|
المصلحون : العدد الخامس عشر
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .
2 – أضواء من الهدي النبوي .
3 – توجيهات ومواقف سلوكية .
4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .
-أضواء من هدي القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى (فَبِمَا
رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ
لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ
فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ
الْمُتَوَكِّلِينَ{159} إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن
يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ
فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ{160})
[آل عمران :159- 160] .
[159] يبين الله سبحانه سعة رحمته بنبيه صلى الله عليه وسلم وبعباده المؤمنين حيث
سخَّر لهم قلب رسوله صلى الله عليه وسلم فلان لهم في مخاطبته ومعاملته إياهم ، ولو
كان سيء الخلق قاسي القلب وعاملهم بموجب ذلك لانْصرف أصحابه من حوله وتفرقوا عنه ،
وفي هذا بيان لأثر الرحمة ولين القلب في الدعوة إلى الله تعالى ، وأن الذي تحمَّل
أي مسؤولية في بلاد المسلمين ينبغي له أن يهتم بالتخلق بذلك حتى يؤلف قلوب الناس
ولاينفرهم .
ولما كانت هذه الآية ضمن سياق الآيات التي نزلت في غزوة أحد .. ولما كان بعض
الصحابة قد ألحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج لقتال الأعداء لما
استشار الصحابة فأخذ برأيهم وخالف رأيه .. ولما حدث من بعضهم إخلال بتنفيذ أوامر
النبي صلى الله عليه وسلم حصل بسببها ارتباك الجيش الإسلامي وإصابتهم على يد
أعدائهم فقد أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالصفح عنهم والاستغفار لهم
ومداومة مشورتهم حيث قال (فَاعْفُ
عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)
وهكذا أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يستشير أهل الرأي من المسلمين
مع أنه يوحي إليه والله سبحانه يسدده لاختيار الأفضل ، وإنما أمره الله عز وجل بذلك
لِيَسُنَّ لأمته قاعدة الشورى ، (فَإِذَا
عَزَمْتَ)
بعد أخذ الشورى ومداولة الأمر وظهور الرأي الأرجح (فَتَوَكَّلْ
عَلَى اللّهِ)
فامض في تحقيق ذلك الرأي الأرجح معتمدا على الله وحده ولا تلتفت إلى تردد المترددين
(إِنَّ
اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)
يحب الذين يعتمدون عليه وحده في طلب النصر ونجاح الأمر .
وهذه الآية تدل على أهمية الشورى في الإسلام وأن المسؤول أيًّا كانت مسؤوليته يجب
عليه أن يستشير أهل الرأي وأن لا يستقل برأيه وحكمه ، فلو كان لأحد أن يستحق
الاستقلال بالرأي لكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد بالوحي والإلهام
من الله تعالى ، ولكن حتى في تلك الظروف التي مر بها المسلمون في غزوة أحد وظهور
النتائج على خلاف ما تم الأخذ به من الرأي بعد الشورى التي عقدها النبي صلى الله
عليه وسلم قبل المعركة فإن الله سبحانه يؤكد على الشورى فيأمر بها رسوله صلى الله
عليه وسلم ، ولهذا فإن أي أمر مهم من أمور الأمة يصدر فيه قرار من مسؤول لا يُقبل
أبدًا في الإسلام إلا بعد مداولة الرأي فيه بين أهل الحل والعقد من غير أي ضغط من
السلطان ، لذلك فإن القرار الذي تتم مداولته بالشورى وإن خالف ما فيه المصلحة بعد
ذلك يُعدُّ أمرًا شرعيًا لتوافر مبدإ الشورى فيه ، لأن الخطأ مع الجماعة خير من
الصواب مع الفرقة .
[160] (إِن
يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي
يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ)
فهذه حقيقة يجب أن يعيها المسلمون وأن يعاودوا تذكرها في كل مواجهة تكون بينهم وبين
أعدائهم، فالنصر للمسلمين بيد الله تعالى وحده وخذلانهم بيده وحده ، فإذا قدَّر
نصرهم فلن تستطيع أي قوة في الأرض أن تهزمهم ، وإذا قدَّر خذلانهم فلن تستطيع أي
قوة في الأرض أن تنصرهم ، وذلك مع مراعاة الأخذ بالأسباب المادية التي خلقها الله
سبحانه وأمر المسلمين بالتزود بها ، ومع اعتقاد أن فعالية الأسباب في تحقيق نتائجها
أمر مرهون بإرادة الله تعالى وقدره ، فالنار مثلا سبب في الإحراق ولكن قد لا تؤدي
إلى تلك النتيجة إذا أراد الله عز وجل لها ذلك كالنار التي أُوقدت لإحراق إبراهيم
عليه السلام ولهذا قال الله تعالى في خـتام هـذه الآية (وَعَلَى
اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ)
وذلك بأن يفكروا أولاً وقبل كل شيء بالاعتماد الكامل عليه جل وعلا وحده وأن يأخذوا
بالأسباب التي خلقها الله سبحانه على أنها موصلة لنتائجها المعتادة بإرادة الله
سبحانه وتقديره.
* * *
- أضواء من الهدي النبوي –
- فضل إكرام الضيف –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : فإن من آداب السلوك الإسلامي إكرام الضيف والقيام بحقه , وقد جاءت عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم أحاديث في الحث على إكرام الضيف وبيان أحكام ذلك وآدابه ,
فمن ذلك ما أخرجه أبو عبد الله البخاري من حديث أبي شريح العدوي رضي الله عنه قال :
"سمعَتْ أذناي وأبصرت عيناي حين تكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من كان يؤمن
بالله واليوم الآخر فليكرم جاره, ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه
جائزته , قيل : وماجائزته يارسول الله ؟ قال: يوم وليلة, والضيافة ثلاثة أيام , فما
كان وراء ذلك فهو صدقة عليه , ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو
ليصمت " .
