|
المصلحون : العدد السادس عشر
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .
2 – أضواء من الهدي النبوي .
3 – توجيهات ومواقف سلوكية .
4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .
-أضواء من هدي القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى [وَلاَ
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء
عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ{169} فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ
وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{170} يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ
اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ{171} الَّذِينَ
اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ
لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ{172} الَّذِينَ قَالَ
لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ
إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ{173} فَانقَلَبُواْ
بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ
رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ{174} إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ
يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم
مُّؤْمِنِينَ{175}]
[ آل عمران 169-175].
[169] يعني : ولا تظنن أن الذين قتلوا وهم بجاهدون في سبيل الله تعالى أمواتًا
بفراق أرواحهم لأجسامهم وبقاء أجسامهم ميتة كأجسام الموتى ، بل إن الله تعالى أعاد
الحياة لأرواحهم بنوع خاص من الحياة فهم عنده بأرواحهم يرزقهم سبحانه بأنواع من
الرزق يتنعمون به ، وقد وردت في ذلك أحاديث شريفة تبين المراد من الآية ، ومن ذلك
ما أخرجه الإمام مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال في تفسير هذه الآية : " أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة
بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل .."الحديث .[
صحيح مسلم ، رقم 1887 (ص1502)]
[170] [فَرِحِينَ
بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ]
فهم سعداء في غاية السعادة بما تفضل الله تعالى عليهم به من إحيائهم تلك الحياة
الخاصة وإبدال أجسامهم بأجسام طيور يطيرون بها في الجنة ويأكلون من ثمارها [وَيَسْتَبْشِرُونَ
بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ]
ويفرحون بإخوانهم الذين كانوا معهم في الجهاد ولم يلحقوا بهم في الشهادة لأنهم ما
زالوا أحياء .. يفرحون لهم لعلمهم بأنهم إن استشهدوا نالوا من كرامة الله عز وجل
مثل ما نالوا .. يستبشرون بهم [أَلاَّ
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ]
فلم يبقوا بين حياة الخوف والرجاء كما كانوا في الدنيا ، بل قد انقطع الخوف عنهم
لما عاينوا كرامة الله تعالى بهم [وَلاَ
هُمْ يَحْزَنُونَ]
على ما خلفوا وراءهم من متاع الدنيا لأن ماهم فيه خير ، وقد انقطع عنهم الحزن الذي
كان ينتابهم في الدنيا .
[171] [يَسْتَبْشِرُونَ
بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ
الْمُؤْمِنِينَ]
يفرحون بما أنعم الله تعالى به وتفضل به عليهم من الحياة البرزخية الخاصة حيث خُصوا
بكونهم أرواحهم في جوف طير خضر ترد أشجار الجنة ويأكلون من ثمارها ، ويفرحون بما
رأوه من جزاء أعمالهم الصالحة التي قدموها في الدنيا ، وخاصة الاستشهاد في سبيل
الله تعالى .
هذا وإن هذه الآيات والآيات الأخرى المماثلة وماجاء في السنة النبوية من فضل
الشهداء في سبيل الله تعالى وما أعد الله جل وعلا لهم بعد القتل من الجزاء العظيم
يجعل المؤمنين المتقين يسارعون إلى الجهاد في سبيل الله عز وجل حرصا منهم على نيل
الشهادة ، وهكذا حفل التاريخ الإسلامي من عهد الصحابة رضي الله عنهم بأخبار رائعة
في تسابق المسلمين نحو الجهاد والاستشهاد في سبيل الله عز وجل .
[172] [الَّذِينَ
اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ
لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ]
وهذا ثناء من الله سبحانه على الصحابة الذين استجابوا لله والرسول لما ناداهم صلى
الله عليه وسلم بالخروج عقب غزوة " أحد " لتتبع جيش المشركين فخرجوا على مابهم من
الجراح التي أصيبوا بها يوم أحد حتى بلغوا حمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة
، وذلك ليرى الناس أنه مازال بالمسلمين قوة على عدوهم.
فهؤلاء الذين استجابوا لنداء الرسول صلى الله عليه وسلم لإظهار عزة الإسلام
والمسلمين وإرهاب الأعداء فخرجوا على مابهم من الجراح المثقلة .. للذين أخلصوا منهم
لله تعالى واستقاموا على العمل بطاعته واجتناب معصيته أجر عظيم لا يُقدَّر قدره .
ففي هذه الآية بيان أهمية العمل على إرهاب الكفار وإعزاز الإسلام وترتب الأجر
العظيم على ذلك ، ولكن مع مراعاة الاتصاف بالإخلاص لله تعالى والتقوى وذلك
بالاستقامة على تنفيذ أوامر الله سبحانه واجتناب نواهيه ، فالجهاد وحده لايكفي بل
لابد مع ذلك من الاستقامة على أمور الدين .
[173] ثم ذكر الله تعالى صفة من صفات الإخلاص عند أولئك الصحابة رضي الله عنهم فقال
[الَّذِينَ
قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ]
والمراد بالناس القائلين هم ركبٌ من عبد القيس قال لهم أبو سفيان قائد قريش – آنذاك
– لما أصابهم الرعب من جيش المسلمين المرابط في حمراء الأسد : هل أنتم مبلِّغون
محمدًا عني رسالة أرسلكم بها إليه وأُحمِّل إبلكم هذه غدًا زبيبًا بعكاظ إذا
وافيتموها ؟ قالوا : نعم ، قال : فإذا جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه
وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم ، قال : فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "
حسبنا الله ونعم الوكيل " [تفسير الطبري 666/248 ، سيرة ابن هشام 2/121] فهؤلاء
الناس قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين : إن الناس يعني مشركي مكة قد
جمعوا لكم الجموع فاخشوا من هجومهم عليكم [فَزَادَهُمْ
إِيمَاناً]
فزاد هذا القول الصحابة رضي الله عنهم بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم إيمانًا على
إيمانهم السابق بأن الله عز وجل معهم بتأييده وأنه ناصرهم وخاذل أعدائهم [وَقَالُواْ
حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]
أي كافينا الله وحده ناصرًا ومؤيدا ، ونعم المعتمد عليه هو جل وعلا ، وفي هذا تسليم
لله تعالى وحده وشعور بالارتباط القوي العظيم به وحده ، ولاشك أن من ارتبط بالقوة
العظمى لخالق الكون ومدبره ليس كمن يرتبط بقوى الأرض الضعيفة الهزيلة.
[174] [فَانقَلَبُواْ
بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ]
أي فرجع الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حمراء الأسد بنعمة من الله
تعالى عظيمة ، فقد سلموا من أعدائهم وظفروا بالنصر المبين على الأعداء حيث أرعبوهم
ولم يتجاسر الأعداء على العودة إلى المدينة ، فارتفعت معنوية المسلمين وعلتْ سمعتهم
الحربية وانحطت معنوية الكفار وهبطت سمعتهم ، هذا إلى جانب ما أعده الله سبحانه
لأوليائه من الأجر العظيم في الجنة .
[وَاتَّبَعُواْ
رِضْوَانَ اللّهِ]
حيث استجابوا لنداء رسوله صلى الله عليه وسلم مـع أنهم كانوا مثخنين بالجراح [وَاللّهُ
ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ]
على أوليائه الذين استقاموا على طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم .
