|
المصلحون العدد : الثاني عشر
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 –
أضواء من هدي القرآن الكريم .
2 –
أضواء من الهدي النبوي .
3 –
توجيهات ومواقف سلوكية .
4 –
مواقف جهادية من السيرة النبوية .
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً
مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{130} وَاتَّقُواْ
النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ{131} وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ{132} وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ{133}
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ
وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ{134} وَالَّذِينَ
إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ
فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ
يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ{135} أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم
مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ
خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ{136} )
[
آل عمران 130- 136] .
[130] سبق بيان نهي الله سبحانه عن أكل الربا والتنفير منه في آيات عديدة في سورة
البقرة ، وتبينتْ لنا آثاره السيئة في الحياة الإنسانية ، وكان النهي هناك عن كل
صور الربا ، وفي هذه الآية جاء النهي عن أبلغ صور الربا وهو الربا المضاعف ،وقوله
تعالى
(أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً)
هو حكاية عما كان يجري في الجاهلية من تضعيف الربا عند عدم قدرة المدين على سداد
الدين ، بحيث تصبح المائة مائتين في السنة الثانية والمائتان أربعمائة في السنة
الثالثة ، ولما كان هذا هو أفظع أنواع الربا لما يشتمل عليه من الظلم البليغ أكَّد
الله سبحانه على النهي عنه في هذه الآية .
ولا يجوز أن تؤخذ هذه الآية بمعزل عن الآيات السابقة فيقال : إن الله تعالى حرم
الربا المضاعف فقط وأن ذلك لا يشمل الربا البسيط كما ادَّعى ذلك بعض المعاصرين فإن
الآيات السابقة في سورة البقرة صريحة في تحريم عموم الربا كقول الله تعالى
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ
الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{278} )
[ البقرة : 278] .
ثم يأمرنا الله جل وعلا بالتقوى
(وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
واتقاء سخط الله تعالى وعذابه يكون بفعل أوامره واجتناب نواهيه ، ومن أبرز ذلك ما
نهى عنه من أكل الربا ، وعلق سبحانه الفلاح وهو الفوز برضوانه والسعادة الأخروية
بهذه التقوى .
[131] ثم يخصص الله عز وجل ذكر اتقاء النار فيقول
(وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)
وذكر إعداد النار للكافرين بعد النهي عن أكل الربا لايعني أن أكل الربا كفر يخرج من
الملة ، بل هو فسق كما قال بذلك جمهور العلماء ، وقد يطلق عليه أنه كفر أصغر وهو
كفر النعمة لأن ممارسة الربا كفر بنعمة المال الذي أنعم الله به على صاحبه ، ويمكن
على هذا أن يقال : إن الآية تشمل نوعي الكفر الأكبر والأصغر ، لأن النار قد أعدها
الله تعالى للكافرين الخارجين عن الملة ليخلدوا فيها وأعدها أيضًا للفاسقين الذين
يمكن أن يطلق عليهم الكفر الأصغر ليعذبوا فيها على قدر ذنوبهم إذا شاء الله تعالى
ذلك ، وعلى رأسهم آكلوا الربا ، ولو قيل إن الآية خاصة بالكفر الأكبر وعليه يكون
أكل الربا من الكفر الأكبر فيقال : إن النصوص الشرعية الأخرى الكثيرة أثبتت بأن
أصحاب المعاصي يعذبون في النار على قدر ذنوبهم إذا شاء الله تعالى ذلك ، وهو أمر
مجمع عليه بين العلماء ، وعلى هذا فإنه لابد من حمل الكفر في الآية على نوعيه
الأكبر والأصغر ، خاصة مع وجود القرينة وهي كون هذه الآية معطوفة على آية الربا
السابقة .
[132] ثم أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ورتب على ذلك
الظفر برحمته حيث يقول
(وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)
ومجيء هذا الأمر بعد النهي عن أكل الربا يدل على أن أكل الربا يتنافى مع طاعة الله
تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وأنه يبعد صاحبه من رحمة الله جل وعلا .
[133] وبعد الأمر بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم يأتي الأمر
بالمسارعة إلى طلب المغفرة والجنة فيقول جل وعلا
(وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ
وَالأَرْضُ)
والأمر بالمسارعة حث على بذل الجهد في المبادرة إلى طلب المغفرة من الله تعالى
والظفر بتلكم الجنة العظيمة التي تبلغ سعتها كعرض السماوات والأرض إذا ضم بعضها إلى
بعض
(أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)
يعني أعدها الله سبحانه للمؤمنين الذين اتقوا سخطه تعالى وعذابه بفعل جميع أوامره
واجتناب جميع نواهيه .
