الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
سيرة المشرف
مؤلفات المشرف
ديـوانية المشـرف
الصـوتـيــــات
مقال الموقع
فتاوى الموقع
ملتقيات الخير
شبهات و ردود
مـقـالات مـخـتارة
المـعـهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
من فتاوى العلماء
ســيــر الصــحـابة
تراجم من علمائنا
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة د. عبدالعزيز الحميدي المصلحون المصلحون : العدد التاسع عشر

المصلحون : العدد التاسع عشر

تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :

1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .

2 – أضواء من الهدي النبوي .

3 – توجيهات ومواقف سلوكية .

4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .

- أضواء من هدي القرآن الكريم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله تعالى (لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً{95} دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً{96}) [ النساء : 95  - 96 ] .

 

يعني لايستوي المتخلفون من المؤمنين عن الجهاد في سبيل الله غير أصحاب الأعذار منهم ، بل القاعدون كسلا وإيثارا للراحة .. لايستوون هم والمجاهدون في سبيل الله تعالى لتكون كلمته هي العليا .

 

وأهل الضرر هم الذين لا يستطيعون الخروج للجهاد كالذين فقدوا أبصارهم أو بعض أعضائهم.

 

(فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً) يعني على القاعدين من أهل الضرر، ذكر ذلك ابن جرير الطبري ونسبه إلى ابن جريج.( تفسير الطبري 7/375).

 

(وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى) يعني وعد الله كُلاً من المجاهدين بأموالهم وأنفسهم والقاعدين من أولي الضرر الحسنى ،وهي الجنة .

 

وقد يقال : لماذا فضل الله سبحانه المجاهدين على القاعدين من أهل الضرر درجة مع أن أهل الضرر قد أسقط الله تعالى عنهم الجهاد كما جاء في قوله سبحانه (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) [ الفتح : 17] فيقال : إن إسقاط إثم العقود عنهم لايفيد مساواتهم تماما للمجاهدين حيث إن المجاهدين قد حصَّلوا عملا صالحا زائدا عن الأعمال الصالحة المشتركة بينهم وبين أهل الضرر ، كما أن أهل الضرر إذا صبروا على البلاء الذي أصيبوا به يحصلون على أجر زائد عن أجر الأصحاء وإن كانوا مجاهدين ، وقد ضمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة للأعمى إذا صبر كما جاء في قوله " إن الله قال : إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته عنهما الجنة" يريد عينيه.( صحيح البخاري ، رقم 5653 (10/116)).

 

وذلك يشبه تكليف الرجال بأعمال قد أُعفيتْ منها النساء كصلاة الجمعة والجماعة والجهاد ، فالرجال يثابون على هذه الأعمال كما أن المرأة في المقابل تثاب على رعاية زوجها وتنشئة اولادها كما جاء ذلك في السنة النبوية فإن ما تقوم به الزوجة من  أعمال البيت التي أهمها تنشئة الأجيال في المراحل الأولى عمل زائد عن الأعمال المشتركة بين الرجال والنساء كحضور صلاة الجمعة والجماعة والجهاد بالنسبة للرجال .

 

(وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً) والقاعدون هنا هم غير أولي الضرر كما قال الطبري ونقله عن ابن جريج ، وهذا هو الراجح في تفسير الآية حتى لايكون هناك تكرار في بيان فضل المجاهدين على القاعدين غير أولي الضرر ، وهذا الأجر العظيم لا يقدر قدره ، ويبينه الأحاديث الكثيرة التي بينت فضل المجاهدين في سبيل الله تعالى .

 

 (دَرَجَاتٍ مِّنْهُ) فضائل من الله تعالى ومنازل عالية في الجنة (وَمَغْفِرَةً) لذنوبهم مقابل بذلهم أرواحهم وأموالهم في سبيل الله تعالى (وَرَحْمَةً) واسعة ينعمون فيها (وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً) ولم يزل الله سبحانه غفورًا لذنوب عباده المؤمنين رحيما بهم بتفضله عليهم بنعمه السابغة.

 

ويقول الله تعالى (وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً{104}) [ النساء : 104] .

 

تشتمل هذه الآية على توجيه سام للمجاهدين في سبيل الله تعالى ليبذلوا كل ما في وسعهم وطاقتهم في طلب الأعداء وقتالهم وملاحقتهم ، وأن لا يضعفوا أو يدركهم الكسل والتواني خوفا من الإصابة بالقتل أو الجراح على أيدي الأعداء .

 

(إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ) فهم مثلكم في الشعور بالألم والتعرض للإصابة (وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ) وهذا هو الفارق الكبير بين المسلمين والكفار ، فالمسلمون يؤمنون باليوم الآخر ويعلمون ما أعده الله جل وعلا للمجاهدين في سبيله من الرفعة الكبيرة والأجر العظيم في الجنة والتطهير من السيئات والحظوة عند الله تعالى في الشفاعة للأقربين .