[175] ثم يبين الله سبحانه أن الشيطان الرجيم وراء كل هذه الأفعال التي يقوم بها
الكفار لإرهاب المسلمين ومحاولة إضعافهم حيث يقول [إِنَّمَا
ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ]
يعني يخوفكم أولياءه ، أي يخوفكم أيها المؤمنون من أنصاره الذين يتولونه وهم الكفار
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية : الشيطان يخوف المؤمنين
بأوليائه [تفسير الطبري 6/255] [فَلاَ
تَخَافُوهُمْ]
فإنهم ضعفاء هزيلون كضعف وليهم الذي يعتمدون عليه وهو الشيطان ، وهم مخذولون هم
ووليهم من الله الخالق العظيم [وَخَافُونِ
إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ]
أي وخافوا الله وحده جل وعلا لأنه هو الخالق المدبر القوي الغالب الذي بيده أمركم
وأمرهم وأمر الكون كله إن كنتم مؤمنين بالله تعالى حق الإيمان ، فالإيمان بالله جل
وعلا لا يجتمع أبدًا مع الاعتماد على غيره وطلب النصر من غيره والخوف من أعدائه
الكفار الذي يصل على حد ترك جهادهم والإلقاء بالأيدي نحوهم .
فالشيطان يُسوِّل لبعض المسلمين فيضخِّم في أعينهم قوة أعدائهم وما يملكونه من
وسائل الإرهاب والبطش من أجل أن يتخلوا عن الجهاد بالسنان أو باللسان ، وهو حريص
على أن يضعف قلوب المؤمنين وأن يصور أعداءهم بصورة الأقوياء الذين لا يُغلبون ليكون
الميدان لصالح أوليائه ، فيجب على المؤمن الحقِّ أن يعلم بأن أي شعور في نفسه
بالخوف من الأعداء إنما مبعثه تسويل الشيطان له ، فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم
، وليواصل ثباته على هذا الدين والجهاد في سبيله بالنفس والمال واللسان .
وفي هذه الآية يرتب الله سبحانه تحقُّق إيمان المسلمين على اتصافهم بالخوف منه وحده
وعدم الخوف من الأعداء ، وظاهر هذه الآية انتفاء الإيمان عن الذين يُغَلِّبون الخوف
من الناس على الخوف من الله تعالى ، ولكنْ بناءً على ما ذهب إليه أهل السنة
والجماعة من تأويل نصوص الوعيد إذا كان ظاهرها ينفي الإيمان فيما إذا كان الفعل
الذي اشتملت عليه لا يُخرج من الملة فإننا يمكن أن نقسِّم الخوف من غير الله تعالى
إلى أقسام :
الأول : الخوف القلبي الذي لم يشتمل على تعظيم ولا خضوع لغير الله تعالى ولم يترتب
عليه عمل مخالف للدين من ترك واجب أو فعل محرم ، وذلك مثل الخوف القلبي من السلاطين
الجبابرة والأعداء المقاتلين ، ويدخل في ذلك الخوف من الوحوش والمؤذيات ، فهذا لا
بأس به ولا يتنافى مع الإيمان ، بل هو من طباع النفوس التي جبل الله تعالى عليها
الإنسان .
والثاني : الخوف القلبي الذي لم يشتمل على الذل والخضوع والمحبة لغير الله تعالى ،
ولكنه ترتب عليه عمل يسخط الله جل وعلا ، وذلك بترك واجب أو فعل محرم ، مثل ترك
الجهاد خوفا من الأعداء وترك قول الحق خوفا من الحكام الظلمة ، فهذا من الكفر
الأصغر الذي لايخرج من الملة وهو من كبائر الذنوب .
فانتفاء الإيمان المعلق في الآية على الخوف من غير الله تعالى يراد به انتفاء أصل
الإيمان فيما إذا اشتمل الخوف من غير الله عز وجل على التعظيم والخضوع والمحبة ،
ويراد به انتفاء كمال الإيمان الواجب فيما إذا لم يشتمل على ذلك وترتب عليه عمل
يسخط الله تعالى من ترك واجب أو فعل محرم .
وقد يكون هناك ضرورات تُقدَّر بقدرها وذلك فيما إذا كان الإنسان يعيش في بلاد
يتتبَّع فيها الحكام الجبابرة أهل التقوى والاستقامة فيأخذونهم لمجرد أنهم مستقيمون
على الإسلام ، فإذا ارتكب هؤلاء مخالفة شرعية مع إضمارهم بغض أولئك الحكام والبراءة
من أفعالهم المخالفة للإسلام فإن ذلك لعله يكون داخلاً في قاعدة " الضرورات تبيح
المحظورات " .
* * *
- أضواء من الهدي النبوي –
- من فضائل خلق الحياء –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : فهذه توجيهات سلوكية في خلق الحياء ، فمن ذلك ما أخرجه أبو عبد الله أحمد بن
حنبل وأبو عيسى الترمذي رحمهما الله من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم " استحيوا من الله عز وجل حق الحياء ،
قال: قلنا : يارسول الله إنا نستحيي والحمد لله ، قال : ليس ذلك ، ولكن من استحيى
من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وماوعى ، وليحفظ البطن وماحوى ، وليذكر الموت
والبلَى ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله عز وجل
حق الحياء ".[ مسند أحمد 1/387 ، سنن الترمذي ، رقم 2458 ، كتاب صفة القيامة
ب24(4/637)].
فالحياء خُلقٌ يبعث على اجتناب القبيح ، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق.[ فتح
الباري 1/52]
والحياء نوعان : حياء جِبلِّيٌّ غريزي ، وحياء شرعي مكتسب ، فالنوع الأول وهو
الحياء الجبلي الغريزي يمنع صاحبه من مجابهة الآخرين بما يكرهونه ، أو أن يفعل
مايعيبه الناس ، فإذا التزم صاحبه بالدين فإنه يكون لديه عاملان مؤثران على مشاعره
وسلوكه ، عامل الحياء الفطري الذي يجعله يجتنب مايكرهه الناس ويحاول كسب رضاهم ،
وعامل نداء الإيمان بالله تعالى الذي يوجه هذا الحياء ، فيبقيه على قوته وحيويته في
الأمور التي تُرضي الله سبحانه ، ويزيده أضعافًا مضاعفة من القوة والاندفاع ،
ويحجِّم من قوته بالنسبة للأمور التي تسخط الله تعالى حتى يجعله عديم التأثير
بالنسبة لأقوياء الإيمان .
وقد عدَّ النبي صلى الله عليه وسلم هذا النوع من الحياء من الإيمان ، كما أخرج
الشيخان رحمهما الله من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : " مرَّ النبي
صلى الله عليه وسلم على رجل وهو يعاتب أخاه في الحياء، يقول : إنك لتستحيي – حتى
كأنه يقول : قد أضرَّبك – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعْهُ فإن الحياء من
الإيمان".[ صحيح البخاري ، رقم 6118 ، كتاب الأدب (10 /521) ، صحيح مسلم ، رقم 36 ،
كتاب الإيمان (ص63)]
وواضح أن المقصود بالحياء في هذا الحديث الحياء الغريزي لأن الصحابي المذكور لن
يعاتب أخاه على الحياء الشرعي ، ومع ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم حكم على
الحياء المذكور بأنه من الإيمان، وهذا يفيد بأن الوازع من ارتكاب المخالفات يكون من
الحياء الغريزي كما يكون من الإيمان ، وإن كانت نسبة الوازع في الإيمان أقوى ، وهذا
مشاهد في حياة الناس في مجتمع المسلمين .
ومما جاء في ذلك مارُوي عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنه قال : من استحيى
اختفى، ومن اختفى اتقى ، ومن اتقى وُقي .