[134] ثم قال تعالى في وصف هؤلاء المتقين
(الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء)
يعني الذين ينفقون من أموالهم في حال يسرهم وفي حال عسرهم ، وكونهم ينفقون في حال
العسر دليل على أنهم يؤثرون غيرهم من المحتاجين وإن كانوا هم في حال ضيق وعسر .
وإننا حينما نتصور نفقة الذين ينفقون وهم أغنياء نجد نفقة الواحد منهم كبيرة ولكن
عددهم قليل، أما الذين ينفقون وهم فقراء فإن الفقراء إذا أسهموا في الإنفاق ولو
بمبلغ يسير فإنه سيكون كبيرا لأن عدد الفقراء كبير ، فربما فاقت نفقتهم نفقة
الأغنياء لأن عددهم كبير ، ولهذا فإنه لاينبغي لنا أن نهمل دعوة الفقراء إلى
الإنفاق ونقتصر في هذه الدعوة على الأغنياء لأن إنفاق اليسير أخف على النفس من
إنفاق الكثير وإن كان المنفق فقيرا ، وقد يكون المسلمون في بلاد لايتوافر فيها
الأغنياء المنفقون فينبغي لهم أن يدعوا جميع المسلمين إلى الإسهام في النفقة ولو
بجزء يسير جدًا من أموالهم .
وإننا إذا قارنا بين هؤلاء المؤمنين الصادقين وبين ضعفاء الإيمان الذين يأكلون
الربا نجد الفرق شاسعًا كالفرق بين الإيثار والأنانية .
(وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ)
يعني والذين يملكون أنفسهم عند الغضب فيمنعونها من الاستشفاء ممن غاظها والانتصار
ممن ظلمها ، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من كظم غيظا وهو يقدر على
إنفاذه ملأه الله أمنا وإيمانا " .(
مصنف عبد الرزاق 1/132)
(وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)
يعني الذين فضلوا العفو عن الناس الذين ظلموهم وهم قادرون على الانتقام منهم .
(وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)
أي الذين بلغوا درجة الإحسان وذلك بأداء الأعمال الصالحة بإخلاص وإتقان ، ومن ذلك
الأعمال المذكورة في هذه الآية .
[135] ثم ذكر الله جل وعلا بقية صفات المتقين الذين أعدَّ لهم الجنة بقوله
(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً)
وهي
ما قبح فعله من الذنوب
(أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ)
يعني بفعل سائر المعاصي ، وهذا يشمل الفاحشة ولكنها ذُكرتْ بخصوصها لشناعتها
(ذَكَرُواْ اللّهَ)
يعني ذكروا وعيده وما أعده للعصاة من العذاب
(فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ)
يعني طلبوا من الله أن يغفر لهم ما وقعوا فيه من الذنوب ، وذلك بعد أن ندموا على
ماكان منهم وأقلعوا عنه وعزموا على عدم العودة إليه
(وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ)
أي
لا أحد يغفر الذنوب إلا الله جل وعلا ، وفيه إشعار بضرورة اليقين بأن الله عز وجل
هو الذي يغفر الذنوب وحده فيجب أن يكون اللجوء إليه وحده بدون وسائط
(وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ)
ولم يستمروا على ما أتوا من المعاصي
(وَهُمْ يَعْلَمُونَ)
حقيقة ما فعلوا وأنه الخطيئة التي حرمها الله تعالى .
[136]
(أُوْلَـئِكَ)
الموصوفون في هذه الآيات بتلك الصفات الجليلة
(جَزَآؤُهُم)
على أعمالهم الصالحة المذكورة
(مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ)
لذنوبهم التي تابوا منها توبة نصوحا
(وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)
يعني ولهم على ماقاموا به من الأعمال الصالحة جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار
العذبة
(خَالِدِينَ فِيهَا)
لايخرجون منها ولاتفنى ولا يموتون
(وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)
هذه
الجنات العظيمة .