 

إن المؤمنين يعلمون أن هذه الحياة الدنيا فانية وأن أجلهم فيها محدود ، وأن الجسر القصير بينهم وبين الدرجات العالية في الجنة أن يقَدِّموا أرواحهم في سبيل الله تعالى ، ولهذا فإنهم يغامرون بأنفسهم ويُقْدمون على المهالك ويستميتون في المعارك طلبًا لعز الإسلام ورفعته ورفعتهم هم في الآخرة .

 

وهذا التذكير من الله تعالى للمؤمنين بالفارق الكبير بينهم وبين الكفار في التفكير السديد والنظر الرشيد (وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ) مع اشتراكهم معهم في الشعور الجسماني يجب أن يكون ملازما للمؤمن في كل أحواله التي يكون فيها في صراع مع أعداء الإسلام حتى يستعلي على تفكير الكفار الدنيوي ويستسهل الصعاب ، وتنسيه الأفكار السامية التي تشغل عقله ما يحسُّ في جسمه من آلام الجراح .

 

وإنه إذا كان الصراع في الوقت الذي نزلت فيه هذه الآية بين المؤمنين والكفار كان صراعًا قتاليًّا فإن أي بلاء يصيب المؤمن ويتعرض فيه للأذى في نفسه أو جسمه على يد أعدائه فإنه مخاطب بهذه الآية ، فإن هناك من يغامرون بأرواحهم ويتعرضون للسجون والأذى من أجل نصر مبادئهم الدنيوية وهم لا يرجون من الثواب الأخروي ما يرجوه المؤمنون ، لأنهم لا يؤمنون بالآخرة أو لا يحسبون لها حسابا في قاموس حياتهم ، فإذا كان هؤلاء يُقْدمون على تحمُّل الأذى والتعرض للموت وهم على باطل ولا يرجون أكثر من المجد الدنيوي فكيف لايُقْدم المؤمنون على نصر دينهم الحق وهم إنما يرجون المجد الأخروي الخالد ؟!

 

(وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً) بكل شيء ، ومن ذلك علمه بمداخل النفوس ومكامن قوتها أو ضعفها (حَكِيماً) في تدبير جميع أمور الكون ، ومن ذلك توجيهه عباده إلى ما يصلحهم في دنياهم وآخرتهم .

*        *         *

- أضواء من الهدي النبوي –

- الحث على الصبر –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : فقد سبقت أحاديث في الصبر على المصائب ، وهذه أحاديث أخرى في هذا الموضوع، فمن ذلك ما أخرجه الحافظ أبو عيسى الترمذي رحمه الله وحسَّنه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : "أن ناسا من الأنصار سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ، ثم سألوه فأعطاهم ، ثم قال: ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم ، ومن يستغْن يغْنه الله ، ومن يستعفف يعفَّه الله، ومن يتصبَّر يصبِّره الله ، وما أُعطي أحد شيئًا هو خير وأوسع من الصبر ".( سنن الترمذي ، رقم 2024 ، كتاب البر ، باب 77 ( 4 /373 )).

 

فهذا وعد كريم من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله تعالى يكون مع عبده المتقي إذا استغنى واستعفف وتصبَّر ، حيث يمنحه الله جل وعلا غنى النفس بحيث يشعر بأنه من أغنى الناس وإن كان من أوسطهم، ويمنحه العفة بحيث لايتطلع إلى مافي أيدي الناس ، ويمنحه الصبر فلا يشعر بمرارة الواقع الذي هو فيه من قلة ذات اليد وعدم الحصول على المطالب .

 

وقد امتدح النبي صلى الله عليه وسلم الصبر وبين أنه أفضل نعمة أنعم بها الله على عباده ، لأن الإنسان قد يُبتلَى بالعوز المادي ، وقد يبتلى بالمصائب ، وإن أسوأ ما في هذا الأمر أن يصل تأثير ذلك إلى النفس فيصاب الإنسان بأزمات نفسية ، ولكن الصبر يحول بين تلك الابتلاءات والتأثير على النفس.

 

وأخرج الحفاظ أبو عبد الله البخاري وأبو داود السجستاني والنسائي رحمهم الله من حديث خباب بن الأرتِّ رضي الله عنه قال : " شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة لـه في ظل الكعبة ، فقلنا : ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ فقال : كان الرجل فيمن قبلكم يُحفَر لـه في الأرض فيجعل فيه ، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنين ومايصده ذلك عن دينه، ويُمشط بأمشاط الحديد مادون لحمه من عَظْم أو عصب ومايصده ذلك عن دينه ، والله لَيتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون". (صحيح البخاري ، رقم 3612 ، كتاب المناقب ، باب 25 (6/619) ، سن أبي داود ، رقم 2649 ، كتاب الجهاد ، باب في الأسير يكره على الكفر  ، سنن النسائي 8/104 ، كتاب الزينة ، باب لبس البرود ).

