الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
المشرف
المؤلفات
الديوانية
الصوتيات
مقال الموقع
فتاوى الموقع
تراجم علمائنا
ملتقـيات الخير
شبـهات و ردود
مقـالات مخـتارة
المـعهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
من فتاوى العلماء
ســيــر الصـــحـابة
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة د. عبدالعزيز الحميدي المصلحون المصلحون : العدد الثامن عشر

المصلحون : العدد الثامن عشر

تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :

1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .

2 – أضواء من الهدي النبوي .

3 – توجيهات ومواقف سلوكية .

4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .

- أضواء من هدي القرآن الكريم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله تعالى (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً{58} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً{59}) [ النساء :58-59] .

 

[58] يأمر الله تعالى المسلمين بأداء الأمانات إلى أهلها ، والآية تشمل جميع الأمانات ، ومن أبرز ذلك الحقوق المالية سواء أكان ذلك على مستوى الأفراد في حقوقهم بعضهم على بعض أم على مستوى الشعوب والدول ، فأداء الحقوق من أداء الأمانة ، وجحدها أو إنقاصها أو المماطلة في أدائها من الخيانة .

 

ويأتي على رأس الأمانات أمانات الرعية على ولاة الأمر كما فسر الآية بذلك عدد من التابعين [تفسير الطبري 7/169] ، ويتمثل ذلك في استشعار الحاكم بأن أموال الأمة أمانة في يده وأن عليه أن يؤدي هذه الأمانة إلى كل أفراد الرعية على وجه العدالة وحسب أحكام الشريعة ، فتخصيص وجهاء الأمة بالأعطيات الكبيرة وحرمان أوساطها وفقرائها خيانة للأمانة ، وإن من أداء الأمانات تطبيق سنة العطاء لكل أفراد الأمة ، وقد تم تطبيق ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين وفي خلافة معاوية رضي الله عنهم ، ثم انقطع العمل بهذه السنة إلى أن جاء عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز فأحيى الله تعالى به هذه السنة ، ثم انقطعت بعد ذلك ، فإحياؤها من أداء الأمانة ، وقطعها من خيانة الأمانة.

 

هذا وإن من أبرز الأمانات أمانة العلم ، فالعلماء يزيدون عن عامة الناس بتحملهم أمانة العلم، فكتمان العلم من خيانة الأمانة ، وأداء بعض العلم الذي لا يُعرِّض حامله لمشكلات مع المجتمع أو مع الحكومات وكتمان ما يُعرِّضه لذلك من خيانة الأمانة .

 

(وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ) فالمسلمون مأمورون إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بينهم بالعدل سواء أكانت القضية بين مسلمين ومسلمين أم بين مسلمين وكفار ، فالعدل يجب أن يسود في التحاكم بين الناس وهو المنظور إليه وحده ، ولقد شهد العهد النبوي وعهد الخلفاء الراشدين وبعض العهود الإسلامية أمثلة رائعة للحكم بالعدل حتى لو كان أحد الخصمين كافرا وكان الحق معه ، وكان ذلك من الأسباب المهمة في دخول عدد كبير من الكفار في الإسلام .

 

(إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ) يعني نعم الشيء يعظكم به من أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل (إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً) أي لم يزل سميعا لأقوالكم (بَصِيراً) بأعمالكم ، وسيظهر المحسن منكم الذي يؤدي الأمانات ويحكم بالعدل من المسيء الذي يخون الأمانات ويحكم بالظلم، وسيجازي المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته .

 

[59] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ) يأمر الله سبحانه المؤمنين بطاعته ، وذلك بتنفيذ جميع أوامره واجتناب جميع نواهيه ، ويأمر بطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم في كل أمور الدين ، وطاعته طاعة لله تعالى ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله " أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ( صحيح البخاري ، رقم 7137 (13/111) . صحيح مسلم ، رقم 1835 (ص 1466)).

 

قولـه (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) ذكر الإمام محمد بن جرير الطبري أقوالاً للصحابة والتابعين في تفسير قول الله تعالى (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)  فذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : هم الأمراء ، وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن الآية نزلت في أمراء السرايا التي كان يبعثها الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكذلك قال ميمون بن مهران ، وقال مجاهد : هم أهل الفقه والعلم ، وقال أبو العالية : هم أهل العلم ، ألا ترى أنه يقول (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ)[النساء : 83]. (تفسير الطبري 5 /148 – 149 .).

 

والقول بأن المراد بأولي الأمر في الآية أهل الفقه والعلم أوضح وأولَى لما ذكره أبو العالية ، ولأن ولي أمر الصحابة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم مخاطبون بهذه الآية بالدرجة الأولى ، فدل ذلك على أن أولي الأمر في الآية ليسوا هم الحكام ، لأن الحاكم في العهد النبوي هو الرسول صلى الله عليه وسلم وقد ذُكر بوصف الرسالة فدل ذلك على أن المراد بأولي الأمر أهل العلم والفقه في الدين .

 

ورجح النيسابوري في تفسيره أن يكون المراد بأولي الأمر في الآية أهل الحل والعقد ، وكذلك رجحه الفخر الرازي ، وذهب إلى ذلك الإمام محمد عبده كما ذكر الشيخ محمد رشيد رضا. ( التفسير الكبير للفخر الرازي 10/144 ، تفسير المنار 5/180 – 185).

 

وهذا ليس ببعيد عما ذهب إليه بعض المفسرين من السلف من أن المراد بأولي الأمر أهل العلم والفقه في الدين ، وذلك لأن هؤلاء هم رؤوس أهل الحل والعقد وأبرزهم .

 

وبهذا تبين لنا أن أولي الأمر الذين أمرنا الله تعالى بطاعتهم هم أهل الحل والعقد ، وعلى رأسهم العلماء والفقهاء في الدين العارفون بسياسة الأمة .

 

ولهذا وغيره فإنه لابد من وجود جماعة المسلمين المكونة من أولياء الله المتقين ، وعلى رأسها أهل الحل والعقد ، لأن أهل الحل والعقد هم المخوَّلون باختيار الحاكم ، ويجب على الأمة طاعتهم، وهم الذين يتولون تنظيم أمور الأمة والإشراف على تطبيق الإسلام في الأرض فيما إذا خلا الزمان من حاكم يكون زعيما للأمة.

