبري في هذه الآية من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال عن
شعيب : فأحفظَتْه الغيرة أن قال : ومايدريك ماقوَّته وأمانته؟ قالت : أما قوته فما
رأيت منه حين سقى لنا ، لم أر رجلا قط أقوى في ذلك السقي منه، وأما أمانته فإنه نظر
حين أقبلت إليه وشخصت له ، فلما علم أني امرأة صوَّب رأسه فلم يرفعه، ولم ينظر إلي
حتى بلَّغتُه رسالتك، ثم قال: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، ولم يفعل ذلك إلا وهو
أمين ، فسُرِّيَ عن أبيها وصدَّقها وظن به الذي قالت.( تفسير الطبري 20/63).
وفي هذا السلوك القويم من موسى عليه الصلاة والسلام في مقاومة هوى النفس الغريزي
وإخضاعها للمُثُل العليا مَثَلٌ من اصطفاء الله جل وعلا أنبياءه عليهم الصلاة
والسلام وحمايتهم مما يقع فيه عموم الناس من المخالفات حتى قبل تكليفهم بالرسالة .
فالإشارة في غاية الأهمية ، لأنها تُبنَى عليها الثقة والطمأنينة وعليها يقوم العمل
، فلابد أن يكون المستشار أمينا ليؤدي مشورته بإخلاص وأمانة لأن نجاح العمل يتوقف
على ذلك .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان ضرورة توافر الأمانة في تحمُّل
المسؤولية " الخازن المسلم الأمين الذي ينفذ ما أُمِر به كاملا موفَّرا طيبا به
نفسه فيدفعُه إلى الذي أُمر له به أحدُ المتصدقين" أخرجه الإمام البخاري من حديث
أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. (صحيح البخاري ، رقم 1438 ، كتاب الزكاة ، باب 25
(3/302 )).
فقد عدَّ النبي صلى الله عليه وسلم الأمانة أحد الشروط التي بها يستحق الخازن أن
يكون من المتصدقين ، والخازن هو الذي يكون واسطة بين الأغنياء والفقراء فيجمع
الأموال من الأغنياء ويعطيها لمستحقيها .
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الإمارة بأنها أمانة ، وذلك فيما أخرجه مسلم
رحمه الله من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال قلت : يارسول الله ألا تستعملني ؟ قال :
فضرب بيده على منكبي ثم قال : " يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة
خزي وندامة ، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها ". ( صحيح مسلم ، رقم 1825 ،
كتاب الإمارة باب 4 (ص1457 )).
وقوله صلى الله عليه وسلم " يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة " دليل على لزوم توافر
القوة عند من يقوم بالولاية ، لأنه لايستطيع أداء الأمانة كاملة إلا بذلك .
وقوله " وإنها يوم القيامة خزي وندامة " بيان لمن دخل فيها وهو غير أهل لها أو جارَ
فيها، أما من كان أهلا لها وعدل فيها فإن له أجر عظيما كما جاء في قوله صلى الله
عليه وسلم " سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لاظل إلا ظله : إمام عادل ... ".
(صحيح البخاري ، رقم 423 ، كتاب الزكاة (3/292) . صحيح مسلم ، رقم 1031 ، كتاب
الزكاة ( ص 715 ) ).
وقوله " إن المقسطين عند الله على منابر من نور ، عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين ،
الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وماولوا ". ( صحيح مسلم ، رقم 1827 ، كتاب الإمارة
باب 5 ( ص 1458)).
كما بين أن خيانة الأمانة من صفات ضعفاء الإيمان وذلك فيما أخرجه أبو عبد الله
البخاري رحمه الله من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم " خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم – قال عمران : فلا
أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا – ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولايستشهدون ،
ويخونون ولا يؤتمنون ، وينذرون ولايفون ، ويظهر فيهم السمن". (صحيح البخاري ، رقم
3650 ، كتاب فضائل الصحابة باب 1 (7/1)).