ذكر ذلك الحافظ ابن رجب ثم قال : وقال الجراح بن عبد الله الحكمى فارس أهل الشام:
تركت الذنوب حياء أربعين سنة ثم أدركني الورع .
قال : وقال بعض العقلاء : رأيت المعاصي نذالة فتركتها مروءة فاستحالت ديانة .[
جامع العلوم والحكم /175].
وهذا النوع من الحياء له نفعه في هذه الحال عند وجود العرف الاجتماعي الإسلامي الذي
يُجبر على فعل الفضائل واجتناب الرذائل ، بعد أن تكون الفضائل والرذائل معروفةً
مميزة بحكم توجيهات الشريعة الإسلامية ، فيكون العرف الاجتماعي الإسلامي مساعدا
قويا على التمسك بأحكام الدين ، فإذا توافر مع ذلك الحياء العزيزي لدى الإنسان فإنه
يجتنب مايكرهه المجتمع الإسلامي ويفعل مايحبه . وإن كان في قرارة نفسه غير مقتنع
بذلك ، أو تغلبه نفسه على المخالفة ثم لا يلبث طويلا حتى يألف الاستقامة ، فيتحول
الحياء الغريزي إلى حياء إيماني ، ويترك المخالفات لوازعه الديني لا لمجرد اتصافه
بالحياء الغريزي .
أما حينما تسود في المجتمع الأعراف الجاهلية فإن هذه الأعراف تسخِّر الحياء الغريزي
لارتكاب المخالفات الشرعية أحيانا ، وتقلِّل من نسبة التمسك بالتكاليف الشرعية
الظاهرة، لأن الإنسان الحيِيَّ في هذا المجتمع يحاول أن يتفادى مخالفة أبناء مجتمعه
.
ومن هذا نعلم أهمية القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حتى تسود مفاهيم
الإسلام لأن قطاعا كبيرا من الناس يتبع العرف السائد في المجتمع إما عن قناعة بلزوم
موافقة عامة الناس، وإما بدافع من الحياء الذي يحمل صاحبه على مسايرة عموم الناس .
وبهذا نعلم أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصاري " دعه فإن الحياء من
الإيمان " مقصود به – والله أعلم – مايؤول إليه حال صاحب الحياء مع وجود العرف
الاجتماعي الإسلامي ، حيث سيكون هذا الحياء مساعدا قويا على الاستقامة ، ثم يتحول
إلى حياء إيماني .
والنوع الثاني : الحياء المكتسب الذي هو ثمرة الإيمان وهو الذي جاءت به أوامر
الشريعة ، ومن ذلك الحديث المذكور في قوله " استحيوا من الله حقَّ الحياء " ، وقد
بين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الحياء من الله حقَّ الحياء يكون
بحفظ دينه ، وذلك باستقامة العقل والجسم ، وحفظ النفس من فتنة الشبهات وفتنة
الشهوات ، فأما استقامة العقل وحفظ النفس من فتنة الشبهات فقد جاء في قوله " فليحفظ
الرأس وماوعى" وأما استقامة الجسم وحفظ النفس من فتنة الشهوات فقد جاء ذلك في قوله
" وليحفظ البطن وماحوى" ، وميزان ذلك والمتحكِّم فيه أن يكون نظر الإنسان لما بعد
الموت ، وأن يجعل الآخرة محكَّمة في الدنيا ، وقد جاء ذلك في قوله صلى الله عليه
وسلم " وأن يذكر الموت والبلَى" .
ومن ذلك ما أخرجه أبو عبد الله البخاري رحمه الله من حديث أبي مسعود البدري رضي
الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن مما أدرك الناس من كلام
النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ماشئت". [
صحيح البخاري ، رقم 6120 ، كتاب الأدب ، (10/523)]
وفي بيان معنى هذا الحديث يقول الحافظ ابن حجر : قال النووي في " الأربعين" : الأمر
فيه للإباحة ، أي إذا أردت فعل شيء فإن كان مما لاتستحيي إذا فعلته من الله ولا من
الناس فافعله وإلا فلا ، وعلى هذا مدار الإسلام ، وتوجيه ذلك أن المأمور به الواجب
والمندوبَ يُستحيَى من تركه ، والمنهيَّ عنه الحرامَ والمكروهَ يُستحيَى من فعله ،
وأما المباح فالحياء من فعله جائز وكذا من تركه ، فتضمَّن الحديث الأحكام الخمسة. [
فتح الباري 10/523].
وماذكره الإمام النووي من أن الأمر في الحديث للإباحة على التفصيل المذكور ظاهر، مع
مراعاة أن الحياء يكون من الله تعالى ثم من المؤمنين المتقين ، وهذا يعني أن الحياء
الشرعي يعدُّ مقياسا للتمسك بالدين .
وظاهرٌ أن المراد بهذا الحياء الحياءُ الغريزي ، لأن الحياء الشرعي من العلم
بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث لايحتاج إلى بيان .
* * *
- توجيهات ومواقف سلوكية –
- مواقف في الورع والعفة والزهد –
- من أخبار أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله –
رؤيا صادقة وعزم على الاستقامة والعدل :
ذكر سعيد بن صفوان وفادة رجاء بن حيوة على عمر بن العزيز قبل خلافته إلى أن قال:
وأقام عنده أياما ، فكان كلما أصبح دخل على عمر بعد صلاة الصبح ، فيتحدثان لايدخل
عليهما أحدٌ حتى يخرج رجاء من عنده ، قال: فبينما رجاء ذات يوم عنده – وقد رأى رؤيا
فأصبح وقد حفظها – قال فجعل يحدث نفسه وعمر يحدثه ، فأنكره عمر فقال : يا أبا
المقدام إني لأنكر بعض حالك اليوم فما شأنك ! قال : إن الذي ترى وإنكارك إياي لرؤيا
رأيتها الليلة ، فأنا أعجب وأحدث بها نفسي ؟ فقال عمر : اقصصها رحمك الله فقال: نعم
وإن لك فيها نصيبا : رأيت الليلة كأن أبواب السماء فتحت ، فبينا أنا أرمقها إذ أقبل
ملكان يهويان ، معهما سريرٌ لم أرَ مثله حسنًا، حتى وضعاه بالمدينة ، ثم صعدا وأنا
أنظر إليهما حتى دخلا أبواب السماء ، فلبثا مليّا ، ثم أقبلا ومعهما ثياب بيض لم
أرَ مثلها ، وشمَمْتُ عَبق مسك لم أشمّ مثله قط ، فمهداها على ذلك السرير فدنوت
منهما فقلت . ماهذه الثياب ؟ قالا : هذا السندس والاستبرق الذي ذكر في القرآن، ثم
صعدا فلبثا مليّا ، ثم أقبلا معهما برجل أَدعج العينين ، ذي وَفْرة شديد سواد
الشعر، بعيد ما بين المنكبين ، مربوع الجسم ، عليه هيبة ووقار ، حتى أقعداه على ذلك
السرير من فوق تلك الفرُش، فدنوت منهما فقلت : من هذا الرجل ؟ فقالا هذا محمد صلى
الله عليه وسلم ، قال : فهبْتُه هيبةً شديدةً : وتأخرت ناكصًا على عقبي ، حتى كنت
منه بمكان منظر ومسمع ، فبينا أنا كذلك إذ أُتي برجلٍ قد نهزه القتير [القتير هو
الشيب] ، ضَرْب الجسم ، حسن اللحم ، مشدودة يداه إلى عنقه ، حتى وُقف بين يديه،
فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني عليه فيما كان من فعاله في الإسلام ،
ويقول أنت صاحبي في الغار ، وأنت أبو بكر الصديق ، والأمر ههنا إلى غيري ، ولست
أملك لك من الله شيئا ، فلم يزل قائمًا بين يديه ، ثم أُمر به فأُطلق عنه ، وأُجلس
عند رأس السرير على الأرض ، ثم أُتي برجل حسن اللحم، ، نهزه القتير ، مجموعة يداه
إلى عنقه ، حتى وُقف بين يديه ، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني عليه
بفعاله في الإسلام ، ويقول : أما إنك الفاروق الذي أعز الله عز وجل به الدين ، وأنت
صاحب اليهودي [يعني ابن سعية وقد ذُكر خبره في أول موضوعات الحلم ، وذلك في
"توجيهات ومواقف أخلاقية" للمؤلف] والأمر ههنا إلى غيري ، ولست أملك لك من الله
شيئا ، فلم يزل قائما بين يديه مليّا ، ثم أُطلق عنه وأجلس مع أبي بكر ، فما زال
كذلك يؤتي بخليفة خليفة حتى أفضى الأمر إليك ، فلما سمع عمر ذلك منه ارتاع فاستوى
جالسًا ثم قال : يا أبا المقدام فماذا صُنع بي ؟ قال: أُتي بك مجموعةً يداك إلى
عنقك ، ثم وُقفت بين يديه طويلاً ثم أُمر بك فأُطلق الغُلُّ ، ثم أُجلست مع أبي بكر
وعمر بن الخطاب فاشتد عجب عمر بن عبد العزيز لرؤيا رجاء بن حيوةَ ثم قال: يا أبا
المقدام والله لولا ما أثق به من صحبتك وورعك ، وجدك واجتهادك ، ووفائك وصدقك ،
لأنبأتك أني لا أَلي شيئًا من أَمر الخلافة أبدًا ، ولكني قد سمعت كلامك ورؤياك ،
وما أَخلق بي، سوف أبتلى بأمر هذه الأمة . فو الله لئن ابتُليت بذلك وإنها شرف
الدنيا لأَطلبن بها شرف الآخرة [سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم /139 –
141].