لقد كان في هاتين الآيتين معالجة حكيمة للحظات الضعف البشري ، فالإنسان جسد وروح ،
وجسده يشتمل على غرائز قد تكون – أحيانا – جياشة مندفعة ، والإسلام قد جاء فيه
التوجيه بتنظيم تلبية هذه الغرائز بمقتضى أحكام الشريعة السمحة ، فأصحاب الاستقامة
يسيرون على ذلك المنهج فلا يشطحون ولا يتجاوزون ، ولكن هناك من المسلمين من تغلبهم
عواطفهم الجياشة فيتجاوزون الحدود المرسومة لهم في التوجيهات الإسلامية ، وهم – مع
ذلك – يحبون الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والإسلام ولكن غلبتهم أنفسهم
الأمارة بالسوء ، فالله سبحانه ينظر لهؤلاء بعين الرحمة واللطف فيقبل توبتهم
ويرفعهم إلى مقام المتقين مع ما ارتكبوا من مآثم ، لأن ما وقعوا فيه من لحظات الضعف
البشري كان مشوبا بالندم وتذكُّر عظمة الله تعالى ورحمته ولم يكن منهم الإصرار على
ارتكاب الخطايا وهم يعلمون أنها مآثم .
فالظالمو أنفسهم بإمكانهم أن يلحقوا بركب المتقين مهما ارتكبوا من الكبائر أو
الصغائر إذا أنابوا وتابوا توبة نصوحا ، لأن توبتهم الصادقة وصلاح أمرهم بعد ذلك
يدلان على أنهم كانوا يملكون قلوبا حية معمورة برصيد من الإيمان الحي المؤثر على
السلوك ، وهذا الإيمان الحي هو الذي جعل تفكير الندم يعصف بهم ويقودهم إلى التوبة
الصادقة ثم إلى الاستقامة التي هي بَرُّ النجاة.
ولقد جاء في بعض الآثار أن إبليس بكى لما نزلت هذه الآيات [تفسير الطبري 6/63] وذلك
لأن فيها إحباطا لمكائده ومكائد جنوده التي يكيدون بها للمسلمين الصادقين ، فإذا
أوقعوا بعضَهم في حبائلهم فارتكبوا شيئا من المعاصي فإن إبليس وجنوده ينتعشون فرحًا
ونشوة ، وإذا أناب هؤلاء المخطئون وتابوا إلى الله تعالى توبة نصوحا فإن إبليس
وجنوده يعيشون في الحرقة والأسى والغم على ما فاتهم من صيدهم الذي اقتنصوه وجهدهم
الذي بذلوه .
* * *
-أضواء من الهدي النبوي –
-فضل مكارم الأخلاق –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : فحديثنا هذا اليوم عن فضل مكارم الأخلاق ومنـزلتها من الدين .
فمما روي في ذلك ما أخرجه الإمامان أحمد ومالك من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال :
"إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق".(
مسند أحمد 2/381 , موطأ مالك 2/904 , حسن الخلق).
ففي هذا الحديث وأمثاله بيان أهمية الأخلاق الكريمة في الإسلام , فلقد قصَر النبي
صلى الله عليه وسلم رسالته على إتمام مكارم الأخلاق , والاهتمامُ بالأخلاق يأتي
مباشرة , وذلك بالحث على مكارم الأخلاق كالوفاء والصدق والأمانة , ويأتي بالمقاصد
الشرعية , فإن من المقاصد الشرعية في العبادات كالصلاة والزكاة والحج مايترتب على
أدائها من مكارم الأخلاق كالصبر والتواضع والمواساة .
فالصلاة مثلا قال الله تعالى عنها (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء
وَالْمُنكَرِ) [العنكبوت :45] ومفهوم ذلك أن الصلاة تأمر بالمعروف والإحسان ,وذلك
لأن الصلاة الكاملة تقوي الإيمان بالله تعالى , وتعمِّق في نفس المصلي تعظيمه
سبحانه والخوف من عذابه ورجاء ثوابه, وإذا تعمق هذا الشعور الإيماني في قلب المسلم
فإنه يتكوَّن لديه الوازع الديني الذي يدفعه إلى الفضائل , ويردعه عن الرذائل ,
وبالتالي يكون حاكمًا على تصرفاته وسلوكه في هذه الحياة , ومن ذلك بلوغه قمة عليا
في الاستقامة على مكارم الأخلاق والبعد عن مساوئها .