* * *
- توجيهات ومواقف سلوكية –
- مواقف في الورع والعفة والزهد –
- من مواقف أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله –
نماذج من تورعه عن المال العام :
ومن ذلك أنه وفد عليه بريد من بعض الآفاق ، فانتهى إلى باب عمر ليلا فقرع الباب
فخرج إليه البواب فقال : أعْلِم أمير المؤمنين أن بالباب رسولا من فلان عامله ،
فدخل فأعلم عمر وقد كان أراد أن ينام ، فقعد وقال : إئذن لـه ، فدخل الرسول فدعا
عمر بشمعة غليظة فأُججت نارًا ، وأجلس الرسول ، وجلس عمر فسأله عن حال أهل البلد
ومن بها من المسلمين وأهل العهد ، وكيف سيرة العامل وكيف الأسعار ، وكيف أبناء
المهاجرين والأنصار وأبناء السبيل والفقراء ، وهل أعطى كل ذي حق حقه ، وهل له شاك
وهل ظلم أحد ؟
فأنبأه بجميع ماعلم الرسول من أمر تلك المملكة ، فلم يدع شيئًا إلا أنبأه به كل ذلك
يسأله فيحفي السؤال حتى إذا فرغ عمر من مسألته قال لـه : يا أمير المؤمنين كيف حالك
في نفسك وبدنك ؟ وكيف عيالك وجميع أهل خزانتك ومن تُعْنَى بشأنه ؟ قال: فنفخ عمر
الشمعة فأطفأها بنفخته وقال: ياغلام عليَّ بسراج ، فدعا بفتيلة لاتكاد تضيء فقال:
سل عما أحببت، فسأله عن حاله فأخبره عن حاله وحال ولده وعياله وأهل بيته ، فعجب
البريد للشمعة وإطفائه إياها وقال: يا أمير المؤمنين رأيتك فعلت أمرًا مارأيتك فعلت
مثله ، قال: وماهو ؟ قال: إطفاؤك الشمعة عند مسألتي إياك عن حالك وشأنك .
فقال : ياعبد الله إن الشمعة التي رأيتني أطفأتها من مال الله ومال المسلمين وكنتُ
أسألك عن حوائجهم وأمرهم فكانت تلك الشمعة تَقِدُ بين يديَّ فيما يصلحهم وهي لهم :
فلما صرتُ لشأني وأمر عيالي ونفسي أطفأت نار المسلمين (سيرة عمر بن عبد العزيز لابن
عبد الحكم /155).
فهذا التصرف الذي قام به عمر بن عبد العزيز في غاية السمو من الورع، وفيه ملاحظة في
الفصل بين حق النفس وحق المسلمين .
ولو تصور أيّ مسؤول هذا الأمر لأدرك أن القليل جدّا من المسؤولين يُحظَى بهذا
التذكر السريع في أمر حقير كهذا ، ثم القليل من هؤلاء الذي يتورع بهذه الدقة ،
فيجتنب الاستفادة من حق المسلمين العام في مثل هذا الأمر الصغير .
ويشبه هذا في حياة المسؤولين استعمال الورق والأقلام والظروف ونحوها لصالح المسؤول
الخاص مما كان خاصا بالعمل .
وقد يحتقر المسؤول هذا الأمر ولايُلقي له بالاً لعدم ظهور النقص في الحق العام بشكل
واضح، ولكن المبدأ واحد في عدم جواز استخدام حق المسلمين العام في الشؤون الخاصة
سواء في أمر خطير أو في أمر حقير .
وأخرج محمد بن سعد من خبر جويرية بن أسماء قال: قال عمر : يامزاحم بعني رَحْلاً
لمصحفي، قال: فأتاه برحْلٍ فأعجبه ، قال: من أين أصبتَ هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين
دخلتُ بعض الخزائن فوجدتُ هذه الخشبة فاتخذتُ منها رحلاً . قال: انطلق فقوِّمْه في
السوق . فانطلق فقوَّموه نصف دينار فرجع إلى عمر فأخبره ، قال: تُرانا إن وضعنا في
بيت المال دينارًا أنسلم منه ؟ قال: إنّما قوَّموه نصف دينار . قال: ضَعْ في بيت
المال دينارين .
