|
المصلحون : العدد الربع عشر
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .
2 – أضواء من الهدي النبوي .
3 – توجيهات ومواقف سلوكية .
4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .
-أضواء من هدي القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى (وَمَا
مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ
قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن
يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ{144} وَمَا كَانَ
لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ
ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ
مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ{145} وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ
رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا
ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ{146} وَمَا كَانَ
قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا
فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
الْكَافِرِينَ{147} فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ
الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ{148} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ
إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ
فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ{149} بَلِ اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ
النَّاصِرِينَ{150} سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا
أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ
وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ{151})
[ آل عمران :144-151] .
[144] تبين لنا في الكلام على الآيات السابقة شيء من واقع غزوة أحد ، وفي الآية
الأولى من هذه الآيات يشير الله سبحانه إلى ذلك الحادث الكبير المكذوب الذي أدهش
كثيرا من الصحابة وأفقدهم سرعة التصرف مع الأعداء ، وهو خبر مقتل النبي صلى الله
عليه وسلم ، يعني : وما محمد إلا رسول من عند الله تعالى قد مضت من قبله الرسل ،
وقد مات الرسل بعد أن بلغوا رسالات ربهم، ومحمد صلى الله عليه وسلم سيموت كما مات
الرسل عليهم السلام من قبله بعد أن يبلغ رسالة ربه جل وعلا ، وحيث إن بعض الصحابة
رضي الله عنهم حصل لهم نوع من الارتباك لما سمعوا بمقتل رسول الله صلى الله عليه
وسلم المكذوب فتركوا القتال يوم " أحد " وتفرقوا فقد جاء الخطاب معاتبا لهم منكرا
ما كان منهم (أَفَإِن
مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)
يعني رجعتم القهقري وتركتم الجهاد (وَمَن
يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ)
فيترك الجهاد وإقامة دين الله تعالى (فَلَن
يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً
)
لأن الله سبحانه لم يرسل الرسل ولم يشرع الشرائع لمنفعته هو وإنما لمنفعة الإنسان ،
فمن يرجع القهقري ويترك الاستقامة على الدين ويترك جهاد أعدائه فإنما يضر نفسه لأنه
هو الخاسر بذلك .
(وَسَيَجْزِي
اللّهُ الشَّاكِرِينَ)
الذين عرفوا نعمة الله سبحانه بالهداية لهذا الدين فثبتوا عليه وجاهدوا أعداءه .
ولئن كانت هذه الآية نزلت بعد معركة " أحد " وأصبحت بمثابة العتاب والإنكار على ما
حدث من بعض الصحابة فإنها قد سدت فراغا هائلا في حياة الصحابة رضي الله عنهم بعد
وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث حصل اضطراب كبير في أوساطهم ، ولم يرفع ذلك
الاضطراب إلا قيام الصديق أبي بكر رضي الله عنه خطيبا وتلاوته هذه الآية ، وفي ذلك
تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في حديثها الذي أخرجه الشيخان رحمهما الله :
فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر ،
فتلاها منه الناس كلهم ، فما أسمع بَشرًا من الناس إلا يتلوها .
[145] (وَمَا
كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً)
فكل إنسان قد كُتب عليه أجله المحدد وهو في بطن أمه ، فلن يسرع بنفس نحو الموت في
الأجل المحدد إقدامها ، ولن يؤخرها عن الأجل المحدد إحجامها ، فلماذا التباطؤ عن
الجهاد في سبيل الله تعالى ؟ ولماذا ينكل المتقون عن قول كلمة الحق أمام الظالمين
الجبابرة ؟ أخوفا من الموت ؟ فإن ذلك يتناقض مع مدلول هذه الآية ويتناقض مع الركن
السادس من أركان الإيمان وهو الإيمان بالقضاء والقدر .
(وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا)
فيأتيه رزقه الذي كتبه الله تعالى له ولكن ليس له في الآخرة من نصيب ، لأنه لم
يطلبها (وَمَن
يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا)
فينعم الله تعالى عليه بالنجاة من النار والظفر بالمقام الكريم له في الجنة على حسب
إيمانه الصادق وعمله الصالح ، فلينظر العقلاء في هذين العرضين وليتأملوا في هذين
المطلبين ، إن فرق ما بين المطلبين كالفرق الهائل بين الدنيا والآخرة ، فهل يحبس
الإنسان العاقل نفسه على حياة البهائم العجماوات التي لاتعرف إلا تلبية مطالب
أجسادها ؟ أم يُحلِّق في جنبات الروح السامية والعقل السليم ليكون هدفه السعادة
الأخروية وهي التي لا تتنافى مع السعادة الدنيوية التي تقوم على العدالة والاعتدال
في إطار حدود الشريعة الإسلامية السامية والتي تضمن للإنسان سعادة الدارين؟
ويختم الله سبحانه الآية بالوعد الكريم بجزاء الشاكرين (وَسَنَجْزِي
الشَّاكِرِينَ)
الذين شكروا ربهم على هدايتهم إلى الصراط المستقيم فاستقاموا عليه وشكروه جل وعلا
على سائر النعم التي يتقلبون في أفيائها في هذه الحياة الدنيا .