وفي بيان درجة مكارم الأخلاق في الدين يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن
المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم " أخرجه أبو داود رحمه الله من حديث
عائشة رضي الله عنها. ( سنن أبي داود , رقم 4798 , الأدب (5/149))
وإذا كان المؤمن بحسن خلقه سيدرك درجة العبَّاد المكثرين من نوافل العبادة فما أعظم
مكارم الأخلاق !
ويعدُّ النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب مكارم الأخلاق أكمل المؤمنين إيمانا حيث
يقول : "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا , وخيارهم خيارهم لنسائهم " أخرجه أبو
عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ( مسند أحمد
2/250)
وهذا يبين لنا فضيلة أصحاب الخلق الحسن , الذين يعاملون إخوانهم المسلمين بلطف
وسماحة , ويبين لنا آخرُ الحديث فضيلة الذين يعاملون نساءهم بالرحمة والعناية .
ويبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منـزلة حسن الخلق يوم القيامة حيث يقول : "
ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق" أخرجه أبو داود وأبو عيسى الترمذي رحمهما
الله من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. (سنن أبي داود رقم 4799 , الأدب (5/149) ,
سنن الترمذي رقم 2002 , البر ( 4/362)).
وهكذا يَظهر حجم حُسن الخلق في الميزان يوم القيامة حيث توزن الأعمال , وذلك يعطي
حسن الخلق مزية كبرى بين الأعمال الصالحة .
فيا لَسعادة مَنْ حَسَّن خلقه مع المسلمين ولم يعاملهم بقسوة وفظاظة ! وهذا يبين
لنا خسارة من يسيئون أخلاقهم مع المسلمين , لأنهم يفقدون ثواب عمل صالح كبير ,
ويبوؤون بعقوبة أخلاقهم السيئة .
وقد عدَّ النبي صلى الله عليه وسلم خيار هذه الأمة أحسنَهم أخلاقا , وفي ذلك أخرج
الشيخان رحمهما الله من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : لم
يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشًا , وإنه كان يقول : " إن خياركم
أحسنكم أخلاقا " , وفي رواية أخرى للبخاري من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما
: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن من أحبكم إلي أحسنكم أخلاقا". ( صحيح
البخاري , رقم 6035 و 3759 , الأدب وفضائل الصحابة (10/456) و(7/102) , صحيح مسلم
رقم 2321 , الفضائل ( ص 1810)).
فالمتفوقون في أخلاقهم قد ظفروا بالخيرية على هذه الأمة , وبمحبة رسول الله صلى
الله عليه وسلم .
فهذه بعض الأحاديث التي وردت في فضل حسن الخلق , وحسن الخلق يظهر في السماحة
واللطافة وحسن المعاملة , واجتناب الشراسة والعنف والخشونة في المعاملة , وفي وصف
حسن المعاملة يقول عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى :هو بسط الوجه,وبذل
المعروف,وكف الأذى. (سنن الترمذي رقم 2005 , البر ( 4/363))
وهذه توجيهات قيمة في معاملة المسلمين , وذلك بحسن مقابلتهم , وفعل الخير لهم , وكف
الشر عنهم .
ومن مكارم الأخلاق الابتسامة للأخ المسلم , والبشاشة في وجهه , وقد أخرج مسلم بن
الحجاج رحمه الله في ذلك من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم :" لاتحقرنَّ من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق ". (
صحيح مسلم , رقم 2626 , البر ( ص2026))
فهل يخسر المسلم شيئا إذا بشَّ في وجه أخيه المسلم وانبسط له ؟!
إنه لا يخسر شيئا , بل يكسب عملا صالحا يُرفع له في ميزانه , ويزيد من رصيد حسناته
.
وفي هذا الحديث بيان لأهمية بذل المعروف والإحسان للمسلمين , وقد مثل النبي صلى
الله عليه وسلم بعمل صغير من الأعمال الصالحة , وهو وإن كان صغيرا بالنسبة للأعمال
الكبيرة فإنه عظيم في المدلول والفائدة للمسلمين , والحديث وصية للمسلم بأن لايطمح
ببصره إلى الأعمال الكبيرة ويتجاهل الأعمال الصغيرة من المعروف والإحسان , فإن
الإسلام دين الشمول والتكامل , والمؤمن الحق هو الذي يسير بنور الله تعالى فيستقيم
على شريعته كلها , ولاتشغله كبار الأمور عن صغارها , فالعبرة يكون العمل صالحا وإن
كان صغيرا لا بكونه يلفت أنظار الناس .
