|
المصلحون العدد : الثالث عشر
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 –
أضواء من هدي القرآن الكريم .
2 –
أضواء من الهدي النبوي .
3 –
توجيهات ومواقف سلوكية .
4 –
مواقف جهادية من السيرة النبوية .
-أضواء من هدي القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى
(قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ
كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ{137} هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى
وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ{138} وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ
الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{139} إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ
الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ
وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ
يُحِبُّ الظَّالِمِينَ{140} وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ
الْكَافِرِينَ{141} أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ
اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ{142} وَلَقَدْ
كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ
وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ{143})
[ آل عمران :137- 143] .
[137] بعد أن نهى الله سبحانه عن أكل الربا ووجه المسلمين تلك التوجيهات السامية
رجع السياق إلى الحديث عن غزوة " أحد " ومافيها من العبر العظيمة فقال تعالى (قَدْ
خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ
عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ)
وفي هذا يشير الله سبحانه إلى ماحدث للمسلمين يوم أحد من الإصابة على يد أعدائهم
حيث استشهد منهم سبعون ، فبين الله سبحانه بأنه قد مضت أمم جرت فيها سنن الله تعالى
حيث كان القتال يجري بين المؤمنين والكافرين وأنه قد يحصل على المؤمنين إصابة ولكن
العاقبة الحميدة للمؤمنين في الدنيا والآخرة ، والعاقبة السيئة تكون للكافرين ،
فتأملوا أيها المسلمون في تاريخ الأمم الماضية لتنظروا أي مآل سيِّءٍ آل إليه
الكافرون الذين كذبوا رسلهم عليهم السلام .
[138] (هَـذَا
بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)
هذا الذي ذُكر من الإشارة إلى سنن الله سبحانه في الأمم مع رسلهم والعاقبة الحميدة
للمؤمنين في الدنيا والآخرة مع ما يصيبهم في الدنيا أحيانا ، والعاقبة السيئة
للكافرين المكذبين .. هذا بيان للناس كافة ، ولكن هل يهتدون به ويتعظون ؟ إنما
يهتدي ويتعظ به المتقون الذين جمعوا بين الإيمان الصادق والعمل الصالح .
[139] ثم يتواصل السياق في بيان العبر والتوجيهات المستفادة من غزوة أحد فيقول الله
تعالى (وَلاَ
تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ)
يعني لاتضعفوا ولاتحزنوا لما أصابكم على يد أعدائكم والحال أنكم أنتم الأعلون ..
أنتم الأعلون في الآخرة لأن لكم الخلود في السعادة وللكافرين الخلود في الشقاوة ،
وأنتم الأعلون في الدنيا لأنكم متمسكون بالدين الإلهي وتعبدون الله وحده خالقكم
وخالق جميع الكون ، وهم يدينون بالدين البشري ويعبدون الأوثان المخلوقة ، وأنتم
أصحاب الخلافة في الأرض التي وعدكم الله تعالى بها وهم متفرقون تائهون لايحلمون
بأكثر مما بأيديهم (إِن
كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)
حقا فلا تهنوا ولا تحزنوا فإنما العاقبة لكم وإن أُصبتم في بعض الطريق .
[140] (إِن
يَمْسَسْكُمْ)
أيها المؤمنون (قَرْحٌ)
أي إصابة ، وذلك ما أصابهم في "أحد" من القتل والجراح (فَقَدْ
مَسَّ الْقَوْمَ)
وهم
كفار مكة يوم بدر (قَرْحٌ
مِّثْلُهُ)
يعني فقد أصيبوا في بدر مثل ما أُصبتم في أحد ، فالمثلية في الآية في الإصابة لا في
حجمها ، فإن الكفار يوم بدر قد أصيبوا بمثلَيْ إصابة المسلمين في أحد كما جاء في
قول الله تعالى
(أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى
هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ)
[ آل عمران :165] يعني حيث قتل من المشركين يوم بدر سبعون وأسر منهم سبعون بينما
استشهد من المسلمين يوم أحد سبعون .
(وَتِلْكَ
الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)
يعني وتلك الأيام التي تقع فيها المواجهات نُصرِّفها بين الناس، فمرة يكون النصر
ومرة تكون الهزيمة ، وما يقع على المسلمين من الإصابة على يد أعدائهم فيه حِكَم
عظيمة ذكر الله سبحانه بعضها بقوله (وَلِيَعْلَمَ
اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ)
يعني وليميز الله الذين آمنوا فيظهرهم على طبقاتهم في الإيمان فيتبين أقوياء
الإيمان على درجاتهم في الثبات والصبر ويتبين ضعفاء الإيمان .
(وَيَتَّخِذَ
مِنكُمْ شُهَدَاء)
فهذا من حِكَم الإصابة على يد الأعداء أن ينال الشهادة من اختارهم الله عز وجل لذلك
، وسُمِّي المقتول في سبيل الله شهيدا لأنه بتضحيته بنفسه من أجل الله تعالى قد
قدَّم شهادة سامية بأن هذا الدين العظيم الذي فداه بنفسه دين حق ، لأن الإنسان لا
يغامر بنفسه إلا من أجل أمر عظيم ، ولأن كل من سمع به – حتى من الكفار – سيقول :
لولا أن هذا الدين عظيم ما قدَّم هؤلاء المقتولون أنفسهم من أجله ، فوقوع الشهداء
في معركة أحد وغيرها ليس أمرًا خاضعا للأسباب والمسببات فحسب ، وإنما لأن الله عز
وجل أراد أن يختار عددا من أوليائه ليكونوا شهداء على عظمة هذا الدين الإسلامي .