وقوله " فليكرم ضيفه جائزته " إلخ يعني يعطي المُضيفُ ضيفه من الزاد مايكفيه ليوم
وليلة إذا لم يقرر النـزول عنده , فإن قرر ذلك فالضيافة ثلاثة أيام واجبة وما زاد
عن ذلك فهو تطوع. (فتح
الباري 10/533)
وقد
جاء في إحدى روايات البخاري " ولايحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه" [صحيح
البخاري , رقم 6135 , كتاب الأدب باب 84 ( 10/531)]
والمقصود بذلك أن يطيل الضيف البقاء عند مضيفه حتى يشق عليه .
ففي هذا الحديث مثل من أمثلة السلوك الاجتماعي في الإسلام , حيث أوجب النبي صلى
الله عليه وسلم على المسلم إكرام الضيف سواء نزل عنده أو مرَّ به وتزوَّد منه ,
وهذا الأمر تتبين ضرورته في العصور الماضية حيث لم تكن النُّزُل الجماعية التي يأوي
إليها المسافرون متوافرة , ولايستطيع المسافر غالبا أن يتزود بما يكفيه لسفر كامل ,
مع حاجته إلى المأوى الذي ينـزل فيه , فلذلك وغيره كانت الضيافة واجبة في المدة
المحددة في الحديث وهي ثلاثة أيام .
ولقد كان للضيافة أهمية كبرى في التعارف بين أفراد المجتمع وتكوين العلاقات
الاجتماعية والروابط الأخوية , حيث يجتمع الضيف بمضيفه فيتعارفان , ويتحدث كل واحد
منهما إلى صاحبه عن أخباره وأخبار أسرته ومجتمعه .
وفي هذا الحديث توجيه مهم وهو أن لاينـزل الضيف عند مضيفه مدة طويلة بحيث يحرجه
ويثقل عليه , فإن ذلك إيذاء للمسلم , كما أنه يسبب النفور من استضافة الضيوف خشية
أن يكونوا من النوع الذي يطيل الثواء فيكون ذلك سببا في تأثيم ذلك المضيف .
ومما يبين وجوب تقديم الطعام للضيوف ما أخرجه أبو عبد الله البخاري رحمه الله من
حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه قال : " قلنا يارسول الله إنك تبعثنا فننـزل
بقوم فلا يَقروننا فما ترى فيه ؟ فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم :إن نزلتم
بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا, فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي
ينبغي لهم ". (صحيح
البخاري , رقم 6137 , كتاب الأدب , باب 84 (10/532 )).
وقولـه " فلا يقروننا " يعني فلا يكرموننا بتقديم الطعام لنا , وكونه صلى الله عليه
وسلم أمرهم بأخذ حق الضيف دليل على وجوب إكرام الضيف .
ورواه أبو عيسى الترمذي رحمه الله من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت
يارسول الله إنما نمر بقوم فلا هم يضيفونا ولاهم يؤدون مالنا عليهم من الحق ولانحن
نأخذ منهم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أبوا إلا أن تأخذوا كرها فخذوا
.
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن , وقد رواه الليث بن سعد عن يزيد بن حبيب أيضا , وإنما
معنى الحديث أنهم كانوا يخرجون في الغزو فيمرون بقوم ولايجدون من الطعام مايشترون
بالثمن, وقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن أبوا أن يبيعوا إلا أن تأخذوا كرها
فخذوا , هكذا رُوي في بعض الحديث مفسَّرا , وقد رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
أنه كان يأمر بنحو هذا. (سنن
الترمذي , رقم 1589 , كتاب السير , باب 32 (4/148 ))
وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن معاملة من أبَى قِرَى الضيف
بالمثل, وذلك فيما أخرجه أبو عيسى الترمذي رحمه الله من حديث عوف بن مالك بن نضلة
الجشمي رضي الله عنه قال : "قلت يارسول الله , الرجلُ أمرُّ به فلا يقريني
ولايضيفني فيمرُّ بي أفأجازيه ؟ قال: لا , بل اقْرِهْ , قال : ورآني رثَّ الثياب
فقال: هل لك من مال ؟ قلت: من كل المال قد أعطاني الله من الإبل والغنم , قال:
فلْيُرَ عليك". (سنن
الترمذي , رقم 2006 , كتاب البر , باب 63 (4/364))
ففي هذا الحديث توجيه من النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدم معاملة المقصر في أداء
حق الضيافة بمثل عمله فيما إذا ارتكب مخالفة , فلا يجوز للمسلم أن يرتكب مثل ذلك ,
وإنما يقوم بحقوق الضيافة أداء للواجب الذي عليه وتعليما لأخيه المقصر حتى يؤدي
ماعليه من حقوق لإخوانه المسلمين .
وفي هذا تعليم للمسلم بأن لاينـزل في معاملة الناس إلى المستوى الذي ينـزلون إليه ,
وأن المسلم مأمور بأن يحافظ على آداب الإسلام , وأن يمثل المستوى الأعلى في
المعاملة حتى مع الذين نزلوا في معاملته إلى المستوى الأسفل .
ولقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلم عن أن يتكلف لضيفه بما لا يطيق كما
أخرج الإمام البيهقي في شعب الإيمان من حديث سلمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : " لايتكلَّفَنَّ أحد لضيفه مالايقدر عليه " .
ذكره السيوطي في الجامع الصغير وحسنه الألباني بمجموع طرقه. (صحيح
الجامع الصغير , رقم 7484 , سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم 2440)
ففي هذا الحديث يوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى السلوك الأمثل في
حقوق الضيافة , فليست الضيافة مجالا للتفاخر بالكرم حتى يتكلف الإنسان فيها مايشق
عليه ليطير له ذكر بين الناس , وإنما هي أداء لحق واجب عليه نحو إخوانه المسلمين ,
وهذا الحق يمكن أداؤه بالقدر الذي يوجَد عند الإنسان بدون تكلف , ومن أجل أن يحصل
على الثواب الأخروي فلابد أن تكون نيته ابتغاء وجه الله تعالى بأداء هذا العمل
الصالح .
ومما جاء في هذا المعنى ما أخرجه الطبراني من حديث شقيق بن سلمة قال: دخلت أنا
وصاحب لي إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه , فقال سلمان : لولا أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم نهى عن التكلُّف لتكلَّفتُ لكم , ثم جاء بخبز وملح , فقال صاحبي :
لو كان في ملحنا صعتر , فبعث سلمان بمطهرته فرهنها , ثم جاء بصعتر , فلما أكلنا قال
صاحبي : الحمد لله الذي قنَّعنا بما رزقنا, فقال سلمان : لو قنعتَ بما رزقك لم تكن
مطهرتي مرهونة .