وكذلك من مكارم الأخلاق السماحة ولين الجانب , وقد أخرج في ذلك أبو عيسى الترمذي
رحمه الله تعالى من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : "ألا أخبركم بمن يحرم على النار وبمن تحرم عليه النار ؟ على كل
قريب سهل هيِّن". ( سنن الترمذي رقم 2488 , صفة القيامة (4/654))
وهذا الخلق مبنيّ على خلق الإيثار والبراءة من الأنانية وحب الذات , فإذا كان
المسلم يؤْثر إخوانه المسلمين بأمور الدنيا , أو على الأقل يحب لهم منها مايحب
لنفسه فإنه يكون هينا سمحًا ليِّن الجانب مع إخوانه المسلمين .
وفي هذا المعنى ما أخرجه الطبراني من حديث أبي عتبة الخولاني رضي الله عنه قال قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن لله آنيةً من أهل الأرض , وآنيةُ ربكم قلوب
عباده الصالحين , وأحبها إليه ألينها وأرقها" . ( صحيح الجامع الصغير رقم 2159)
فالقلوب أوعية للخير والشر,ومكارم الأخلاق ومساوئها,وهي تقسو بسبب الكبرياء
والجبروت, وتلين بسبب الرحمة والتواضع,فأحبها إلى الله تعالى ألينها وأرقها ,
وأبغضها إليه أقساها وأعنفها .
ومن الأخلاق الإسلامية التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين فضلها خلق
الرفق , وقد أخرج مسلم بن الحجاج رحمه الله في ذلك من حديث عائشة رضي الله عنها أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ياعائشة إن الله رفيق يحب الرفق , ويعطي على
الرفق ما لايعطي على العنف وما لايعطي على سواه" , كما أخرج من حديثها أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال : " إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه , ولايُنـزع من شيء إلا
شانه".( صحيح مسلم , رقم 2593 , كتاب البر (ص2003 ) , ورقم 2594 ( ص 2004 )).
* * *
-توجيهات ومواقف سلوكية –
-مواقف في الورع والعفة والزهد –
من أخبار سلمان رضي الله عنه :
ومن أخبار زهد الصحابة رضي الله عنهم ما أخرجه الإمام الطبراني من حديث شقيق بن
سلمة قال: دخلتُ أنا وصاحب لي إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه , فقال سلمان : لولا
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن التكلف لتكلَّفْتُ لكم , ثم جاء بخبز وملح
, فقال صاحبي : لو كان في ملحنا صعتر , فبعث سلمان بمطْهرته فرهنها , ثم جاء بصعتر
, ولما أكلنا قال صاحبي : الحمد لله الذي قنَّعنا بما رزقنا , فقال سلمان : لو
قَنِعْتَ بما رزقك لم تكن مطهرتي مرهونة .
ذكره الحافظ الهيثمي وقال : ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن منصور الطوسي وهو ثقة.
(مجمع الزوائد 8/179)
فهذا مثال في الزهد والقناعة يقدمه صاحب من أكابر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
لقد كان بإمكان سلمان رضي الله عنه أن يملك الكثير من المال , وأن يقدم لضيوفه
الكثير من الطعام , ولكنه كان يتصدق بعطائه ويأكل متقشِّفًا من عمل يده , ويقدِّم
لضيوفه ماتيسر له ليجعل من نفسه قدوة للتابعين في الزهد والقناعة .
ومع هذا الزهد البالغ فإنه لما حضره الموت كان يبكي من خشية الله تعالى كما رُوي عن
ثابت البناني قال : لما مرض سلمان خرج سعد [يعني سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه] من
الكوفة يعوده , فقدم فوافقه وهو في الموت يبكي , فسلم وجلس وقال : مايبكيك يا أخي ؟
ألا تذكر صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ألا تذكر المشاهد الصالحة ؟
قال : والله مايبكيني واحدة من ثنتين : ما أبكي حُبًّا بالدنيا ولا كراهية للقاء
الله , قال سعد: فما يبكيك بعد ثمانين ؟ قال: يبكيني أن خليلي عهد إليَّ عهدًا قال
: " ليَكُنْ بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب" وإنا قد خشينا أنا قد تعدينا. ( سير
أعلام النبلاء 1/556)
فهذا عجيب أن تبلغ الخشية عند سلمان رضي الله عنه إلى هذا الحد مع أنه الذي ضرب
الأمثلة الرائعة في الزهد والورع , فهو الذي كان يسكن في بيت من الخوص وهو أمير
المدائن!