 

وهذا القول لا يُخرج الحكام من مفهوم " أولي الأمر " لأن الحاكم سواء أكان خليفة على جميع المسلمين أم حاكما على بلد معين يدخل ضمن أهل الحل والعقد ، لأن الأصل أنه يتم اختياره من أهل الحل والعقد ، فالطاعة تكون للطائفة التي يحوز أفرادها على أغلبية أصوات أهل الحل والعقد ، والحاكم واحد منهم .

 

وعلى فرض ترجيح القول بأن المراد بأولي الأمر الحكام فإن طاعتهم مقيدة بطاعة الله تعالى وخاضعة لأحكام شريعته كما جاء في هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) .

 

قال الحافظ ابن حجر في هذه الآية : قال الطيبي : أعاد الفعل في قوله (وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ) إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة ، ولم يُعِدْه في أولي الأمر إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لاتجب طاعته ، ثم بين في قوله (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ) كأنه قيل : فإن لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله. ( فتح الباري 13/111 – 112).

 

وعن أبي حازم سلمة بن دينار : أن مسلمة بن عبد الملك قال : ألستم أُمرتم بطاعتنا في قوله (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) ؟ قال : أليستْ قد نُزعَتْ عنكم إذا خالفتم الحق بقوله (فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) ؟. ( الكشاف للزمخشري 1/535).

 

أما السنة النبوية ففيها أدلة كثيرة على وجوب تقييد طاعة الحاكم بطاعة الله تعالى ، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يُؤمر بمعصية فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولاطاعة". ( صحيح البخاري رقم 7144 (13/121) ، صحيح مسلم رقم 1839 (1469)).

 

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم " إنما الطاعة في المعروف " أخرجه الشيخان من حديث علي رضي الله عنه.( صحيح البخاري رقم 7145 (13/122 ) ، صحيح مسلم رقم 1840 (1469)).

 

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم " سيليكم أمراء بعدي يُعرِّفونكم ماتنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون، فمن أدرك ذلك منكم فلا طاعة لمن عصى الله " ذكره الشيخ الألباني. ( سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم 590 (2/138 )).

 

ومما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمر بالسمع والطاعة للولاة – ما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ". ( صحيح البخاري ، رقم 7144 (13/121) ، صحيح مسلم ، رقم 1839 (ص 1469)).

 

فإذا أمر الحاكم مسلمًا بأن يتولى عملاً من الأعمال وهو يعلم أن هذا الأمر سيفسد عليه دينه فلا يجوز لـه أن يطيعه لأن ذلك من الأمر بسبب من أسباب الوقوع في المعاصي بالنسبة للمأمور.

 

وإذا أمر الحاكم عالما بأن يكتب أو يتكلم في موضوع من الموضوعات وهذا العالم يعلم بأن الدخول في ذلك يُخلُّ بدينه فيوقعه في معصية فلا يجوز له أن يطيعه في ذلك .

 

وإذا أمره بأن يقاطع أقاربه أو يهجر دعاة الحق فلا يجوز له أن يطيعه في ذلك .

 

وإذا أمره بأن يفتي في أمر من الأمور على خلاف ما يراه من الشريعة فلا يجوز له أن يطيعه في ذلك .

 

وكذلك سائر أفراد الأمة إذا أُمروا بمعصية فلا يجوز لهم أن يطيعوا من أمرهم بذلك ، فإذا أُمِرَتْ النساء مثلا بنـزع الحجاب فلا يجوز لهن أن يفعلن ذلك .

 

ومن ذلك ما أخرجه الأئمة أحمد ومسلم والترمذي من حديث أم الحصين الأحمسية رضي الله عنها قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يخطب .. قالت : فسمعته يقول : " يا أيها الناس اتقوا الله وإن أُمِّر عليكم عبد حبشي مجدَّع فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله عز وجل " وفي رواية مسلم " يقودكم بكتاب الله ". ( مسند أحمد 6/402 – 403 ، صحيح مسلم ، رقم 1838 ( ص 1468 ) ، سنن الترمذي ، رقم 1706).

 

وفي هذا الحديث بيان واضح بأن طاعة الإمام مشروطة بأن يقيم في الأمة كتاب الله تعالى، فإذا حكم بغير ما أنزل الله تعالى فلا تجوز طاعته ، بل يجب الإنكار عليه ، وإذا حكم ببعض كتاب الله تعالى وحكم مع ذلك بغيره في بعض القضايا فلا تجوز طاعته فيما حكم فيه بغير الكتاب والسنة ، بل يجب الإنكار عليه .

 

(فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) قال أبو جعفر ابن جرير رحمه الله تعالى : يعني بذلك جل ثناؤه : فإن اختلفتم أيها المؤمنون في شيء من أمر دينكم ، أنتم فيما بينكم ، أو أنتم وولاة أمركم فاشتجرتم فيه (فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ) يعني بذلك : فابتغوا معرفة حكم ذلك الذي اشتجرتم أنتم بينكم أو أنتم وولاة أمركم فيه من عند الله ، يعني بذلك : من كتاب الله فاتبعوا ما وجدتم فيه وأطيعوا الله باتباعكم ما فيه من أمره ونهيه وحكمه وقضائه ، وأما قوله (وَالرَّسُولِ) فإنه يقول : فإن لم تجدوا علم ذلك في كتاب الله مبيَّنًا فارتادوا معرفة ذلك أيضًا من عند الرسول إن كان حيا ، وإن كان ميتا فمن سنته (إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) يقول : افعلوا ذلك إن كنتم تصدقون بالله واليوم الآخر ، يعني : بالمعاد الذي فيه الثواب والعقاب ، فإنكم إن فعلتم ما أُمرتم به من ذلك فلكم من الله الجزيلُ من الثواب ، وإن لم تفعلوا ذلك فلكم الأليم من العقاب .

 

(ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) يعني بقوله جل ثناؤه ذلك : فَرَدُّ ما تنازعتم فيه من شيء إلى الله والرسول خير لكم عند الله في معادكم وأصلح لكم في دنياكم ، لأن ذلك يدعوكم إلى الألفة وترك التنازع والفرقة (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) يعني : وأحمد موئلا ومَغبَّة (تفسير الطبري 7/184 – 187 ).