ذكر الحافظ الهيثمي وقال:ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن منصور الطوسي وهو ثقة. (مجمع
الزوائد 8/179)
فهذا مثال لتطبيق سلمان رضي الله عنه توجيه النبي صلى الله عليه وسلم بعدم التكلف ,
ولقد كان بإمكان سلمان أن يملك الكثير من المال وأن يقدم لضيوفه الكثير من الطعام ,
ولكنه كان يتصدق بعطائه, ويأكل متقشفا من عمل يده , ويقدم لضيوفه ماتيسر له ليجعل
من نفسه قدوة للتابعين في الزهد والقناعة .
* * *
- توجيهات ومواقف سلوكية –
- مواقف في الورع والعفة والزهد –
من أخبار أبي مسلم الخولاني رحمه الله :
من الأخبار الواردة في ذلك ماذكره الحافظ أبو نعيم في ترجمة أبي مسلم الخولاني رحمه
الله تعالى من حديث عثمان بن عطاء عن أبيه قال : كان أبو مسلم الخولاني إذا انصرف
إلى منـزله من المسجد كبَّر على باب منـزله فتكبِّر امرأته , فإذا كان في صحن داره
كبر فتجيبه امرأته وإذا بلغ بيته كبر فتجيبه امرأته , فانصرف ذات ليلة فكبَّر عند
باب داره فلم يجبه أحد , فلما كان في الصحن كبَّر فلم يجبه أحد , فلما كان عند باب
بيته كبر لم يجبه أحد ,وكان إذا دخل بيته أخذَت امرأته رداءه ونعليه , ثم أتته
بطعامه , قال: فدخل البيت فإذا البيت ليس فيه سراج , وإذا امرأته جالسة في البيت
منكِّسة تَنكُتُ بعودٍ معها , فقال لها : مَالكِ ؟ قالت:أنت لك منـزلة من معاوية
وليس لنا خادم , فلو سألته فأخْدَمَنَا وأعطاك , فقال : اللهم من أفسد عليَّ امرأتي
فأَعْمِ بصرها .
قال : وقد جاءتها امرأة قبل ذلك فقالت لها : زوجك له منـزلة من معاوية , فلو قلت له
يسأل معاوية يُخدِمه ويعطيه عِشْتُمْ .
قال : فبينا تلك المرأة جالسة في بيتها إذ أنكرَتْ بصرها , فقالت : مالسراجكم
طَفِئَ ؟ قالوا: لا, فعرفَتْ ذنبها فأقبلَتْ إلى أبي مسلم تبكي وتسأله أن يدعو الله
عز وجل لها أن يرد عليها بصرها .
قال : فرحمها أبو مسلم فدعا الله لها فردَّ عليها بصرها. (حلية
الأولياء 2/129).
أبو مسلم الخولاني هو عبد الله بن ثُوَب الخولاني اشتهر بكنيته , كان مُجَاب الدعوة
, وأبرز مواقفه وقوفه أمام الأسود العنسي الذي ادَّعى النبوة , فأوقد له العنسي
نارًا وألقاه فيها فلم تَضرَّه , وهذه من الكرامات المشهورة. (وقد
ذكر خبره هذا في " مواقف في الشجاعة والجرأة " للمؤلف).
وقد جاء في هذا الخبر أن أبا مسلم إذا انصرف إلى بيته كبَّر , وهكذا يكون حضور
القلب الصادق مع الله تعالى , فإيذانه أهله بحضوره تكبيرٌ لله تعالى , وكأنه يُشعرِ
أهله ومن في بيته بأن الله تعالى أكبر من كل شيء فلا يليق بالمسلم أن يَشْغَله عن
الله تعالى شيء , وما الذكر اللساني إلا تنبيه للقلب ليكون معمورا بذكر الله جل
وعلا واستشعار عظمته وجلاله , وما وصل السابقون بالخيرات إلى ماوصلوا إليه إلا
بمحاولة استدامة حضور القلب مع الله تعالى .
وكان أبو مسلم يعيش عيشة الزهد والقناعة وكان قد ربَّى امرأته على هذه العيشة , فلا
خادم عنده ولايهتم بشيء من كماليات الحياة التي قد يصرفه الاشتغال بها عما هو أجل
وأعلى وهو استدامة ذكر الله عز وجل والاجتهاد في عبادته .
لقد كان زاهدا في الدنيا مع مقدرته على اكتسابها والتوسع فيها وظلت امرأته معه في
تلك الحياة سامعة له مطيعة إلى أن أنكر منها ذلك التصرف الذي طلبت فيه التوسع في
المعيشة وتوفير الخادم لها مادام له حَظْوة عند أمير المؤمنين .
لقد أدرك أبو مسلم حالاً أن امرأةً من ذوات الكيد والإفساد قد دخلت بيته فأفسدت
عليه أهله, حيث حوَّلَتْ قناعتها ورضاها بذلك العيش المتواضع إلى سخط وتضجر ومطالبة
برفع مستوى المعيشة حين تبين لها أن زوجها قادر على ذلك .
ولم يكن عند أبي مسلم سلاح يلجأ إليه إلا دعاء الله تعالى على من ظلمه وغيَّر عليه
أهله , فدعا على المرأة التي فعلت ذلك بالعَمَى , فقد أفسدَتْ عليه بيته , ولعلها
أن تفسد بيوت آخرين من أصحابه الزهاد , فيكون بذلك قد كفَّ شرها وشر غيرها ممن
يبلغه خبرُها فيعتبر بها ويكفُّ عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات .
وأصابت دعوته تلك المرأة ففقدت بصرها فجأة وأدركت سوء فعلها, كما تذكرت في الحال
صلاح أبي مسلم فتبادر إلى ذهنها أنه قد دعا عليها .
وهكذا كانت هذه العقوبة التي نالتها تلك المرأة تذكيرًا لها وعبرة لغيرها ممن
يسيرون على ذلك الطريق .