 

ففي هذا الحديث توجيه لمن يُبتلَون في دينهم على يد الأعداء إلى الصبر الجميل وإن تفاقم بهم البلاء ، وضَرْبُ المثل بالمبتلين من الأمم السابقة وماكان منهم من الصبر العظيم حَثٌ لهذه الأمة على التنافس في الصبر والتسابق إلى الفداء .

 

ومن ذلك ما أخرجه الحافظ البزار رحمه الله من حديث عائشة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " قَتْلُ الصبر لايمرُّ بذنب إلا محاه ".( صحيح الجامع الصغير).

 

والمقتول صبرا هو المسلم الذي يقتله الأعداء في غير الحرب ، والمقصود به في هذا الحديث الذي يأسره الأعداء ثم يقتلونه ، وكذلك المسلم الذي يقول كلمة الحق فيُقتل بسبب ذلك، وهذا من سادة الشهداء .

 

وهذا الحديث يبين ضخامة الجزاء الذي يحصل عليه المسلم المقتول صبرا من أجل الله تعالى، حيث يكون ذلك مطهِّرا له من جميع ذنوبه .

 

ومما جاء في فضيلة الصبر على المصائب وأثر ذلك في محو الخطايا ما أخرجه الحافظ مسلم بن الحجاج رحمه الله من حديث حافظ الأمة أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما نزلت (مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) [النساء : 123] بلغتْ من المسلمين مبلغا شديدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "قاربوا وسددوا ، ففي كل مايصاب به المسلم كفارة ، حتى النكبة يُنكبها ، أو الشوكةِ يشاكها".( صحيح مسلم ، رقم 2574 ، كتاب البر ، باب 14 (1993)).

 

وقولـه " قاربوا " أي اقتصدوا فلا تَغْلوا ولاتقصروا ، بل توسطوا ، وقوله "سددوا" أي اقصدوا السداد وهو الصواب .

 

وهذا الحديث فيه مثل من خشية الصحابة رضي الله عنهم وخوفهم من الله عز وجل ، حيث خافوا من الجزاء على السيئات ، ومَنْ ذا الذي ينجو منها ! فأفادهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله تعالى قد منَّ على عباده فجعل لهم كفارات للذنوب ، وذكر منها الإصابة بالمصائب ، فإذا صبر المسلم على مايصيبه ولم يتضجر ولم يعترض على قضاء الله وقدره فإن ما يصيبه يكون مُكفِّرًا لذنوبه .

 

وأخرج أيضًا مسلم بن الحجاج رحمه الله من حديث أبي حسان رحمه الله قال : قلت لأبي هريرة إنه قد مات لي ابنان فما أنت محدِّثي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث تُطيِّب به أنفسنا عن موتانا؟ قال قال : نعم " صغارهم دعاميص الجنة [ أي صغار أهلها] يتلقى أحدهم أباه – أو قال أبويه- فيأخذ بثوبه – أو قال بيده – كما آخذ أنا بصَنِفة ثوبك هذا ، [ أي بطرفه] فلا يتناهى – أو قال فلا ينتهى – حتى يدخله الله وأباه الجنة ".( صحيح مسلم ، رقم 2635 ، كتاب البر ، باب 47 (2029 )).

 

ففي هذا الحديث وأمثاله عزاء لمن فقدوا أولادا لهم في صغرهم ، فإن تصورهم لموضوع استقبال أولادهم إياهم عند الجنة وكونهم سببا من أسباب دخولهم في الجنة إذا صبروا على مصابهم بهم يجعلهم يصبرون ويرضون بقضاء الله تعالى وقدره .

 

وإنه لفرق عظيم بين مسلم يَعُدُّ فراقه لأولاده في هذه الحياة الدنيا محدودا بأجل ثم يكون اللقاء الخالد الذي لافراق بعده وبين رجل كافر يعدُّ أنه إذا قبر ولدا له فإنه قد فقده إلى الأبد، ويظهر هذا الفرق في تجمل المؤمن بالصبر والرضا بقضاء الله تعالى وقدره ، وظهور الكافر بمظهر المتسخط المتضجر الذي يكاد يتقطع حسرة وألما .

 

فكم هي النعم العظيمة التي يكتسبها المسلم من هذا الدين العظيم ؟!

 

ولقد رُوَيتْ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث أخرى في بيان أثر الصبر على المصائب في محو الذنوب والوقاية من النار ، فمن ذلك ما أخرجه الحافظ مسلم بن الحجاج رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : " أتتْ امرأة النبي صلى الله عليه وسلم بصبي لها ، فقالت : يانبي الله ادع الله له فلقد دفنت ثلاثة ، قال: دفنت ثلاثة ؟ قالت : نعم ، قال: لقد احتظرتِ بحِضارٍ شديد من النار".( صحيح مسلم ، رقم 2636 ، كتاب البر ، باب 47 ( 2030 ))

 

أي لقد امتنعت من النار بمانع وثيق .