استخلافه وموقف لرجاء بن حيوة :
أخرج ابن سعد من خبر رجاء بن حيوة قال : لما ثقل سليمان بن عبد الملك رآني عمر في
الدار أخرج وأدخلُ وأتردد فدعاني فقال لي : يارجاء أذكرك الله والإسلام أن تذكرني
لأمير المؤمنين أو تشير بي عليه إن استشارك ، فو الله ما أقوى على هذا الأمر ،
فأنشدك الله إلا صرفت أمير المؤمنين عني . فانتهرته وقلتُ : إنَّك لحريص على
الخلافة لتطمع أن أشير عليه بك . فاستحيى ودخلتُ ، فقال لي سليمان : يارجاء من ترى
لهذا الأمر وإلى من ترى أن أعهد ؟ قلت: يا أمير المؤمنين اتق الله فإنّك قادم على
الله وسائلك عن هذا الأمر وماصنعت فيه . قال: فمن ترى؟ فقلت: عمر بن عبد العزيز .
قال: كيف أصنع بعهد أمير المؤمنين عبد الملك إلى الوليد وإليَّ في ابنَي عاتكة
أيهما بقي ؟ قال: تجعلهما من بعده . قال: أصبتَ ووفقتَ ، جئني بصحيفة ، فأتيته
بصحيفة فكتب عهد عمر ويزيد من بعده وختمها ، ثم دعوتُ رجالاً فدخلوا عليه فقال لهم:
إني قد عهدتُ عهدي في هذه الصحيفة ودفعتُها إلى رجاء وأمرتُه أمري وهو في الصحيفة ،
اشهدوا واختموا الصحيفة . فختموا عليها وخرجوا فلم يلبث سليمان أن مات فكففتُ
النساء عن الصياح وخرجتُ إلى الناس فقالوا : يارجاء كيف أمير المؤمنين ؟ قلت: لم
يكن منذ اشتكى أسكنَ منه الساعةَ . قالوا : لله الحمد ! فقلت : ألستم تعلمون أن هذا
عهد أمير المؤمنين وتشهدون عليه؟ قالوا: بلى ، قلت: افترضون به ؟ قال: هشام : إن
كان فيه رجل من ولد عبد الملك وإلاّ فلا. قلت: فإنْ فيه رجل من ولد عبد الملك ؟
قال: فنعم إذًا . قال: فدخلتُ فمكثتُ ساعةً ثم قلتُ للنساء اصرخن ، وخرجتُ فقرأتُ
الكتاب والناس مجتمعون وعمر في ناحية الرواق .
وقال : أخبرنا عليّ بن محمد بن يعقوب بن داود الثقفي عن أشياخ من ثقيف قال: قُرئ
عهد عمر بعد وفاة سليمان بالخلافة وعمر ناحيةً وهو بدابق [يعني كان قبل ذلك بدابق]
. فقام رجل من ثقيف يقال له سالم من أخوال عمر . فأخذ بضبعه فأقامه فقال عمر : أما
والله ما الله أردتَ بهذا ولن تصيب بها مني دنيا.[ طبقات ابن سعد 5/339 – 340 ،
وانظر تاريخ دمشق 45/157].
-مواقفه في الزهد والورع والخشية –
خبر بدء إنابته :
أخرج الحافظ ابن عساكر من خبر عبد الله بن كثير قال : قيل لعمر بن عبد العزيز :
ماكان بُدُوُّ إنابتك ؟ قال: أردت ضرب غلام لي فقال لي : ياعمر اذكر ليلةً صبيحتها
يوم القيامة. [ تاريخ دمشق 45/150 – 151].
فهذه موعظة صادفت قلبا مهيئا لها فتمكنت منه ، وكانت سببا في يقظة عمر بن عبد
العزيز وإنابته .
خبره مع سليمان بن عبد الملك بمناسبة البرق والرعد :
أخرج الحافظ ابن عساكر من خبر عبد العزيز بن يزيد الأيلي قال : حج سليمان بن عبد
الملك ومعه عمر بن عبد العزيز : فأصابهم ليلةً برقٌ ورعد ، فكادت تنخلع أفئدتهم ،
فقال سليمان: يا أبا حفص هل رأيت مثل هذه الليلة قط أو سمعت بها ؟! قال : يا أمير
المؤمنين هذا صوت رحمة الله ، فكيف لو سمعت صوت عذاب الله ؟!.[ المرجع السابق
45/153 ، وانظر سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم /30].
فهذا مثال على براعة عمر بن عبد العزيز في اغتنام الفرص للدعوة إلى الله تعالى
وترقيق القلوب وإثارة الخشية فيها .
خروجه للنـزهة والعبرة في ذلك :
من مواقف عمر بن عبد العزيز رحمه الله في تذكر الآخرة وسرعة استحضاره لأهوالها
ماذكر ابن عبد الحكم قال : وخرج عمر بن عبد العزيز مع سليمان بن عبد الملك إلى مخرج
من مخارجه لم يكن عمر قدَّم فيه ثقلا ، فبلغ المنـزل فصار كل رجل إلى مضربه الذي
قدَّمه ، وصار سليمان إلى حجرة ، ثم فقد عمر فقال : اطلبوه فما أراه قدَّم شيئًا ،
فطُلب فوُجد تحت شجرة باكيا ، فأُخبر بذلك سليمان فدعاه فقال: مايبكيك يا أبا حفص ؟
قال: أبكاني يا أمير المؤمنين أني ذكرت يوم القيامة ، من قدَّم شيئًا وجده ، ولم
أقدم شيئًا فلم أجد أشيئًا. [سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم /27].