ومن صفاته العالية عفة اللسان والزهد في الدنيا والنظر إلى الآخرة , ومن أخباره في
ذلك مارُوي عن علقمة بن مرثد قال : انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين , منهم أبو
مسلم الخولاني فإنه لم يكن يجالس أحدًا يتكلم في شيء من أمر الدنيا إلا تحوَّل عنه
, فدخل ذات يوم المسجد فنظر إلى نفر قد اجتمعوا , فَرَجَا أن يكونوا على ذكر الله
تعالى , فجلس إليهم وإذا بعضهم يقول : قدم غلامي فأصاب كذا وكذا , وقال آخر جهزت
غلامي , فنظر إليهم وقال : سبحان الله أتدرون مامثلي ومثلكم ؟ كمثل رجل أصابه مطر
غزير وابل فالتفت فإذا هو بمصراعين عظيمين فقال : لو دخلت هذا البيت حتى يذهب هذا
المطر , فدخل فإذا البيت لاسقف لـه .. جلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على ذكر وخير
فإذا أنتم أصحاب دنيا .
وقال علقمة بن مرثد في وصف عبادته ومداومته على صيام النفل في كبر سنه : وقال له
قائل حين كُبر ورَقَّ : لو قصرت عن بعض ماتصنع , فقال: أرأيتم لو أرسلتم الخيل في
الحلَبة ألستم تقولون لفارسها : دعها وارفق بها حتى إذا رأيتم الغاية لم
تسْتَبْقُوا منها شيئًا ؟ قالوا : بلى , قال: فإني قد أبصرت الغاية , وإن لكل ساعة
غاية , وغاية كل ساعة الموت,فسابق ومسبوق. (صفة
الصفوة 4/109)
وهكذا كان هذا العابد الصالح يشق على نفسه بكثرة الصيام مع كبر سنه ولما لامه في
ذلك المشفقون عليه أقنعهم بهذا المثل البليغ رحمه الله وأسكنه فسيح جناته .
من أخبار سالم بن عبد الله رحمه الله :
من ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير في ترجمة سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رحمه
الله ورضي عن أبيه وجده , قال: ولما حج هشام بن عبد الملك – يعني يوم أن كان أمير
المؤمنين – دخل الكعبة فإذا هو بسالم بن عبد الله , فقال : ياسالم سلني حاجة ,
فقال: إني لأستحيى من الله أن أسأل في بيته غيره , فلما خرج سالم خرج هشام في أثره
فقال له : الآن قد خرجت من بيت الله فسلني حاجة , فقال سالم : من حوائج الدنيا أم
من حوائج الآخرة ؟ قال: من حوائج الدنيا , فقال سالم : إني ما سألت الدنيا من
يملكها فكيف أسألها من لايملكها ؟!.(
البداية والنهاية 9/244)
فهذا مثل من تواضع أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك حيث كان يتفقد أهل العلم ويسأل
عن حوائجهم ليقضيها , وهذا دليل على فضله وأخلاقه العالية .
ومثلٌ من الزهد البليغ والورع الدقيق يقدمه العالم سالم بن عبد الله بن عمر , فهو
من زهده في الدنيا لم يسأل الله تعالى شيئا منها , وهو سبحانه المالك لكل شيء فكيف
يسألها غيره ؟ وهذا دليل على قوة إيمانه ورسوخ يقينه , حيث كان الهدف الأعلى من
وجود الإنسان في هذه الحياة واضحا أمامه , ألا وهو ابتغاء رضوان الله تعالى والجنة
, كما قال الله جل وعلا في صفة الصحابة رضي الله عنهم (يَبْتَغُونَ
فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً)
[الفتح :29] ففضل الله هو الجنة , ورضوانه أكبر من ذلك .
من أخبار طاوس بن كيسان رحمه الله :
ممن اشتهروا بالعفة والورع طاوس بن كيسان اليماني رحمه الله تعالى , ومن أخباره في
ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير من خبر النعمان بن الزبير الصنعاني : أن الأمير محمد بن
يوسف – أبو أيوب بن يحيى – بعث إلى طاوس بسبعمائة دينار , وقال للرسول إن أخذها منك
فإن الأمير سيكسوك ويحسن إليك .
قال : فخرج بها حتى قدم على طاوس الجند [الجند
جبل في اليمن ذكره ياقوت الحموي],
فقال : يا أبا عبد الرحمن نفقة بعث بها الأمير إليك, فقال : مالي بها من حاجة ,
فأراده على أخذها بكل طريق فأبى أن يقبلها , فغفل طاوس فرمى بها الرجلُ من كُوَّة
في البيت ثم ذهب راجعًا إلى الأمير وقال : قد أخذها فمكثوا حينا, ثم بلغهم عن طاوس
مايكرهون – أو شيء يكرهونه – فقالوا : ابعثوا إليه فليبعث إلينا بمالنا, فجاءه
الرسول فقال : المال الذي بعثه إليك الأمير رُدَّه إلينا , فقال: ماقبضت منه شيئا ,
فرجع الرسول إليهم فأخبرهم , فعرفوا أنه صادق , فقالوا : انظروا الذي ذهب بها إليه
, فأرسلوه إليه , فجاءه فقال: المال الذي جئتك به يا أبا عبد الرحمن , هل قبضت منه
شيئا ؟ قال: لا قال: فقام إلى المكان الذي رمى به فوجدها كما هي وقد بنت عليها
العنكبوت فأخذها فذهب بها إليهم. (البداية
والنهاية 9/246 – 247).
وهكذا تحلَّى هذا العالم الجليل بالعفة والورع , فأبى أن يأخذ من ذلك المال الذي
أراد به ذلك الأمير شراءه ليكسب ولاءه له , وإذا كسب ذلك فإنه سيظفر بولاء الكثيرين
ممن يحبون ذلك العالم ويحترمونه , ولكن ذلك الأمير رأى أن موقف طاوس لم يتغير ,
وأنه مازال يقف منه موقف الناقد المصلح , فأراد أن يحرجه بطلب ذلك المال , وهو الذي
يعرف جيدا أن الإمام طاوس لن يدخر ذلك المال , وإنما سيقسمه على الفقراء , فكان
الأمر على ماجاء في هذا الخبر ورجع الحرج على ذلك الأمير الذي انكشف قصده من إهداء
ذلك المال , وهكذا يضرب علماء الإسلام أمثلة رائعة في الترفع عن الدنيا والسمو نحو
رضوان الله جل وعلا ونعيم الآخرة .