*        *        *

- أضواء من الهدي النبوي –

- الحث على الصبر –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : فهذه أحاديث في الصبر إضافة إلى ماذكر في حلقة سابقة ، فمن ذلك ما أخرجه أبو عبد الله الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "مارُزق عبد خيرا له وأوسع من الصبر " . ذكره السيوطي في الجامع الصغير وصححه الألباني رحمهما الله. ( صحيح الجامع الصغير ، رقم 5502).

 

فهذا الحديث يبين منـزلة الصبر في الدين ، فقد جعله الله تعالى أعظم نعمة أنعم بها على العبد، فبالصبر ينتصر المسلمون في جهادهم ، وبالصبر تمرُّ عليهم المصائب والمحن فلا تؤثر في نفسياتهم ولاتُضعف من عطائهم .

 

وبالصبر يتساوى الفقير مع الغني في قوة الشخصية وارتفاع المعنوية ، وبالصبر ينجح الإنسان في كثير من أمور حياته التي تحتاج إلى وقت طويل ومصابرة ، إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة التي يُعدُّ الصبر فيها أعظم رزق منحه الله تعالى للإنسان .

 

ومن ذلك ما أخرجه الشيخان رحمهما الله من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك ، فمسسته بيدي فقلت : يارسول الله إنك لتوعك وعكا شديدا ، قال: أجل ، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم ، قال: فقلت: ذلك أن لك أجرين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أجل ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من مسلم يصيبه أذى – من مرض فما سواه – إلا حطَّ الله به سيئاته كما تحط الشجرة ورقها".

 

فهذا الحديث يبين لنا أن  المقربين من الله تعالى أكثرُ إصابة بالأمراض من غيرهم ، ذلك لما يترتب على ذلك من الرضا بقضاء الله جل وعلا وقدره والصبر على بلائه .

 

وقد شبَّه النبي صلى الله عليه وسلم أثر المرض ونحوه من البلاء في محو الخطايا بالشجرة التي تحط ورقها، وهذا دليل على عظَم مايستفيده المؤمن من المصائب إذا صبر واحتسب الأجر عند الله تعالى .

 

ومن ذلك ما أخرجه الحفاظ مالك ومسلم وأبو داود والترمذي رحمهم الله من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ) [البقرة: 156] اللهم آجرني في مصيبتي وأَخلفْ لي خيرا منها إلا أخلف له خيرا منها ، قالت : فلما مات أبو سلمة قلت : أيُّ المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم إني قلتها ؟ فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت : فأرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له ، فقلت : إن لي بنتًا وأنا غيور ، فقال: أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها ، وأدعو الله أن يذهب الغيرة ". (صحيح مسلم ، رقم 918 ، كتاب الجنائز ، باب 2 (631) . الموطأ 1/236 ، كتاب الجنائز ، باب جامع الحسبة . سنن أبي داود ، رقم 3119 ، كتاب الجنائز ، باب مايستحب أن يقال عند الميت ، سنن الترمذي ، رقم 3506 ، كتاب الدعوات ، باب رقم 88 .).

وهذا توجيه من النبي صلى الله عليه وسلم لما يقوله المؤمن إذا أصيب بمصيبة في فقد مايعز عليه ، وتطبيق عملي في حياة أم سلمة رضي الله عنها حيث أبدلها الله عز وجل بالنبي صلى الله عليه وسلم لما مات زوجها أبو سلمة رضي الله عنه .

 

وأخرج الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد مريضا ومعه أبو هريرة من وعك كان به فقال له رسول الله : أبشر إن الله عز وجل يقول : ناري أسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا لتكون حظه من النار في الآخرة ".( مسند أحمد 2/440).

 

فهذه بشرى عظيمة في هذا الحديث القدسي ، حيث يصير المرض الذي يصاب به المؤمن هو حظَّه من نار الآخرة ، وفي هذا عزاء كبير لمن يصابون بالأمراض المزمنة ، لأن تلك الأمراض تكون عليهم بَردًا وسلاما ما دام أنها تنجيهم من نار الآخرة .

 

وعن أم العلاء رضي الله عنها قالت : " عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريضة فقال: أبشرى يا أم العلاء فإنَّ مرض المسلمِ يذهب الله به خطاياه كما تُذهب النار خبث الفضة " أخرجه أبو داود رحمه الله تعالى.( سنن أبي داود ، رقم 3092 ، كتاب الجنائز ، رقم 3 (3/471)).

 

يعني فكما أن المعادن الكريمة تصفو من كدرها بتذويبها في النار فإن المؤمن يصفو من خطاياه بتعرضه للأمراض .

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم إحدى الصحابيات عن التضجر من الحُمَّى والدعاء عليها لمَا للحمى من الأثر الكبير في محو الخطايا ، وذلك فيما أخرجه الإمام مسلم من حديث جابر رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم السائب – أو أم المسيب – فقال: مالك تزفرين ؟ قالت : الحمى ، لابارك الله فيها ، فقال: لاتسبِّي الحمى فإنها تُذهب خطايا بني آدم كما يُذهب الكير خبث الحديد".( صحيح مسلم ، رقم 2575 ، كتاب البر ، باب 14 / (1993 )).

 

وعن عطاء بن يسار رحمه الله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا مرض العبد بعث الله تعالى إليه ملكين فقال: انظرا ماذا قال لعواده ؟ فإن هو إذا جاؤوه حمد الله وأثنى عليه رفعا ذلك إلى الله عز وجل – وهو أعلم – فيقول : لعبدي عليَّ إن توفيته أن أدخله الجنة ، وإن أنا شفيته أن أبدل له لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه ، وأن أكفِّر عنه سيئاته " أخرجه الإمام مالك رحمه الله تعالى. (الموطأ ، كتاب العين 2/ 940 ، باب أجر المريض ، رقم 3 ، وقال محققه : وصله ابن عبد البر من طريق عباد بن كثير المكي).

