|
المصلحون : العدد السابع عشر
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .
2 – أضواء من الهدي النبوي .
3 – توجيهات ومواقف سلوكية .
4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .
-أضواء من هدي القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى
(وَلاَ يَحْزُنكَ
الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً
يُرِيدُ اللّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ
عَظِيمٌ{176} إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن
يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{177} وَلاَ يَحْسَبَنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا
نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ{178} مَّا
كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ
يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى
الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُواْ
بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ
عَظِيمٌ{179})
[ آل عمران:176– 179].
[176] هذه الآيات من الآيات
التي نزلت في المنافقين بسبب موقفهم الذي وقفوه مع المؤمنين يوم "أحد" حينما
انخزل زعيمهم عبد الله بن أبيّ بن سلول بثلاثمائة من المنافقين عن جيش المسلمين
.
المعنى : ولاتغتمَّ – أيها
الرسول – من هؤلاء المنافقين الذين أظهروا ترك دينك وانخزلوا عن معسكرك عندما
واجهت عدوك بصورة مثيرة لشكوك الأعداء فيك وفي دعوتك ، ولا تتحسر على إسراعهم
في الوقوع في الكفر والشماتة بك وبأصحابك حينما ظهرت نتيجة المعركة على ما
يتمنونه لكم (إِنَّهُمْ
لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً) وهم لم يحاولوا الإضرار بالله
تعالى وإنما كانت حربهم مع دين الله وأوليائه ، فالمعنى : لن يضروا دين الله
وأولياءه شيئا من الضرر ولن يستطيعوا التأثير على مستقبل دعوتك ، وإنما عبر
سبحانه بذلك للدلالة على أن من حارب دين الله وأولياء الله فقد حارب الله جل
وعلا .
(يُرِيدُ
اللّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ)
فهم إنما يضرون بعملهم هذا أنفسهم فقد اقتضت إرادة الله عز وجل أن يحرمهم
نصيبهم من نعيم الآخرة (وَلَهُمْ)
مع هذا الحرمان (عَذَابٌ
عَظِيمٌ)
في نار جهنم جزاء كفرهم بالله ومحاربتهم دينه وأولياءه .
[177] ثم بين سبحانه أنهم إنما
استحقوا هذه العقوبة الشديدة لأنهم اختاروا الكفر على الإيمان بعدما عرفوا أن
الإيمان بالله هو الطريق المستقيم فقال تعالى (إِنَّ
الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً
وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي إن كل من اختار الكفر على الإيمان
فهذه عاقبته ولن يضر إلا نفسه ، أما الإسلام فإنه سيعلو وينتصر ولن يقف أعداؤه
حجر عثرة في سبيل ظهوره وانتشاره ، وهؤلاء المنافقون ممن اختار الكفر على
الإيمان فباؤوا بهذه النتيجة الخاسرة.
[178] (وَلاَ
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ
لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ
عَذَابٌ مُّهِينٌ)
أي وإذا كان هؤلاء المنافقون وغيرهم من الكفار قد اتخذوا من إمهال الله وعدم
أخذه إياهم بالعقوبة العاجلة حافزًا على التوغل في الكفر والقيام بأعمال
الإفساد والتخريب فلا يظنون أن ذلك خير لهم ، إنما يمهلهم الله تعالى لتتراكم
عليهم ذنوبهم فيطول يوم القيامة حسابهم، ويتضاعف بسبب ذلك عذابهم .. ذلك العذاب
الذي سينالهم به الهوان والخزي والمذلة .
[179] ثم ذكر الله سبحانه
الحكمة في ابتلاء المؤمنين بالمحن والشدائد حيث قال تعالى (مَّا
كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ
يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) أي ما صح وما استقام في حكمة الله جل
وعلا أن يترككم أيها المؤمنون على الحال التي أنتم عليها من الْتباس المؤمن
منكم بالمنافق حتى يظهر المنافق الذي خبثت نفسه فنـزعت إلى الشر ولم تقبل الخير
من المؤمن الصادق الذي زكت نفسه فنـزعت إلى الخير ورفضت الشر ، لأن بقاء
المنافقين داخل المجتمع الإسلامي له أثر بالغ في إيقاع الفتنة بين المؤمنين
وإحداث الخلل في صفوفهم وصرف الناس عن الدخول في الإسلام ، فلهذا قدَّر الله
سبحانه وقوع المحن ليظهر الصادق منهم في إيمانه من المنافق .
وما كان هناك من وسيلة لكشف
المنافقين وتمييزهم عن المؤمنين غير المحن التي يبتلي الله بها المسلمين إلا أن
يُطلع المؤمنين على غيبه فيعيِّن لهم المنافقين بأشخاصهم ، وهذا مالا سبيل إليه
إلا لمن يصطفيه الله من رسله ، ولذلك قال تعالى (وَمَا
كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن
رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ) أي ماصح ولا استقام في حكمة الله جل
وعلا أن يطلعكم على الغيب لأنكم في دار تكليف وابتلاء وليس ذلك لأحد من البشر
إلا لمن اختاره الله من رسله فيطلعه من غيبه على ما يشاء ، وقد أطلع الله نبيه
صلى الله عليه وسلم على كثير من أخبار المنافقين وأقوالهم التي صدرت من بعض
أفرادهم ، ولكن حكمته جل وعلا اقتضت أن يكشفهم بصورة جماعية عن طريق المحن ،
وذلك بتكليفهم بالجهاد في سبيل الله كما في غزوة أحد وتبوك .