(وَاللّهُ
لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)
الذين ظلموا أنفسهم فاختاروا طريق النفاق وخذلوا المؤمنين فكشفهم الله تعالى
بالابتلاءات والمحن .
[141] (وَلِيُمَحِّصَ
اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ)
يعني ومن حِكَم الإصابة في معركة أحد وأمثالها من المحن أن يطهر الله تعالى قلوب
المؤمنين وأن ينقيها من الاعتقادات الوهمية حول قدرة النفس على الصمود والبذل ، فقد
يظن الإنسان أن لديه قدرات عالية على تحمل الشدائد والتضحية والبذل ما دامت هذه
المعاني متخيلة في الذهن ، فإذا جابه الواقع عرف نفسه على حقيقتها فأصبح بعد ذلك
يكمل نفسه بالتربية نحو الترقي إلى المعالي بعد أن يدرك مواطن الضعف في نفسه .
(وَيَمْحَقَ
الْكَافِرِينَ)
أي حصل ما حصل من الإصابة في معركة أحد ليكشف الله المنافقين الكافرين فيظهر كفرهم
الذي يسترونه عنكم أيها المؤمنون ، وذلك بتخاذلهم وانهزامهم وخيانتهم.
[142] ثم يبين الله سبحانه أنه مادام قد استقر في ذهن المسلم أن مصير الإنسان في
الآخرة إما إلى الجنة أو إلى النار ، وأن حلم المسلم الكبير أن يكون مصيره إلى
الجنة فليعلم أن طريق الجنة محفوف بالمشاق والمكاره فيقول تعالى (أَمْ
حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ
جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)
يعني هل ظننتم أيها المسلمون أن تدخلوا الجنة التي هي أسمى أمانيكم ، وأنتم لم تظهر
منكم الاستقامة على شريعة الله جل وعلا ؟ وقد ذكر الله سبحانه الجهاد والصبر
المترتب على الجهاد ، وذلك من باب الدلالة بالأعلى من حيث المشقة على الأدنى من هذا
الجانب ، ولأن سياق الآيات في الجهاد .
والجهاد يشمل الجهاد بالنفس وبالمال وباللسان ، كما قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم " (سنن
أبي داود ، رقم 2504 ، سنن النسائي 6/7 ، مسند أحمد 3/124 ، صحيح الجامع الصغير
رقــم 3085 (3/79)).
وكما قال صلى الله عليه وسلم " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" . (مسند أحمد
3/19 ، صحيح الجامع الصغير رقم 1111 (1/361) ).
وكل نوع من أنواع هذا الجهاد يحتاج إلى بذل الجهد والصبر والمصابرة ، فأما الجهاد
بالنفس فالأمر فيه واضح ، فالمجاهد بنفسه يبذل جهدا ومشقة منذ أن يبدأ بالسفر
للجهاد ، ثم هو يخاطر بنفسه في قتال الأعداء ، وأما المجاهد بلسانه فإنه قد يتعرض
لنقمة الحكام الجبارين إذا أنكر عليهم، وربما كان مصيره السجن ، وربما حصل له الأذى
في ذلك ، وقد ينال الشهادة بسبب قول كلمة حق ، وأما المجاهد بماله فربما أثار بذلك
نقمة الأعداء فتسببوا في تعطيل تجارته وإيذائه.
أما ذِكْر الصبر في الآية فإنه مناسب مع ذكر الجهاد ، فكل المجاهدين بأنواعهم
يحتاجون إلى الصبر القوي الطويل ، والصبر بأنواعه الثلاثة مطلوب من المسلم أن يحققه
في حياته وهي : الصبر على طاعة الله تعالى ، والصبر عن معاصيه ، والصبر على أقداره
المؤلمة .
[143] (وَلَقَدْ
كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ)
والخطاب للصحابة رضي الله عنهم ، وتمنى الموت المذكور حينما ألح بعضهم على رسول
الله صلى الله عليه وسلم بالخروج من المدينة لقتال الأعداء وأظهروا رغبتهم في
الشهادة (فَقَدْ
رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ)
يعني رأيتم في معركة أحد من سقط منكم شهداء وتعرضتم لذلك ، وقد تم ذلك حينما نزل
أكثر الرماة الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بحراسة المسلمين من خلفهم ، فرأى
الأعداء تلك الثغرة وهجموا على جيش المسلمين من خلفهم فتفرقوا ، وثبت منهم مع النبي
صلى الله عليه وسلم في مركز القيادة قلة وقاتلوا العدو وسقط عدد منهم شهداء ،
وطوَّق العدو طائفة من المسلمين فاستطاعوا أن يفكوا طوق الأعداء ببسالة منقطعة
النظير حتى وصل من نجا منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما سمعوا صوته وهو
ينادي المسلمين ، وفرَّ طائفة منهم إلى أعلى الوادي ثم رجعوا لما علموا بمكان النبي
صلى الله عليه وسلم ، وكان الأمر الكبير الذي أربكهم هو سماعهم صوتا يقول من أعلى
الجبل : ألا إن محمدًا قد قتل ، وكان ذلك صوت الشيطان ، فالله تعالى يقول للصحابة
رضي الله عنهم : لقد رأيتم الموت الذي كنتم تمنونه عيانا فهل ثبتم حتى تستشهدوا ؟
فأما بعض الصحابة فإنهم قد ثبتوا حتى استشهد منهم سبعون ، وأما بعضهم فقد دهشوا
بسماع خبر مقتل النبي صلى الله عليه وسلم المكذوب فتفرقوا عن أرض المعركة ثم عادوا
بعد ذلك لما علموا بوجود النبي صلى الله عليه وسلم حيا ، وعلى الرغم من أن أكثر
الصحابة قاتلوا ببسالة عظيمة فقد نزلت هذه الآية لتذكير بعض الصحابة الذين اختلفت
حالهم لما شاهدوا الموت عيانا عن حالهم قبل ذلك حينما كانوا يتمنونه ، وذلك ليكون
في ذلك عبرة لهم ولمن سيأتي بعدهم من المسلمين من أجل أن يَتَرقَّوا بإيمانهم لتكون
مواجهتهم للواقع في حال الشدائد منسجمة مع الجانب الفكري المتخيل الذي يُبنَى على
الأماني .