 

فهذه نظرة كريمة من الله تعالى لعبده المؤمن ، وحضورٌ من الملأ الأعلى ، ووعد كريم من الله جل وعلا لعبده الذي قدَّر عليه المرض بدخول الجنة إن توفاه وتكفير سيئاته ، والمنِّ عليه بصحة أفضل من صحته إن شفاه الله في مقابل أن يحمده تعالى ويثني عليه ، وأن لايتضجر مما أصابه ، وذلك فضل عظيم من الله عز وجل .

 

وأخرج الحافظ أبو داود رحمه الله من حديث محمد بن خالد السلمي رحمه الله عن أبيه عن جده رضي الله عنه وكانت له صحبة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن العبد إذا سبقتْ له من الله منـزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده ، ثم صبَّره على ذلك حتى يُبْلِغه المنـزلة التي سبقت له من الله تعالى ". ( سنن أبي داود ، رقم 3090 ، كتاب الجنائز ، باب 1 (3/470)).

 

فهذا الحديث يبين رحمة الله جل وعلا بعباده وفضله الكبير عليهم حيث يُقدِّر على بعضهم البلاء في الدنيا ليرفعه بصبره ورضاه إلى المنـزلة التي قدرها له في الجنة ، حيث إن عمله الصالح لم يوصله إلى تلك المنـزلة ، وإن المؤمن الحق حينما يدرك ذلك تكون المصائب عنده نعمة لما يترتب عليها في الآخرة من العاقبة الحميدة .

*          *        *

- توجيهات ومواقف سلوكية –

- مواقف في الورع والعفة والزهد –

- من مواقف أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله –

رده أحد أملاكه من الإقطاع :

من مواقفه رحمه الله في الورع ماحدث به الإمام عبد الله ابن المبارك رحمه الله تعالى قال: قال عمر بن عبد العزيز لمزاحم – وكان مزاحم مولاه وكان فاضلا – قال: إن هؤلاء القوم – يعني أهله – أقطعوني مالم يكن لي أن آخذه ولا لهم أن يعطوني ، وإني قد هممت بردها على أربابها قال فقال مزاحم : فكيف تصنع بولدك ؟ قال: فَجَرَتْ دموعه على وجنته وجعل يمسحها بأصبعه الوسطى ويقول : أَكِلُهم إلى الله ، قال عبد الله : وكأن مزاحما – مع فضله – لم يقنع بقوله : فخرج مزاحم فدخل على عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز ، فقال: إن أمير المؤمنين قد همَّ بأمر لَهُو أضرُّ عليك وعلى ولد أبيك من كذا وكذا ، إنه همَّ برَدِّ السهلة – قال عبد الله : وهي باليمامة وهي أمر عظيم – قال : وكان عيش ولده منها ، قال عبد الملك ، فماذا قلت له ؟ قال كذا وكذا، قال : بئس لَعَمرُ الله وزير الخليفة أنت ، قال: ثم قام ليدخل على عمر بن عبد العزيز وقد تبوأ مقيله ، قال: فاستأذن فقال له البواب : إنه قد تبوأ مقيله ، قال: مامنه بد ، قال: سبحان الله ألا ترحمونه ! إنما هي ساعته ، قال: فسمع عمر صوته فقال: عبد الملك ؟ قال: نعم ، قال: ادخل فدخل ، قال: ماجاء بك ؟ قال : إن مزاحما أخبرني بكذا وكذا ، قال: فما رأيك فإني أريد أن أقوم بالعشية ؟ قال: أرى أن تعجله فما تأمن أن يحدث الله بك حدثا ، قال: فرفع يديه وقال: الحمد لله الذي جعل من ذريتي من يعينني على ديني ، قال: ثم قام من ساعته فجمع الناس وأمر بردها. ( سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي /89 – 90 ، وانظر تاريخ دمشق 45/179 – 180).

 

وهكذا لما علم أن تلك المزرعة التي باليمامة قد آلت إليه عن طريق الإقطاع من الولاة الذين سبقوه تحرج من بقائها في ملكه ، لأنه ليس كل المسلمين نالوا مثل ذلك ، فلم ير أن له حقًا في الاختصاص بملكها ، فردها إلى بيت مال المسلمين ، مع ماذُكر من أنها ملك عظيم وأن عيش أولاده منها ، وهذا مثال على إحساسه الدقيق وورعه العميق .

 

وفي هذا الخبر يظهر عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز ورعا تقيا كأبيه ، وبهذا الإيمان القوي والسلوك العالي كان عبد الملك عونا لأبيه في حمل الناس على الاستقامة ، خاصة فما يتعلق بأسرته رحمهما الله تعالى .

 

مقدار مارده من ماله لبيت المال :

أخرج الحافظ أبو القاسم ابن عساكر من خبر عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: دعاني أبو جعفر [هو أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور] فقال : كم كانت غلة عمر حين أفضت إليه الخلافة ؟ قلت : خمسون ألف دينار ، فقال: كم كانت يوم مات ؟ قلت : مازال يردها حتى كانت غلته مائتا دينار ، ولو بقي لردها. (تاريخ دمشق 45 /210 .).

 

وإذا كانت غلة أملاكه خمسين ألف دينار فكم هي قيمتها ؟! إنها مبلغ كبير ، ومع ذلك عفَّ عنه ورده إلى بيت مال المسلمين ، فخلَّد بذلك ذكره في الدنيا وحاز على الدرجات العُلَى في الآخرة .

 

مثل من تورعه عن مال المسلمين :

أخرج الحافظ ابن عساكر من خبر يزيد بن أبي حبيب قال: وقيل لعمر بن عبد العزيز : يا أمير المؤمنين لو أنك أخذت كما يأخذ عمر بن الخطاب ، يأخذ درهمين كل يوم ، قال: إن عمر لم يكن له مال ، وأنا لي مال يغنيني عن ذلك ، ورد عمر بن عبد العزيز في بيت المال ماكان أعطاه سليمان والخلفاء قبله. ( تاريخ دمشق 45/212).

 

استجابة دعائه في ابنه الصغير :

من مواقفه أيضًا في الورع رحمه الله ماقام به من رد أمواله التي شك في أصل اكتسابها إلى بيت مال المسلمين ، وفي ذلك يقول : مامن شيء إلا وقد رددته في مال المسلمين إلا العينَ التي بالسويداء فإني عمدت إلى أرض براح ليس فيها لأحد من المسلمين ضربة سوط فعملتها من صلب عطائي الذي يُجمع لي مع جماعة المسلمين ، فجاءته غلتها مائتا دينار ، وجراب فيه تمر صيحاني وتمر عجوة ، فقال :هات اصبُبْ للقوم من هذه العجوة فهي أبرد وأصح .