[146] (وَكَأَيِّن
مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ)
أي وكثير من الأنبياء عليهم السلام قاتل معهم جموع كثيرة من أتباعهم (فَمَا
وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ)
من القتل والجراح (وَمَا
ضَعُفُواْ)
لما قتل نبيهم ، كما قال ذلك عدد من مفسري التابعين وأتباعهم [تفسير
الطبري 6/117 – 118]
(وَمَا
اسْتَكَانُواْ)
وماذلوا ولا تخشعوا لعدوهم وما ارتدوا عن بصيرتهم ، بل قاتلوا على ما قاتل عليه
نبيهم عليه السلام (وَاللّهُ
يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)
الذين يصبرون على قتال عدوهم حين يشتد البأس .
[147] (وَمَا
كَانَ قَوْلَهُمْ)
بعد أن قتل نبيهم وصبروا على حر القتال (إِلاَّ
أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا)
أي ما وقعنا فيه من الخطايا (وَإِسْرَافَنَا
فِي أَمْرِنَا)
أي ظلمنا أنفسنا بمجاوزة حدود الاستقامة .
وبعد أن سألوا الله تعالى أن يطهرهم وأن يمحو عنهم ذنوبهم التي ارتكبوها سألوه جل
وعلا النصر على الأعداء فقالوا (وَثَبِّتْ
أَقْدَامَنَا)
يعني : قَوِّ عزائمنا حتى نثبت لعدوك ولا نضعف فنلجأ إلى الفرار (وانصُرْنَا
عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
الذين جحدوا وحدانيتك ونبوة نبيك .
وهكذا هداهم الله تعالى لهذه الأدعية التي فهموا منها عوامل النصر على الأعداء ،
فكان الدعاء بطلب النصر على عدوهم هو المتبادر إلى الأذهان وهم مواقفو عدوهم في
المعارك ، ولكن لعلمهم أن المعاصي هي أكبر خاذل للمؤمنين عن الانتصار على عدوه
فإنهم قد بادروا إلى سؤال الله تعالى محو ذنوبهم ليلقوا عدوهم وهم طاهرون من الآثام
، ثم سألوا الله عز وجل أن يثبتهم في القتال وأن ينصرهم على أعدائهم .
[148] وقد استجاب الله تعالى لأتباع الرسل عليهم السلام أولئك فأعطاهم خيري الدنيا
والآخرة (فَآتَاهُمُ
اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا)
وذلك بالنصر عـلى أعدائهم والتمكين لهـم في الأرض (وَحُسْنَ
ثَوَابِ الآخِرَةِ)
وهو المنازل العالية في الجنة (وَاللّهُ
يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)
في أقوالهم وأفعالهم، ومن ذلك سلوكهم الحسن يوم أن استشهد نبيهم فصبروا وواصلوا
قتال أعدائهم .
[149] ولما كانت هذه الآيات في سياق غزوة " أحد " ، ولما كانت نتيجة المعركة وقوع
الإصابة في المسلمين على يد أعدائهم كان من الطبيعي أن تنشط وسائل إعلام الكفار
والمنافقين في تخذيل المؤمنين ليُلقُوا بأيديهم ويتركوا جهاد الكفار وليتضخم لديهم
الشعور بقوة الكفار وأنهم لايمكن للمسلمين أن يقاوموهم فجاء التحذير من الله تعالى
عن ذلك بقوله (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ
عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ)
فأي طاعة للكفار في معصية الله تعالى تُعدُّ ارتدادًا عن أصل الدين فيما يخرج من
الملة ، وعن كمال الدين الواجب فيما دون ذلك ، والكفار سيستغلون فرصة شعور بعض
المسلمين بالضعف والانهزام أمام الكفار ليردوهم عن دينهم ، والخاسرون في هذه الحال
هم المسلمون الذين يستجيبون لوساوس الكفار .
[150] (بَلِ
اللّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ)
فلا تلتفتوا إلى أي قوة في الأرض تستنصرون بها، وما دمتم مستشعرين بأن الله تعالى
هو وحده مولاكم ومستمسكين بحبله المتين فلن يخذلكم فهو خير الناصرين ، ولن تحتاجوا
مع نصره إلى أحد ، فلا يخطر ببالكم تصور أي قوة في الأرض مع قوة الله تعالى ، وأنتم
أهل لنصره إياكم إذا اتقيتموه وصبرتم .
[151] أما الكفار الذين شعروا بشيء من النشوة بسبب ذلك الانتصار الوهمي في معركة "
أحد" فإنهم لن ينعموا بتلك النشوة ، بل إنهم مخذولون هم وغيرهم من الكفار بالرعب
الذي يقذفه الله تعالى في قلوبهم (سَنُلْقِي
فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ)
وذلك بمجرد تقابلهم مع المسلمين في ميدان المعركة ، وبذلك فإنهم مخذولون دائما أمام
المسلمين المتقين (بِمَا
أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً)
يعني بسبب وقوعهم في الشرك بالله تعالى ، سواء أوَقعوا في شرك العبادة أم في شرك
الطاعة ، فكل ذلك ليس لهم عليه حجة ولا برهان ، لأن الله عز وجل هو الذي خلقهم فهو
المستحق وحده للعبادة والطاعة ، هذا واقعهم في الدنيا مع المؤمنين ، رعب وفزع (وَمَأْوَاهُمُ
النَّارُ)
في الآخرة بسبب شركهم بالله تعالى ومعاداتهم أولياءه (وَبِئْسَ
مَثْوَى الظَّالِمِينَ)
النار فهي المقام السيء في الآخرة .