إنه الإيمان القوي الذي يصنع العجائب , حيث يصفو التفكير فيكون منطلقا نحو الآخرة
ومافيها من حساب وجزاء فيتصور صاحبه أنه قد قصَّر في عمل الآخرة مع أنه قد بلغ
درجات عالية في الكمال .
لقد كانت أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته الحكيمة ماثلة أمام أعين
الصحابة رضي الله عنهم طوال حياتهم فكانت سدّا منيعا يحول بينهم وبين التوغل في
الدنيا .
لقد كانوا يسمعون منه صلى الله عليه وسلم بوعي وإدراك وعزم أكيد على التنفيذ , ثم
يطبقون حالاً ماسمعوا عمليا, لايعتريهم الكسل , ولايدبُّ إلى حياتهم طول الأمل ,
ولاتزيدهم سنيُّ العمر الطويلة إلا مضاعفةً في الخشية ومزيدًا من العمل الصالح
وتَرَقِّيًا في مدارج التقوى والحذر من الفتن .
ومن أمثلة اتصافه باليقين المبني على قوة الخشية والرجاء ما أخرجه الحافظ أبو نعيم
الأصبهاني من خبر بُقَيرةَ امرأة سلمان الفارسي رضي الله عنه قالت : لما حضر سلمان
الموتُ دعاني وهو في علِّية لها أربعة أبواب , فقال: افتحي هذه الأبواب يابقيرة فإن
لي اليوم زوارًا لا أدري من أي هذه الأبواب يدخلون علي , ثم دعا بمِسْك له ثم قال :
أدِيفيه في تَوْر [أديفيه أي اخلطيه , والتور إناء يوضع فيه الماء] , ففعلتُ, ثم
قال : انضحيه حول فراشي , ثم انزلي فامكثي فسوف تَطَّلعين فترَيْني على فراشي ,
فاطَّلعت فإذا هو قد أُخِذَ روحُه فكأنه نائم على فراشه – أو نحوًا من هذا - .(
حلية الأولياء 1/208 , وانظر سير أعلام النبلاء 1/553)
ففي هذا الخبر يخبر سلمان رضي الله عنه بقرب مجيء الملائكة عليهم السلام لقبض روحه,
ويستقبل هذا الحدث المترقب بفرح واستبشار , وهو مثل من عمق اليقين وبروز أحداث
الآخرة في أذهان الصحابة رضي الله عنهم .
فكم من الناس يحضره ملائكة الموت لقبض روحه وهو ساهٍ لاهٍ في دنياه, يضرب بفكره في
طول الأرض وعرضها , وكأنه آمِنٌ من ملك الموت , أو كأنه يعيش في دار خلود .. ألا
وإن دار الخلود هي التي نسيها ولها عنها بمطالب دار فانية .
وإذا كان كثير من الناس على هذه الشاكلة فإن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم
يكونوا كذلك, بل كانوا ينظرون إلى الآخرة كَجَبَلٍ عظيم شاهق يُساق الناس إليه بما
فيه من نعيم وجحيم , وهم في مسيرهم قد طمحت أبصارهم لذلك الجبل متناسين مايمرون به
في طريقهم من رياض تُمتِّع أنظارهم , غير مبالين بما يفاجَؤون به من حجارة وأشواك
تُدمي أقدامهم .
ونجد سلمان رضي الله عنه وهو ينتظر ذلك اليوم الذي سيزوره فيه ملائكة الموت قد أعد
شيئا من الطيب الفاخر الذي حرم منه نفسه ليقدمه لزائريه من رسل الله جل وعلا ..
وهذا مظهر عالٍ من مظاهر اليقين ونفحة من شفافية الروح سَمَتْ حتى ظهرت على مطالب
الجسد , فأصبحت مطالب الجسد مسخَّرة لمطالب الروح .