 

ومن ذلك ما أخرجه الحافظ أبو عبد الله البخاري رحمه الله من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما يصيب المسلم من نَصب ولا وصب ولاهمٍّ ولاحزن ولا أذى ولاغمٍّ – حتى الشوكة يشاكها – إلا كفَّر الله بها من خطاياه .( صحيح البخاري ، رقم 5641 ، كتاب المرضى ، باب 1 (10/103)).

 

والنَّصب هو التعب ، والوصب هو المرض .

 

ومن ذلك ما أخرجه الحافظ أبو داود السجستاني رحمه الله من حديث عامر الرام رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن المؤمن إذا أصابه السَّقَم ثم أعفاه الله منه كان كفارة لما مضى من ذنوبه ، وموعظة فيما يَستقبل ، وإن المنافق إذا مرض ثم أعفي كان كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه ، فلم يدْر لِمَ عقلوه ولم يدر لم أرسلوه".( سنن أبي داود ، رقم 3089 ، كتاب الجنائز ، باب 1 (3/468 ))

 

ولقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن المصائب خير لمن أصيب بها ، وذلك فيما أخرجه الحافظ أبو عبد الله البخاري رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من يرد الله به خيرًا يُصِبْ منه" [صحيح البخاري ، رقم 5645 ، كتاب المرضى ، باب 1 (10/103 )] وذلك فيما إذا وُفق المصاب بالصبر على المصيبة وعدم الاعتراض على قضاء الله تعالى وقدره .

*          *          *

- توجيهات ومواقف سلوكية –

- مواقف في الورع والعفة والزهد –

- من مواقف أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله –

تورعه عن مزارع خيبر :

ومن ذلك ماجاء في رواية لابن عبد الحكم قال : وكان عمر بن عبد العزيز نظر في مزارعه فخرق سجلاتها حتى بقيت مزرعتا خيبر والسويداء فسأل عن خيبر من أين كانت لأبيه ؟ قيل : كانت في نِحَل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيئا للمسلمين ثم صارت إلى مروان أبيك، ثم أعطاكها أبوك ، فخرق عمر سجلها وقال : أتركُها حيث تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم.( سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم /61 ، سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي /90).

 

فهذا مثل على ورع عمر بن عبد العزيز واحتياطه بالبعد عن الشبهات ، فحيث علم أن أصل مزرعة خيبر قد جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيئًا للمسلمين ، فإنه قد جعلها كذلك ، مع أنه لم يبحث طريق وصولها إلى جده مروان .

 

تورعه عن حلي زوجته :

ومن ذلك خبر حُليِّ زوجته فاطمة حيث قال لها : قد علمت حال هذا الجوهر ، وماصنع فيه أبوك ومن أين أصابه ، فهل لك أنَ أجعله في تابوت ثم أطبع عليه وأجعله في أقصى بيت مال المسلمين ، وأنفق مادونه ، فإن خلُصْت إليه أنفقته ، وإن مت قبل ذلك فلعمري ليردُّنَّه إليك، قالت له : افعل ماشئت ، ففعل ذلك ، فمات رحمه الله ولم يصل إليه ، فرد ذلك عليها أخوها يزيد بن عبد الملك ، فامتنعتْ من أخذه ، وقالت : ماكنت لأتركه ثم آخذه ، فقسمه يزيد بن نسائه ونساء بنيه.( سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم /62 . وانظر الكامل لابن الأثير 4/153).

 

فهذا ابتلاء داخلَ بيت عمر حيث تذكَّر أن حلي زوجته فاطمة بنت عبد الملك قد أعطاه إياها أبوها ، ولعله كان من مال المسلمين العام ، فلم يسعه أن يبقيه بيدها وقد أخذ على نفسه أن يعيد إلى بيت مال المسلمين كل ما أُخذ منه بغير حق .

 

وقد كانت له مطيعة بارة ، ثم تبين ورعها حين رد ذلك الحلي إليها أخوها يزيد فلم تأخذه.

 

لقد استطاع عمر بتوفيق الله تعالى أن يؤثر عليها وعلى بنيه ، وأن يكوِّن أسرة عالية في الصلاح والتقوى رحمهم الله جميعا .

 

تورعه عن صرف شيء من المال العام في الحج :

ومثل آخر من ورعه وسمو هدفه في هذه الحياة ، فقد قال لمولاه مزاحم ، إني قد اشتهيت الحج فهل عندك شيء ؟ قال: بضعة عشر دينارًا ، قال: وماتقع مني ؟ ثم مكث قليلا ، ثم قال له : يا أمير المؤمنين تجهز فقد جاء مالٌ سبعة عشر ألف دينار من بعض مال بني مروان ، قال: اجعلها في بيت المال ، فإن تكن حلالا فقد أخذنا منها مايكفينا ، وإن تكن حراما فكفانا ماأصبنا منها.