* * *
- أضواء من الهدي النبوي –
- الحث على التواضع –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : فمعنا اليوم أحاديث من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وحثه على التواضع ,
فمن ذلك ما أخرجه الحافظ الطبراني من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : " أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس على الأرض, ويأكل على الأرض , ويعتقل الشاة
, ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير".(
صحيح الجامع الصغير رقم 4791)
فهكذا كان صلى الله عليه وسلم في تواضعه في حياته الاجتماعية ولم يكن كزعماء فارس
والروم في زخرفهم ومظاهرهم في الجلوس والأكل , أما حلب الشاة فإنه مظهر من مظاهر
التواضع الكبير , لأن الكبراء لايفعلون ذلك , وكذلك إجابة دعوة المماليك ونحوهم من
الفقراء .
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما :
"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لايأكل متكئا ولايطأ عقبه رجلان".(
صحيح الجامع الصغير رقم 4716)
فهذا الحديث يشمل على صفتين من صفات التواضع .
الأولى : أنه صلى الله عليه وسلم كان لايأكل متكئا , وأكل الإنسان وهو متكئ له
سلبيات , منها أن الاتكاء من جلسات الراحة , والإنسان وهو يأكل من نعمة الله تعالى
ينبغي له أن يتواضع حتى يكون شاكرًا لله جل وعلا على نعمته , ومنها أن الإنسان قد
يتضرر من الأكل وهو متكئ , لأنه يفقد الاعتدال في الجلسة الذي يجعل مجرى الطعام غير
طبيعي , ولذلك قد يَشْرق الإنسان بالماء إذا شربه وهو متكئ .
الثانية : أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يطأُ عقبه رجلان , بمعنى أنه لم يكن يأذن
للناس أن يمشوا خلفه , فهذا من تواضعه الجم , فلو أنه أذن للصحابة رضي الله عنهم أن
يتبعوه لأوعب أكثرهم خلفه احتراما له وتعظيما , ولكنهم لم يكونوا يفعلون ذلك لما
يعلمون من كراهيته إياه .
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها " أن النبي صلى الله
عليه وسلم كان يخيط ثوبه, ويخصف نعله , ويعمل مايعمل الرجال في بيوتهم".(
صحيح الجامع الصغير رقم 4813)
فهذه أمثلة من تواضعه صلى الله عليه وسلم , حيث يقوم بشؤونه في البيت بنفسه مع كثرة
مشاغله والتزاماته, ومن صفات العظمة في الرجل أن لاتشغله الأمور الكبيرة عن الأمور
الصغيرة .
وقد جاءت توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم بالتواضع , والنهي عن الكبرياء , فمن
ذلك ما أخرجه الحافظ مسلم بن الحجاج من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة ,
قال :إن الله جميل يحب الجمال , الكبر بطر الحق وغمط الناس ".(
صحيح مسلم , رقم 91 , كتاب الإيمان , باب 39 (ص 93 ))
فهذا تحذير شديد من التخلق بخلق الكبر يدل على أنه من الكبائر حيث اقترن بهذا
الوعيد , وفي هذا الحديث تعريف بليغ للكبر , وهذا التعريف يُعدُّ من جوامع الكلم ,
حيث قلَّت ألفاظه وكثرت معانيه , وقد بين فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن الكبر
نوعان : النوع الأول التكبر عن قبول الحق , وذلك بأن يكون صاحبه قد عرف الحق واقتنع
به ولكنه لايريد اتباعه تكبرا , ومن ذلك كفر الكفار الذين دعاهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم وعرفوا الحق واعترفوا به لكنهم كفروا به لتكبرهم عن أن يكونوا تابعين بعد
أن كانوا رؤساء .
والنوع الثاني : الترفُّع على الناس احتقارا لهم , وهذا من دوافعه اتصاف صاحبه
بالغنى أو الشرف أو السلطان ونحو ذلك , فيرى أنه أعلى من الذين حوله فيترفع عليهم
ويحتقرهم .
ومن ذلك ما أخرجه الحافظ الترمذي وحسنه من حديث معاذ بن أنس الجهني عن أبيه رضي
الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من ترك اللباس تواضعا لله وهو يقْدر
عليه دعاه الله على رؤوس الخلائق, حتى يخيِّره من أي حُلَل الإيمان شاء يلبسها" .
وقولـه " من أي حلل الإيمان " قال أبو عيسى الترمذي : يعني مايعطَى أهل الإيمان من
حلل الجنة.(
سنن الترمذي , رقم 2481 , كتاب صفة القيامة باب 29 ( 4/650)).
فهذا الحديث فيه ترغيب عظيم على التواضع في اللباس , ببيان ماسيُحظَى به المتواضع
من ثواب جزيل في الجنة , وإن الثمن الذي يقدمه المسلم لشراء تلك السلعة الغالية هو
أن يترك اللباس الفاخر وهو يملك ثمنه تواضعا وزهدا في مظاهر الدنيا , فما أسهل
الثمن وما أعظم المثمن !!
ومن أمثلة ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على أهل التواضع ما أخرجه الحافظ أبو عيسى
الترمذي رحمه الله من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال : "كم من أشعث ذي طمرين لايُؤْبَه له , لو أقسم على الله لأبرَّه , منهم البراء
بن مالك " , قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح.(سنن
الترمذي , رقم 3854 , كتاب المناقب , باب 55 (5/692 )).