* * *
- أضواء من الهدي النبوي -
- فضل الوفاء بالوعد-
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : فهذه أحاديث سلوكية في مجال مكارم الأخلاق , فمن مكارم الأخلاق الوفاء
بالوعد , ومما جاء في الترغيب في ذلك ما أخرجه أبو داود السجستاني رحمه الله من
حديث عبد الله بن أبي الحمساء رضي الله عنه قال : بايعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم ببيع قبل أن يبعث , وبقيَتْ له بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه , فنسيت ثم
ذكرت بعد ثلاث فجئت فإذا هو في مكانه , فقال : يافتى لقد شققت علي أنا ههنا منذ
ثلاث أنتظرك ( سنن أبي داود رقم 4696 , الأدب (5/268)).
وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مجبولا على مكارم الأخلاق منذ صغره ,
ولشهرته بالصدق والوفاء لقَّبه قومه بالأمين .
فهذا يبين لنا اهتمام الصحابة رضي الله عنهم بالوفاء بالوعود , فأبو بكر رضي الله
عنه قد تحمَّل الوفاء بالوعود التي وعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولم ينتظر
حتى يأتي أصحاب تلك الوعود بل أعلن ذلك لإبراء ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ,
كما أن في ذلك رفعا للحرج عن أصحاب تلك الوعود , لأن بعضهم قد لايتقدم بالطلب بدون
ذلك .
ولقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إخلاف الوعد كما جاء في حديث أخرجه أبو
عيسى الترمذي رحمه الله من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال : "لاتمارِ أخاك ولاتمازحه, ولاتَعِدْه موعدة فتخلفه ".( سنن الترمذي
, رقم 1995 , البر ( 4/359))
فالوفاء بالوعد واجب,ويترتب على إخلاف الوعد ضياع الحقوق وفساد القلوب , وذلك فيما
يتولد في قلب من أُخلِف وعْدُه على من أَخلف ذلك من الضغينة والموجدة,وذلك يؤثر في
الأخوة الإيمانية بينهما.
ولما كانت التجارة مظنة لإخلاف الوعد فإنه يحسن بنا أن نكمل هذه الحلقة بذكر أحاديث
بيَّن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فضيلة التُّجَّار الصادقين الأمناء , ,
وعقوبة الكاذبين الخائنين حيث يقول "التاجر الأمين الصدوق مع النبيين والصدقين
والشهداء " أخرجه أبو عيسى الترمذي رحمه الله من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
وقال : حديث حسن.( سنن الترمذي , رقم 1209 , البيوع (3/515)).
ففي هذا الحديث فضيلة عظيمة للتجار الذين يعاملون الناس بالأمانة والصدق , فإن
النبيين عليهم الصلاة والسلام والصديقين والشهداء في المنازل العليا من الجنة ,
فاللحاق بهم أمنية غالية عند كل مسلم,وإذا كان التزام الصدق والأمانة في التجارة
مما يوصل إلى تلك الدرجات العالية في الجنة فما أعظم السلعة وما أبخس الثمن,فإن كل
تاجر يستطيع باتباع الحق وإلجام هوى النفس أن يصل إلى هذه السلعة الغالية , وإن
الوعد الكريم ليعدُّ من أقوى الحوافز على احتراف التجارة مع لزوم الأمانة والصدق .
ولقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم على التجار بحكم شديد مُروِّع إذا لم يتقوا الله
تعالى وذلك فيما أخرجه أبو عيسى الترمذي رحمه الله من حديث رفاعة بن رافع رضي الله
عنه قال : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فرأى الناسَ يتبايعون
فقال : " يامعشر التجار , فاستجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعوا أعناقهم
وأبصارهم إليه , فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلى من اتقى الله وبرَّ
وصدق" قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .( سنن الترمذي , رقم 1210 , البيوع (
3/515))
وهذا الحكم الشديد يدفع التجار إلى أن يثوبوا إلى رشدهم ويحاسبوا أنفسهم حسابا
دقيقا حتى لايُبعثوا يوم القيامة فجارا , وذلك بأن يَصدُقوا في أقوالهم ومعاملاتهم
وأن يفوا بوعودهم .