(فَآمِنُواْ
بِاللّهِ وَرُسُلِهِ) أي إذا كان الأمر كذلك وعرفتم أن
المغيبات لاتُعرف إلا عن طريق الرسل عليهم السلام فآمنوا بالله تعالى ورسله
إيمانا حقا (وَإِن
تُؤْمِنُواْ) إيمانا خالصا من الشوائب (وَتَتَّقُواْ)
عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه (فَلَكُمْ أَجْرٌ
عَظِيمٌ وَتَتَّقُواْ) أي ثواب جزيل من الله تعالى لا يدرك كنهه وذلك في
الجنة .
* * *
- أضواء من الهدي النبوي -
-الحث على الصبر –
الحمد لله والصلاة والسلام على
رسول الله ..
وبعد : فهذه توجيهات نبوية في
مجال الصبر عند حلول المكاره .
فمن ذلك ما أخرجه الشيخان
رحمهما الله من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : " الصبر عند الصدمة الأولى " .
فالصبر الذي له الثواب الكبير
هو الذي يكون عند حلول المصيبة ، وذلك أن الإنسان عند صدمته بمصيبة حلَّت به ترتفع
عنده جواذب العاطفة ، وتتضاءل عنده جواذب العقل السليم ، فيتصرفُ بتأثر وانفعال
نفسي ، وذلك فيما إذا كان إيمانه فيه ضعف ، فإذا ذهبت الصدمة الأولى بدأت تتضاءل
نداءات العاطفة ، وتحل محلها نداءات العقل السليم ، فتخفُّ حدة التأثر والانفعال
النفسي ، ويبدأُ العقل عمله في محاكمة النفس وإعادتها إلى شيء من الاتزان .
أما إذا كان من وقعت عليه
المصيبة قوي الإيمان فإن عقله السليم يكون حاضرا من أول الصدمة فيَحكمُ تصرفات
صاحبه فيجعلُها من أول الأمر في حدود الاعتدال ، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم لتلك المرأة لما ندمت على ماكان منها " إنما الصبر عند أول صدمة " .
وبهذا نعلم أن الإيمان القوي له
أثر كبير في حياة الإنسان حيث يقود العقل السليم إلى التصرف في كل الأحوال في حدود
الحكمة والاتزان ، وخاصة في لحظات الغضب ومواجهة المصائب في اللحظات الأولى ، وبذلك
يقي الإنسان نفسه من الأقوال والأفعال التي لاتليق بأصحاب العقول الراجحة .
ومن ذلك ما أخرجه الحافظ أبو
عبد الله البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول : إن الله قال : إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته عنهما الجنة"
يريد عينيه. ( صحيح البخاري ، رقم 5653 ، كتاب المرضى ، باب 7 ( 10/116)).
فالبصر نعمة من الله تعالى على
الإنسان في هذه الحياة ، حيث يرى الكائنات من حوله ، ويكون سلوكه في هذه الحياة
كاملا حينما يمنُّ الله تعالى عليه بنعمتي السمع والبصر ، فإذا فقد الإنسان بصره
فإنه يكون قد حُرم من مصدر مهم من مصادر الاطلاع والسير في هذه الحياة، فإذا صبر
واحتسب الأجر عند الله تعالى فإن إيمانه يكون قد بلغ درجة قوية ، حيث أصبح مطمئن
النفس شاكرًا لنعم الله جل وعلا الكثيرة الأخرى ، على الرغم مما هو فيه من نقص كبير
عن المبصرين، فإذا كان مع ذلك قد حاز على درجة الصبر والاحتساب فإنه جدير بهذا
الأجر العظيم في الجنة .
وإن في الوعد الكريم بذلك الأجر
العظيم عزاءً بليغا للذين يفقدون أبصارهم في هذه الحياة، وهل للمؤمنين الصادقين
مطامع وأمنيات أكثرُ من دخول الجنة والفوز برضوان الله تعالى .
إن المؤمنين الصادقين يغامرون
بحياتهم طلبًا للشهادة في سبيل الله تعالى من أجل ضمان دخول الجنة وحيازة الدرجات
العُلَى ، فهذا الضمان قد حصل لفاقدي البصر مع شرط الصبر واحتساب الأجر عند الله جل
وعلا ، ولذلك فإن هذا الحديث يُعدُّ بشرى عظيمة لمن فقدوا أبصارهم .
فما على من فقد بصره ليكون من
أهل الجنة إلا أن يصبر ويحتسب الأجر عند الله تعالى، ولهذا فإن فقد البصر نعمة
عظيمة لأن صاحبه يضمن به دخول الجنة مع الصبر والاحتساب ، إضافةً إلى أنه يسْلم من
معاصي العين ، وذلك بالنظر المحرم ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " والعين
تزني وزنى العين النظر " فليسعد بذلك الذين فقدوا أبصارهم ، وليسرُّوا بما حصلوا
عليه من حصانة عن النظر المحرم ، وماسيحوزون عليه من الثواب الجزيل في الجنة !!
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد
من حديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن
قال : قلت: ما الإسلام ؟ قال: طيب الكلام وإطعام الطعام ، قلت: ما الإيمان ؟ قال :
الصبر والسماحة " الحديث.( مسند الإمام أحمد 4/385).
ففي هذا الحديث سأل عمرو بن
عبسة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام فقال : طيب الكلام وإطعام الطعام " .