فهذا الحديث فيه بيان صفات من يستحقون هذا التكريم العظيم , ومن ذلك الزهد
والتواضع, وقد كانت أبرز أعمال البراء بن مالك رضي الله عنه الجهاد في سبيل الله
تعالى , فقد كان من أعظم الفدائيين الذين أثخنوا في الأعداء وكانوا سببا في انتصار
المسلمين , كما جرى منه يوم اليمامة حيث كان سببا في فتح حصن الأعداء بطريقة فدائية
رائعة , وكذلك يوم فتح تستر , وقد تذكَّر المجاهدون هذا الحديث حينما طال عليهم
الحصار فطلبوا منه أن يدعو الله تعالى بأن يهزم عدوهم , فقالوا : يابراء أَقْسم على
ربك ليهزمنَّهم لنا , فقال : اللهم اهزمهم لنا واستشهدني .
وهكذا سأل الله تعالى النصر للمسلمين وهو عزٌّ لهم وللإسلام , ومع ذلك لم يُغفل
نفسه أن يسأل الله تعالى أغلى مايتمناه المؤمن القوي الإيمان , حيث سأل الله تعالى
الشهادة .
وقد استجاب الله جل وعلا دعاءه فهزم الأعداء , ورزقه الشهادة (تاريخ
الطبري 4/84 – 85)
وإنه لموطن كريم يتجلَّى فيه قُرب الله تعالى من أوليائه المتقين حيث يجيب سُؤْلهم
, ويحقق لهم أمانيَهم السامية , لأنه اصطفاهم فمنحهم القوة العالية التي بها خدموا
دينه وأقاموا دولته في الأرض , حتى إذا أحبُّوا لقاءه منَّ عليهم بأشرف نهاية
ليصلوا إلى أسعد غاية .
وهذه ثمرة من ثمرات السلوك الإسلامي تظهر في هذه الحياة , حيث يكون المسلم العابد
المتقي لله تعالى قريبا منه جل وعلا , يحيطه بكنفه , ويستجيب دعاءه , وهذه من عاجل
بشرى المؤمن في هذه الحياة إلى جانب ما يدَّخره الله تعالى له في الآخرة من النعيم
المقيم .
* * *
- توجيهات ومواقف سلوكية –
- مواقف في الورع والعفة والزهد –
من أخبار أبي سعيد الخدري رضي الله عنه :
ذكر الحافظ ابن الجوزي من خبر أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أصبحت وليس عندنا
طعام وقد ربطت حجرا من الجوع , فقالت لي امرأتي : إئت رسول الله صلى الله عليه وسلم
فاسأله فقد أتاه فلان فسأله فأعطاه , وأتاه فلان فسأله فأعطاه , فقلت: لا حتى لا
أجد شيئا , فطلبت فلم نجد شيئا فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب , فأدركت
من قوله : " من يستغن يغنه الله ومن يستعفف يعفه الله" قال: فما سألت أحدا بعده ,
ومازال الله يرزقنا حتى ما أعلم أهل بيت من الأنصار أكير أموالا منا, رضي الله عنه.
(
صفة الصفوة 1/715 , وقول النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه الإمام أحمد في مسنده 3 /4).
فهذا مثل من العفة عن المال مع الضرورة إليه طلبا لرضوان الله تعالى , وهذا مثل من
اليقين والثقة بوعد الله جل وعلا , فأبو سعيد سعد بن مالك الخدري رضي الله عنه ما
أن سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم في الحث على العفة وما اشتمل عليه من الوعد
بإغناء الله سبحانه للعبد المحتاج وإعفافه برزق من عنده إذا هو أعف نفسه عن المسألة
حتى ترك ماكان عازما عليه من ذلك واستمر على تلك العفة حتى رأى تحقق وعد الله جل
وعلا فيه , فكان بعد ذلك من الأغنياء .
من أخبار سهيل بن عمرو رضي الله عنه :
ذكر الحافظ ابن الجوزي عن ابن قمادين قال : لم يكن من كبراء قريش الذين تأخر
إسلامهم فأسلموا يوم فتح مكة أكثر صلاة ولاصوما ولاصدقة ولا أقبل على مايعنيه من
أمر الآخرة من سهيل بن عمرو , حتى إن كان لقد شحب لونه , وكان كثير البكاء رقيقا
عند قراءة القرآن, لقد رئي يختلف إلى معاذ بن جبل يقرئه القرآن وهو بمكة حتى خرج
معاذ من مكة فقال له ضرار بن الخطاب : يا أبا يزيد تختلف إلى هذا الخزرجي يقرئك
القرآن ؟ ألا يكون اختلافك إلى رجل من قومك من قريش ؟ فقال : ياضرار هذا الذي صنع
بنا ماصنع حتى سُبقنا كل السبق, أي لعمري أختلف إليه , لقد وضع الإسلام أمر
الجاهلية , ورفع الله بالإسلام قوما كانوا لايُذكرون في الجاهلية, فليتنا مع أولئك
فتقدمنا.(
صفة الصفوة 1/731 – 732).