وإننا لنجد في هذا الحديث والذي قبله حكمين على التجار متباعدين تماما , فالحديث
الأول يحكم على التجار بأنهم مع النبيين والصديقين والشهداء,والثاني يحكم عليهم
بأنهم فجار , والفارق الوحيد في بواعث هذين الحكمين أن التجار إذا صدقوا ووفوا ولم
يخونوا حازوا على الحكم الأول,أما إذا كذبوا وغدروا وخانوا فإنهم يبوؤون بالحكم
الثاني,وإنه بقدر مايؤدي الحديث الأول إلى الترغيب البليغ في احتراف التجارة فإن
الحديث الثاني يؤدي إلى الترهيب الشديد من ذلك, ولكن باستطاعة المسلم الذي يتصرف
بعقله السليم أن يَدخل في التجارة وأن يلتزم بالأمانة والصدق والوفاء ليحوز على ذلك
الثواب الجزيل وليكون من السعداء في هذه التجارة .
ونظرًا لأن الإنسان ينسى سريعا وقد تغلبه نفسه الأمارة بالسوء ووساوس الشيطان
فيزلُّ لسانه بكذب أو بحلف يروِّج به سلعته ونحو ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم
قد وجه التجار إلى أن يتصدقوا من أموالهم كما أخرج النسائي رحمه الله من حديث قيس
بن أبي غَرَزة قال: أتانا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن في السوق فقال : " إن هذه
السوق يخالطها اللغو والكذب فشوبوها بالصدقة " .
وفي رواية لـه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يامعشر التجار إنه يشهد بيعكم
الحلف والكذب فشوبوه بالصدقة ". (سنن النسائي 7/15 , وأخرج نحوه أبو داود – سنن أبي
داود رقم 3326 و3327 البيوع , باب في التجارة يخالطها الحلف)
أي تصدقوا من أموالكم ليُكفِّر الله تعالى بها ذنوبكم , فإن الصدقة يمحو الله بها
الخطايا كما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " والصدقة تطفئ الخطيئة" .
فليسارع التجار إلى الإنفاق من أموالهم على المستحقين , وليسهموا في رفع البلاء عن
المسلمين في أقطار الأرض الذي تكدَّس عليهم من جرَّاء الحروب والجوائح والقحط ,
فلعل الله تعالى أن يغفر لهم الزلل الذي قد يتورطون فيه .
وهذا يردُّ على الذين يقولون إن الصدقة لاتشرع إلا من مال حلال , حيث يثبت هذا
الحديث أن الصدقة تطهِّر المال من الشوائب , ولكن هذا لايعني أن يتعمد الإنسان
الكسب الحرام اعتمادا على أن الصدقة تكفر ذلك , ولكن حينما يقع الإنسان في شيء من
ذلك فإنه يعمل بتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم المذكور في هذا الحديث .
- توجيهات ومواقف سلوكية -
-مواقف في الورع والعفة والزهد –
من
أخبار عبد الله بن عمر رضي الله عنهما :
وعن حمزة بن عبد الله بن عمر رحمه الله ورضي عن أبيه وجده عن عبد الله بن عمر قال:
خطرت هذه الآية
(لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ)
[آل عمران: 92] فتذكرت ماأعطاني الله فما وجدت شيئًا أحب من جاريتي رميثة , فقلت :
هذه حرة لوجه اله , فلولا أني لا أعود في شيء جعلته لله لنكحتها , فأنكحها نافعا
وهي أم ولده . (صفة الصفوة 1/568).
فهذا مثل من الإسراع في فعل الخيرات وتطبيق التوجيهات الإلهية وإن كانت من النوافل
التي تقاوم رغبات النفس وأهوائها .
وهكذا يُحلِّق السابقون بالخيرات في أجواء عالية من الاستقامة ونسيان الذات في سبيل
السمو نحو تطبيق الأهداف العليا للإسلام .
إن هوى النفس يظل مسيطرا على سلوك الإنسان مادام فكره يدندن حول المستقبل الدنيوي,
ولكن حينما يكون المستقبل الأخروي هو الذي يشغل فكر الإنسان فإنه يتنازل طوعا
واختيارًا عن كثير من هواه ليحَوِّل ذلك إلى عمل صالح يرفع رصيده في الحياة الآخرة
.
ومن ذلك مارواه الحافظ أبو نعيم من حديث قزعة قال: رأيت على ابن عمر ثيابا خشنة- أو
جشبة - [أي غليظة] فقلت له : يا أبا عبد الرحمن إني أتيتك بثوب ليِّن مما يُصنع
بخراسان, وتقرُّ عيناي أن أراه عليك, فإن عليك ثيابا خشنة – أو جشبة – فقال:
أَرِنِيه حتى أنظر إليه قال: فلمسه بيده وقال: أحريرٌ هو ؟ قلت : لا إنه من قطن ,
قال: إني أخاف أن ألبسه , أخاف أن أكون مختالا فخورا , والله لايحب كل مختار فخور.
( الحلية 1/302).
وهكذا ترك عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ذلك اللباس مع أنه مباح خشية مشابهة أهل
الفخر والخيلاء , وفضَّل البقاء على لباسه الخشن لأنه أقرب إلى الزهد والتواضع .
ومن مواقفه رضي الله عنه في الخشية من الله تعالى مارواه الإمام أحمد من حديث
البراء بن سليم قال: سمعت نافعا يقول : ماقرأ ابن عمر هاتين الآيتين قط مـن آخر
سورة البقرة إلا بكى
(وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ)
[البقرة :284] ثم يقول : إن هذا لإحصاء شديد .( صفة الصفوة 1/576)
وهذا يُعدُّ مثلا عاليا في تدبر كتاب الله عز وجل وحضور القلب معه وشدة الخشية منه
بالرغم من تكرر تلاوته كثيرا , وإن من يتصور حقيقةً أن الله تعالى سيحاسبه على ما
يُخفي ويعلن فإن خوفه من الله تعالى يعظم ومحاسبته لنفسه تشتدّ .