 

فلما رأى عمر ثِقَل ذلك عليَّ قال: ويحك يامزاحم ، لايكثُرنَّ عليك شيء صنعتُه لله، فإن لي نفسا توَّاقة ، لم تتق إلى منـزلة فنالتها إلا تاقت إلى ماهي أرفع منها ، حتى بلغَتْ اليوم المنـزلة التي ليس بعدها منـزلة وإنها اليوم قد تاقت إلى الجنة.( سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم /62 ، وانظر سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي /53).

 

ففي هذا الخبر تورع عمر رحمه الله عن ذلك المال الذي لايدري هل هو حلال أم حرام؟ ولم يرض أن ينفق منه في الحج كما كان قبل ذلك لايرضى أن ينفق على نفسه من مال فيه شبهة ، بل إن موضوع النفقة في العبادة أولى بالتحري والبعد عن الشبهات .

 

وفي آخر الخبر مثل من سمو تفكيره وعلو مقصده ، حيث ذكر وصوله إلى أعلى قمة في الحياة الدنيا ، وأن نفسه قد تاقت إلى ماهو أعلى من ذلك بكثير وهو الظفر بنعيم الجنة ، فأصبح يُسخِّر كل مابيده من سلطان للوصول إلى الجنة ، ولذلك كان قويا في عدله ، حازما في قراراته لأن هدفه الأعلى لايحصل له إلا بذلك .

 

أما الذين يجعلون هدفهم منازل الحياة الدنيا فإنهم يترددون في إصدار القرارات ويتناقضون فيها بين الحين والآخر ، لأنهم يراعون أمور الدنيا ، وهي متقلبة بتقلب أبنائها .

 

تورعه عن دماء الناس وأموالهم :

هذا ومن نماذج تورعه عن دماء الناس وأموالهم ماجاء في كتابه إلى عدي بن أرطأة ، عامله على البصرة حيث قال فيه : أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر أن قِبَلَك عُمَّالاً قد ظهرت خيانتهم، وتسألني أن آذن لك في عذابهم ، كأنك ترى أني لك جُنَّة من دون الله ، فإذا جاءك كتابي هذا فإن قامت عليهم بينة فخذهم بذلك ، وإلا فأحلفهم دُبُر صلاة العصر بالله الذي لا إله إلا هو مااختانوا من مال المسلمين شيئًا ، فإن حلفوا فخل سبيلهم ، فإنما هو مال المسلمين ، وليس للشحيح منهم إلا جهد أيمانهم ، ولعمري لأن يلقوا الله بخياناتهم أحب إلي من أن ألقى الله بدمائهم ، والسلام.(سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم /65 ، وانظر سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي /68).

 

وهكذا كان عمر رحمه الله شديدًا في محاسبة الولاة ، حريصا على أموال المسلمين ، ولقد فهم والي البصرة أن مما يترتب على هذا المنهج أن يقوم بتعذيب العمال الذين ظهرت خيانتهم، فاستأذن أمير المؤمنين عمر في ذلك ، فكان جوابه جواب الرجل الذي يخشى الله تعالى في دماء المسلمين وأعراضهم .

 

وقد أشار إلى نقطة مهمة وهي أن كل وال مسؤول عن عمله وعن كل مايقوم به من إحسان أو عقوبة ، وأن صدور الأوامر من مسؤول أعلى منه لايسوِّغ وقوعه في الخطأ والتجاوز لأن المسؤول الأعلى قد لايعلم تفاصيل الأمر كما يعلمها هو .

 

ويبين في كتابه لذلك الوالي أنه إذا قامت البينة على مسؤول بخيانة فيجب أخذه بذلك ، وإن لم تقم عليه بينة فيكفي لبراءته ظاهرا أن يحلف بعد صلاة العصر بالله الذي لا إله إلا هو ما اختان من مال المسلمين شيئًا .

 

ثم يختم عمر كتابه ببيان ماينتظره وينتظر الولاة من الوقوف للحساب بين يدي الله تعالى فيما إذا وقع منهم ظلم للآخرين ، وفي هذا تذكير للمسؤولين بأن يراقبوا الله سبحانه ، ويتذكروا وقوفهم بين يديه للحساب ، وهذا يجعلهم يترددون كثيرًا قبل أن يقدموا على ثواب أو عقاب .