وهكذا رأينا مثالا للوعي الدقيق والتذكر البليغ لأهوال يوم القيامة وأسباب النجاة
فيه، فحينما خرج عمر بن عبد العزيز ولم يُخْرِج معه متاعا ذهب كل إنسان بما أعد
لنفسه، وبقي عمر بدون شيء ، وكان بإمكانه أن يطلب من أمير المؤمنين سليمان بن عبد
الملك مايشاء وهو الأثير عنده ، ولكن غلب عليه تذكر الآخرة فأثار شجونه وأبكاه
وشغله عن البحث عما يحتاجه من متاع الدنيا .
وهكذا تكون قلوب أهل اليقظة والتفكر ، فإذا وقع الإنسان منهم في عسر وشدة تذكر
شدائد يوم القيامة ، فشغله التفكير فيها عن التألم لوضعه الحاضر في الدنيا .
وإذا أنعم الله عليه بنعم الدنيا تذكر عظمة نعيم الآخرة فزهد في الدنيا ، ودفعه ذلك
إلى شكر المنعم جلا وعلا.
خبره مع الغراب ومافيه من العبر :
قال الحافظ ابن كثير : وقال عثمان بن زبر : أقبل سليمان بن عبد الملك وهو أمير
المؤمنين ومعه عمر بن عبد العزيز على معسكر سليمان وفيه تلك الخيول والجمال والبغال
والأثقال والرجال، فقال سليمان : ماتقول ياعمر في هذا ؟ فقال: أرى دنيا يأكل بعضها
بعضا وأنت المسؤول عن ذلك كله ، فلما اقتربوا من المعسكر إذا غراب قد أخذ لقمة في
فيه من فسطاط سليمان وهو طائر بها ونعب نعبه ، فقال له سليمان : ماهذا ياعمر ؟
فقال: لا أدري ، فقال ماظنك أنه يقول ؟ قلت: كأنه يقول : من أين جاءت وأين يُذهب
بها ؟ فقال له سليمان: ما أعجبك !! فقال عمر : اعجب ممن عرف الله فعصاه ، ومن عرف
الشيطان فأطاعه ، ومن عرف الدنيا فركن إليها.[ البداية والنهاية 9/204 ، وانظر سيرة
عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي /170].
ونجد في هذا الخبر أن أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك كان معجبا بحكمة عمر بن
عبد العزيز وتأملاته العميقة في أمور الدنيا وربطها بأمور الآخرة .
ونجد عمر عبد العزيز في هذا الخبر وأمثاله يغتنم الفرص ليوجه من حوله إلى الاستقامة
على أمور الدين وتذكُّر الحياة الآخرة ، فهو حينما سأله سليمان عن نعب الغراب وهو
يحمل تلك اللقمة اغتنم الفرصة ليذكِّره بلزوم الاستقامة في كسب الأموال وإنفاقها ،
وإذا ضمن الإنسان الاستقامة في ذلك فقد ضمن الرزق الحلال الخالي من الحرام والشبهات
وضمن الإنفاق الحلال الخالي من السرف والخيلاء .
وحينما تعجب سليمان من تفكير عمر زاده موعظة ببيان أن العجب الحقيقي أن ينحرف
المسلم عن الطريق المستقيم الموصل إلى رضوان الله تعالى والجنة بعدما عرف هذا
الطريق وعرف المستقبل الأخروي لمن استقام عليها ولمن انحرف عنها .
خشيته من العذاب بالريح :
أخرج الحافظ أبو نعيم الأصبهاني من خبر سلام بن أبي مطيع قال : نُبِّئتُ أن عمر بن
عبد العزيز لما قام هاجت ريح ، فدخل عليه رجل إذا هو منتقع اللون ، فقيل له : يا
أمير المؤمنين مالك؟ قال: ويحك وهل هلكت أمة قط إلا من الريح.[
حلية الأولياء 5/313].
فأكثر الناس يرون الريح ويحسون بها ولاتثير في أنفسهم شيئا من الخشية لاعتيادهم
عليها، ولكن عمر بن عبد العزيز تذكر على الفور عذاب الله تعالى للأمم السابقة فتأثر
تأثرا شديدا من ذلك ، وهذا دليل على يقظة ضميره وقوة خشيته من الله تعالى .
خشيته من ارتكاب السيئات بمكة :
ذكر الشيخ أبو حفص عمر بن محمد المَلاَّء من خبر القاسم بن محمد بن أبي بكر : أن
عمر بن عبد العزيز كان يقيم في عمرته يومين ويخرج في الثالث : فقال له عبد الملك بن
عمر بن عيسى بن عمار : لو أقمت فاستمتعتَ بهذا البيت واستمتعنا معك ! فقال : ما أظن
أحدا منكم أشد حبا لهذا البيت مني ، ولكن والله لكأني على الرَّضَف [أي
الحجارة المحماة]
من حين أدخله إلى حين أخرج فرقًا من أن أُحدث .
قال : وهذا حينما كان واليا على المدينة زمن الوليد . [الكتاب الجامع لسيرة عمر بن
عبد العزيز /47].
فهذا مثل من تعظيم عمر بن عبد العزيز للحرم المكي وخشيته من أن يكتب في صحيفته
مخالفة وهو فيه لما كان يعلم من نكارة الذنوب فيه وضخامة عقوبة مرتكبيها ، على
الرغم من علمه بمضاعفة الحسنات فيه إلى مائة ألف ، ولكن لشدة خشيته فإنه يؤمن بأن
اجتناب السيئات مقدم على اجتلاب الحسنات .
* * *
- مواقف جهادية من السيرة النبوية –
- مواقف من غزوة أحد –
1 – اجتماع قريش وأحلافهم في غزو المسلمين –
قال الإمام محمد بن إسحاق رحمه الله تعالى : وكان من حديث أُحُد كما حدثني محمد بن
مُسلم الزُّهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن
بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا ، كلهم قد حدث بعض الحديث عن يوم أحد .
وقد اجتمع حديثهم كله فيما سقتُ من هذا الحديث عن يوم أحد ، قالوا أو من قاله منهم
:
لما أُصيب يوم بدر من كفار قريش أصحابُ القليب ، ورجع فَلُّهم [أي بقيتهم المهزومة]
إلى مكة ، ورجع أبو سُفيان بن حرب بعيره [بكسر العين والراء يعني القافلة] ، مَشَى
عبد الله بن أبي ربيعة ، وعكرمة ابن أبي جهل ، وصفوان بن أمية ، في رجال من قريش ،
ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر فكلموا أبا سُفيان بن حرب ، ومن كانت له
في تلك العير من قُريش تجارة ، فقالوا : يامعشر قُريش إن محمدًا قد وتركم، وقتل
خياركم ، فأعينُوا بهذا المال على حَربه ، فلعلنا نُدرك منه ثَأْرنا بمن أصاب منها،
ففعلوا .
وقال محمد بن عمر الواقدي في روايته : وخرجت قريش وهم ثلاثة آلاف بمن ضوى إليهم،
وكان فيهم من ثقيف مائة رجل ، وخرجوا بعُدَّة وسلاح كثير ، وقادوا مائتي فرس ، وكان
فيهم سبعمائة دارع وثلاثة آلاف بعير .[ مغازي الواقدي 1/203]
وذكر ابن إسحاق أنهم حينما وصلوا المدينة نزلوا حول جبل عَيْنَين ببطن السبخة على
شفير الوادي [سيرة ابن هشام 3/3 – 7] وذلك جهة جبل أحد .