وسأله عن الإيمان فقال : "
الصبر والسماحة" فأجابه بجزئيتين من جزئيات الإسلام ، وكذلك بالنسبة للإيمان ، وهذا
منهج للنبي صلى الله عليه وسلم في إجابة بعض السائلين ، فهو يجيب عن الشيء ببعض
محتوياته أحيانًا ، إما لأن السائل بحاجة إلى ذلك الجواب ، أو لأن السامعين بحاجة
إليه، أو لغير ذلك من المقاصد .
والصبر يكون على طاعة الله
تعالى كالصبر على الصيام والجهاد في سبيل الله تعالى ، ويكون عن معصية الله جل وعلا
، وذلك فيما إذا نازعت الإنسان نفسه الأمارة بالسوء إلى معصية فإنه يصبر نفسه على
العصمة من ذلك ، ويكون الصبر في المصائب ، فإذا أصيب المسلم بنفسه أو ماله أو أسرته
ونحو ذلك فإنه يصبر على قضاء الله وقدره .
أما السماحة فإنها تكون في جميع
المعاملات الدنيوية ، وذلك بأن يكون المسلم هيِّنًا ليِّنا متفاهما مع إخوانه
المسلمين غير مُظهر للتشدد والتمسك بأمور الدنيا ، أما في أمور الدين فإنه لايجوز
التسامح فيها ، بل لابد من تطبيقها كما شرع الله جل وعلا .
ومما يبين منـزلة الصبر في
الدين مارُوي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: " الصبر نصف الإيمان ،
واليقين الإيمان كله " ذكره الحافظ الهيثمي من رواية الحافظ الطبراني وقال: ورجاله
رجال الصحيح. ( مجمع الزوائد 1/57).
ولعل عبد الله بن مسعود رضي
الله عنه أراد بقوله : "الصبر نصف الإيمان" أن لدى المسلم دافعين قويين : دافعًا
يدفعه إلى الاستقامة ، وذلك بفعل الطاعات واجتناب المحرمات والمكروهات، ودافعًا
يدفعه إلى تلبية شهواته والاستجابة لنداء غرائزه وهوى نفسه الأمارة بالسوء ،
فالدافع الأول يُكوِّن عنده نصف الإيمان الذي يدفعه إلى الاستقامة ، والدافع الثاني
لابد فيه من الصبر على طاعة الله وعن معاصيه وعلى أقداره المؤلمة ، وهذا يكوِّن
النصف الثاني من الإيمان ، فإذا اجتمع الدافعان كمل الإيمان وتكوَّن لدى المسلم
الوازع الديني الذي يدفعه إلى الفضائل ويردعه عن الرذائل .
* * *
- توجيهات ومواقف سلوكية –
- مواقف في الورع والعفة والزهد –
- من مواقف أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله –
زهده في مظاهر الخلافة :
من مواقفه التي جرت منه بعدما
بويع بالخلافة انصرافه عن مظاهر الدنيا وتحكيمه للكتاب والسنة في دقيق الأمور
وجليلها ، قال ابن عبد الحكم رحمه الله : ولما دُفن سليمان وقام عمر بن عبد العزيز
فقرِّبت إليه المراكب قال: ماهذه ؟ فقالوا : مراكب لم تركب قط يركبها الخليفة أول
مايلي، فتركها وخرج يلتمس بغلته ، وقال: يامزاحم ضمَّ هذا إلى بيت مال المسلمين ،
ونُصبت له سرادقات وحُجَر لم يجلس فيها أحد قط كانت تضرب للخلفاء أول مايَلُون ،
فقال: ماهذه ؟ فقالوا: سرادقات وحجر لم يجلس فيها أحد قط يجلس فيها الخليفة أول
مايلي ، قال : يامزاحم ضم هذه إلى أموال المسلمين ، ثم ركب بغلته وانصرف إلى الفرش
والوطاء الذي لم يجلس عليه أحد قط يفرش للخلفاء أول مايلون ، فجعل يدفع ذلك برجله
حتى يُفضي إلى الحصير ، ثم قال : يامزاحم ضمَّ هذا لأموال المسلمين .
قال : وبات عيال سليمان
يُفَرِّغون الأدهان والطيب هذه القارورة إلى هذه القارورة ، ويلبَسُون مالم يُلبَسُ
من الثياب حتى تتكسر ، وكان الخليفة إذا مات فما لُبس من الثياب أو مُسَّ من الطيب
كان لولده ، ومالم يُلبس من الثياب وما لم يُمَسَّ من الطيب فهو للخليفة بعده ،
فلما أصبح عمر قال له أهل سليمان : هذا لك وهذا لنا ، قال: وماهذا وماهذا ؟ قالوا :
هذا مالبس الخليفة من الثياب ومس من الطيب فهو لولده ، ومالم يمسَّ ولم يلبس فهو
للخليفة بعده وهو لك، قال عمر : ماهذا لي ولا لسليمان ولا لكم ، ولكن يامزاحم ضمَّ
هذا كله إلى بيت مال المسلمين، ففعل .