وأخرج أيضًا من خبر عليّ بن مسعدة قال: حدثنا رياح بن عبيدة قال: أُخرج مسك من
الخزائن فلما وُضع بين يدي عمر أمسك بأنفه مخافة أن يجد ريحه ، فقال له رجل من
أصحابه: يا أمير المؤمنين ماضرّك أن وجدتَ ريحه ؟ فقال عمر : وهل يُبْتغى من هذا
إلاّ ريحه ؟
وأخرج أيضًا من خبر فُرات بن مسلم قال : كنت أعرض على عمر بن عبد العزيز كتبي في
كلّ جمعة فعرضتُها عليه فأخذ منها قرطاسًا قدر شبر أو أربع أصابع بقي فكتب فيه حاجة
له ، فقلت : غفل أمير المؤمنين . فلمّا كان من الغد بعث إليّ أن تعال وجئ بكتبك ،
فجئته بها فبعثني في حاجة ، فلمّا جئت قال: ما آن لنا أن ننظر في كتبك بعدُ ، قلتُ
: لا إنّما نظرتَ فيها أمس. قال: خُذْها حتى أبعث إليك . فلمّا فتحتُ كتبي وجدتُ
فيها قرطاسًا قدر قرطاسي الذي أخذ.
وأخرج أيضًا من خبر وُهَيب بن الورد قال: بلغنا أن عمر بن عبد الزيز اتّخذ دار
الطعام للمساكين والفقراء وابن السبيل . قال وتقدّم إلى أهله : إيّاكم أن تصيبوا من
هذه الدار شيئًا من طعامها فإنّما هو للفقراء والمساكين وابن السبيل . فجاء يومًا
فإذا مولاة له معها صحفة فيها غرفة من لبن فقال لها : ماهذا ؟ قالت : زوجتك فلانة
حامل كما قد علمتَ واشتهت غرفةً من لبن، والمرأة إذا كانت حاملاً فاشتهت شيئًا فلم
تُؤتَ به تخوّفت على مافي بطنها أن يسقط ، فأخذتُ هذه الغرفة من هذه الدار . فأخذ
عمر بيدها فتوجّه بها إلى زوجته وهو عالي الصوت وهو يقول: إن لم يُمْسك مافي بطنها
إلا طعامُ المساكين والفقراء فلا أمسكه الله . فدخل على زوجته فقالت له : مالك ؟
قال: تزعم هذه أنّه لا يُمسك مافي بطنك إلا طعام المساكين والفقراء ، فإن لم يُمسكه
إلا ذلك فلا أمسكه الله . قالت زوجته : رُدّيه ويحك ، والله لا أذوقه . قال: فردّته
.
وأخرج من خبر عُبيد بن الوليد قال: سمعتُ أبي يذكر أنّ عمر بن عبد العزيز كان
يسخَّن له في مطبخ العامة ماء يتوضّأ به وهو لايعلم ، ثمّ علم بعد ذلك فقال: كم لكم
منذ أسخنتموه ؟ فقالوا : شهر أو نحوه . قال فألقى في مطبخ العامة لذلك حطبًا.
(طبقات ابن سعد 5/366 ، 368 ، 377 – 379 ، 399 وانظر تاريخ دمشق 45/214 – 219).
وأخرج الحافظ أبو نعيم الأصبهاني من خبر الحكيم بن عمر قال : شهدت عمر بن عبد
العزيز وأرسل غلامه يشوي بكبكبة من لحم ، فعجل بها ، فقال : أسرعت بها ! قال:
شويتها في نار المطبخ – وكان للمسلمين مطبخ يغديهم ويعشيهم – فقال لغلامه : كُلْها
يابني فإنك رُزقتها ولم أُرزقها. (حلية الأولياء 5/291).