تبين لنا من هذا الخبر أن كفار قريش ومن حالفهم قد اجتمعوا على محاربة المسلمين في
المدينة .
وسبق لنا بيان ماحصل على الكفار في معركة بدر من الهزيمة وفقْد عدد كبير من سادتهم،
ووقوع عدد آخرين أسرى بأيدي المسلمين .
وكان من نتائج ذلك أن صمم هؤلاء الكفار على غزو المسلمين في عُقْر دارهم في
المدينة، وكان قصدهم استئصالهم والقضاء على دينهم .
ولو نظرنا إلى الموضوع بنظرة مجردة عن اعتبار العقيدة وأن المسلمين يدافعون عن
دينهم الحق وأن الكفار يدافعون عن دينهم الباطل فإن تذكُّر مافعله المشركون
بالمسلمين من الأذى وهم في مكة على مدى عشر سنوات منذ أن جهر النبي صلى الله عليه
وسلم بدعوته ، وماقاموا به عند هجرتهم من تجريدهم من أموالهم والاستيلاء على
مساكنهم يجعل هؤلاء المسلمين في نظر العقلاء مظلومين ظلمًا منكرًا من الكفار ، وأن
ما أصاب قوافل المشركين التجارية أو أصابهم في بدر يُعدُّ قليلاً بالنسبة لما
أصابوا من المسلمين قبل ذلك وهم مجردون من القوة ، فكانت النظرة الصحيحة والتفكير
السليم- لو كانوا يعقلون – أن يقوموا بتصحيح خطئهم الفادح الذي ارتكبوه مع المسلمين
الذين أصبحت لهم دولة قوية في المدينة ، وذلك بعقد الصلح معهم وتعويض المهاجرين عن
كل مافقدوه من أموالهم .
ولكنهم مازالوا على عنجهيتهم واستكبارهم وجهلهم حيث لم يعترفوا بخطئهم الذي ارتكبوه
ضد المسلمين ، ومازالوا يَعدُّون المسلمين ضعفاء وأنهم ليس لهم كيان قوي يُخشى منه،
فلذلك كان عزمهم على غزو المسلمين في المدينة .
2 – بَعْثُ الحباب بن المنذر لمعرفة جيش المشركين –
قال محمد بن عمر الواقدي في سياق رواية له : فلما نزلوا [يعني المشركين ] وحلُّوا
العُقد واطمأنُّوا ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الحباب بن المنُذر بن الجموح
إلى القوم ، فدخل فيهم وحَزَر ونظر إلى جميع مايُريد ، وبعثه سرًّا وقال للحباب :
لاتُخبرني بين أحد من المسلمين إلا أن ترى قلَّة .
فرجع إليه فأخبره خاليًا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : مارأيت ؟ قال:
رأيت يارسول الله عددًا، حزرتهم ثلاثة آلاف ، يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً ،
والخيل مائتي فرس ، ورأيت دروعًا ظاهرة. حزرتها سبعمائة درع . قال : هل رأيت
ظُعُنًا ؟ قال: رأيت النساء معهن الدِّفاف والأكبار – الأكبار يعني الطبول – فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : أردْن أن يُحرّضن القوم ويُذكّرنهم قتلىبدر ، هكذا
جاءني خبرهم ، لاتذكر من شأنهم حرفًا ، حسبُنا الله ونعم الوكيل ، اللّهم بك أجولُ
وبك أصولُ.[ مغازي الواقدي 1/207 – 208].
في هذا الخبر بيان اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بمعرفة حجم جيش الكفار ومدى
استعدادهم وقوتهم ، وهذا أمري ضروري للاستعداد ووضع الخطط المناسبة .
وقوله صلى الله عليه وسلم للحباب " لاتخبرني بين أحد من المسلمين إلا أن ترى قلة "
بيان لأهمية المحافظة على قوة معنوية المجاهدين وارتفاع حماسهم .
وفي هذا الخبر موقفان للحباب بن المنذر رضي الله عنه :
الأول : في شجاعته حيث استطاع أن يدخل في جيش المشركين ويقوم بمهمة تقدير عددهم
وعُدتهم ، وهذه المهمة لايكفي فيها أن يجول حولهم من بعيد لأن ذلك لايتيح له فرصة
الاطلاع الكافي ، والأرقام التي قدمها النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أنه قد دخل
في جيشهم ، وتلك مغامرة جريئة لايقوم بها إلا من كانوا يجمعون بين الشجاعة والحذر .
والموقف الثاني : في دقة رصده الحربي حيث أفاد عن عددهم وعدد خيولهم وأدراعهم بما
يوفق الإحصاءات التي تمت بعد ذلك أو يقاربها ، وهذه خبرة حربية عالية ، ولقد أحسن
النبي صلى الله عليه وسلم الاختيار حينما اختار الحباب لهذه المهمة .
وأخيرًا موقف جليل وذلك في جواب النبي صلى الله عليه وسلم للحباب حيث قال : "حسبنا
الله ونعم الوكيل اللهم بك أجول وبك أصول " وهذا يدل على قوة التوكل على الله تعالى
حيث لم يذكر في ذلك الموقف الرهيب غير الله جل وعلا ، وهذا هو أعلم عوامل النصر .
إن عوامل النصر المادية يشترك فيها المؤمنون والكفار ولكن العامل الوحيد الذي يختص
به المؤمنون هو التوكل على الله سبحانه ، وبهذا العامل القوي العظيم انتصر رسول
الله صلى الله عليه وسلم على اعدائه وانتصر المؤمنون من بعده على أعدائهم .
3 – موقف ثبات لسلمة بن سلامة بن وَقْش –
قال محمد بن عمر الواقدي في سياق رواية له : وخرج سلمة بن سلامة بن وقش يوم الجمعة
حتى إذا كان بأدنى العِرْض [العرض بكسر العين مكان يزرع فيه أهـل المدينة ما بين
الوطاء بأحد إلى الجرف إلى العرصـة – مغازي الواقدي 1/207] إذا طليعة خيل المشركين
عشرة أفراس ، فركضوا في أثره فوقف لهم على نشز من الحَرَّة ، فراشقهم بالنبل مرة
وبالحجارة مرة حتى انكشفوا عنه . فلما ولَّوا جاء إلى مزرعته بأدنى العرض ، فاستخرج
سيفًا كان له ودرع حديد كانا دُفنا في ناحية المزرعة ، فخرج بهما يعدو حتى أتى بني
عبد الأشهل فخبَّر قومه لما لقي منهم . وكان مَقْدَمهم يوم الخميس لخمس ليال خلون
من شوال ، وكانت الواقعة يوم السبت لسبع خلون من شوال .[
مغازي الواقدي 1/208].
هذا الخبر يدل على شجاعة سلمة بن سلامة بن وقش الأنصاري رضي الله عنه وقوة احتماله
حيث ثبت أمام عشرة من الفرسان ، ولقد أعطى المشركين بذلك درسًا بليغًا في الصبر
والثبات، وهذا شاهد على أن الكفار لايبذلون في الحرب إلا جزءًا يسيرا من طاقتهم ،
لأنهم يهتمون قبل كل شيء بالدفاع عن أنفسهم واستبقاء حياتهم ، وأن المؤمن الحق يبذل
طاقة كبيرة تعادل طاقة عشرة من الكفار أو أكثر .