من أخبار عبد الملك بن مروان رحمه الله :
أخرج الحافظ ابن عساكر من خبر سعيد بن بشير عن أبيه : أن عبد الملك بن مروان حين
ثقل [أي
نزل به مرض الموت]
جعل يلوم نفسه ويضرب بيده على رأسه وقال : وددت أني كنت أكتسب يوما بيوم مايقوتني
وأشتغل بطاعة الله .
فُذكر ذلك لأبي حازم فقال : الحمد لله الذي جعلهم يتمنون عند الموت مانحن فيه
ولانتمنى عند الموت ماهم فيه.(
تاريخ دمشق 37/157)
نعم فالعبرة بما يُختم للإنسان فيه من عمل , ولقد أدرك عبد الملك بن مروان أنه في
أثناء إمارته وماقبلها قد سفك الدماء وظلم , ولما كان قد تربى على يد العلماء وحصل
في شبابه علما كثيرا فإنه قد أدرك عند وفاته أن ماكان يعمل له هو المجد الدنيوي وقد
زال , وأنه كان الأولى به أن يعمل للمجد الأخروي ولو كان مغمورا بسيط الحال يكتسب
رزق كل يوم بيومه .
وفي كلمة أبي حازم سلمة بن دينار رحمه الله تعالى دلالة على تفوق العلماء الربانيين
في الرأي والحزم والتدبير .
* * *
- مواقف جهادية من السيرة النبوية –
- مثل عال من البطولة الفدائية –
(مقتل كعب بن الأشرف )
لما أصيب المشركون في بدر وقُتل عدد من زعمائهم وأسر عدد آخرون أحدث ذلك اضطرابا
وفزعا لدى سائر الكفار المجاورين لمكة والمدينة , وبدؤوا يفكرون بجد ونشاط في وسائل
حرب المسلمين ومحاولة القضاء عليهم أو إضعاف قوتهم .
وكان من هؤلاء الكفار الذين بذلوا جهدا كبيرا في التأليب على رسول الله صلى الله
عليه وسلم كعب بن الأشرف اليهودي .
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى : وكان من حديث كعب بن الأشرف : أنه لما أصيب أصحاب
بدر , وقدم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة , وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية
بَشيرَين, بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح
الله عز وجل عليه , وقتْل من قُتل من المشركين, كما حدثني عبد الله بن المغيث بن
أبي بردة الظفري , وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم , وعاصم بن عمر بن
قتادة , وصالح بن أبي أمامة بن سهل , كلّ قد حدثني بعض حديثه, قالوا : قال كعب بن
الأشرف وكان رجلا من طيِّء , ثم أحد بني نبهان , وكانت أمُّه من بني النضير – حين
بلغه الخبرُ : أحق هذا ؟ أترون محمدًا قتل فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس, والله
لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم , لبطنُ الأرض خيرٌ من ظهرها .
فلما تيقن عدوّ الله الخبر , خرج حتى قدم مكة , فنـزل على المطلب بن أبي وداعة بن
ضُبيرة السهمي , وعنده عاتكة بنت أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ,
فأنزلته وأكرمته, وجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم , ويُنشد الأشعار ,
ويبكي أصحاب القليب من قريش, الذين أصيبوا ببدر , قال :
طَحَنتْ رحى بـدر لَمهْلك أهله ولمثل بـدر تستهل وتدمعُ
قُتلَتْ سَراةُ الناس حول حياضهم لاتبعدوا , إن الملوك
تُصرَّع
إلى أن قال :
نُبِّئتُ أنّ الحارث بـن هشامهم في النـاس يبني الصالحات ويجمع
ليـزور يثرب بالجموع , وإنما يحمي على الحسب الكريمُ الأروع
قال ابن إسحاق : ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة فشَبَّب [أي
تغزل]
بنساء المسلمين حتى آذاهم .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني عبدُ الله بن المغيث بن أبي بردة : من
لي بابن الأشرف؟ فقال له محمد بن مسلمة , أخو بني عبد الأشهل : أنا لك به يارسول
الله , أنا أقتله , قال : فافعل إن قدرت على ذلك . وذكر الحافظ ابن حجر أن في رواية
عروة " إن كنت فاعلاً فلا تعجل حتى تشاور سعد بن معاذ , قال: فشاوره فقال له : توجه
إليه واشْكُ إليه الحاجة وسلْه أن يسلفكم طعامًا ".(
فتح الباري 7/338)
قال ابن إسحاق : فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثًا لا يأكل ولايشرب إلا مايُعْلق به
نفسه, فَذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فدعاه , فقال له : لم تركت
الطعام والشراب ؟ فقال: يارسول الله , قلت لك قولا لا أدري هل أفيَنَّ لك به أم لا
؟ فقال: : إنما عليك الجُهد , فقال: يارسول الله , إنه لابد لنا من أن نقول [يعني
أن نقول فيك وفي الإسلام غير مانعتقد],
قال: قولوا مابدا لكم , فأنتم في حل من ذلك .
فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة , وسلكان بن سلامة بن وَقْش , وهو أبو نائلة , أحد
بني عبد الأشهل , وكان أخا كَعْب بن الأشرف من الرضاعة , وعباد بن بشر بن وَقْش ,
أحدُ بني عبد الأشهل , والحارث بن أوس بن مُعاذ , أحد بني عبد الأشهل , وأبو عبس بن
جبر , أحد بني حارثة .