*          *          *

- مواقف جهادية من السيرة النبوية –

- مواقف من غزوة أحد –

موجز في أحداث المعركة

وأخرج الحافظ أبو داود الطيالسي بإسناده عن أم المؤمنين عائشة قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك يوم كله يوم طلحة ، ثم أنشأ يحدث ، قال: كنت أول من فاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، فرأيت رجلا يقاتل مع رسول الله دونه – قال: أراه يحميه – قال: فقلت: كن طلحة حيث فاتني مافاتني فقلت يكون رجلا من قومي أحب إلي ، وبيني وبين النبي صلى الله عليه وسلم رجل لا أعرفه وأنا أقرب إلى رسول الله منه ، وهو يخطف المشي خطفا لا أخطفه ، فإذا هو أبو عبيدة ابن الجراح فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كُسرت رباعيته ، وشُج في وجهه ، وقد دخل في وجنتيه حلقتان من حلق المغفر ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عليكما صاحبكما" – يريد طلحة – وقد نزف، فلم نلتفت إلى قوله ، وذهبت لأنزع ذلك من وجهه ، فقال أبو عبيدة : أقسمت عليك بحقي لما تركتني، فتركته وكره أن يتناولها بيده فيؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ، وَأزمَّ عليه [أي عض عليه] بفيه فاستخرج إحدى الحلقتين ووقعت ثنيته مع الحلقة ، وذهبت لأصنع ماصنع فقال: أقسمت عليك بحقي لما تركتني ، ففعل كما فعل المرة الأولى فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة من أحسن الناس هتما [الهتم هو انكسار الثنايا من أصلها] ، فأصلحنا من شأن النبي صلى الله عليه وسلم ثم أتينا طلحة في بعض الجفار فإذا به بضع وسبعون أو أقل أو أكثر بين طعنة وضربة ورمية وإذا قد قطع إصبعه ، فأصلحنا من شأنه.( وأخرجه الواقدي من حديث عائشة رضي الله عنها – المغازي 1/246 -).

 

وأخرج الحافظ أبو يعلى من حديث عكرمة قال ، قال لي علي : لما انجلى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد نظرت إلى القتلى فلم أرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ، فقلت : والله ماكان ليفرّ وما أراه من القتلى ، ولكني أرى أن الله غضب علينا بما عصينا ، فرفع نبيه فما لي خير من أن أقاتل حتى أُقتل، فكسرت جفن سيفي ثم حملت على القوم ، فأفرجوا لي ، فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم. ( المطالب العالية 4/223 رقم 4323 ، وقال المحقق : قال البوصيري : رواه أبو يعلى بإسناد حسن.).

 

وقد تبين لنا من هذه الأخبار أن المسلمين أصيبوا بانتكاسة كبيرة في أثناء المعركة بعد أن حصل لهم النصر المؤزر على أعدائهم فتفرقوا واستُشهد منهم من استشهد وأفْرد النبي صلى الله عليه وسلم بعدد قليل من أصحابه .

 

وتتلخص أسباب هذه الانتكاسة في أمرين : الأول هجوم فرسان المشركين عليهم من خلفهم، والثاني إشاعة مقتل النبي صلى الله عليه وسلم .

 

ولاشك أن خبر إشاعة مقتل النبي صلى الله عليه وسلم كان له أثر كبير في نفوس الصحابة ، يدل على ذلك ماسيمر علينا من أخبارهم التي تفيد أنهم لما رأوا الرسول صلى الله عليه وسلم حيّا نسوا جميع ماأصابهم.

 

وقد انقسم المسلمون إزاء هذه المصيبة إلى خمسة أقسام تقريبا :

القسم الأول : الذين فروا من ساحة المعركة ضعفا ، وقصدهم النجاة بأنفسهم ، وهؤلاء قليل جدًّا ، وفيهم نزل قول الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ{155}) [آل عمران:155].

 

القسم الثاني : الذين فروا نفاقا ، وقصدهم النجاة بأنفسهم والإرجاف بالمؤمنين ، وقد نزل من الآيات القرآنية مايثبت وجود المنافقين مع المسلمين في المعركة حيث لم يرجعوا جميعا مع ابن أبي ابن سلول ، وفي ذلك يقول الله تعالى (ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ{154}) [آل عمران :154] .

 

القسم الثالث : الذين انسحبوا إلى الخلف في وادي أحد ليتدبروا أمرهم على بصيرة ، وكان أكبر همِّهم البحثُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم اجتماع كلمة المسلمين واتحاد قوتهم ، وهؤلاء هم معظم الجيش الإسلامي،وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعد بن معاذ وسعد بن عبادة.

 

ولقد فاء هؤلاء سريعا على تفاوت بينهم منذ أن علموا بحياة النبي صلى الله عليه وسلم ومقر وجوده وكوَّنوا مع من بقي من أفراد القسم الرابع والخامس التشكيل الأخير للجيش الإسلامي بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

القسم الرابع : قوم رأوا أن واجبهم يقضي بالاستمرار في قتال الأعداء في ميدان المعركة حتى الموت، وإن غلب على ظنهم عدم الانتصار عليهم ، وقد كانوا ينادون بالموت على مامات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرض أنه قد استشهد .

 

وهؤلاء قد رُويت أخبار بعضهم كما سيأتي ومنهم حمزة بن عبد المطلب وأنس بن النضر وسعد بن الربيع.

 

القسم الخامس : قوم كانوا قريبين من رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلموا بمكانه فكان هَمُّهُم الكبير القيام بحمايته والدفاع عنه ، ونالوا شرف ذلك ، ومنهم طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وأبو طلحة كما سيأتي في أخبارهم .