4 – مواقف إيمانية فدائية –
(خبر رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشورة أصحابه )
قال محمد بن عمر الواقدي : فحدثني محمد بن صالح . عن عاصم بن عمر بن قتادة . عن
محمود بن لَبيد . قال : ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر . فحمد الله وأثنى
عليه . ثم قال : أيها الناس. إني رأيت في منامي رؤيا ، رأيت كأني في درع حصينة .
ورأيت كأنَّ سيفي ذا الفَقار انفصم من عند ظُبته [أي من طرفه] . ورأيت بقرًا تُذبح
. ورأيت كأني مُردفٌ كبشًا .
فقال الناس : يارسول الله ، فما أوّلتَها ؟ قال: أما الدِّرع الحصينة فالمدينة .
فامكثوا فيها، وأما انفصام سيفي من عند ظُبته فمُصيبةٌ في نفسي ، وأما البقر
المُذبَّح . فقتلَى في أصحابي ، وأما مُردفٌ كَبشًا . فكبش الكتيبة نقتله إن شاء
الله .
قال : وحدثني عمر بن عُقبة ، عن سعيد . قال : سمعت ابن عباس يقول قال النبي صلى
الله عليه وسلم : وأما انفصام سيفي . فقتْل رجل من أهل بيتي .
ثم قال : حدثني محمد بن عبد الله . عن الزهري ، عن عروة ، عن المسور بن مخْرَمة .
قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : ورأيت في سيفي فَلاّ فكرهته . فهو الذي أصاب
وجهه صلى الله عليه وسلم .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : أشيروا عليّ ! ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم
أَلاَّ يخرج من المدينة لهذه الرؤيا ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يُحبّ أن
يُوافَق على مثل مارأى وعلى ماعبَّر عليه الرؤيا . ثم ذكر رأي عبد الله بن أُبي بن
سلول الموافق لرأي النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قال : فقال فتيانٌ أحداثٌ لم
يشهدوا بدرًا ، وطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج إلى عدوّهم ، ورغبوا
في الشهادة ، وأحبّوا لقاءَ العدوّ : اخرجْ بنا إلى عدوّنا! وقال رجالٌ من أهل
السنّ وأهل النِّيَّة ، منهم حمزة بن عبد المطلب ، وسعد بن عبادة ، والنعمان بن
مالك بن ثَعْلَبة ، في غيرهم من الأوس والخزرج : إنا نَخْشَى يارسول الله أن يظنّ
عدوّنا أنَّا كرهنا الخروج إليهم جُبنًا عن لقائهم ، فيكون هذا جُرأَةً منهم علينا
، وقد كنتَ يوم بدر في ثلثمائة رجل فظفرك الله عليهم ، ونحن اليوم بشرٌ كثيرٌ ، قد
كنَّا نتمنّى هذا اليوم وندعو الله به ، فقد ساقه الله إلينا في ساحتنا . ورسول
الله صلى الله عليه وسلم لمِاَ يرى من إلحاحهم كاره ، وقد لبسوا السلاح يخطرون
بسيوفهم ، يتسامون [يتسامون : يتبارون ( القاموس المحيط ، ج4 ، ص 344) عن هامش
المغازي] كأنهم الفحول .
وقال مالك بن سنان أبو أبي سعيد الخُدري : يارسول الله ، نحن والله بين إحدى
الحُسنيين – إما يُظفرنا الله بهم فهذا الذي نُريد ، فيُذلهم الله لنا فتكون هذه
وقعة مع وقعة بدر ، فلا يبقى منهم إلا الشريد ، والأخرى يارسول الله ، يرزقنا الله
الشهادة . والله يارسول الله ، ما أبالي أيهما كان، إنَّ كُلاّ لفيه الخير ! فلم
يبلغنا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رجع إليه قولاً ، وسكت .
فقال حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه : والذي أنزل عليك الكتاب ، لا أَطعَمُ اليوم
طعامًا حتى أجالدهم بسيفي خارجًا من المدينة ، وكان يقال : كان حمزة بوم الجمعة
صائمًا ، ويوم السبت صائمًا ، فلاقاهم وهو صائم .
قالوا : وقال النُّعمان بن مالك بن ثَعْلَبة أخو بني سالم : يارسول الله ، أنا أشهد
أنَّ البقر المُذبَّح قتلَى من أصحابك وأنهم منهم ، فلمَ تحرمنا الجنَّة ؟ فو الذي
لا إله إلا هو لأدخلنَّها . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بمَ ؟ قال : أنّي
أحبّ الله ورسوله ولا أفرّ يوم الزَّحف . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صدقت
! فاستُشهد يومئذ .
وقال إياس بن أوس بن عَتيك : يارسول الله ، نحن بنو عبد الأشهل من البقر المُذبح ،
نرجو يارسول الله أن نَذبح في القوم ويُذبح فينا . فنصير إلى الجنَّة ويصيرون إلى
النار . مع أنّي يارسول الله لا أُحب أن ترجع قُريش إلى قومها فيقولون : حصرنا
محمدًا في صياصي يثرب وآطامها! فيكون هذا جُرأة لقُريش ، وقد وطئوا سَعَفَنا فإذا
لم نذُبّ عن عِرضنا [العرضُ مكان يزرعون فيه كما تقدم] لم نزرع ، وقد كنَّا يارسول
الله في جاهليتنا والعرب يأتوننا ، ولايطمعون بهذا منا حتى نخرج إليهم بأسيافنا حتى
نذبهم عنَّا ، فنحن اليوم أحق إذ أيدنا الله بك ، وعرفنا مصيرنا ، لانحصر أنفسنا في
بيوتنا .
وقام خيثمة أبو سعد بن خَيثمة فقال : يارسول الله ، إن قُريشًا مكثت حولاً تجمع
الجموع وتستجلب العرب في بواديها ومن تبعها من أحابيشها ، ثم جاؤونا قد قادوا الخيل
وامتطوا الإبل حتى نزلوا بساحتنا فيحصروننا في بيوتنا وصياصينا ، ثم يرجعون وافرين
لم يُكلموا [أي لم يجرحوا] ، فيُجرئهم ذلك علينا حتى يشنُّوا الغارات علينا ،
ويُصيبوا أطرافنا ، ويضعوا العيون والأرصاد علينا ، مع ماقد صنعوا بحروثنا ، ويجترئ
علينا العرب حولنا حتى يطمعوا فينا إذا رأونا لم نخرج إليهم ، فنَذُبُّهم عن ديارنا
وعسى الله أن يظفرنا بهم فتلك عادة الله عندنا ، أو تكون الأخرى فهي الشهادة ، لقد
أخطأتْني وقعة بدر وقد كنت عليها حريصا ، لقد بلغ من حرصي أن ساهمت ابني في الخروج
فخرج سهمه فرُزق الشهادة ، وقد كنت حريصًا على الشهادة ، وقد رأيت ابني البارحة في
النوم في أحسن صورة ، يسرح في ثمار الجنة وأنهارها وهو يقول : الْحقْ بنا تُرافقنا
في الجنة ، فقد وجدت ماوعدني ربي حقا وقد والله يارسول الله أصبحت مشتاقا إلى
مرافقته في الجنة ، وقد كبرتُ سني ، ورقَّ عظمي ، وأحببت لقاء ربي ، فادع الله
يارسول الله أن يرزقني الشهادة ومرافقة سعد في الجنة . فدعا له رسول الله صلى الله
عليه وسلم بذلك ، فقُتِل بأحد شهيدا .
وقالوا : قال أنس بن قتادة : يارسول الله ، هي إحدى الحسنيين ، إما الشهادة وإما
الغنيمة والظفر في قتلهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أخاف عليكم
الهزيمة .