فهذه الأخبار تفيد تورع أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى عن
الاستفادة من مال المسلمين العام ، وهي تبين ورعه عن أشياء صغيرة جدا لاتلفت نظر
أكثر الناس ، لكنه لدقة إحساسه بالحرام والشبهات تنبه لها ، فقدم بذلك أمثلة رائعة
للورع أصبحت عبرة لأفراد الأمة من معاصريه والذين جاؤوا بعده رحمه الله تعالى رحمة
واسعة .
خوفه من الرياء والسمعة :
أخرج محمد بن سعد من خبر ميمون بن مهران قال : كنت في سمر عند عمر بن عبد العزيز
ليلة فتكلم فوعظ ، قال: ففطن لرجل خذف بدمعته فسكت ، فقلت: يا أمير المؤمنين عُدْ
لمنطقك لعل الله أن ينفع بك من بلغه وسمعه ، فقال: ياميمون إن الكلام فتنة وإن
الفعل أولى بالمرء من القول. ( ابن سعد 5/371 ، وانظر تاريخ دمشق 45/229 وسيرة عمر
بن عبد العزيز لابن الجوزي /184).
وهكذا سكت عن الوعظ حينما أحس بشيء من الإعجاب بالنفس لما رأى أن كلامه أبكى ذلك
الرجل ، وهذا يدل على كمال إخلاصه لله تعالى وقوة توحيده ، وقد ذكر لميمون بن مهران
أن الكلام فتنة ، وذلك أن الإنسان قد يعجب بنفسه لما يرى من قوة تأثيره على الناس
فيكون ذلك سببا في نقص إخلاصه ، حيث يتكلم ليراه الناس فيمدحوه ويتحدثوا عنه .
وفي هذا المعنى ماذكر الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي من خبر سعيد بن عبد
العزيز قال: كان عمر بن عبد العزيز إذا خطب على المنبر فخاف فيه العجب قطع ، وإذا
كتب كتابا فخاف فيه العجب مزقه ، ويقول : اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي. ( سيرة عمر
بن عبد العزيز لابن الجوزي /51 .).
وكذلك ما أخرجه الحافظ ابن عساكر من خبر نعيم بن عبد الله كاتب عمر بن عبد العزيز
أن عمر بن عبد العزيز قال: إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافة المباهاة .( تاريخ
دمشق 45/229).
* * *
- مواقف جهادية من السيرة النبوية –
- مواقف من غزوة أحد –
- مثل من الحرص على الشهادة –
( عمر بن الخطاب وأخوه زيد )
أخرج الطبراني بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر قال لأخيه : خذ درعي ياأخي،
قال: أريد من الشهادة مثل الذي تريد ، فتركاها جميعا .
ذكره الحافظ الهيثمي وقال : ورجاله رجال الصحيح. ( مجمع الزوائد 5/298).
وهذا مثل يضاف إلى الأمثلة السابقة التي تبين حرص الصحابة رضي الله عنهم على
الشهادة في سبيل الله تعالى ، فقد أعطى عمر بن الخطاب أخاه زيدًا – رضي الله عنهما
– درعه ليَلقى العدو حاسرًا فينال الشهادة فأجابه زيد بأنه هو أيضًا يريد الشهادة .
وقد علم الله تعالى صدق نيتهما في ذلك فمنحهما الشهادة بعد عمْر قضياه في إعلاء
كلمة الله تعالى وخدمة المسلمين حيث استشهد زيد بن الخطاب في معركة اليمامة ، وساق
الله جل وعلا الشهادة لأمير المؤمنين عمر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
- موقف إيماني جليل –
( الأنصار يردون عَرْضَ أبي سفيان )
جاء في رواية للإمام الطبري من حديث ابن إسحاق قال : حدثني جعفر بن عبد الله بن
أسلم مولى عمر بن الخطاب عن رجل من الأنصار من بني سَلمَة قال: .... وقد أرسل أبو
سفيان رسولا ، فقال : يامعشر الأوس والخزرج خلوا بيننا وبين ابن عمنا ننصرف عنكم
فإنه لاحاجة لنا بقتالكم ، فردوه بما يكره. ( تاريخ الطبري 2/511).