 

وهكذا رد عمر أمواله إلى بيت مال المسلمين لاعتقاده بأن أصلها من مال المسلمين العام ، وأن الولاة الذين سبقوه أعطوه إياها بغير حق لأنهم لم يعطوا سائر المسلمين مثلها ماعدا ذلك البستان الذي ذكر في السويداء حيث كان من عطائه الذي يأخذ مثله أي فرد من المسلمين ، فأصبح يأكل من غلته القليلة وهو قرير العين لأن أصله حلال ليس فيه شبهة .

 

وجاء في سياق هذه الرواية " قال : وسمع النساء بمال قد قدم عليه فأرسلن إليه بابن له غلام ليعطيه من ذلك المال ، فلما جاء الغلام قال : احفنوا له من ذلك التمر ، فحفنوا له من ذلك ، فخرج الغلام فرحًا حتى إذا انتهى إلى النساء فرأين التمر ضربن الغلام ، ثم قلن لـه : اذهب فانثره بين يديه ، فأقبل الغلام فنثره بين يديه وأهوى بيديه إلى الذهب ، فقال عمر للوليد بن هشام من آل أبي معيط : أمسك يديه ياوليد ، فأمسك يديه الوليد ، ودعا عمر بدعاء له كثير ، وكان من دعائه اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، بَغِّض إلى هذا الغلام هذا الذهب كما حبَّبتها إلى فلان بن فلان ، أرسل يديه ياوليد ، فارتعشت يداه فما مس منها دينارًا وانصرف ، فقال له رجل : لقد استجيبت لك يا أمير المؤمنين، ثم قال عمر : أخرجوا زكاة هذه المائتي دينار [يعني غلة بستانه] فقال الرسول : يا أمير المؤمنين لقد أُخذ خرص هذا الحائط ، قال : يابني ليس هذا من عملك قال فأخرجوا خمسة دنانير ثم قال : دلوني على رجل أعمى ليس له قائد ، قال: فبينما القوم يتذاكرون ، قال عمر: لقد وقعت عليه وقد ذكرته وهو الشيخ الجزري الأعمى ، يأتي في الليلة المظلمة الماطرة ليس له قائد، أخرجوا له ثمن قائد ، لاكبير يقهره ، ولاصغير يضعف عنه ، قال: فأخرجوا له منها خمسة وثلاثين دينارًا قال: ثم دعا عمر بالذي يقوم على نفقة أهله فقال: خذ هذه الذهب فأنفقها على عيالنا إلى أن يخرج عطائي مع المسلمين أو يقضي الله قبل ذلك.( سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم /47 ، وانظر سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي /91).

 

وفي هذا الخبر رأينا فزع عمر حينما جاء ولده الصغير فرمى بالتمر وأخذ الذهب ودعا الله تعالى أن يبغِّض إليه الذهب فارتعشت يدا الولد ، ولم يمسَّ منها دينارًا ، وهكذا استجاب الله تعالى دعوة ذلك الإمام العادل في الحال ، وهذا دليل على قربه من الله تعالى وصلاحه .

 

ونجد عمر في هذا الخبر مع شدة احتياجه للمال وقلة غلة بستانه ينفق منها خمسة وثلاثين دينارًا أجرة لقائد خصصه لرجل أعمى .

 

فما أعظم عمر بن عبد العزيز ! وما أشد إحساسه بحاجات الناس !

 

أمثلة من تحريه في ملكية الجواري :

من ذلك خبر الجارية التي أهدتها إليه زوجته فاطمة بنت عبد الملك ، فقال للجارية : لمن كنت؟ قالت: وهبني عبد الملك لفاطمة ، قال: فلمن كنت قبل عبد الملك ؟ قالت : كنت لقوم بالبصرة فأخذ عاملها أموالهم ، فكنت فيما أخذه ، فبعث بي إلى عبد الملك فوهبني لفاطمة ، فدعا عمر بالبريد فكتب إلى عامل البصره فأمره بردها إلى أهلها. ( سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم /60 ، وانظر سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي /87 –131)

 

فهذا مثل من أمثلة بعده عن شهوات الدنيا ، وتحريه عن مصادر الأموال ليعيد الحقوق إلى أصحابها، فقد بحث عن أصل ملكية تلك الجارية حتى تبين له أنها وصلت إلى فاطمة بنت عبد الملك من طريق غير صحيح فأعادها إلى أهلها .

 

وأخرج الحافظ أبو نعيم الأصبهاني من خبر يحيى بن يحيى قال : كانت لفاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر جارية ، فبعثت بها إليه وقالت إني قد كنت أعلم أنها تعجبك وقد وهبتها لك فتناول منها حاجتك.فقال لها عمر اجلسي ياجارية فو الله ماشيء من الدنيا كان أعجب إلي أن أناله منك،فأخبريني بقصتك وماكان من سبيك ؟ قالت:كنت جارية من البربر جَنَى أبي جناية فهرب من موسى بن نصير عامل عبد الملك على أفريقية فأخذني موسى بن نصير فبعث بي إلى عبدالملك فوهبني عبد الملك لفاطمة فأرسلت بي إليك ، فقال: كدنا والله نفتضح ، فجهزها وأرسل بها إلى أهلها. ( حلية الأولياء 5/260 ، وانظر تاريخ دمشق 45/195 ، والبداية والنهاية 9/201).

 

وهكذا سما عمر بن عبد العزيز بإيمانه القوي ويقينه الراسخ على شهوات النفس ، مع أن الظاهر من الخبر أن تلك الجارية مباحة له بعد أن أهدتها إليه زوجته التي تملكها ، ولكنه لم يكن في وقته متسع للنساء بعد أن شغل جُلَّ وقته بأمور الرعية ، ثم ألهمه الله تعالى إلى البحث عن أصل تلك الجارية فتبين له أنها وصلت بطريق غير مشروع فردها إلى أهلها لأنها لم تعُدْ جارية مملوكة بل حرة اغتصبت من أهلها ، وهكذا يفتح الله تعالى على السابقين بالخيرات أنوارًا من الفرقان يفرقون بها بين الحق والباطل .