فتوامر الوزراء فيما بينهم
فقالوا : أما المراكب والسرادقات والحجر والشوار [يعني اللباس والزينة ومتاع البيت
] والوطاء فليس فيه رجاء بعد أن كان منه فيه ماقد علمتم ، وبقيت خصلة وهي الجواري
نعرضهن عليه، فعسى أن يكون ماتريدون فيهن ، فإن كان وإلا فلا طمع لكم عنده ، فأُتِي
بالجواري فعُرِضن عليه كأمثال الدُّمَى ، فلما نظر إليهن جعل يسألهن واحدة واحدة :
من أنت ولمن كنت ومن بعث بك؟ فتخبره الجارية بأصلها ولمن كانت وكيف أخذت ، فيأمر
بردهن إلى أهليهن ، ويُحملن إلى بلادهن حتى فرغ منهن ، فلما رأوا ذلك أيسوا منه
وعلموا أنه سيحمل الناس على الحق. (سيرة عمر بن العزيز لابن عبد الحكم /38 – 40 ،
وانظر سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي /42).
وهكذا رأينا مشهدًا من العادات
السيئة والمظاهر الدنيوية التي توارثها الأمراء قبل عمر بن عبد العزيز وأصبحت
تتراكم شيئًا فشيئًا حتى وصلت إلى حد لايختلف كثيرًا في الأبَّهة والتعاظم عما كان
عليه ملوك فارس والروم ، وكان الأمراء يرون في تلك المظاهر تثبيتًا لحكمهم وتعظيمًا
لهيبة السلطان في نفوس الرعية .
ولما تولى عمر بن عبد العزيز
رأى أن قيمة تلك المظاهر أُخذت من بيت مال المسلمين بدون حق ، إلى جانب كونها تنطلق
من خُلق الكبر الذي جاء ذمه في الإسلام ، وتتنافى مع خلق التواضع الذي جاء مدحه في
الإسلام ، فأمر مولاه مزاحمًا بأن يُدخلها في بيت مال المسلمين ، وركب مركبه السابق
الذي لايميزه عن عامة المسلمين وأوساطهم .
وفي هذا الخبر تبين لنا كيف كان
الولاة يتصرفون بأموال المسلمين بغير حق ، ويبتكرون عوائد من الحقوق الخاصة بالوالي
الذاهب والوالي القادم في أموال ليس لهم حق التصرف فيها.
وفي تصرف عمر إزاء ذلك مثل واضح
على عدله ورعايته لحقوق المسلمين العامة حيث رد تلك الأطياب والملابس إلى بيت مال
المسلمين ، وبيَّن أنه ليس له حق فيها ولا للأمير الذي قبله وأن هذه العادة مخالفة
للإسلام .
كما أن في هذا الخبر دلالة على
رعاية عمر للحقوق الخاصة ، فتلك الجواري التي كانت تساق كالدُّمَى ، وقد حُرِمن من
المطالبة بحقوقهن ، واعتُبِرن من جملة المتاع الذي يرثه الأمراء خَلَفًا عن سلف ،
قد نظر عمر في أمرهن من ناحية الشرع فلما تحقق أنهن قد أُخذن بطريقة غير مشروعة
أعادهن إلى أهاليهن .
ونجد في هذا الخبر مثلا من
تفكير أصحاب النفوذ ممن ألفوا تلك المظاهر والعوائد ، حيث أرادوا اختبار عمر
بالجواري لما ردَّ الفرش والأثاث والبيوت لأن داعي الاحتفاظ بالجواري أقوى لدى
النفوس التي لاتلتزم في سيرها بهدي الإسلام الشامل لكل نواحي الحياة ، فلما ردَّ
الجواري أيسوا منه وعرفوا أنه سيحمل الناس على الحق الذي يعرفونه ولكنْ يمنعهم من
العمل به اتباع الهوى المنحرف .
زهده في مخصصات الخلافة :
من مواقف عمر بن عبد العزيز في
الورع ماذكره ابن عبد الحكم قال: وكان عمر قد طلق نفسه من الفيئ فلم يُرزَق منه
شيئًا إلا عطاء مع المسلمين ، فدخل عليه ابن أبي زكريا فقال: يا أمير المؤمنين إني
أريد أن أكلمك بشيء ، قال : قل ، قال : قد بلغني أنك ترزق العامل من عمالك ثلاثمائة
دينار ، قال: نعم ، قال: ولمَ ذلك ؟ قال: أردت أن أغنيهم عن الخيانة ، قال: فأنت يا
أمير المؤمنين أولى بذلك ، قال: فأخرج ذراعه وقال: يا ابن أبي زكريا إن هذا نبت من
الفيئ ولست معيدًا إليه منه شيئًا أبدًا. ( سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم
/46).
وهكذا حرم عمر نفسه من الأجر
الذي يعطيه للولاة تورعا ، ولو سوَّى نفسه بهم لم ينكر عليه أحد ، بل لو زاد عنهم
قليلا مقابل كثرة نفقته لمنصبه لما كان ذلك منكرا ، ولكنه تورع عن ذلك ، وكان تذكره
للتجاوز الذي كان من ولاة عشيرته مانعًا له حتى من أخذ حقه في بيت المال فرحمه الله
رحمة واسعة .
مثل من طموحه نحو المعالي :
أخرج محمد بن سعد من خبر سعيد
بن عامر عن جويرية بن أسماء قال: قال عمر بن عبد العزيز : إن نفسي هذه نفس تواقة ،
وإنها لم تعط شيئا إلا تاقت إلى ماهو أفضل منه ، فلما أُعطيت الذي لاشيء أفضل منه
في الدنيا تاقت إلى ماهو أفضل من ذلك .
قال سعيد : الجنة أفضل من
الخلافة.( طبقات ابن سعد 5/401 ، وانظر تاريخ دمشق 45/208).