وهكذا ظهر لون من ألوان خداع المشركين للمسلمين حيث أرادوا تفريق كلمتهم بمحاولة
إقناع الأنصار بالتخلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان الكفار في غاية
السذاجة في التفكير حينما تقدموا بهذا الطلب ، لأن من خَبر حال المؤمنين في
ارتباطهم برسول الله صلى الله عليه وسلم علم أنهم جميعا يفدونه بأرواحهم وأنه من
المستحيل أن يستجيبوا لهذا الطلب .
ولقد كان موقفا جليلا للأنصار رضي الله عنهم حينما ردوا على المشركين بما يكرهون
وأبانوا لهم قوة ارتباطهم برسول الله صلى الله عليه وسلم واهتمامهم بحماية دينهم .
وهذا الموقف يُعدُّ تبكيتا للمشركين وتحطيما لمعنويتهم حيث أظهر الأنصار تصلبهم في
حماية الإسلام مع مايكلفهم ذلك من حرب شعواء تظهر للمتأمل المتجرد من الإيمان
بتغليب كفة المشركين لكونهم أكثر عددا وأقوى عدة ، ولكونهم موتورين جاؤوا لطلب
الثأر ، ولكون المدينة تشتمل على أعداء للمسلمين من اليهود والمنافقين .
وهكذا كانت أمنية عبد الله بن جحش رضي الله عنه أن ينال الشهادة وأن يمثل به الكفار
لينال أجر ذلك بعد أن يقارع الأقران الأشداء ، وقد استجاب الله تعالى دعاءه فنال
الشهادة على الصورة التي أحبها .
لقد وفقه الله تعالى لهذا الدعاء لأنه سبحانه أراد أن يتخذ منه شهيدا مع إخوانه
الشهداء الأبرار ، ووفق سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلى الدعاء المذكور الذي لم
يشتمل على طلب الشهادة لأنه سبحانه أراد منه أن يُعَزَّ الإسلام وأهله وأن يذل
الكفر وأهله على يديه ، ولقد تأخر أجله حتى فتح الله تعالى به مملكة الفرس ، وأعز
به دولة الإسلام .
- مواقف قيادية وبطولية –
( رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي سيفه أبا دجانة )
أخرج الحافظ البزار بإسناده عن الزبير بن العوام قال عرض رسول الله صلى الله عليه
وسلم سيفا يوم أحد فقال من يأخذ هذا السيف بحقه فقام أبو دجانة سماك بن خرشة فقال :
يارسول الله أنا آخذه بحقه فما حقه؟ [جاء جواب هذا الاستفهام في رواية ابن إسحاق
وفي رواية الطبراني الآتية حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أن تضرب به العدو
حتى ينحني " قال: أنا آخذه بحقه يارسول الله – سيرة ابن هشام 3/12 - ] قال: فأعطاه
إياه فخرج واتبعته فجعل لايمر بشيء إلا أفراه وهتكه حتى أتى نسوة في سفح الجبل
ومعهن هند [يعني هند بنت عتبة] وهي تقول :
نـحن بنات طـارق*1 *** نمشي على النمارق
والمسـك في المفارق *** إن تُقبلـوا نعانـق
أو تـُدبروا نـفارق *** فـراق غير وامـق*2
1* قيل إن هذه الأبيات لهند بنت بياضة بن طارق الإيادي ، قالته حين لقيت إياد جيش
الفرس ، وقد تمثلت به هند بنت عتبة هنا – عيون الأثر 2/25 -.
2* أي غير محب.
قال : فحملت عليها فنادت يالَصخْر [جاء في المطبوع من مجمع الزوائد " فنادت
بالصحراء" والتصويب من رواية ذكرها الصالحي رحمه الله في "سبل الهدى والرشاد 4/192"
وصخر هو اسم زوجها أبي سفيان بن حرب] فلم يجبها أحد فانصرفت عنها فقلت له: كل صنيعك
رأيته فأعجبني غير أنك لم تقتل المرأة قال : فإنها نادت فلم يجبها أحد فكرهت أن
أضرب بسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة لا ناصر لها.