 

المواقف والعبر في هذه الأخبار :

الأول : مواقف لبعض الصحابة رضي الله عنهم في العناية بالنبي صلى الله عليه وسلم وخدمته بعدما أصيب، ومنهم طلحة بن عبيد الله وعلي بن أبي طالب اللذين رفعاه من الحفرة التي سقط فيها وأخذا بيده حتى وصل إلى المكان الآمن في الجبل ، ومنهم أبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح اللذين تسابقا على نزع الحديد من وجه النبي صلى الله عليه وسلم فنـزعه أبو عبيدة وسقطت بذلك ثنيتاه ، ومنهم مالك بن سنان الخدري الذي مصَّ الدم من وجه النبي صلى الله عليه وسلم ثم ابتلعه تعبيرًا عن حبه الكبير لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانت بشراه النجاة من النار ، وما أعظمها من بشرى ، وما أبلغه من ثمن !!

 

الثاني : ماجاء في هذه الأخبار من أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا في غَمِّ شديد مما أصابهم من المشركين ومايتوقعونه منهم لو عادوا إلى متابعتهم والهجوم عليهم ، وأنهم لما طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم في ذلك الغم الشديد نسوا كل شيء أصابهم واهمَّهم ، فكأنهم لم يصبهم شيء حين رأوه سالما ، وهذا تعبير عن منتهى مايمكن تصوره من المحبة البالغة والشوق العظيم .

 

الثالث : الإشارة إلى جهود الفئة الذين دافعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ساعات القتال الحرجة وفدوه بأنفسهم رضي الله عنهم .

 

الرابع : ما حصل للمسلمين في بداية المعركة ونهايتها فيه عبرة عظيمة ، فلقد ابتدأت بنصر الله إياهم ذلك النصر العظيم السريع الذي أثبته الله تعالى بقوله (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ) كما سبق،وانتهت بخذلان الله تعالى إياهم كما جاء في هذه الآية في قوله (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ{152}) [آل عمران :152] .

 

فما أسباب ذلك النصر ؟ وما أسباب ذلك الخذلان ؟!

 

أما أسباب الخذلان فقد ذكرها الله تعالى في هذه الآية بقوله (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم) فهي أوَّلاً : الفشل وهو الضعف والجبن ، وثانيًا : التنازع في الأمر وهو اختلاف الكلمة والتفرق ، وثالثًا : العصيان .

 

وقد حصل الفشل حينما اصطدم فرسان الكفار بجيش المسلمين من خلفهم فضعف بعضهم وفروا عن ميدان المعركة .

 

وحصل التنازع مرتين : الأولى حينما تنازع الرماة فرأى أكثرهم النـزول وترك الموقع ورأى أميرهم ومن ثبت معه البقاء .

 

والثانية : حينما تفرق المسلمون بعد الهجوم عليهم ولم تتَّحد كلمتهم .

 

وحصل العصيان من الرماة الذين رفضوا طاعة أميرهم ، وذلك بالتالي يُعدُّ معصية للنبي صلى الله عليه وسلم الذي أمره ، كما قد يكون حصل ممن سمعوا نداء النبي صلى الله عليه وسلم بالالتفاف حوله وعرفوه فلم يطيعوه ، وهؤلاء لايُتَصوَّر أن يكونوا من المؤمنين بل هم من المنافقين الذين لم يرجعوا مع عبد الله بن أبي ابن سلول .

 

أما أسباب النصر فهي بضد أسباب الخذلان فالفشل ضده الشجاعة والصبر ، والتنازع ضده اتفاق الرأي واتحاد الكلمة ، والعصيان ضده الطاعة ، وقد سبق ذكر العنصر الأول في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " امضوا على اسم الله فلكم النصر ماصبرتم" ، وقد صبر المسلمون في بداية المعركة ، وكانوا مجتمعين على كلمة واحدة ، وأطاعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان الله تعالى معهم ، فنصرهم نصرا حاسما سريعا ، فلما فشل بعضهم وتنازعوا وعصوا صرفهم الله عن المشركين وقدَّر إصابتهم ليختبرهم فيظهر المؤمنون على درجاتهم في الإيمان ، وليتميَّزوا  عن المنافقين ، فالأمر لله جل جلاله من قبل ومن بعد ، والنصر والخذلان بيده وحده سبحانه .

 

حكَم جليلة في إصابة المسلمين يوم أحد :

قال الله تعالى (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ{140} وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ{141}) [آل عمران : 140 – 141] .

 

ويتبين لنا من هاتين الآيتين أن الله جل وعلا قدر إصابة المسلمين يوم أحد لتظهر الحكَم الآتية:

أولاً : ليُظهر الله تعالى المؤمنين على درجاتهم في الإيمان بقدر بلائهم في الثبات والصبر واحتمال الشدائد (وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ).

 

ثانيًا : اصطفاء نخبة من المؤمنين يختارهم الله جل وعلا للاستشهاد في سبيله (وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء) ، إنهم شهداء على عظمة هذا الدين وصدقه وأثره الكبير في الدنيا والآخرة ، حيث قدموا أنفسهم فداء له ، إن النفوس هي أغلى مايملك الناس في هذه الحياة ، فإذا قدموها فداء لأمر فإن ذلك دليل واضح على خطر هذا الأمر وفخامته .