فهذه المقارنة تبين لنا عظمة
عمر بن عبد العزيز ورجاحة عقله وسمو تفكيره ، فإن أعلى منـزلة في الدنيا لاتعادل
أدنى منـزلة في الجنة ، فمن ضيع منازل الجنة بالحرص على منازل الدنيا كان من
الخاسرين.
ورعه عما حُمِل على دواب البريد
:
قال ابن عبد الحكم في رواية له
: وأتت إليه سلتا رُطَب من الأردن ، فقال: ماهذا ؟ قالوا: رطب بعث به أمير الأردن ،
قال: علام جيء به ؟ قالوا : على دواب البريد ، قال: فما جعلني الله أحق بدواب
البريد من المسلمين ، أخرجوهما فبيعوهما واجعلوا ثمنهما في علف دواب البريد ،
فغمزني [القائل هو راوي الخبر أبو شيبان وهو الذي قدم بالرطب] ابن أخيه فقال لي :
إذهب فإذا قامتا على ثمن فخذهما عليّ ، فجئت بهما إلى ابن أخيه فقال: اذهب بهذه
الواحدة إلى أمير المؤمنين ، وحبَس لنفسه واحدة ، فأتيته بها فقال : ماهذا ؟ قلت:
اشتراهما فلان ابن أخيك فبعث إليك بهذه وحبس لنفسه الأخرى ، قال: الآن طاب لي أكله.
( سيرة عمر بن العزيز لابن عبد الحكم /54 ، وانظر سيرة عمر بن عبد العزيز لابن
الجوزي /133).
وهذا مثال دقيق على ورع عمر
واهتمامه البالغ بالحلال والحرام فإن فكر المسلم العادي لايذهب إلى السؤال عن
الدواب التي حُمل عليها الطعام ، وإنما قد يسأل عن الطعام نفسه من باب التحري ، ومع
أن البريد لم يأت من أجل ذلك التمر فإن عمر رده تورعا ، وأمر بجعل ثمنه علفًا لدواب
البريد ، وحينما تصرف ابن أخيه ذلك التصرف الحسن فأهداه من ذلك التمر أكل منه طيبةً
به نفسه ، فما أعظم الإسلام متمثلاً في صدور السابقين بالخيرات الذين يميزون بين
الحلال الخالص والشبهات التي قد توصل إلى الحرام !
* * *
-مواقف جهادية من السيرة النبوية –
-مواقف من غزوة أحد –
-خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد ومافيه من مواقف-
1 –قال محمد بن عمر الواقدي في
سياق رواية له:ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الشيخين [هو موضع بين
المدينة وجبل أحد] فعسكر به . وعُرِض عليه غلمان : عبد الله بن عمر ، وزيد بن ثابت،
وأسامة بن زيد،والنعمان بن بشير ، وزيد بن أرقم ، والبراء بن عازب ، وأسيد بن ظهير
، وعرابة بن أوس ، وأبو سعيد الخدري ، وسمرة بن جندب ، ورافع بن خديج . فردهم . قال
رافع بن خديج ، فقال ظُهَيْر بن رافع : يارسول الله إنه رام ! وجعلت أتطاول وعلي
خُفَّان لي . فأجازني رسول الله صلى الله عليه وسلم .
في هذا الخبر مثل جيد على حب
الصحابة رضي الله عنهم للجهاد ، وارتفاع مستواهم التربوي، حيث حببوا الجهاد
لأبنائهم فأصبح غلمانهم يتسابقون إلى ميادين الجهاد .
وتتبدى هذه المظاهر المتأصلة في
نفوس هؤلاء الغلمان في خروجهم مع جيش المسلمين ، وكلهم أمل في أن يجيزهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأن يشاركوا في الجهاد ، كما تتبدى في إلحاح رافع بن خديج على
ولي أمره ليقنع النبي صلى الله عليه وسلم بالسماح له بالجهاد بحجة أنه يجيد الرماية
، ويشفق على نفسه من رد النبي صلى الله عليه وسلم بالرفض فينتصب قائما على أصابع
قدميه ليبدو طويلا قد بلغ مبلغ الرجال مخفيا هذا التطاول بخفيه السابغين اللذين
يخفيان عقبيه ، ويتم فوزه بإجازة النبي صلى الله عليه وسلم إياه .
وتأخذ الحسرة سمرة بن جندب الذي
رُدَّ مع الغلمان ، ويعصف به الشوق إلى الجهاد فَيُدْلي بمسوِّغ آخر للقبول ،
أوَلَيس يصرع رافعا ؟ فهو إذًا أقوى منه ومادام الأمر كذلك فهو أحق منه بالإجازة ،
ويهمس بذلك في أذن وليه فينطلق بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرحا مسرورا بظفر
ابنه بذلك المسوغ ، ويتصارعان بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ويتم لسمرة ما أراد من
تلك الإجازة .
إن فرحة هذين الغلامين
وأمثالهما بالمشاركة في الجهاد تفوق كل ما يخطر على بال أقرانهم من أسْرَى المباهج
الدنيوية والأهداف القريبة ، وذلك شاهد على ارتفاع مستوى المجتمع الإسلامي آنذاك في
المُثُل السامية والقيم العالية .
2 – قال الواقدي في سياق روايته
:
واستعمل رسول الله صلى الله
عليه وسلم على الحرس محمد بن مسلمة في خمسين رجلا ، يطوفون بالعسكر حتى أدْلَج [أي
سار ليلا] رسول الله صلى الله عليه وسلم .( مغازي الواقدي 1/217).