وقال محمد بن يوسف الصالحي الشامي : وعند الطبراني عن قتادة بن النعمان : أن عليا
قام فطلبه فقال له : اجلس ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من يأخذه بحقه
؟ " فقام أبو دجانة – بضم الدال المهملة وبالجيم والنون – فقال : يارسول الله ،
وماحقه ؟ قال: " أن تضرب به في العدو حتى ينحني" قال: أنا آخذه يارسول الله بحقه .
قال " لعلك إن أعطيتكه تقاتل في الكَيُّول" . فأعطاه إياه . (الكيُّول هو آخر
الصفوف).
وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب ، وكان له عصابة حمراء يُعْلم بها عن
الحرب، يعتصب بها ، فإذا اعتصب بها علم الناس أنه سيقاتل ، فلما أخذ السيف من يد
رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج عصابته تلك ، فعصب بها رأسه ، فقالت الأنصار :
أخرج أبو دجانة عصابة الموت . وهكذا كانت تقول إذا اعتصب بها ، ثم جعل يتبختر بين
الصفين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه يتبختر : " إنها لَمشْية
يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن " .
قال الزبير : ولما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف لأبي دجانة وجَدتُ في
نفسي حين سألته فمنعني وأعطاه إياه [جاء ذكر الزبير في رواية أخرى ذكرها الصالحي] ،
وقلت : أنا ابن صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد قمت إليه وسألته إياه
قبله، فأعطاه إياه وتركني ، والله لأنظرن مايصنع به ، فاتبعته ، فخرج وهو يقول :
أنا الذي عاهدني خليلي *** ونحن بالسفح لدى النخيل
ألاَّ أقوم الدهر في الكَيُّول *** أضْربْ بسيف الله والرسول
قال: فجعل لايمر بشيء إلا أفراه وفتكه وفلق به هام المشركين ، وكان إذا كلَّ شحذه
بالحجارة، ثم يضرب به العدو كأنه منْجَل ، وكان في المشركين رجل لايدع لنا جريحا
إلا ذفف عليه، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه ، فدعوت الله تعالى أن يجمع بينهما
، فالتقيا فاختلفا ضربتين،فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه،وضربه
أبو دجانة فقتله. ( سبل الهدى والرشاد 4/192).
في هذا الخبر مواقف منها :
أولا : ماقام به النبي صلى الله عليه وسلم من شحذ الهمم والتحريض على القتال بصورة
مؤثرة حيث رفع السيف فقال: " من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ " فكان من نصيب أبي دجانة
سماك بن خرشة رضي الله عنه، وكان من آثار ذلك أن عصب رأسه بعصابة الموت معلنا أنه
سيبذل كل طاقته في القتال، ثم كان منه ماذكره الزبير بن العوام وقتادة بن النعمان
رضي الله عنهما ، وذلك بما قام به من التنكيل بالأعداء والإثخان فيهم .
وهكذا يضرب الرسول صلى الله عليه وسلم مثلا عاليا للقادة من بعده في محاولة استخراج
كل الطاقات الكامنة في النفوس ، والاستفادة منها في قضايا الدعوة والجهاد ،
والتشهير بذوي البأس والنجدة ليتأسى المسلمون بهم ، وإنزال الناس منازلهم في
الإشادة بما لديهم من مواهب ، وعدم مجاملة الآخرين وإن كانوا يقاربونهم في هذه
المواهب أو يتفوقون عليهم في مواهب أخرى ، أو يشاركونهم في نفس المواهب ولكن الموطن
يتطلب أناسا بأعيانهم لهم أثر في استجاشة المشاعر وإلهاب الحماس ، وهكذا كان مقام
أبي دجانة في قومه وأثره في الحرب وإن كان الزبير وعلي لايَقلان عنه بأسا ونجدة رضي
الله عنهم .