فهذا الخبر يحتوي على قبس من نور الهداية بعد ظلام الغواية , فلقد كان أبو يزيد
سهيل بن عمرو بن عبد شمس القرشي من أعظم المناوئين للإسلام قبل فتح مكة , وهو الذي
أبرم شروط الصلح الجائرة على المسلمين يوم الحديبية , ولكنه بعدما اهتدى إلى
الإسلام تحول إلى إنسان آخر.. لقد كان الهدف الذي يسعى له قبل أن يسلم هو أن يكتسب
شيئا من مجد الدنيا وعزها, ولم يكن مؤمنًا بالآخرة حتى يحسب لها حسابا , وكان من
أجل المجد الدنيوي يقف ضد دعوة الإسلام بإصرار وشدة , لأن الإسلام في نظره يحجب عنه
المنـزلة الاجتماعية العالية التي وصل إليها, ولكنه بعد أن أسلم أدرك أن الهدف
الأعلى للإنسان هو ابتغاء رضوان الله تعالى والسعادةُ الأخروية , وعرف أن الدنيا
بما فيها من مال ومجد ماهي إلا معبر للآخرة , فأدرك بثاقب بصره أن الاشتغال بالدنيا
عن الآخرة حماقة وطيش , وأن العقل السليم يقتضي منه أن يشتغل بالغاية , وأن يسخر
لها الوسيلة , فكان مكبا على الأعمال الصالحة من صلاة وصيام وصدقة وجهاد , حتى مات
شهيدا يوم اليرموك رضي الله عنه .
ومن قوة دينه ورسوخ يقينه أنه لم يلتفت للعصبية القبلية , فجعل من نفسه وهو الكبير
السن والمنـزلة في قومه تلميذا لأحد شباب الأنصار يعلمه القرآن , ولما اعترض عليه
في ذلك ضرار بن الخطاب أبان له بأن تلك التفرقة القبلية والاعتزاز بالقوم من أمر
الجاهلية , وأظهر فضل السابقين إلى الإسلام وإن كانوا مملوكين فضلا عن أن يكونوا من
قبائل أخرى .
من أخبار أبي هاشم بن عتبة رضي الله عنه :
ومن ذلك ما أخرجه أبو عيسى الترمذي والنسائي من حديث أبي وائل رضي الله عنه قال:
جاء معاوية إلى أبي هاشم بن عتبة وهو مريض يعوده , فوجده يبكي , فقال : ياخالُ
مايبكيك؟ أَوَجع يُشئزك [أي يقلقك] أم حرصٌ على الدنيا ؟ قال: كلا , ولكنَّ رسول
الله عهد إلينا عهدا لم آخذ به , قال: وما ذلك ؟ قال: سمعته يقول : إنما يكفي من
جمع المال خادم ومركب في سبيل الله, وأجدني اليوم قد جمعت. (سنن
الترمذي رقم 2328 في الزهد , باب في هم الدنيا وحبها , سنن النسائي 8/218 في الزينة
, باب اتخاذ الخادم)
وفي رواية : فلما مات حُصِّل ما خلَّف فبلغ ثلاثين درهما , وحُسبتْ فيه القصعة التي
كان يعجن فيها وفيها كان يأكل.(
جامع الأصول 1/612)
فهذا مثل من الخوف من الله تعالى وإحساس قوي ودقة في محاسبة النفس من هذا الصحابي
الجليل أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة القرشي , حيث ذكر وهو مريض ما أوصاهم به رسول
الله صلى الله عليه وسلم من الزهد في الدنيا والتقلل منها , فبكى من خشية الله
تعالى , مع أنه كان من الزاهدين , حيث لم يبلغ ما خلَّفه بعد موته ثلاثين درهما ,
ولكن من شدة خشيته تصور ماعنده من القليل كثيرا, وهذا دليل على قوة الإيمان وشدة
استحضار عظمة الله تعالى والدار الآخرة .
وهذا الذي بكى مما تصوَّر عدم تحقيقه ليس واجبا شرعا , لأنه لم يترك واجبا ولم
يرتكب محرما, وإنما هو من كمال الدين , ولكنَّ أهلَ الطموح نحو الكمال في الدين
يسوؤهم ويقضُّ مضاجعهم مايشعرون به من نقص في الحسنات وهمْ قادرون على أن يبلغوا
الكمال .
من أخبار عبد الله بن السعدي رضي الله عنه :
من ذلك ما أخرجه الإمام البخاري من حديث حويطب بن العزى رضي الله عنه أن عبد الله
ابن السعدي رضي الله عنه [هو
من بني عبد شمس العامري القرشي وإنما قيل له السعدي لأنه كان مسترضعا في بني سعد
(الفتح13/151)]
أخبره أنه قدم على عمر رضي الله عنه في خلافته فقال له عمر : ألم أحدَّث أنك تلي من
أعمال الناس أعمالا فإذا أُعطيت العُمالة كرهتها؟ فقلت: بلى , فقال عمر : ماتريد
إلى ذلك ؟ قلت : إن لي أفراسًا وأعبُدًا وأنا بخير , وأريد أن تكون عمالتي صدقة على
المسلمين , قال: عمر : لاتفعل فإني كنت أردت الذي أردت فكان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول : أعطه أفقر مني حتى أعطاني مرة مالاً فقلت : أعطه
أفقر إليه مني , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "خذه فتموَّلـه وتصدق به , فما
جاءك من هذا المال – وأنت غير مشرف ولاسائل – فخذه , وإلا فلا تتبعه نفسك".(
صحيح البخاري رقم 7163 , الأحكام (13/150)).