ومثل آخر رواه هشام بن يحيى الغساني عن أبيه قال : وجاء سائل إلى ابن عمر فقال
لابنه: أعطه دينارًا , فلما انصرف قال له ابنه : تقبل الله منك يا أبتاه , فقال: لو
علمت أن الله يقبل مني سجدة واحدة وصدقة درهم لم يكن غائب أحب إليَّ من الموت ,
أتدري مِمَّن يتقبل ؟ إنما يتقبَّل الله من المتقين.( صفة الصفوة 1/586)
وواضح أن مقصود ولد عبد الله بن عمر هو الدعاء لا الخبر , والدعاء جائز بل مطلوب من
المسلم لأخيه , ولكن من شدة خشية ابن عمر من الله تعالى فإنه قارن حالاً بين التقوى
وقبول العمل , فخشي أن لايكون من المتقين .
وهذا تواضع عظيم منه حيث لم يَعدَّ نفسه من المتقين مع أنه من أئمَّتهم حيث إنه من
السابقين بالخيرات , واستحضار سريع لكتاب الله تعالى ومافيه من هداية وبيان , وإنما
يدل ذلك على كثرة تلاوة كتاب الله تعالى مع التدبر لمعانيه .
وهذا منهج بليغ في التربية حيث يشدُّ سامعيه إلى بذل الجهد للوصول إلى درجة المتقين
ليتقبَّل الله تعالى أعمالهم الصالحة .
وفيه فهم دقيق لمهمة المسلم في هذه الحياة , حيث أحب الانتقال إلى الآخرة لو ضمن أن
الله تعالى تقبَّل منه عمله الصالح , ولكنه يواصل العمل عَلَّهُ يظفر بقبول من الله
جل وعلا .
ومثل آخر رواه سمير الرياحي عن أبيه قال: شرب عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ماء
مُبَرَّدًا فبكى فاشتد بكاؤه , فقيل له : مايبكيك ؟ فقال:ذكرت آية في كتاب الله عز
وجل
(وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ)
[سبأ :54] فعرفت أن أهل النار لايشتهون شيئًا شهوتهم الماء وقد قال الله عز وجل –
يعني عن أهل النار
(أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ)
[الأعراف :50] .( صفة الصفوة 1/578)
وهو واقع مؤثر يدل على يقظة الضمير وصدق تمثُّل معاني الإسلام في النفوس .
إن صاحب القضية الذي يعيش لأجلها لابد أن يبرزها في كل مناسبة, وإن القضية التي
كانت تهيمن على حياة ابن عمر هي الحياة الآخرة ومافيها من مشاهد أهل الجنة وأهل
النار.
فحينما جيء له بالماء المبرَّد تذكَّر حالاً عذاب أهل جهنم وقول الله تعالى
(وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ)
فتذكر أن أشهي شيء إلى أهل النار هو الماء , فحصل له ماحصل من هذا التأثر والبكاء
الشديد .
وذكر ابن الجوزي خبرًا عن سفيان قال: أراد ابن عمر مرة الصَّدَر من مكة فاتَّخذ له
ابن صفوان سفرة – يعني طعامًا لسفره – من نقيٍّ وفالوذج وأخبِصَة – يعني ألوانًا من
الطعام الفاخر- وبعث بها إليه , فأُتيَ بها , فلما نظر إليها بكى وقال : ماهكذا كنا
, ماشبعت منذ أسلمت , وأمر بها فقسمت على أهل الماء , ودعا بسفرته وقال:لاخير إلا
فيما يبقى نفعه غدا .(صفة الصفوة 1/575)
الله أكبر ما أعظمه من موقف !
إذا كنت يا ابن عمر تبكي لرؤية مظاهر الدنيا وشيء من حياة الترف فلَكَمْ بكى أناس
حسرة على الحرمان منها !
ولكن ما أبعد الفرق بين مطلبك الأسمى ومطالب هؤلاء الدَّنِيَّة !
إنه يمثِّل البُعْد الشاسع بين منـزلة الآخرة ومنـزلة الدنيا .
وإذا كان أبناء الدنيا من أجلها يعملون ومن أجلها يفرحون ويحزنون , فهنيئًا لك يا
ابن عمر أن حَظيتَ بتوفيق الله تعالى لتكون من عباد الله المخلصين الذين وضعوا
نُصْب أعينهم في هذه الحياة ذلك الهدف الأعلى , ألا وهو ابتغاء رضوان الله تعالى
والجنة .
من أخبار سعيد بن عامر بن حِذْيَم رضي الله عنه :
أخرج الحافظ أبو نعيم من خبر عبد الرحمن بن سابط قال : دعا عمر بن الخطاب رجلا من
بني جمح يقال له سعيد بن عامر بن حذيم فقال له: إني مستعملك على أرض كذا , فقال له:
لاتفتنِّي يا أمير المؤمنين فقال : والله أدعك , قلدتموها في عنقي وتركتموني , فقال
عمر – يعني بعد أن ولاه على عمله - : ألا نفرض لك رزقا ؟ قال: قد جعل الله في عطائي
مايكفيني دونه- أو فضلا على ما أريد - .