وكان المشركون قد رأوا رسول
الله صلى الله عليه وسلم حيث أدلج ونزل بالشيخين، فجمعوا خيلهم وظَهْرهم واستعملوا
على حرسهم عكرمة بن أبي جهل في خيل من المشركين، وباتت صاهلة خيلهم لاتهدأ ، وتدنو
طلائعهم حتى تلصق بالحرة ، فلا تصعد فيها حتى ترجع خيلهم، ويهابون موضع الحرة ومحمد
بن مسلمة.
وهذا موقف يذكر لمحمد بن مسلمة
ومن معه من الحرس رضي الله عنهم ، حيث حفظوا الجيش الإسلامي من أعدائهم تلك الليلة
.
3- قال الواقدي في سياق روايته
:
وقد كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال حين صلى العشاء : من يحفظنا هذه الليلة ؟ فقام رجل فقال: أنا يارسول
الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أنت ؟ قال: ذكوان بن عبد قيس . قال:
اجلس . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من رجل يحفظنا هذه الليلة ؟ فقام رجل
فقال : أنا . فقال : من أنت ؟ قال أنا أبو سبع . قال : اجلس . ثم قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : من رجل يحفظنا هذه الليلة ؟ فقام رجل فقال: أنا . فقال : ومن أنت
؟ قال : ابن عبد قيس . قال: اجلس . ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة ثم قال:
قوموا ثلاثتكم . فقام ذكوان بن عبد قيس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين
صاحباك ؟ فقال ذكوان: أنا الذي كنت أجبتك الليلة . قال: اذهب ، حفظك الله ! قال
فلبس درعه وأخذ دَرَقَته ، وكان يطوف بالعسكر تلك الليلة ، ويقال كان يحرس رسول
الله صلى الله عليه وسلم لم يفارقه.(مغازي الواقدي 1/217).
وهذا يعني أن النبي صلى الله
عليه وسلم قد كلف ذكوان بن عبد قيس بمهمة الحراسة داخل معسكر المسلمين، وهي تختلف
عن مهمة محمد بن مسلمة وصحبه الذين كانوا يحرسون المعسكر من خارجه رضي الله عنهم
أجمعين ، وكون هذا الصاحبي الجليل ذكوان بن عبد قيس يجيب نداء النبي صلى الله عليه
وسلم ثلاث مرات معلنا اسمه في الأولى ومتنكرا في الأخيرتين دليل على اهتمامه البالغ
بتقديم تلك الخدمة العسكرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وذلك في
التسابق إلى الخير والتنافس في العمل الصالح .
4 – قال الواقدي في سياق روايته
:
ونام رسول الله صلى الله عليه
وسلم حتى ادَّلج [ادَّلج بتشديد الدال سار آخر الليل] ، فلما كان في السحر قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : أين الأدلاَّء ؟ مَنْ رجل يدلنا على الطريق ويخرجنا على
القوم من كثب؟ [أي قرب] فقام أبو حثمة الحارثي فقال: أنا يارسول الله . ويقال أوس
بن قيظي ، ويقال مُحَيِّصة وأثبت ذلك عندنا أبو حثمة .
قال : فخرج رسول الله صلى الله
عليه وسلم فركب فرسه ، فسلك به في بني حارثة ، ثم أخذ في الأموال حتى يمر بحائط
مرْبَع بن قيظي ، وكان أعمى البصر منافقا ، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأصحابه حائطه قام يحثي التراب في وجوههم وجعل يقول : إن كنت رسول الله فلا تدخل
حائطي. فيضربه سعد بن زيد الأشهلي بقوس في يده. فشجه في رأسه فنـزل الدم ، فغضب له
بعض بني حارثة ممن هو على مثل رأيه . فقال : هي عداوتكم يابني عبد الأشهل ،
لاتدعونها أبدا لنا . فقال أسيد بن حضير : لا والله ، ولكنه نفاقكم . والله لولا
أني لا أدري مايوافق النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك لضربت عنقه وعنق من هو على
مثل رأيه ! فأُسكِتوا.
في هذا الخبر موقفان :
الأول : ماكان من سعد بن زيد
الأشهلي رضي الله عنه حينما غضب لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم فقام بتأديب
ذلك المنافق .
والموقف الثاني لأسيد بن حُضير
رضي الله عنه حينما قضى على ذلك الجدل القبلي الذي أثاره أحد المنافقين وذلك
بالتهديد باستعمال القوة في القضاء على ذلك المنافق وأمثاله لو سمح النبي صلى الله
عليه وسلم بذلك .
5 – قال ابن إسحاق : حتى إذا
كانوا بالشوط بين المدينة وأحد ، انخزل عنه عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث الناس ،
وقال : أطاعهم وعصاني ، وماندري علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس، فرجع بمن
اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب ، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام ، أخو بني
سلمة يقول : ياقوم أذكِّركم الله أن تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم ؛
فقالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم ، ولكنا لانرى أنه يكون قتال .
قال : لما استعصوا عليه وأبوا
إلا الانصراف عنهم ، قال : أبعدكم الله أعداء الله ، فسيغني الله عنكم نبيه. (سيرة
ابن هشام 3/9).