فهذا من أمثلة العفة , حيث كان عبد الله بن السعدي رضي الله عنه يعمل للمسلمين
أعمالا يستحق عليها الأجرة , ثم يأبى أن يأخذها ليكون أجره الأخروي كاملا , فأرشده
أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه إلى ما أرشده إليه النبي صلى الله عليه وسلم , حيث
يجمع بين عملين صالحين : التعفف عن مال المسلمين العام , والتصدق به على الفقراء .
من أخبار الأمم الماضية :
من ذلك ماذكره وهب بن منبه اليماني قال : أتَى رجل من أفضل أهل زمانه إلى ملك كان
يفتن الناس على أكل لحم الخنزير , فأعْظَمَ الناس مكانه وهالَهم أمره , فقال له
صاحب شرطة الملك – سرّا بينه وبينه - : أيها العالم اذبح جدْيًا مما يحل لك أكله ثم
ادفعه إليَّ حتى أصنعه لك على حِدته , فإذا دعا الملك بلحم الخنـزير أمرتُ به فوُضع
بين يديك فتأكلَ منه حلالا , ويرى الملك والناس أنك إنما أكلت لحم الخنـزير , فذَبح
ذلك العالم جديًا , ثم دفعه إلى صاحب الشرطة فصنعه له , وأمر الطباخين إذا أمر
الملك بأن يقدَّم إلى هذا العالم لحمُ الخنـزير أن يضعوا بين يديه لحم هذا الجدي ,
واجتمع الناس لينظروا أمر هذا العالم فيه , أيأكل أم لا ! وقالوا : إن أكل أكلنا
وإن امتنع امتنعنا , فجاء الملك فدعا لهم بلحوم الخنـزير فوُضعت بين أيديهم , ووُضع
بين يدَي العالم لحمُ ذلك الجدي الحلال المذكَّى .
فألهم الله ذلك العالم فألقى في رُوعه وفكره , فقال : هبْ أني أكلت لحم الجدي الذي
أعلم حلَّه أنا فماذا أصنع بمن لايعلم ؟ والناس إنما ينتظرون أكلي ليقتدوا بي , وهم
لايعلمون إلا أني إنما أكلت لحم الخنـزير , فيأكلون اقتداء بي , فأكون ممَّن يحمل
أوزارهم يوم القيامة , لا أفعل والله وإن قُتلت وحُرِّقت بالنار , وأبَى أن يأكل ,
فجعل صاحب الشرطة يغمز إليه ويرمئ إليه ويأمره بأكله , أي إنما هو لحم الجدي ,
فأَبى أن يأكل , ثم أمره الملك أن يأكل فأبى فألحُّوا عليه فأبى, فأمر الملك صاحب
الشرطة بقتله .
فلما ذهبوا به ليقتلوه قال له صاحب الشرطة : مامنعك أن تأكل من اللحم الذي ذكَّيتَه
أنت ودفعتَه إلي ؟ أظننت أني أتيتك بغيره وخُنتك فيما ائتمنتني عليه ؟ ماكنت لأفعل
والله , فقال له العالم : قد علمت أنه هو ولكن خفت أن يتأسى الناس بي , وهم إنما
ينتظرون أكلي منه ولايعلمون إلا أني إنما أكلت لحم الخنـزير وكذلك كل من أريد على
أكله فيما يأتي من الزمان يقول: قد أكله فلان , فأكون فتنةً لهم , فقُتل رحمه
الله.(البداية
والنهاية 9/4)
فهذا الخبر من روائع الأخبار التي حفظها وهب بن منبه اليماني رحمه الله تعالى عن
أهل الكتاب, ورواية هذا الخبر وأمثاله جائزة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "
حدِّثوا عن بني إسرائيل ولاحرج" [صحيح
البخاري , أحاديث الأنبياء , رقم 3461 (6/496 )]
ولكونه موافقا لما جاء في شريعة الإسلام .
وقد كان وهب بن منبه من أوعية العلم , ومن أهل الصلاح والعبادة , وهو من التابعين .
أما ذلك العالم الرباني الذي أخبر عنه وهب فقد كانت همته متوجهة إلى الآخرة وإلى
تذكُّر موقفه للحساب بين يدي الله تعالى , فقد تذكَّر أن الله تعالى سائله عن تلك
الأمة التي ستقتدي به وسترتكب الإثم بسببه , فحالفه توفيق الله تعالى وهداه عقله
السليم إلى أن النجاة من عذاب الدنيا مطلب رخيص لأنه لايعادل ذرة من عذاب الآخرة ,
وأن سعادة الدنيا لاتعدل ذرة من سعادة الآخرة , فقرر الامتناع من أكل ذلك اللحم مع
يقينه بأنه من اللحم الحلال , حتى لايفتن الناس في عصره ومن يأتون بعد ذلك , حيث
إنه سيظهر للناس أنه قد أكل لحم الخنـزير .
وهذا مثل رفيع في الورع والخشية , وذلك مبني على المحافظة على استقامة الناس
وهدايتهم , وهذا مطلب مهم في الإسلام .
هذا وإن الورع من أفضل العبادات كما جاء في قوله رسول الله صلى الله عليه وسلم :"
يا أبا هريرة كن ورعًا تكن أعبد الناس " أخرجه الإمام ابن ماجه , وقال البوصيري :
إسناده حسن. (
سنن ابن ماجه رقم 4217 , كتاب الزهد).