*          *          *

- مواقف جهادية من السيرة النبوية –

- مواقف من غزوة أحد –

- موجز في تلخيص أحداث المعركة –

حيث إن الاستفادة الكاملة من مواقف النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم تترتب على تصور أحداث المعركة ، ونظرًا لأن المعركة مرت بمرحلتين فإني رأيت تقديم موجز يبين أحداثها الأساسية بمرحلتيها .

 

فالمرحلة الأولى هي مرحلة انتصار المسلمين على المشركين ، وقد بدأت بالمبارزة ، حيث برز من المشكرين طلحة بن أبي طلحة ، فبرز إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقتله .

 

ثم بدأت الحرب بين الفريقين ، وركز أبطال المسلمين من المهاجمين والرماة على حَمَلة لواء المشركين وهم سبعة من بني عبد الدار حتى قتلوهم متتابعين ، فسقط اللواء وحمله "صؤاب" وهو غلام لبني عبد الدار .

 

قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أهل العلم أن اللواء لم يزل صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية ، فرفعته لقريش فلاثوا به ، وكان اللواء مع صؤاب غلام لبني أبي طلحة حبشي ، وكان آخر من أخذه منهم ، فقاتل به حتى قطعت يداه ، ثم برك عليه يقاتل ، فأخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل عليه ، وهو يقول : اللهم هل أعزرت – يقول : أعذرت – فقال حسان بن ثابت في ذلك:

فخرتم باللواء ، وشرُّ فخر *** لواء حين رُدَّ إلى صـُؤاب

جعلتم فخركـم فـيه لعبد *** وألأم مـن يطا عفر التراب (العفر ظاهر التراب)

ظننتم ، والسفيه له ظنون *** وما إن ذاك من أمر الصواب

بأن جـلادنا يـوم التقينا *** بمكة بيعكم حـمر العياب

(سيرة ابن هشام 3/27 – 28)

 

وفي هذا الخبر إشادة بجهاد الصحابة رضي الله عنهم يسجله بشعره حسان بن ثابت رضي الله عنه مع هجاء المشركين وتوبيخهم على موقفهم الانهزامي في بداية المعركة .

 

وشعْر شعراء المسلمين – وخاصة حسان – له أثر كبير في إغاظة المشركين بعد انقضاء المعركة لأنه تسير به الركبان ويتسامع به العرب ، وكان العرب آنذاك شديدي الحساسية من الاتهام بالجبن والفرار من المعارك .

 

وما زال المسلمون يطاردون المشركين حتى هزموهم وأبعدوهم عن نسائهم وأثقالهم ، على الرغم من كون المسلمين جميعا مشاة ، بينما كان المشركون يتفوقون بالفرسان .

 

وقد جاء في رواية أخرجها الإمام الطبري من حديث ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة :... واقتتل الناس حتى حميت الحرب ، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين ، فأنزل الله عز وجل نصره وصدَقهم وعده فحسُّوهم [يعني استأصلوهم] بالسيوف حتى كشفوهم ، وكانت الهزيمة لا شك فيها. ( تاريخ الطبري 2/513).

 

وهذا الخبر يبين عظمة الصحابة رضي الله عنهم وبلاءهم العظيم في الجهاد في سبيل الله تعالى، فقد كانوا أقل من ثلث الكفار وكانوا مشاة فتصدوا لفرسان الكفار حتى هزموهم في بداية المعركة .

 

وقد جاء في هذا الخبر الإشادة بجهاد أبي دجانة وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم ، وهؤلاء ليسوا إلا نماذج من أبطال الصحابة الذين كان لهم دور كبير في سرعة كسب المعركة لصالح المسلمين وقد أفَردْتُ لهؤلاء الصحابة وغيرهم مواقف خاصة تدل على شجاعتهم ومواقفهم البطولية.

 

ولقد ذكر الله تعالى انتصار الصحابة هذا بقوله (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ) [آل عمران :152] والمراد بهذا الوعد هو ماوعدهم الله تعالى به من النصر على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وهو قوله لهم حينما عزم علي الخروج للقتال : انظروا ما أمرتكم به فاتبعوه ، امضوا على اسم الله فلكم النصر بما صبرتم. ( مغازي الواقدي 1/214).

 

المعنى : ولقد صدقكم الله ماوعدكم به رسوله صلى الله عليه وسلم من النصر إذا صبرتم إذ تستأصلونهم قتلا بحكمه تعالى وقضائه وتسليطه إياكم عليهم. ( تفسير الطبري 4/127).

 

أما المرحلة الثانية فهي مرحلة إصابة المسلمين ، وتبدأ هذه المرحلة من الخلل الذي أحدثه أكثر الرماة .

 

وقد تبين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر خمسين من الرماة بأن يقفوا فوق جبل عينين ليحولوا بين الكفار والهجوم على المسلمين من خلفهم وأنه قال لهم " إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا" ، وأنهم لما رأوا المسلمين انتصروا واشتغل بعضهم بجمع الغنائم اختلفوا فرأى أكثرهم النـزول بحجة أن المعركة انتهت لصالح المسلمين ولم يطيعوا قائدهم عبد الله بن جبير الذي ذكَّرهم بعهد النبي صلى الله عليه وسلم لهم بأن لايبرحوا الجبل على أي حال كان عليها المسلمون فنـزل منهم أربعون ، فلما رأى المشركون قلة من بقي من الرماة على الجبل أغاروا على المسلمين بخيولهم من خلفهم فارتبك المسلمون والتبس الأمر عليهم حتى صار بعضهم يواجه بعضا وهم لايدرون .