قال : وكان إذا خرج عطاؤه ابتاع لأهله قوتهم وتصدق ببقيته , فتقول امرأته: أين فضل
عطائك ؟ فيقول لها : قد أقرضته , - يعني بذلك الصدقة – فأتاه ناس فقالوا : إن لأهلك
عليك حقا ولأصهارك عليك حقا , فقال : ما أنا بمستأثر عليهم ولا بملتمس رضا أحد من
الناس لطلب الحور العين , ولو اطلعت خَيْرة من خيرات الجنة لاشرقَتْ لها الأرض كما
تشرق الشمس , وما أنا بمتخلف عن العُنُق الأول بعد أن سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول " يجمع الله عز وجل الناس ليوم الحساب فيجئ فقراء المؤمنين فَيَزِفُّون
كما يَزِفُّ الحمام – يعني يسرعون – فيقال لهم : قفوا عند الحساب فيقولون : ماعندنا
حساب ولاآتيتمونا شيئًا [في الإصابة لابن حجر من رواية أبي يعلى والحسن بن سفيان
والبغوي "والله ماكان لنا شيء نحاسب عليه" –2/47-], فيقول لهم ربهم: صدق عبادي,
فيفتح لهم باب الجنة فيدخولونها قبل الناس بسبعين عاما " .
فبلغ عمرَ أنه يمر به كذا وكذا لايدخَّن في بيته فأرسل إليه عمر بمال, فأخذه
فصرَّره صررا فتصدق به يمينا وشمالا , وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول " لو أنَّ حوراء أَطْلَعت إصبعا من أصابعها لوجد ريحها كل ذي روح " فأنا أدعهن
لكنّ ! فو الله لأنتن أحرى أن أدَعكُنَّ لَهُنَّ منهنَّ لَكُنَّ . (حلية الأولياء
1/246 , صفة الصفوة 1/611)
وعن مالك بن دينار قال: لما أَتَى عمر رضي الله عنه الشام طاف بِكُوَرِها – يعني
قراها- قال: فنـزل بحضرة حمص فأمر أن يكتبوا له فقراءهم , قال: فَرُفع إليه الكتاب
فإذا فيه سعيد بن عامر بن حِذْيَم أميرها , فقال: من سعيد بن عامر ؟ قالوا : أميرنا
, قال: أميركم ؟ قالوا : نعم, فعجب عمر , ثم قال : كيف يكون أميركم فقيرًا ؟ أين
عطاؤه ؟ أين رزقه ؟ . (العطاء هو الذي يشترك فيه جميع أفراد الأمة , والرزق هو
المال الذي يأخذه الولاة مقابل التفرغ للولاية)
قالوا : يا أمير المؤمنين لايمسك شيئًا , قال: فبكى عمر , ثم عمد إلى ألف دينار
فصرها ثم بعث بها إليه وقال: أقرئوه مني السلام وقولوا : بعث بهذه إليك أمير
المؤمنين تستعين بها على حاجتك, قال: فجاء بها إليه الرسول فنظر فإذا هي دنانير ,
قال: فجعل يسترجع , قال: تقول امرأته : ماشأنك يافلان أمات أمير المؤمنين ؟ قال: بل
أعظم من ذلك , قالت : ما شأنك ؟ قال: الدنيا أتتني , الفتنة دخلت علي , قالت :
فاصنع فيها ماشئت , قال: عندك عون ؟ قالت: نعم قال: فأخذ دريعة – يعني ثوبا – فصرَّ
الدنانير فيها صرارا , ثم جعلها في مخلاة , ثم اعترض جيشا من جيوش المسلمين فأمضاها
كلها , فقالت امرأته : رحمك الله لو كنت حبست منها شيئا نستعين به , قال: فقال لها
: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لو اطَّلعَت امرأة من نساء الجنة
إلى أهل الأرض لَمُلأَتْ ريح مسك " وإني والله ماكنت لأختارك عليهن , فسكتَتْ .
(صفة الصفوة 1/664)
* * *
- مواقف جهادية من السيرة النبوية -
-مواقف عالية في الغيرة على المحارم وإعزاز الدين والبراء من المشركين -
( غزوة بني قيْنُقَاع)
قال محمد بن عمر الواقدي : غزوة قينقاع يوم السبت للنصف من شوال , على رأس عشرين
شهرًا [يعني من الهجرة النبوية], حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى هلال ذي
القعدة .
حدثني عبد الله بن جعفر , عن الحارث بن الفُضَيل , عن ابن كعب القُرظي , قال: لما
قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة , وَادَعتْه يهودُ كلُّها , وكتب بينه
وبينها كتابا , وألحق رسول الله صلى الله عليه وسلم كل قوم بحلفائهم , وجعل بينه
وبينهم أمانا , وشرط عليهم شروطا , فكان فيما شرط ألاَّ يُظاهروا عليه عدوّا .
فلما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب بدر وقدم المدينة , بَغَتْ يهود
وقطعت ماكان بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد , فأرسل رسول الله
صلى الله عليه وسلم إليهم فجمعهم , ثم قال : يامعشر يهود , أسلموا, فو الله إنكم
لتعلمون أني رسول الله , قبل أن يوقع الله بكم مثل وقعة قُريش . فقالوا : يامحمد,
لايغرنك من لقيت , إنك قهرت قومًا أغمارًا [أي جاهلين تنقصهم التجارب الحربية] وإنا
والله أصحاب الحرب , ولئن قاتلتنا لتعلمنَّ أنك لم تُقاتل مثلنا . (مغازي الواقدي
1/176).