* * *
- مواقف جهادية من السيرة النبوية –
- مثل من اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالجهاد –
(غزوة السويق )
قال أبو محمد عبد الملك بن هشام : حدثنا زيادُ بن عبد الله البكَّائي , عن محمد بن
إسحاق المُطلبي , قال: ثم غَزَا أبو سُفيان بن حَرْب غَزْوة السَّويق في ذي الحجة [يعني
من السنة الثانية للهجرة]
, وولي تلك الحجة المشركون من تلك السنة , فكان أبو سفيان – كما حدثني محمد بن جعفر
بن الزّبير , ويزيد بن روُمان , ومن لا أتهم , عند عبد الله بن كعب بن مالك , وكان
من أعلم الأنصار – حين رجع إلى مكة , ورجع فلُّ قُريش من بدر , نذر أن لايمس رأسه
ماءٌ من جنابة حتى يغزو محمدًا صلى الله عليه وسلم , فخرج في مئتي راكب من قُريش ,
ليبرّ بيمينه , فسلك النجدية , حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له ثيب , من المدينة
على بريد أو نحوه , ثم خرج من الليل , حتى أتى بني النضير تحت الليل, فأتى حُيَىّ
بن أخطب , فضرب عليه بابه , فأبى أن يفتح له بابه وخافه, فانصرف عنه إلى سلام بن
مشكم , وكان سيد بني النضير في زمانه ذلك , وصاحب كنـزهم , فاستأذن عليه , فأذن له,
فقراه وسقاه , وبطن له من خبر الناس , ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه .
فبعث رجالاً من قُريش إلى المدينة , فأتوا ناحية منها , يقال لها : العُريض ,
فحرقوا في أصْوار [الأصوار
جمع صور وهو النخل المجتمع المتقارب]
من نخل بها , ووجدوا بها رجلاً من الأنصار وحليفا له في حرث لهما , فقتلوهما, ثم
انصرفوا راجعين .
ونذر بهم الناس فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم واستعمل على المدينة
بشير بن عبد المنذر, وهو أبو لبابة , فيما قال ابن هشام حتى بلغ قرقرة الكدْر , ثم
انصرف راجعا , وقد فاته أبو سفيان وأصحابه , وقد رأوا أزوادا من أزواد القوم قد
طرحوها في الحرث يتخففون منها للنجاء, فقال المسلمون , حين رجع بهم رسول الله صلى
الله عليه وسلم : يارسول الله أتطمع لنا أن تكون غزوة ؟ قال: نعم.
وفي هذه الغزوة مواقف منها :
أولاً : شدة اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالجهاد , فما يكاد يطرق المدينة
طارقُ شرٍّ إلا ويكون النبي صلى الله عليه وسلم في مقدمة المنتدبين لملاحقة ذلك
الطارق , ولقد كان بإمكان النبي صلى الله عليه وسلم أن يظل في أمن وطمأنينة وأن
يرسل سرية في كل أمر يهمه , خاصة وأن لديه من الجنود من يفدونه بأرواحهم وماملكت
أيديهم .
ولكنه صلى الله عليه وسلم مشرِّع للأمة , فهو يطمح دائمًا إلى معالي الأمور ,
والقمم العليا من الأعمال الصالحة , لأنه قدوة حسنة للمؤمنين , فإذا رأوه يخرج
بنفسه إلى الجهاد في سبيل الله تعالى مع مقدرته على أن يُنيب عنه من يؤدِّي المهمة
بنجاح , فإنهم يتنافسون على هذا العمل الصالح العالي, وبالتالي فإن الأمة المستقيمة
على منهج نبيها صلى الله عليه وسلم لن تمر عليها ظروف يقل فيها عدد المجاهدين عن
حاجة المسلمين .
وقد أبان النبي صلى الله عليه وسلم عن رغبته الشديدة في الجهاد بقوله الذي أخرجه
الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه " والذي نفسي بيده لولا أن رجالا من
المؤمنين لاتطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية
تغدو في سبيل الله , والذي نفسي بيده لوددت أني أُقتل في سبيل الله ثم أحيا , ثم
أقتل ثم أحيا , ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل". (
صحيح البخاري , كتاب الجهاد , رقم 2797 (6/16)).
ثانيًا : قول الصحابة رضي الله عنهم " يارسول الله أتطمع أن تكون لنا غزوة ؟قال:
نعم" .
فهذا يُعدُّ تطبيقا عمليا لما رباهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم من حب الجهاد
والأمل الكبير في ثوابه الجزيل, فحينما رجعوا بدون قتال خافوا أن لاتكتب لهم تلك
السفرة غزوة في سبيل الله تعالى , فطمأنهم النبي صلى الله عليه وسلم على حصول
مايحبون من ذلك .
* * *
- موقف لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الثبات والشجاعة –
(غزوة غَطَفَان بذي أَمَرّ )
قال محمد بن عمر الواقدي رحمه الله تعالى :
وكانت في ربيع الأول , على رأس خمسة وعشرين شهرًا . خرج رسول الله صلى الله عليه
وسلم يوم الخميس لثنتي عشرة خلت من ربيع [يعني
في السنة الثالثة للهجرة]
, فغاب أحد عشر يومًا .