 

يقول رافع بن خديج : فكنا أُتينا من قبل أنفسنا ومعصية نبينا ، واختلط المسلمون ، وصاروا يُقْتَلون ويضرب بعضهم بعضا وما يشعرون بما يصنعون من العجلة والدهش ، ولقد جُرح يومئذ أسيد بن حضير جرحين ، ضربه أحدهما أبو بردة ومايدري ، يقول : خذها وأنا الغلام الأنصاريّ قال: وكر أبو زعنة في حومة القتال فضرب أبا بردة ضربتين مايشعر ، إنه ليقول : خذها وأنا أبو زعنة ! حتى عرفه بعد . فكان إذا لقيه قال: انظر إلى ماصنعت بي . فيقول له أبو زعنة : أنت ضربت أسيد بن حضير ولاتشعر ، ولكن هذا الجرح في سبيل الله . فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم : هو في سبيل الله يا أبا بردة ، لك أجره حتى كأنك ضربك أحد من المشركين ؛ ومن  قتل فهو شهيد. ( مغازي الواقدي 1/233).

 

وأخرج الواقدي من حديث أبي بشير المازني ، قال : لمّا صاح الشيطان أزَبّ العَقَبَة [يعني أنه الشيطان الذي ظهر في بيعة العقبة حينما صاح بالمشركين يخبرهم باجتماع المسلمين] إنَّ محمدًا قد قُتل ، لِمَا أراد الله عز وجل من ذلك ، سُقط في أيدي المسلمين وتفرقوا في كل وجه ، وأصعدوا في الجبل. ( مغازي الواقدي 1/235).

 

ولما رأى المنهزمون من مشاة الكفار فرسانهم قد أغاروا من خلف المسلمين تراجعوا إلى ميدان المعركة ، وأصبح المسلمون بين فرسان المشركين من خلفهم ومشاتهم من أمامهم ، وكان يمكن أن يقع المسلمون في طوق رهيب داخل معسكر المشركين لولا أن المسلمين أدركوا الخطر فهجموا بقوة وضراوة على فرسان المشركين فعقروا بعض خيولهم وقتلوا منهم عددا وسقط من المسلمين شهداء ، ولكنهم استطاعوا الإفلات من تطويق الكفار .

 

وفي أثناء ذلك أُشيع بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل ، وكان الشيطان قد نادى بذلك كما جاء في بعض الروايات ، فدهش المسلمون وتحيروا واضطرب أمرهم و وتعددت اجتهاداتهم .

 

وقد تصور الشيطان بصورة أحد الصحابة ، وفي ذلك يقول رافع بن خديج رضي الله عنه : وأقبل جُعال بن سراقة وأبو بردة بن نيار وكانا قد حضرا قتل عبد الله بن جبير وهما آخر من انصرف من الجبل حتى لحقا القوم ؛ وإن المشركين على متون الخيل ، فانتقضت صفوفنا .

 

ونادى إبليس وتصور في صورة جعال بن سراقة : إن محمدا قد قتل ثلاث صرخات ، فابتُلي يومئذ جعال بن سراقة ببلية عظيمة حين تصور إبليسُ في صورته ، وإن جعال ليقاتل مع المسلمين أشد القتال ، وإنه إلى جنب أبي بردة بن نيار وخوات بن جبير ؛ فو الله مارأينا دولة كانت أسرع من دولة المشركين علينا .

 

وأقبل المسلمون على جعال بن سراقة يريدون قتله يقولون : هذا الذي صاح " إن محمدا قد قتل" . فشهد له خوات بن جبير وأبو بردة بن نيار أنه كان إلى جنبهما حين صاح الصائح . وأن الصائح غيره . قال رافع : وشهدت له بعد. ( مغازي الواقدي 1/232).

 

1 – قال ابن إسحاق : وانكشف المسلمون ، فأصاب فيهم العدو ، وكان يوم بلاء وتمحميص ، أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة ، حتى خلص العدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدُثَّ [أي رمي] حتى وقع لشقِّه ، فأصيَبتْ رباعيته ، وشُجَّ في وجهه ، وكُلمَتْ شفته [أي جرحت]، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص .

 

قال ابن إسحاق : فحدثني حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، قال : كُسَرتْ رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وشج في وجهه ، فجعل الدم يسيل على وجهه ، وجعل يمسح الدم وهو يقول : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم ! فأنزل الله عز وجل في ذلك : (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) [آل عمران: 128]. ( وأخرجه الإمام البخاري مختصرا من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه – صحيح البخاري ، المغازي ، باب رقم 21 ( الفتح 7/365 ) .).

 

2 – قال ابن هشام : وذكر ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري : أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ، فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السفلى ، وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجه في جبهته ، وأن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ، ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لايعلمون ، فأخذ علي بن أبي طالب بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما ، ومص مالك بن سنان أبو أبي سعيد الخدري الدم عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ازدرده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مس دمي دمه لم تصبه النار". ( سيرة ابن هشام 3/30).

 

وأخرجه أبو عبد الله الحاكم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سره أن ينظر إلى من خالط دمي دمه فلينظر إلى مالك بن سنان" . (المستدرك 3/564 . وذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه هذا الخبر من رواية ابن أبي عاصم والبغوي وابن السكن بأسانيد متصلة إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، وقد ذكر الحافظ أن مالك بن سنان استشهد يوم أحد – الإصابة 3/325 رقم 7637 – فيكون استشهاده في نهاية المعركة بعد هذه الحادثة رضي الله عنه .).

 

وأخرج الإمام البخاري عددا من الأحاديث في خبر إصابة النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن ذلك مارواه بإسناده عن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعد وهو يُسأل عن جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أما والله إني لأعرف من كان يغسل جرح النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان يسكب الماء وبما دُوْويَ . قال : كانت فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسله وعلي يسكب الماء بالمجَنّ ، فلما رأت فاطمة أن الماء لايزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها فاستمسك الدم . وكُسرَتْ رباعيته يومئذ ، وجُرح وجهه ، وكُسرت البيضة على رأسه. ( صحيح البخاري ، المغازي ، رقم 4075 ( الفتح 7/372)انظر صحيح مسلم،الجهاد ، رقم 1790(ص1416)).

 

وقال الحافظ ابن حجر : ومجموع ماذكر في الأخبار أنه صلى الله عليه وسلم شُجَّ وجهه وكسرت رباعيته وجرحت وجنته وشفته السفلى من باطنها ، ورمي منكبه من ضربة ابن قمئة ، وجحشت ركبته. (فتح الباري 7/372).

 

وقال ابن إسحاق : وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة وقول الناس : قُتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر لي ابن شهاب الزهري كعب ابن مالك ، قال: عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي : يامعشر المسلمين ، أبشروا ، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن أنصت .