ثم قدَّموا إلى عدوّ الله كعب بن الأشرف , قبل أن يأتوه سلكان بن سلامة أبا نائلة ,
فجاءه, فتحدث معه ساعة , وتناشدا شعرًا , وكان أبو نائلة يقول الشعر , ثم قال :
ويحك يا بن الأشرف! إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني , قال: أفعلُ , قال:
كان قُدوم هذا الرجل علينا بلاءً من البلاء , عادتْنا به العرب , وَرَمَتْنا عن قوس
واحدة وقطعت عنَّا السُّبل حتى ضاع العيال , وجُهدت الأنفس , وأصبحنا قد جُهدنا
وجهد عيالنا , فقال كعب بن الأشرف: أما والله لقد كنتُ أخبرك يابن سلامة أن الأمر
سيصير إلى ما أقول , فقال له سلكان : إني قد أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونُوثق لك
وتُحسن في ذلك , فقال: أترهنوني أبناءكم ؟ قال: لقد أردت أن تفضحنا إنّ معي أصحابا
لي على مثل رأيي , وقد أردتُ أن آتيك بهم , فتبيعهم وتُحسن في ذلك , ونرهنك من
الحلقة [يعني
السلاح]
مافيه وفاء , وأراد سلكان أن لايُنكر السلاح إذا جاؤوا بها , قال : إن في الحلقة
لوفاء .
جاء في رواية الإمام البخاري أن الذي ذهب إليه وخاطبه هو محمد بن مسلمة , وقال
الحافظ ابن حجر في ذلك , وقع في هذه الرواية الصحيحة أن الذي خاطب كعبا بذلك هو
محمد ابن مسلمة, والذي عند ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي أنه أبو نائله , وأومأ
الدمياطي إلى ترجيحه , ويحتمل أن يكون كل منهما كلَّمه في ذلك لأن أبا نائلة أخوه
من الرضاعة ومحمد بن مسلمة ابن أخته. (فتح
الباري 7/338)
قال ابن إسحاق : فرجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم خبره , وأمرهم أن يأخذوا السلاح ثم
ينطلقوا فيجتمعوا إليه فاجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال ابن إسحاق : فحدثني ثور بن زيد , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : مشى معهم
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرْقد , ثم وجههم , فقال: انطلقوا على
اسم الله , اللهم أَمِّنْهُم , ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته , وهو
في ليلة مُقمرة .
وأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه , فهتف به أبو نائلة , وكان حديث عهد بعُرس , فوثب في
ملحفته, فأخذت امرأته بناحيتها , وقالت : إنك امرؤ محارب , وإن أصحاب الحرب
لاينـزلون في هذه الساعة, قال : إنه أبو نائلة , لو وجدني نائما لما أيقظني , فقالت
: والله إني لأعرف في صوته الشر, قال: يقول كعب : لو يُدعى الفتى لطعنة لأجاب ,
فنـزل فتحدث معهم ساعة , وتحدثوا معه, ثم قالوا : هل لك يابن الأشرف في أن نتماشى
إلى شعب العجوز , فنتحدث به بقية ليلتنا هذه ؟ قال: إن شئتم . فخرجوا يتماشون ,
فمشوا ساعة , ثم إن أبا نائلة شام يده في فَوْدِ رأسه, ثم شم يده , فقال: مارأيت
كاليلة طيبا أعطر قطُّ , ثم مَشَى ساعة , ثم عاد لمثلها حتى اطمأن, ثم مشى ساعة ,
ثم عاد لمثلها , فأخذ بفود رأسه , ثم قال : اضربوا عدوّ الله , فضربوه , فاختلفت
عليه أسيافهم , فلم تُغْن شيئًا .
قال محمد بن مسلمة : فذكرت مغْولاً [المغول
سيف دقيق له قفا كهيئة السكين]
في سيفي , حين رأيت أسيافنا لاتغني شيئًا , فأخذته, وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق
حولنا حصنٌ إلا وقد أوقدت عليه نارٌ , قال: فوضعته في ثُنَّـته [الثُّنَّة
مابين السرة إلى العانة]
ثم تحوملتُ عليه حتى بلغتُ عانته فوقع عدو الله , وقد أصيب الحارث بن أوس بن مُعاذ,
فجرح في رأسه أو في رجله , أصابه بعضُ أسيافنا .
قال : فخرجنا حتى سَلَكنا على بني أمية بن زيد , ثم على بني قُريظة . ثم على بُعاث
حتى أسُندنا في حَرَّة العُريض وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوْس , ونَزَفه
الدم فوقفنا له ساعة, ثم أتانا يتبع آثارنا قال: فاحتملناه فجئنا به رسول الله صلى
الله عليه وسلم آخر الليل , وهو قائم يصلي , فسلمنا عليه, فخرج إلينا , فأخبرناه
بقتل عدو الله , وتَفَل على جُرح صاحبنا , فرجع ورَجعنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت
يهود لوقعتنا بعدو الله , فليس بها يهوديُّ إلا وهو يخاف على نفسه.
قال ابن إسحاق : فقال كعب بن مالك :
فغُودر منهـمُ كعبٌ صريعا فذلَّت بعد مصرعه النضيرُ
على الكفَّين ثم وقـد عَلَتْهُ بأيـدينا مشهَّرةٌ ذكـور(1)
بأمـر محمد إذ دسَّ ليـلاً إلى كعب أخا كعب يسير(2)
فما كـَرَهُ فأنزله بـمكر ومحمودٌ أخو ثقة جسور(3)
(3) عني محمد بن مسلمة .
وقال حسان بن ثابت يذكر قتل كعب بن الأشرف وقتل سلام بن أبي الحقيق :
لله در عصـابـة لاقيتـَهـم يابن الحقيق وأنت يابن الأشرف
يَسْرُون بالبيض الخفاف إليكم مرَحًا كأسْد في عـرين مُغرف (1)
حتى أتوكم في مـحل بلادكم فسقوكم حتفا ببيـض ذُفَّف (2)
مُستْنَصرين لنصر ديـن نبيِّهم مُسْتَصغرين لكل أمر مُجحف (3)
(3) سيرة ابن هشام 2/509 – 510
في هذا الخبر مواقف وعبر منها :
أولاً : اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بقطع جذور الفساد والإفساد قبل استفحالها
, فقد كان خطر كعب ابن الأشرف على المسلمين آنذاك عظيما لكونه سيدا من سادات اليهود
, ولكونه شاعرًا , والشعر له أثره الكبير عند العرب , فكان لابد من القضاء عليه قبل
أن ينجح في تأليب قريش والقبائل الأخرى على المسلمين فتكون تضحية المسلمين كبيرة
والبلاء عليهم عظيما , فلذلك انتدب النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة وأصحابه
لهذه المهمة .