ثم روى عن عدد من شيوخه أنهم قالوا : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ جمعًا
من ثَعلبة ومُحارب بذي أمر , قد تجمعوا يُريدون أن يُصيبوا من أطراف رسول الله صلى
الله عليه وسلم , جمعهم رجلٌ منهم يقال له دُعْثور بن الحارث بن مُحارب .
فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين , فخرج في أربعمائة رجل وخمسين , ومعهم
أفراس , فأخذ على المُنَقَّى [المنقى
: اسم للأرض التي بين أحد والمدينة ( وفاء الوفا ,2/379)]
, ثم سلك مضيق الخُبَيت [الخبيت
: على بريد من المدينة ( معجم ما استعجم /306)],
ثم خرج إلى ذي القَصَّة [ذو
القصة : موضع على بريد من المدينة تلقاء نجد . (وفاء الوفا 2/362 )]
, فأصاب رجلاً منهم بذي القصة يقال له جبار من بني ثعلبة , فقالوا : أين تُريد ؟
قال: أريد يثرب . قالوا : وماحاجتك بيثرب ؟ قال: أردت أن أرتاد لنفسي وأنظر . قالوا
: هل مررت بجمع , أو بلغك خبر لقومك؟ قال: لا , إلا أنه قد بلغني أن دُعثور بن
الحارث في أناس من قومه عُزل .
فأدخلوه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه إلى الإسلام فأسلم , وقال: يامحمد
, إنهم لن يُلاقوك, إن سمعوا بمسيرك هربوا في رءوس الجبال , وأنا سائرٌ معك ودالُّك
على عَوْرَتهم . فخرج به النبي صلى الله عليه وسلم وضمه إلى بلال , فأخذ به طريقًا
أهبطه عليهم من كَثيب , وهربت منه الأعرابُ فوق الجبال, وقبل ذلك ماقد غيّبوا
سَرْحهم في ذُرَى الجبال وذراريِّهم, فلم يُلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم
أحدًا, إلا أنَّه ينظر إليهم في رءوس الجبال .
فنـزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا أمَرّ وعسكر معسكرهم فأصابهم مطرٌ كثيرٌ ,
فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته فأصابه ذلك المطر فبلَّ ثوبَه , وقد جعل
رسول الله وادي ذي أمَرّ بينه وبين أصحابه . ثم نزع ثيابه فنشرها لتَجفَّ , وألقاها
على شجرة ثم اضطجع تحتها والأعرابُ ينظرون إلى كلِّ مايفعل.
فقالت الأعراب لدُعْثور , وكان سيّدها وأشجعها , قد أمكنك محمد , وقد انفرد من
أصحابه حيث إن غَوَّث بأصحابه لم يُغَثْ حتى تقتله . فاختار سيفًا من سيوفهم صارمًا
, ثم أقبل مُشتملاً على السيف حتى قام على رأس النبي صلى الله عليه وسلم بالسيف
مشهورًا , فقال : يامحمد , من يمنعك مني اليوم ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: الله ! قال: ودفع جبريل عليه السلام في صدره ووقع السيف من يده , فأخذه رسول الله
صلى الله عليه وسلم , وقام به على رأسه فقال : من يمنعك مني اليوم ؟ قال : لا أحد.
قال: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله , والله لا أكثِّر عليك
جمعًا أبدًا ! فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه , ثم أدبر , ثم أقبل بوجهه
فقال : أما والله لأنت خير مني . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا أحق بذلك
منك .
فأتى قومه فقالوا : أين ماكنت تقول وقد أمكنك والسيف في يدك ؟ قال: والله كان ذلك
ولكني نظرت إلى رجل أبيض طويل , دفع في صدري فوقعت لظهري , فعرفت أنه ملك وشهدت أن
لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله , والله لا أكثِّر عليه ! وجعل يدعو قومه
إلى الإسلام , ونزلت هذه الآية فيه : (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ
قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ
وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ{11})
[المائدة :11] . (المشهور
عند المفسرين أن هذه الآية نزلت حينما أراد بنو النضير أن يفتكوا بالنبي صلى الله
عليه وسلم , وقيل أنها نزلت حينما أراد رجل أن يفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم في
غزوة ذات الرقاع , ومعنى الآية ينطبق على الوقائع الثلاث).
وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في غاية الثبات ورباطة الجأش والسيف مصلت عليه
. وقد حمله رجل شجاع , كما كان في غاية التوكل على الله تعالى حينما قال له دعثور :
من يمنعك مني ؟ فقال: الله. والنبي صلى الله عليه وسلم يعطي بهذا درسًا بليغًا في
التوكل على الله جل وعلا واستحضار عظمته ومعيَّته لأوليائه بالنصر والتأييد , وقد
استفاد من ذلك أولياء الله تعالى على مر الزمن , فمنع الله سبحانه عنهم أعداءهم
وحماهم حتى من السباع المهلكة , وكانت كرامات منه تعالى لأوليائه المؤمنين الصادقين
.
وأدرك ذلك الرجل الذي جاء ليغدر بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه ممنوع منه , ورأى
بعينه الملك الذي جاء يحميه , حيث ظهر له بصورة رجل أبيض طويل فدفع في صدره حتى وقع
لظهره , فكان ذلك سببا في استسلامه وإسلامه , وكفَّه الله تعالى بذلك وقومه عن
المؤمنين لأنه كان فيهم سيدًا مطاعا.
* * *
انتهت
|