في هذا الخبر مواقف وعبر فمنها
:
أولا : أن فيه درسا بليغا
للمسلمين ليأخذوا العبرة مما جرى من أولئك المنافقين الذين خذلوا رسول الله
والمؤمنين وهم في أحرج المواقف وأمام هذا الحادث المهم ترد بعض التساؤلات حول
تصرفات المنافقين الغريبة في هذه المعركة ، فقد خرجوا مع المؤمنين أوَّلاً ثم لما
كانوا في أثناء الطريق رجعوا إلى المدينة بصورة تثير الشبهة عليهم وتبعث على الشك
فيهم ، فلماذا خرجوا مع المؤمنين ماداموا لايريدون نصرة الإسلام والمسلمين ؟ ولماذا
رجعوا من أثناء الطريق ؟ والجواب أن يقال: يحتمل أنهم خرجوا من أجل الغنائم فيما
إذا كان النصر للمسلمين ، فلما رأوا ضخامة جيش الكفار أصيبوا بالرعب وامتلأت قلوبهم
ذعرا فرجعوا ولم يدخلوا المعركة .
ويحتمل أنهم خرجوا مبالغةً في
ستر نفاقهم ثم أصيبوا بالرعب فلم يستطيعوا الاستمرار في تمثيل هذا النفاق الذي
سيكلفهم تضحيات كبيرة ، فرجعوا إلى المدينة مفضلين مواجهة نقمة المؤمنين المحتملة
فيما إذا بقي لهم كيان بعد المعركة على مواجهة الموت المحقق في نظرهم على يد الكفار
.
ويحتمل أنهم كانوا يسيرون على
خطة مرسومة ، وذلك في أن يخرجوا مع المؤمنين فإذا ماشارفوا على الوصول إلى الأعداء
رجعوا محاولين بذلك التخذيل عن النبي صلى الله عليه وسلم بإثارة الفزع والخوف بين
المؤمنين .
كل ذلك محتمل ، ولكن الذي يظهر
أنهم لم يتفقوا على خطة مرسومة وهم في المدينة لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما
استشار الناس في الخروج أو البقاء وسمع رأي الفريقين دخل بيته ولبس لأمته وأمر
الناس بالخروج ، فليس هناك وقت كاف لاجتماع المنافقين واتفاقهم على مثل هذه الخطة
فالظاهر أنهم خرجوا نفاقا وربما كان لهم أو لبعضهم هدف في الغنيمة فلما رأوا جيش
الكفار أصيبوا بالرعب فانسحب زعماؤهم وتبعهم من هو على شاكلتهم في النفاق ومن لم
يتمكن الإسلام من قلبه فافتتن في ذلك اليوم ونافق ، وربما كانوا يدبرون خطة
الانسحاب في تلك الليلة التي بات فيها جيش المؤمنين قريبا من جيش الكفار على نحو
يثير الفزع والاضطراب في جيش المؤمنين حتى يرجع معهم أكبر قدر ممكن منهم ليحصل
الفشل في المسلمين فينهزموا أمام أعدائهم ، وليتفادَوا نقمة المؤمنين بهم فيما إذا
انتصروا إذا كان عددهم كبيرا .
ولقد حصل لهم بعض ما أرادوا حيث
رجع ثلث الجيش الإسلامي في ذلك اليوم وليس من المقطوع به أن جميع أولئك الذين رجعوا
كانوا منافقين قبل ذلك بل يحتمل أن بعضهم كفروا في ذلك اليوم ثم أخفوا كفرهم عن
المؤمنين .
وعلى أي حال فرجوع عبد الله بن
أبي ومن معه من المنافقين في ذلك اليوم يُعدُّ خيانة مكشوفة ودليلا واضحا على
نفاقهم ، وهذا من أوضح الأدلة على مايبيته المنافقون للمؤمنين من الشر والنوايا
السيئة. (من كتاب " المنافقون في القرآن الكريم " للمؤلف ص 124).
ولقد تبين من الحوار الذي جرى
بين عبد الله بن عمرو بن حرام والمنافقين أن هؤلاء المنافقين متناقضون ، فبينما
يقول عبد الله بن أَبيّ لحزبه من أهل النفاق في بيان سبب انسحابه : "أطاعهم وعصاني
وماندري علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس " نراه يقول هو وجماعته لعبد الله بن
عمرو بن حرام : " لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم ولكنا لانرى أنه يكون قتال"
وهذا كلام لايقوله عاقل يزن كلامه ، لأن أي عاقل يدرك أن قريشا لم يخرجوا إلا لقتال
، ثم إنه إذا كان يغلب على ظن هؤلاء المنافقين أنه لن يكون قتال فلماذا رجعوا وقال
بعضهم لبعض : علام نقتل أنفسنا؟ .
وما أجابوا به عبد الله بن عمرو
بن حرام قد أثبته الله سبحانه على سبيل التوبيخ لهم بقوله (وَلْيَعْلَمَ
الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ
أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ
لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم
مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ{167} الَّذِينَ
قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ
فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{168})
[ آل عمران : 167 – 168] .
ثانيًا : موقف جليل لعبد الله
بن عمرو بن حرام رضي الله عنه حيث سار خلف عبد الله بن أبي بن سلول ومن تبعه من
المنافقين يرغبهم في الجهاد في سبيل الله تعالى ، ويبعث فيهم النخوة والشهامة
للدفاع عن بلدهم وأعراضهم وأموالهم إن لم يكن بهم رغبة في الجهاد في سبيل الله
تعالى، ومازال يلح عليهم بالرجوع حتى وصلوا إلى المدينة فدعا عليهم دعاء المعتز
بدينه الواثق بنصر الله تعالى لأوليائه مُظهرًا لهم حقارة أمرهم وعدم احتياج
المسلمين لنصرتهم .