وهذا الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن جهاد الكفار لايقتصر على
مواجهتهم في ميدان المعارك, وإنما يتعدى ذلك إلى كل عمل تحصل به النكاية بالأعداء
مالم يكن إثما , فإن الأعداء يتمنون الفتك بالبارزين من المسلمين بأي صورة تكون لو
قدروا على ذلك , وقد يوفر القضاء على رجل له دوره البارز في حرب المسلمين جهودًا
كبيرة وخسائر فادحة يتكبدها المسلمون .
وهذا مشروط بالأمن من الفتنة , وذلك بأن يكون للمسلمين دولة وقوة , بحيث لايترتب
على العمل الفدائي فتك بالمسلمين , وإفساد في مجتمعهم قد يضعف من مستوى الاستقامة
الدينية والدعوة إلى الإسلام .
ثانيًا : ماجرى من محمد بن مسلمة رضي الله عنه من الانصراف عن الطعام والشراب إلا
بقدر الضرورة حينما توجه لهذا الأمر .
وهذا مثل مما كان يتمتع به الصحابة رضي الله عنهم من الحساسية المرهفة نحو الشعور
بالمسؤولية, لقوة إيمانهم بالله تعالى وعظيم خشيتهم منه , وهذه الحساسية المرهفة
تشغل تفكيرهم وتفتِّق أذهانهم حتى يتعرفوا على السبل الموصلة إلى الغرض المقصود
بإنتاج أكثر ومؤنة أيسر , مع وضع الاحتياطات اللازمة للنجاح والبعد عن المخاطر
المفسدة للعمل قبل نهايته .
ولما كان هذا الأمر الذي استعد له محمد بن مسلمة رضي الله عنه مما لايضمن نجاحه
لاحتمال أن يذاع السر قبل تنفيذه , الأمر الذي يجعل ابن الأشرف يحتاط لنفسه كثيرًا
, وقد يُقتل ابن مسلمة قبل أن ينفِّذ ما التزم به , وهو لايهمه إزهاق روحه إنما
يهمه أن ينفذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وليكن عليه من الأذى مايكون .. لما
كان الأمر كذلك حصل منه ماحصل من التأثر والقلق , وقد بيَّن له رسول الله صلى الله
عليه وسلم أن عليه أن يبذل جهده في محاولة الوصول إلى الهدف وليس عليه إدراك الهدف,
لأن الأقدار بيد الله عز وجل وحده , ولو فكر كل إنسان بنتائج العمل , وساورته
الهموم من خوف الإخفاق فيه , وعدم الوصول إلى النتائج المطلوبة لما أقدم على العمل
إلا القليل من الناس, وصدق القائل :
وعليَّ أن أسعى وليـ ـس علي إدراك النجاح
وحينما قال : يارسول الله إنه لابد من أن نقول – يعني أن نقول أمرًا مخالفا للحقيقة
لنخدع به الرجل – قال : "قولوا مابدا لكم فأنتم في حل من ذلك" فسُرِّي عن محمد بن
مسلمة وانجلَى عنه كثير من الهمِّ الذي كان يساوره , إذ أنه كان يعلم أن نجاح مثل
هذا الأمر لابد له من الحيلة لكسب ثقة العدو ثم الإيقاع به بعد ذلك , ولما كان ذلك
في ظاهره يخالف الأخلاق الإسلامية في المعاملة تردد في الإقدام عليه , ثم استأذن
رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن له وبين أنهم لايرتكبون إثمًا في ذلك ماداموا في
حال حرب , وهذا موافق لقوله صلى الله عليه وسلم " الحرب خُدْعَة". (صحيح
البخاري , الجهاد , رقم 3027 (6/157) , صحيح مسلم , الجهاد رقم 1740 (ص1362).
وإنما أبيحت مخادعة الأعداء في الحرب مع أنها محرمة بين المسلمين لأنها من التمهيد
للنكاية بالأعداء, شأنها شأن تتبع غفلات العدو للإيقاع به .
وجاء في صحيح الإمامين البخاري ومسلم من حديث أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول : "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو
يقول خيرا" قالت: ولم أسمعه يُرخِّص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث : الحرب ,
والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها.(
صحيح البخاري , كتاب الصلح , رقم 2692 (5/299) صحيح مسلم , البر , رقم 2605 (ص2011)).
وكل هذه الأمور مقيَّدة بحصول المصلحة للمسلمين والخلو من الإثم .
ثالثًا : في هذا الخبر مثل من المقدرة الفائقة على الحفاظ على السِّرِّية وذلك في
كتمان هذه الخطة مع كثرة من في المدينة من اليهود والمنافقين ومع تأخر تنفيذها وكون
النبي صلى الله عليه وسلم عرض هذا الأمر في مشهد من الصحابة وجرت فيه مشورة , وهذا
دليل على قوة إيمان هؤلاء الصحابة وإخلاصهم لدينهم .
رابعًا : في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " انطلقوا على اسم الله" تذكير لهم
بإخلاص القصد والتجرد لله عز وجل واستصحاب ذكره ثم دعا لهم بهذه الدعوة الكريمة "
اللهم أعنْهم" ولاشك أن هذا الدعاء الصادر ممن لاينطق عن الهوى قد زودهم بثقة كبيرة
وقوة عالية , فانطلقوا وهم على طمأنينة من نجاح أمرهم .
ومع ثقتهم بهذا الدعاء الكريم فإنهم لم يُغفلوا الأسباب الموصلة بهم إلى نجاح
مقصودهم لأن المسلم مأمور بالجمع بين التوكل على الله تعالى وأخذ الأسباب التي
شرعها الله سبحانه .
وهكذا كان هؤلاء الصحابة المغامرون يقومون بتنفيذ أدوار الخطة المحكمة التي اتفقوا
عليها حتى أدركوا مقصدهم الأسمى , ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم بإحساسه
الكبير ومشاعره الفياضة , لقد كانوا يقومون بتنفيذ العملية بعقولهم وأجسامهم ,
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتولى قيادتها العليا بالاتصال بالله تعالى ودعائه
لهم بالنصر والإعانة .