وهذا مثل من أمثلة غدر اليهود , وإهدارهم القيم العليا , حيث لم يمض على معاهدتهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سنة وشهور , كما أن هذا الخبر يبين صفة من صفات
اليهود وهي اعتدادهم بأنفسهم ومحاولة رفع مكانتهم مهما كان مقدار ضعفهم , وتحقير
الآخرين مهما كان مقدار قوتهم, وهذه من صفات أصحاب النفوس المريضة الذين عمرت
قلوبهم برذائل الأخلاق .
ولقد أوردوا أنفسهم بهذا الخلق الدنيئ المُنْبَني على مرض القلوب موارد الهلاك
فكانت عاقبتهم إما الإجلاء والحرمان من الأموال , وإما القتل وسبي النساء والذراري
كما سيأتي .
قال الواقدي : فبينا هم على ماهم عليه من إظهار العداوة ونبذ العهد , جاءت امرأةٌ
نزيعةٌ (أي قد انتقلت من قبيلة إلى أخرى من العرب) من العرب تحت رجل من الأنصار إلى
سوق بني قينقاع , فجلست عند صائغ في حُلي لها, فجاء رجل من يهود قينقاع فجلس من
ورائها ولاتشعُر , فخَلَّ درْعها إلى ظهرها بشوكة, فلما قامت المرأة بدت عورتها
فضحكوا منها . فقام إليه رجلٌ من المسلمين فاتَّبعه فقتله .
فاجتمعت بنو قينقاع , وتحايشوا فقتلوا الرجل , ونبذوا العهد إلى النبي صلى الله
عليه وسلم وحاربوا , وتحصنوا في حصنهم , فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
فحاصرهم , فكانوا أول من سار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأجلى يهود
قينقاع , وكانوا أول يهود حاربت. (وأخرج خبر هذه المرأة ابن هشام من حديث عبد الله
بن جعفر عن أبي عون – سيرة ابن هشام 2/497).
وهذا الخبر يبين لنا انحطاط اليهود في الجانب الأخلاقي , وتدني مستواهم في الغيرة
على المحارم, مع أنهم كانوا يعيشون بين ظهراني العرب الذين كانوا يهتمون بالأعراض
اهتماما كبيرا إلى حد أنهم يستسهلون سفك الدماء في سبيل المحافظة على الأعراض ,
فكيف باليهود إذا عاشوا في مجتمع لاتفرض أعرافه الاجتماعية على أفراده احترام
الأعراض ؟!
وإن ماقام به ذلك الرجل المسلم من قتل ذلك اليهودي المعتدي على المرأة وعلى أخلاق
المجتمع المسلم يُعدُّ مثلا على الغيرة الإسلامية التي كانت موجودة عند العرب
فزادها الإسلام رسوخا ونظمها فيما يتفق مع الأحكام الشرعية الحكيمة .
قال الواقدي:فحدثني محمد بن عبد الله , عن الزهري , عن عروة , قال:لما نزلت هذه
الآية :
(وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ
اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ)
[الأنفال:58] فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية .
قال الواقدي عن شيوخه : قالوا : فحصرهم في حصنهم خمس عشرة ليلة أشد الحصار حتى قذف
الله في قلوبهم الرعب . قالوا : أفننـزل وننطلق ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : لا , إلا على حُكمي! فنـزلوا على حُكم رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأمر
بهم فرُبطوا . قال: فكانوا يُكتَّفون كتافًا , واستعمل رسول الله صلى الله عليه
وسلم على كتافهم المنذر بن قُدامة السَّلمي . ( هو المنذر بن قدامة الأوسي الأنصاري
من بني غنم بن السَّلم بن مالك بن الأوس – الاستيعاب 3/440 -).
قال : فمرّ بهم ابن أبَيّ وقال: حلّوهم ! فقال المُنذر : أتحلون قومًا ربطهم رسول
الله صلى الله عليه وسلم ؟ والله لايحلهم رجلٌ إلا ضربتُ عُنُقه .
فوثب ابن أُبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فأدخل يده في جنب درع النبي صلى الله
عليه وسلم من خلفه فقال: يامحمد , أحسن في مواليَّ ! فأقبل عليه النبي صلى الله
عليه وسلم غضبان , مُتغيِّر الوجه , فقال: ويلك , أرسلْني ! فقال: لا أرسلك حتى
تُحسن في مواليَّ , أربع مئة دارع وثلاث مئة حاسر , منعوني يوم الحدائق ويوم بُعاث
من الأحمر والأسود , تُريد أن تَحْصدهم في غداة واحدة ؟ يامحمد , إني امرُؤٌ أخشى
الدوائر ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خلوهم , لعنهم الله , ولعنه معهم .
ومن هذا الخبر تتبين لنا العلاقة القوية بين اليهود والمنافقين حيث وقف عبد الله بن
أبي مع أولئك اليهود , وتمسك بحلفهم , ولاغرابة في ذلك فهم جميعا مشتركون في الكفر
بالإسلام وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم .
كما يتبين لنا صفة أخرى من صفات المنافقين وهي أنهم كانوا لا يتوقعون انتصار
الإسلام في النهاية بل كانوا يرجون زواله وانكسار شوكة المسلمين , ولذلك قال عبد
الله بن أبي : إني امرؤ أخشى الدوائر , فقد كان يخشى زوال الإسلام ورجوع العصبية
بين الأوس والخرزج كما هي عليه قبل الإسلام , فهو لذلك يريد أن يستبقى حلفاءه من
اليهود .