ثانيا : اشتمل هذا الخبر على مواقف بطولية لأبي دجانة رضي الله عنه حيث فتك
بالأعداء وتعرض لذوي البأس منهم ، ولقد حقق بهذه المواقف العالية أمل النبي صلى
الله عليه وسلم فيه حينما اختصه بذلك السيف.
- موقف للأنصار في البراءة من الكفار –
( الأوس يردون على أبي عامر )
في هذا الخبر موقف من مواقف الولاء والبراء ، فقد ظهر ولاء الأنصار رضي الله عنهم
لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من المهاجرين وبراءتهم من سيد من ساداتهم
في الجاهلية كان موضع السمع والبصر في قومه الأوس حيث لم يبق من السادة الكبار بعد
حرب بعاث إلا هو من الأوس وعبد الله بن أبي ابن سلول من الخزرج ، فكان لمِاَ لَه من
شرف سابق فيهم يَعدُ المشركين بأن قومه سيطيعونه وينضوون إليه إذا التقى الصفان ،
ولكن الله تعالى خيب أمله بهذا الرد القوي الذي لقيه من قومه.
- مواقف جهادية لعدد من الصحابة –
قال محمد بن سعد :
فصاح طلحة بن أبي طلحة صاحب اللواء : من يبارز ؟ فبرز له علي بن أبي طالب رضي الله
عنه ، فالتقيا بين الصفين فبدره علي فضربه على رأسه حتى فلق هامته فوقع،وهو كبش
الكتيبة،فَسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وأظهر التكبير ، وكبر المسلمون
وشدوا على كتائب المشركين يضربونهم حتى نغضت صفوفهم ، ثم حمل لواءهم عثمان بن أبي
طلحة أبو شيبة وهو أمام النسوة يرتجز ويقول :
إن علَى أهل اللواء حقا *** أن تُخْضَب الصَّعدة أو تندقَّا
وحمل عليه حمزة بن عبد المطلب فضربه بالسيف على كاهله فقطع يده وكتفه حتى انتهى إلى
مؤتزره وبدا سحره ، ثم رجع وهو يقول : أنا ابن ساقي الحجيج ، ثم حمله أبو سعد بن
أبي طلحة فرماه سعد بن أبي وقاص فأصاب حنجرته فأدلع لسانه إدْلاع الكلب فقتله ، ثم
حمله مسافع بن طلحة بن أبي طلحة فرماه عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح فقتله ، ثم حمله
الحارث بن طلحة بن أبي طلحة فرماه عاصم بن ثابت فقتله ، ثم حمله كلاب بن طلحة بن
أبي طلحة فقتله الزبير بن العوام، ثم حمله الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة فقتله طلحة
بن عبيد الله [جاء في رواية لابن إسحاق أن الذي قتل الجلاس هو عاصم بن ثابت – سيرة
ابن هشام 3/22 - .] ، ثم حمله أرطأة بن شرحبيل فقتله علي بن أبي طالب. ( طبقات ابن
سعد 2/40 – 41).
في هذا الخبر مواقف بطولية لعدد من الصحابة رضي الله عنهم :
الأول : موقف علي بن أبي طالب الذي قتل طلحة بن أبي طلحة العبدري مبارزة وكان
مشهورًا بالشجاعة ، وهو كبش الكتيبة الذي جاء في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم
السابقة ، وكان قتله فاتحة خير على المسلمين حيث فرحوا بذلك وهجموا على أعدائهم .
الثاني : مواقف الصحابة الآخرين الذين تتابعوا على قتل حملة اللواء ، وقد تبين لنا
من هذه المواقف شجاعة حمزة بن عبد المطلب ، والزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله
، وبراعة سعد بن أبي وقاص وعاصم بن ثابت في الرماية .
وهذا التركيز الجيد من هؤلاء الصحابة على قتل حملة لواء المشركين كان المقصود منه
تحطيم معنوية المشركين وإحداث الخلل في صفوفهم إذا سقط لواؤهم .
* * *
|