إن الوسائل التي شرعها الله سبحانه للوصول إلى المقاصد المترتبة عليها تبقى لها
فعاليتها مالم يكن قدر الله تعالى يقضي بغير ذلك , فعند ذلك تنـزع منها فعاليتها
وقد يكون ذلك بسبب دعاء أولياء الله الصالحين , وكم أمَّل المسلمون بالنصر وتشوقت
له نفوسهم حينما يكون في معيتهم رجال صالحون يتوجهون إلى الله تعالى بالدعاء ,
ويشعرون في قرارة نفوسهم بأن الله تعالى معهم بنصره وتأييده .
هذا وإن البطولة والفدائية في قتل ابن الأشرف لاتكمن في عملية قتله حينما تم إفراده
من قومه فهي عملية يسيرة حتى لو كان مُقَابلُهُ فردا واحدا من المسلمين , لأن
المسلم قد تم إعداده ليقف مقابل عشرة من الكفار , وإنما البطولة والفدائية في كون
هؤلاء الصحابة قد دخلوا منطقة من مناطق اليهود واستطاعوا بالحيلة استدراج ذلك الرجل
, مع أن الاحتمال وارد بأن يدرك اليهود خطرهم فيحيطوا بهم من كل جانب سواء بعد
تنفيذ العملية أو قبلها , فالقيام بهذا العمل بحدِّ ذاته يُعدُّ مغامرة جريئة .
وتم ما أراده الرسول صلى الله عليه وسلم من إرهاب كل من تسوِّل له نفسه من اليهود
أن ينقض العهد ويتعرض للمسلمين بالأذى , كما جاء في سياق رواية ابن إسحاق " فأصبحنا
وقد خافت يهود لوقعتنا بعدو الله , فليس بها يهودي إلا وهو يخاف على نفسه " .
وهكذا تم تأديب هؤلاء الخائنين النكاثين العهد بقطع بعض رؤوس الشر فيهم , وحين يكون
الداء في العضو مستفحلا فإنه لايجدي معه الدواء وإنما يحُدُّ من استشرائه بتره
وتخليص الأعضاء السليمة منه .
رابعًا : فيما جرى من كعب بن الأشرف من تصديق أولئك الصحابة الذين أتوا إليه
متذمرين – ظاهرا – من وضعهم مع النبي صلى الله عليه وسلم عبرة , حيث كان كعب معروفا
بالدهاء , ولم يكن من المتعارف تصديق رجال جاؤوا من العدو بهذه السهولة , ولقد
أدركت امرأته خطورة الموقف, ولم تكن المرأة هذه أدهى من ابن الأشرف ولكن قضاء الله
ماض وحكمه نافذ , فقد طغى على فكره حقده الأسود على رسول الله صلى الله عليه وسلم
وشوقه الشديد إلى تفريق أصحابه عنه , ومازال لكلام أبي نائلة رنين في أذنيه , فهو
يؤمل أن يكسب به طائفة من أصحابه تكون مصدر إزعاج لرسول الله صلى الله عليه وسلم
ونواةً لتفريق الناس عنه , وماذلك إلا سبب لمضيِّ قدر الله تعالى , ولاننسى دعاء
النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء الرهط الكرام بالإعانة , فما نزول هذا الرجل
المحارَب في هذه الساعة من الليل إلا سبب من أسباب النصر أجراه الله تعالى ليتم به
ماقضاه وقدره من نصرة الحق وخذلان الباطل .
وإذا أراد الله سبحانه نصرة دينه على يد أوليائه المؤمنين هيأ لهم أسباب النصر
وأعمى أعداءهم عن سبل الحذر والوقاية , فلا يُفْزعَنَّ المسلمين مايملكه أعداؤهم من
وسائل الهجوم وأسباب الوقاية فهي لاتردُّ شيئًا من قضاء الله وقدره , ولو أن هؤلاء
الرهط الكرام نظروا إلى حصن هذا الرجل الشامخ وكونه بين قومه وعشيرته لماأقدموا على
محاولة القضاء عليه .
خامسًا : مما يتعلق بهذا الموضوع ما أخرجه الواقدي من حديث إبراهيم بن جعفر عن أبيه
قال: قال مروان بن الحكم وهو على المدينة وعنده ابن يامين النَّضْري : كيف كان قتل
ابن الأشرف؟ قال ابن يامين : كان غدرًا , ومحمد بن مسلمة جالسٌ شيخ كبير , فقال:
يامروان , أيغدر رسول الله عندك ؟ والله , ماقتلناه إلاَّ بأمر رسول الله صلى الله
عليه وسلم , والله لايُؤويني وإياك سقفُ بيت إلا المسجد , وأما أنت يا ابن يامين ,
فللّه عليّ إن أفلتَّ وقدرت عليك وفي يدي سيف إلا ضربتُ به رأسك , فكان ابن يامين
لاينـزل في بني قريظة حتى يبعث له رسولاً ينظر محمد بن مَسْلَمة , فإن كان في بعض
ضياعه نزل فقضي حاجته ثم صدر , وإلا لم ينـزل .
فبينا محمد بن مسلمة في جنازة وابن يامين بالبقيع , فرأى نَعشًا عليه جرائدُ رطبةٌ
لامرأة, جاءَ فحلَّه , فقام الناس فقالوا : يا أبا عبد الرحمن , ماتصنع ؟ نحن نكفيك
, فقام إليه فلم يزل يضربه بها جريدةً جريدةً حتى كسر تلك الجرائد على وجهه ورأسه
حتى لم يترك فيه مَصَحًّا , ثم أرسله ولاطَباخَ [أي
لاقوة به]
به , ثم قال : والله لو قدرتُ على السيف لضربتك به.(
مغازي الواقدي 1/192 – 193).
فهذا موقف يذكر لمحمد بن مسلمة رضي الله عنه في غيرته الدينية ودفاعه عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم وقيامه بتعزير من تطاول عليه واتهمه بالغدر .
* * *
انتهت
|