ويكشف لنا هذا الخبر عن حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم البالغة حيث عدل عن قتل
اليهود الذين نقضوا العهد تفاديًا لحدوث فتنة في مجتمع المؤمنين حيث إن بعض الأنصار
كانوا حديثي عهد بالإسلام ويُخشى أن يؤثر فيهم رأس المنافقين عبد الله بن أبي
لسمعته الكبيرة فيهم , ولذلك لما تقادم العهد بهم , ونقض بنو قريظة العهد أقدم على
قتلهم , حينما أمن من حدوث الفتنة في مجتمع المسلمين بسببهم .
وفي مقابل هذه الصورة القاتمة من المنافقين في ولائهم مع اليهود نجد صورة مضيئة
لرجل من الأنصار له من حلف بني قينقاع في الجاهلية مثل ما لعبد الله بن أبي ولكنه
تبرأ منهم وقطع علاقته بهم وآثر الله ورسوله والمؤمنين .
يقول ابن إسحاق رحمه الله : وحدثني أبي إسحاق بن يسار عن عبادة بن الوليد بن عبادة
بن الصامت , قال : لما حاربت بنو قينقاع رسول الله تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي ابن
سلول وقام دونهم .
قال : ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكان أحد بني عوف ,
لهم من حلفه مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي , فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم وتبرأ إلى الله عز وجل وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم من حلفهم , وقال :
يارسول الله أتولَّي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين , وأبرأ من حلف
هؤلاء الكفار وولايتهم .
قال ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت هذه القصة من المائدة (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ{51} فَتَرَى الَّذِينَ فِي
قُلُوبِهِم مَّرَضٌ)
قال: أي كعبد الله بن أُبي وقوله إني أخشى الدوائر (
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى
أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ
مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ
)
[المائدة : 52] ، وذكر الآيات إلى أن قال : وذكر لتَولِّي عبادة بن الصامت الله
ورسوله والذين آمنوا , وتبرُّئه من بني قينقاع وحلفهم وولايتهم (وَمَن
يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ
الْغَالِبُونَ)
[المائدة : 56] .
كما أننا نجد في هذا الخبر موقفين كريمين لرجلين من الأنصار أحدهما المنذر بن قدامة
السَّلمي الأوسي رضي الله عنه وذلك في مجابهته القوية لعبد الله بن أبَيّ الذي أمر
بحل كتاف اليهود , فقال المنذر : أتحلُّون قوما ربطهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
؟ ! والله لايحلهم رجل إلا ضربت عنقه .
فهذا الموقف القوي الحازم جعل ابن أبي يتراجع عن أمره ويلجأ إلى استصدار الأمر من
النبي صلى الله عليه وسلم بفكِّ أسرهم .
ولاشك أن مجابهة رجل قوي له سيادة في قومه كابن أُبي تحتاج إلى شجاعة وقلب قوي, ومن
أجل ذلك اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر لحراسة الأسرى .
أما الرجل الآخر فهو عويم بن ساعدة الأوسي , وقد كان له موقف مشابه مع عبد الله بن
أُبي , حيث رده عويم بالقوة لما أراد أن يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم
بغير إذن , وكان من أثر ذلك إصابة ابن أُبي بشجة في وجهه حينما دفعه عويم بالقوة .
ولقد كان ابن أُبي يُدلُّ – في كلا الموقفين – بشرفه الذي ورثه من أيام الجاهلية ,
فكان يتوقع – لاغتراره بذلك الشرف – أن أحدًا لن يستطيع أن يرد أمره ولا أن يمنعه
من بلوغ مايريد, ولقد باء بالفشل حينما شم رائحة الموت من المنذر بن قدامة , وحينما
أهينت كرامته على يد عويم بن ساعدة .
لقد كان عليه أن يدرك – لو كانت له بصيرة – بأن موازين الشرف قد تبدلت في الإسلام,
وأن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق كل أمر , وطاعته أوجب من طاعة أي إنسان
آخر , ولقد أدرك ذلك أولو البصائر من أمثال المنذر بن قدامة وعويم بن ساعدة , فكان
منهما هذا الموقف المشرف .
وقال ابن إسحاق في بيان مانزل في بني قينقاع من الآيات :
فحدثني مولى لآل زيد بن ثابت عن سعيد بن جُبير , أو عكرمة عن ابن عباس , قال .
مانزل هؤلاء الآياتُ إلا فيهم :
(قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ
الْمِهَادُ{12} قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا)
أي أصحاب بدر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقريش
(فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم
مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ{13})
[آل عمران:12-13].
يعني أن الكفار يرون المسلمين مثليهم بعد أن التحمت المعركة مع أن عدد المسلمين
ثلثهم تقريبا , فهذه آية عظيمة من نصر الله تعالى أولياءه المؤمنين , فليعتبر هؤلاء
اليهود بما جرى للمسلمين من انتصارهم المؤزر على أعدائهم في بدر مع أن الذين حضروا
هم طائفة من المسلمين ولم يخرجوا لقتال فكيف إذا توجهوا لقتال اليهود ؟!
وإذا كان الله تعالى قد نصر المؤمنين في بدر بالرعب وبالآيات العظمى فإنه تعالى
قادر على أن ينصرهم على كل أعدائهم بذلك .
* * *
|