قالوا : فلما أبوا إلا الخروج صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة بالناس . ثم
وعظ الناس وأمرهم بالجد والجهاد ، وأخبرهم أن لهم النصر ماصبروا ، ففرح الناس بذلك
حيث أعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشخوص إلى عدوهم ، وكره ذلك المخرج بشر
كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم . ثم صلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بالناس وقد حشد الناس وحضر أهل العوالي ،
ورفعوا النساء في الآطام ، فحضرت بنو عمرو بن عوف ولَفُّها والنبيت ولفها وتلبَّسوا
السلاح .
فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته ، ودخل معه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ،
فعمَّماه ولبَّساه ، وصفَّ الناس له مابين حجرته إلى منبره ، ينتظرون خروجه .
فجاءهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير فقالا : قلتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم
ماقلتم ، واستكرهتموه على الخروج ، والأمر ينـزل عليه من السماء ، فردوا الأمر إليه
، فما أمركم فافعلوه وما رأيتم له فيه هوى أو رأي فأطيعوه .
فبينا القوم على ذلك من الأمر ، وبعض القوم يقول : القول ماقال سعد وبعضهم على
البصيرة على الشخوص ، وبعضهم للخروج كاره ، إذ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
قد لبس لأمته [أي سلاحه]، وقد لبس الدرع فأظهرها ، وحزم وسطها بمنطقة من حمائل سيف
من أدم [أي من جلد] ، كانت عند آل أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد
، واعتم ، وتقلد السيف . فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ندموا جميعا على
ماصنعوا ، وقال الذين يلحون على رسول الله صلى الله عليه وسلم : ماكان أن نلح على
رسول الله في أمر يهوى خلافه . وندَّمهم أهل الرأي الذين كانوا يشيرون بالمقام ،
فقالوا : يارسول الله ، ماكان لنا أن نخالفك فاصنع مابدا لك ، وماكان لنا أن
نستكرهك والأمر إلى الله ثم إليك . فقال: قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم ، ولا
ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه.
وقد يقال : لماذا لم يعمل النبي صلى الله عليه وسلم بالرؤيا التي رآها والتي مفادها
الإقامة بالمدينة وعدم الخروج منها لقتال الأعداء مع أن رؤيا الأنبياء عليهم السلام
حق ووحي ؟ ولماذا فتح باب الشورى مع وضوح الأمر في هذه الرؤيا ؟
ويمكن أن يقال في الجواب على ذلك : إن تلك الرؤيا تشتمل على الأمرين : البقاء في
المدينة مع قتال الأعداء فيها والخروج لقتالهم ، ويمِّثل الأمر الأول من الرؤيا قول
رسول الله صلى الله عليه وسلم "رأيت كأني في درع حصينة " ، ويمثل الأمر الثاني قوله
" ورأيت كأن سيفي ذا الفقار انفصم من عند ظُبته، ورأيت بقرا تذبح " فكأن هذه الرؤيا
تخيير للنبي صلى الله عليه وسلم بين الأمرين ، وكان صلى الله عليه وسلم رحيما
بالمؤمنين، ولم يخيَّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما ، فلذلك رأى
البقاء في المدينة إشفاقا على أصحابه ، ثم استشار أصحابه في أحد الأمرين ، فلما رأى
كثرة المشيرين بالخروج وشدة حماسهم وقوة اندفاعهم كره مخالفتهم ورغب في تلبية
مطالبهم وتحقيق طموحاتهم ، فعدل عن رأيه وأخذ برأيهم .
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يخالف أمر الله تعالى في الرؤيا وإنما أخذ بأحد
الأمرين خُيِّر فيهما بعد ما استشار أصحابه ، فلا حاجة إلى القول بأن الرؤيا نسخت
كما قال بعض العلماء لأن ذلك لم يثبت ، ولأن الرؤيا ليس فيها أمر صريح بأحد الأمرين
.
وفي هذا الخبر مواقف منها :
أولا : اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم باستشارة أصحابه مع أنه قد رأى في الرؤيا
ما يؤيد أحد الأمرين اللذين استشارهم فيهما ، وهو الإقامة في المدينة وقتال الأعداء
من داخلها ، وهذا يبين لنا أهمية الشورى في أمور المسلمين وخاصة المهمة منها .
ومما يزيد هذا الموقف بهاء وعظمة أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عن رأيه إلى رأي
المخالفين له المتحمسين للقتال خارج المدينة ، وهو بذلك يضرب مثلا عاليا للمسؤولين
من أمته بأن لايصروا على رأيهم وإن رأوا أنه الأقرب إلى الصواب .
ثانيًا : في هذا الخبر تصوير لشجاعة المسلمين واندفاعهم القوي نحو الجهاد الذي هو
مظنة ذهاب النفوس أو بعض الأعضاء ، وحينما تأتي الأوامر من النبي صلى الله عليه
وسلم بالخروج للقتال فإن الاستجابة قد تكون من باب الطاعة وتنفيذ الأمر ، ولكن
حينما يكون رأي النبي صلى الله عليه وسلم في لزوم المدينة والتحصن بها ثم يندفع
هؤلاء المتحمسون إلى طلب الخروج فإن ذلك لا يفسَّر إلا بأنه شوق بالغ في الجهاد في
سبيل الله تعالى ، ومن وراء ذلك الشوق العظيم إلى الظفر برضوان الله تعالى والجنة .
ونجد أن هؤلاء الصحابة يندفعون إلى الجهاد مع ماظهر لهم في تأويل النبي صلى الله
عليه وسلم لرؤياه بأن جماعة من صحابته سيقتلون ، والصحابة يعلمون أن رؤيا الأنبياء
عليهم السلام حق، فلم يكن ذلك مثبطا لهم عن الخروج ، بل كان بضد ذلك حافزا قويا لهم
على الخروج للجهاد لأن الشهادة في سبيل الله تعالى هي أسمى أمانيهم .
ثالثًا : في هذا الخبر موقف حازم قوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : "لاينبغي
لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه " فالمشورة وتبادل
الرأي قبل العزم الأخير الذي يصل إلى حد التصميم والذي تمثل في هذا الموقف بلبس
النبي صلى الله عليه وسلم آلة الحرب واستعداده لذلك ، وفي هذا درس بليغ للقادة
ليجتنبوا حياة التردد الذي يفضي إلى الشقاق وفتور الحماس ، وإذا وقع الشقاق ضاع أهم
عامل من عوامل القوة وهو اجتماع الكلمة ، وإذا فتر الحماس ضعف مستوى الأداء وبذل
الطاقة .
ففي هذا الخبر يتعلم القادة أمرين مهمين :
أحدهما التخلق بخلق التواضع الذي من آثاره إتاحة الفرصة للأفراد من أهل الرأي أن
يدلوا بآرائهم عن طريق الشورى ، ثم الوصول بعد ذلك إلى الرأي الذي يتم ترجيحه ،
والأمر الآخر استعمال الحزم والثبات على القرار الذي يتم اتخاذه أثناء مجلس الشورى
.
وهذان الأمران بينهما تناقض في الظاهر حيث إن أحدهما يأخذ جانب اللين والآخر يأخذ
جانب الشدة ، ولكن الأمر ليس كذلك لاختلاف الحالين في الأمرين ، فاللين كان سائغًا
في مجال الشورى لاستخراج آراء أهل الرأي ثم التوصل إلى أفضلها ، والشدة أصبحت سائغة
بعد اتخاذ القرار لضمان وحدة الجماعة والحفاظ على معنويات الأمة في أرقى مستوياتها
.
* * *
|