 

قال ابن إسحاق : فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به ، ونهض معهم نحو الشعب، معه أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام رضوان الله عليهم ، والحارث بن الصمة ، ورهط من المسلمين.( سيرة ابن هشام 3/34 – 35).

 

وقال الواقدي : حدثني ابن سبرة ، عن خالد بن رباح ، عن يعقوب بن عمر بن قتادة ، عن نملة بن أبي نملة – واسم أبي نملة عبد الله بن معاذ ، وكان أبوه معاذ أخًا للبراء بن معرور لأمه –فقال : لما انكشف المسلمون ذلك اليوم نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه أحد إلا نُفَيْر ، فأحدق به اصحابه من المهاجرين والأنصار وانطلقوا به إلى الشعب؛ وما للمسلمين لواء قائم ، ولافئة ، ولاجمع ، وإن كتائب المشركين لتحوشهم مقبلة ومدبرة في الوادي ، يلتقون ويفترقون ، مايرون أحدًا من الناس يردهم . فاتبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنظر إليه وهو يؤم أصحابه ؛ ثم رجع المشركون نحو عسكرهم وتآمروا في المدينة وفي طلبنا ، والقوم على ماهم عليه من الاختلاف . وطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه ، فكأنهم لم يصبهم شيء حين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم سالما. ( مغازي الواقدي 1/238 – 239).

 

وقال الواقدي : وحدثني موسى بن يعقوب ، عن عمته ، عن أمها ، عن المقداد ، قال: لما تصاففنا للقتال جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية مصعب بن عمير ، فلما قتل أصحاب اللواء وهُزم المشركون الهزيمة الأولى ، وأغار المسلمون على عسكرهم فانتهبوا ، ثم كروا على المسلمين فأتوا من خلفهم تفرق الناس ، ونادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحاب الألوية ، فأخذ اللواء مصعب بن عمير ثم قتل . وأخذ راية الخزرج سعد بن عبادة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم تحتها ، وأصحابه محدقون به . ودفع لواء المهاجرين إلى أبي الروم العبدري آخر النهار ، ونظرتُ إلى لواء الأوس مع أسيد بن حضير ، فناوشوهم ساعة واقتتلوا على الاختلاط من الصفوف . ونادى المشركون بشعارهم : يا للعزى ، يالهبل ! فأوجعوا والله فينا قتلا ذريعا ، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مانالوا . لا والذي بعثه بالحق، إن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم زال شبرا واحدا ، إنه لفي وجه العدو ؛ وتثوب إليه طائفة من أصحابه مرة وتتفرق عنه مرة ، فربما رأيته قائمًا يرمي عن قوسه أو يرمي بالحجر حتى تحاجزوا .

 

وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو في عصابة صبروا معه ، أربعة عشر رجلا ، سبعة من المهاجرين وسبعة من الأنصار : أبو بكر ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعلي بن أبي طالب ، وسعد بن أبي وقاص ، وطلحة بن عبيد الله ، وأبو عبيدة بن الجراح ، والزبير بن العوام ؛ ومن الأنصار : الحباب بن المنذر ، وأبو دجانة ، وعاصم بن ثابت ، والحارث بن الصمة ، وسهل بن حنيف ، وأسيد بن حضير ، وسعد بن معاذ . ويقال ثبت سعد بن عبادة ، ومحمد بن مسلمة ، فيجعلونهما مكان أسيد بن حضير وسعد بن معاذ . وبايعه يومئذ ثمانية على الموت – ثلاثة من المهاجرين وخمسة من الأنصار : علي ، والزبير ، وطلحة ، وأبو دجانة ، والحارث بن الصمة ، وحباب بن المنذر ، وعاصم بن ثابت ، وسهل بن حنيف ، فلم يقتل منهم أحد .

 

ورسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم في أخراهم ، حتى انتهى من انتهى منهم إلى قريب من المهراس. ( قال السمهودي : مهراس الماء بجبل أحد ، قاله المبرد ، وهو معروف ، أقصى شعب أحد ، يجتمع من المطر في نُقَر كبار وصغار ، والمهراس اسم لتلك النقر ( وفاء الوفا ، ج 2 ، ص 3789) . عن هامش مغازي الواقدي).

 

قال : وحدثني عتبة بن جبيرة ، عن يعقوب بن عمرو بن قتادة ، قال: ثبت بين يديه يومئذ ثلاثون رجلا كلهم يقول : وجهي دون وجهك ، ونفسي دون نفسك ، وعليك السلام غير مودع .( مغازي الواقدي 1/239 – 240).

 

وقال الواقدي فيما يرويه عن شيوخه : وكان أربعة من قريش قد تعاهدوا وتعاقدوا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعرفهم المشركون بذلك : عبد الله بن شهاب ، وعتبة بن أبي وقاص، وابن قمئة، وأبَيّ بن خلف . ورمى عتبة يومئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة أحجار وكسر رباعيته – أشظى [أي كسر من باطنها كسرة] باطنها، اليمنى السفلى – وشج في وجنتيه حتى غاب حلق المغفر في وجنته وأصيبت ركبتاه فجُحشَتَا .

 

وكانت حُفَرٌ حفرها أبو عامر الفاسق كالخنادق للمسلمين ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا على بعضها ولايشعر به .

 

والثبت عندنا أن الذي رمى وجنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن قمئة ، والذي رمى شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص . وأقبل ابن قمئة ، وهو يقول : دلوني على محمد ، فو الذي يحلف به ، لئن رأيته لأقتلنه ! فعلاه بالسيف ، ورماه عتبة بن أبي وقاص مع تجليل السيف ، وكان عليه صلى الله عليه وسلم درعان، فوقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحفرة التي أمامه فجحشت ركبتاه ، ولم يصنع سيف ابن قمئة شيئًا إلا وَهْن الضربة بثقل السيف ، فقد وقع لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانتهض رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلحة يحمله من ورائه ، وعليّ آخذ بيديه حتى استوى قائما (مغازي الواقدي 1/243 – 244) .

*          *          *

 

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 46:40:03


2 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8360747 عدد زيارات الموقع 82 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com