 

ثالثًا : تمحيص المؤمنين (وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ) أي ليطهرهم مما قد يكون علق في بعض القلوب من الشوائب بعد الانتصار الكبير يوم بدر ، فقد يظن بعض المؤمنين أنهم أصبحوا بعد الانتصار قوة لاتقهر ، فيدفعهم ذلك إلى عدم الالتزام الكامل بتحقيق أسباب النصر ، وهذا ماحدث في معركة أحد حيث أخلَّ بعض الرماة بطاعة قائد المعركة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتركوا موقعهم، فكان ذلك أهم أسباب إصابة المسلمين ، وليطهرهم أيضًا مما قد يكون صدر من بعضهم  من ذنوب ، فإن البلاء يطهر الله به المسلم من الخطايا .

 

رابعًا : مَحْق الكافرين (وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) وفي معنى هذه الجملة يقول الحافظ ابن كثير : أي فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم.( تفسير ابن كثير 1/427).

 

وقال الله تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ{166} وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ) [ آل عمران : 166 – 167 ] .

 

وهذه هي الحكمة الخامسة وهي أن يتميز المؤمنون الصادقون فيظهروا بإخلاصهم وصفائهم، ويتميز المنافقون فيظهروا بنفاقهم وغشهم .

 

وفي هذه الحكمة يقول الله تعالى أيضًا  (مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ{179}) [آل عمران :179] . أي ماصح وما استقام في حكمة الله تعالى أن يترككم أيها المؤمنون على الحال التي أنتم عليها من التباس المؤمن منكم بالمنافق حتى يظهر المنافق الذي خبثت نفسه فنـزعت إلى الشر ولم تقبل الخير ، من المؤمن الصادق الذي زكت نفسه فنـزعت إلى الخير ورفضت الشر ، لأن بقاء المنافقين داخل المجتمع الإسلامي له أثر بالغ في إيقاع الفتنة بين المؤمنين وإحداث الخلل في صفوفهم ، وصرْف الناس عن الدخول في الإسلام ، فلهذا قدر الله سبحانه وقوع المحن ليظهر الصادق منهم في إيمانه من المنافق.

 

وماكان هناك من وسيلة لكشف المنافقين وتمييزهم عن المؤمنين غير المحن التي يبتلي بها الله المسلمين إلا أن يُطلع المؤمنين على غيبه فيعيِّن لهم المنافقين بأشخاصهم ، وهذا مالا سبيل إليه إلا لمن يصطفيه الله من رسله ، ولذلك قال تعالى (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ) أي ماصح وما استقام في حكمة الله جل وعلا أن يطلعكم على الغيب لأنكم في دار تكليف وابتلاء ، وليس ذلك لأحد من البشر إلا لمن اختاره الله من رسله فيطلعه من غيبه على مايشاء ، وقد أطلع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على كثير من أخبار المنافقين وأقوالهم التي صدرت من بعض أفرادهم ، ولكن حكمته جل وعلا اقتضت أن يكشفهم بشكل جماعي عن طريق المحن ، وذلك بتكليفهم بالجهاد في سبيل الله تعالى.( عن كتاب المنافقون في القرآن الكريم للمؤلف ص 138).

 

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في بيان مايستفاد من إصابة المسلمين في أحد: قال العلماء : وكان في قصة أحد وما أصيب به المسلمون فيها من الفوائد والحكَم الربانية أشياء عظيمة : منها تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية وشؤم ارتكاب النهي ، لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم الرسول أن لايبرحوا منه .

 

ومنها أن عادة الرسل أن تُبْتَلَى وتكون لها العاقبة كما تقدم في قصة هرقل مع أبي سفيان، والحكمة في ذلك أنهم لو انتصروا دائمًا دخل في المؤمنين من ليس منهم ولم يتميز الصادق من غيره، ولو انكسروا دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة ، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين لتمييز الصادق من الكاذب ، وذلك أن نفاق المنافقين كان مَخْفيًّا عن المسلمين ، فلما جرت هذه القصة وأظهر أهل النفاق ماأظهروه من الفعل والقول عاد التلويح تصريحا ، وعرف المسلمون أن لهم عدوا في دورهم فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم .

 

ومنها أن في تأخير النصر في بعض المواطن هضما للنفس وكسرا لشماختها ، فلما ابتلى المؤمنون صبروا وجزع المنافقون .

 

ومنها أن الله هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لاتبلغها أعمالهم ، فقيض لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها .

 

ومنها أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقها إليهم .

 

ومنها أنه أراد إهلاك أعدائه فقيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك في كفرهم وبغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه ، فمحص بذلك ذنوب المؤمنين ، ومحق بذلك الكافرين.( فتح الباري 7/347).

*          *          *

 

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 46:40:03


6 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8310726 عدد زيارات الموقع 64 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com