وهكذا كان عبد الله بن عمرو بن
حرام حكيما عظيم التقدير للأمور ، فحينما دعاهم إلى الرجوع ذكَّرهم بوجوب النصرة
وفظاعة الخذلان ، فلما أن أصروا على الانسحاب بين لهم استغناء المؤمنين عنهم
وأشعرهم بهوان أمرهم حتى لايحملهم الغرور على تحقير المؤمنين وإثارة القلق والرعب
في الذراري والنساء وأهل الأعذار .
6 – قال ابن هشام : وذكر غير
زياد عن محمد بن إسحاق عن الزهري : أن الأنصار يوم أحد قالوا لرسول الله صلى الله
عليه وسلم : يارسول الله ألا نَسْتعين بحُلفائنا من يَهود ؟ فقال: لاحاجة لنا فيهم.
(سيرة ابن هشام 3/9 . وزياد هو البكائي شيخ ابن هشام).
وهذا الموقف الحذر من رسول الله
صلى الله عليه وسلم من اليهود يدلنا على بُعْد نظره ، فهو يعلم من عداوة اليهود
للمسلمين ما لايعلمه الأنصار الذين يظنون أن حلف اليهود لهم وهم في جاهليتهم قد بقى
على ماهو عليه بعد إسلامهم ، والحال أن اليهود أشد عداوة لهم من المشركين ولكنهم
يبطنون العداوة ويتربصون بالمؤمنين الفرص المناسبة ليفتكوا بهم ، وقد أبانت الأيام
بعد ذلك بُعْد نظر النبي صلى الله عليه وسلم وصدق تقديره للأمور ، كما سيأتي بيان
صور من غدر اليهود .
7 – قال ابن إسحاق في سياق
روايته : ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد ، في عدوة الوادي
إلى الجبل ، فجعل ظهره وعكسره إلى أحد ، وقال : لايقاتلن أحد منكم حتى نأمره
بالقتال . وقد سرَّحت قريش الظهر والكراع [الظهر الإبل ، والكراع هنا الخيل] في
زروع كانت بالصمغة ، من قناة للمسلمين فقال رجل من الأنصار حين نهى رسول الله صلى
الله عليه وسلم عن القتال : أتُرعَى زروع بني قيلة [يعني الأوس والخزرج] ولمَّا
نضارب!
وتعبَّى رسول الله صلى الله
عليه وسلم للقتال ، وهو في سبع مائة رجل ، وأمَّر على الرماة عبد الله بن جبير، أخا
بني عمرو بن عوف وهو مُعلَم يومئذ بثياب بيض ، والرماة خمسون رجلا ، فقال : انْضَح
الخيل عنا بالنبل ، لايأتونا من خلفنا ، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك
لانؤتينَّ من قِبلِك.
وظاهَرَ رسول الله صلى الله
عليه وسلم بين درعين [أي لبس درعا فوق درع] ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخي بني
عبد الدار.( سيرة ابن هشام 10/11 . وأخرج الإمام البخاري خبر الرماة ضمن خبر رواه
البراء بن عازب رضي الله عنه عن غزوة أحد – صحيح البخاري، المغازي ، رقم 4043 (
7/349) . وخبر مظاهرة الرسول صلى الله عليه وسلم بين درعين أخرجه الحافظ أبو يعلى ،
ذكره الحافظ الهيثمي وقال: ورجاله رجال الصحيح – مجمع الزوائد 6/108 -).
في هذا الخبر مواقف وعبر منها :
أوَّلاً : حسن اختيار رسول الله
صلى الله عليه وسلم لمكان المعركة وبُعْد نظره في التخطيط الحربي، فالمسلمون كانوا
مشاة بينما يتفوق عليهم المشركون بسلاح الفرسان الذين يبلغون مائتين وهم الذين
يتقدمون في الهجوم عادةً فالمشركون قد اختاروا الأرض الصالحة للطراد والكر والفر
فأبعدوا عن الجبل حتى يستفيدوا من فرسانهم ، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم اختار
الأرض المجاورة لجبل أحد ليعوق من سرعة الخيل ويحرم المشركين من الاستفادة الكاملة
من فرسانهم .
هذا إلى جانب كون جبل أحد
بارتفاعه ومنعرجاته يُعدُّ حصنا وملجأ للمسلمين فيما لو أصيبوا من أعدائهم .
ولما كان ذلك الموقع الحصين
يشتمل على ثغرة خطيرة يمكن للأعداء أن ينفذوا منها إلى جيش المسلمين فإن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قد رتب فيها أمر الحماية حيث أمر خمسين من الرماة بقيادة عبد
الله بن جبير بالمرابطة فوق جبل عينين الصغير المطل على تلك الثغرة ليصدوا جيش
الأعداء فيما لو جاؤوا المسلمين من خلفهم .
ثانيًا : كون النبي صلى الله
عليه وسلم تحصن بدرعين دليل على مشروعية الاحتياط للنفس ، وأن أخذ الأسباب لاينافي
التوكل على الله جل وعلا .
وقد فعل النبي صلى الله عليه
وسلم ذلك مع أن الله تعالى قد عصمه من الأعداء لأنه مشرع لأمته فهو يفعل مايشرع لكل
مسلم أن يفعله حيث إنه قدوة عليا لكل المسلمين .
* * *
|