ومما يبرز مكانة الأم ، ويظهر الدرجة الرفيعة التي رفعها الإسلام إليها :
أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل برَّ الوالدة فرضاً لازماً ، وإن كانت الأم كافرة ، بل
وإن جاهدت
الولد على أن يكفر بالله تعالى ، فإنَّ الواجب عليه الإحسان إليها مع عدم طاعتها
فيما تريده
عليه من الكفر بالله تعالى ، لأنَّ طاعة الله تعالى وطاعة رسول الله صلى الله عليه
وسلم
مقدمة على كل طاعة ..
قال الله تعالى :
[ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا
معروفاً ] .
قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما : قدمت عليّ أمي - وهي مشركة –
في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت
:
قدمت عليّ أمي ، وهي راغبة (أي طامعة فيما عندي ، تسألني الإحسانَ إليها ) أفأصل
أمي ؟
قال صلى الله عليه وسلم : (( نعم ، صلي أمَّك )) .
قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : في نزلت آيات من القرآن ، حلفت أمي أن لا
تكلمني أبداً حتى أكفر بديني ، ولا تأكل ولا تشرب ، قالت : زعمت أن الله وصاك
بوالديك ،
وأنا أمك ، وأنا آمرك بهذا . قال : مكثت ثلاثاً حتى غشي عليها من الجهد ، فقام ابن
لها
– يقال له عمارة – فسقاها ، فجعلت تدعو على سعد ، فأنزل الله عز وجل في القرآن هذه
الآية [ ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ] [وإن جاهداك على أن تشرك بي ] وفيها
[ وصاحبهما في الدنيا معروفا ] .
وبهذا يتجلى شيء من محاسن دين الإسلام العظيم ، حيث جعل حق الأم فرضاً لازماً على
الولد ،
وإن اختلفت معه في الدين ، بل وإن جاهدته ليكفر بما آمن به ، فإن فعلها الشنيع هذا
لا يسقط
حقها في البر والإحسان ، إلا إن أدى ذلك إلى معصية الله تعالى ورسوله صلى الله عليه
وسلم
فإنه يجب على الولد حينئذ رفض أمرها ، وعدم الإذعان لها لكن دون غلظة وقسوة ،
بل يصحبها بالمعروف .