من أخبار ثابت بن قيس رضي الله عنه :
ومن ذلك ما أخرجه الإمام مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه
الآية
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ
النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن
تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ)
[الحجرات: 2] جلس ثابت ابن قيس في بيته وقال : أنا من أهل النار , واحتبس عن النبي
صلى الله عليه وسلم فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو
ماشأن ثابت ؟ أَشْتَكَى ؟ قال سعد : إنه لَجَاري وماعلمت منه بشكوى, قال: فأتاه سعد
فذكر له قول النبي صلى الله عليه وسلم فقال ثابت : أُنزلت هذه الآية ولقد علمتم أني
من أرفعكم صوتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا من أهل النار , فذكر ذلك سعد
للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل هو من أهل الجنة
.
وفي رواية لمسلم من حديث أنس قال : كان ثابت بن قيس بن شماس خطيب الأنصار .. وذكر
نحوه . (صحيح مسلم , الإيمان رقم 119 ص 110)
وجاء في رواية أبي عبد الله الحاكم لهذا الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
ياثابت ألا ترضى أن تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة ؟ قال: بلى يارسول
الله,فعاش حميدا وقُتل شهيدا يوم مسيلمة الكذاب.
وقال الحاكم : صحيح من شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة , وأقره الذهبي. (
المستدرك 3/234)
وهكذا بلغت الخشية بثابت بن قيس بن شماس إلى حد المرض مع أنه لم يكن مقصودا بتلك
الآية , ولكن لمَّا كان خطيب النبي صلى الله عليه وسلم في المناسبات خشي أن يكون
رَفَع صوته فوق صوته فأصابه ما أصابه , وهذا دليل على قوة إيمانه وشدة استحضاره
للحياة الآخرة , وكانت تلك الخشية من ثابت وماتبعها من تأثره سببا في حصوله على تلك
البشارة الغالية من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *
-مواقف جهادية من السيرة النبوية –
1 – موقف إيماني فدائي
(سالم بن عمير وقتل أبي عفك )
قال محمد بن عمر الواقدي رحمه الله تعالى : حدثنا سعيد بن محمد , عن عُمارة بن
غَزية , وحدثناه أبو مُصْعَب إسماعيل بن مُصْعب بن إسماعيل بن زيد بن ثابت, عن
أشياخه , قالا: إنَّ شيخًا من بني عمرو بن عَوْف يُقال له أبو عَفَك , وكان شيخًا
كبيرًا , قد بلغ عشرين ومائة سنة حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة , كان
يُحرض على عَداوة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدخل في الإسلام .
فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر رجع وقد ظفَّره الله بما ظفَّره ,
فحسده وبغي فقال :
قـد عشتُ حينًا وما إنْ أرى مـن الناس دارًا ولا مَجْمعا
أجَـمَّ عـُقـولاً وآتـي إلى مُنيـبٍ سـراعًا إذا مادَعا [1]
فَسـَلَّبَهم أمـْرَهم راكـبٌ حـَرام حـَلال لشَتَّى معا [2]
فـلو كـان بالمُلْك صَدَّقْتُمُ وبالنَّصـْر تابـعـتُمُ تُبـَّعا
وأولاد قيلة هم الأوس والخزرج نسبة إلى أمهم قيلة .
[2] يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهو بذلك يحرضهم على الكفر به .
فقال سالم بن عُمير , وهو أحد البكائين من بني النجار [البكاؤون هم الذين بكوا لما
لم يجدوا مايركبون عليه إلى غزوة تبوك ولم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم
مايحملهم عليه ] : عليّ نذرٌ أن أقتل أبا عَفَك أو أموت دونه . فأمهل فطلب له
غرَّةً , حتى كانت ليلةٌ صائفةٌ , فنام أبو عفك بالفناء في الصيف في بني عمرو بن
عوف , فأقبل سالم بن عُمير , فوضع السيف في كبده حتى خش في الفراش, وصاح عدو الله
فثاب إليه أناس ممن هم على قوله , فأدخلوه منـزله وقبروه . وقالوا : من قتله؟ والله
لو نعلم من قتله لقتلناه به ! فقالت : النَّهدية في ذلك , وكانت مسلمة هذه الأبيات
:
تُكـَذِّبُ دين الله والمرء أحْمَدا لعمرُ الذي أمْناك إذْ
بئْس مايُمني[1]
حباك حنيفٌ آخـر الليل طعنةً أبا عفك خذها عـلى كـبر السن
فإني وإن أعلم بقاتلك الـذي أباتك حلس الليل من إنسٍ او
جنِّي
[1] أي منَّاك وخدعك
فهذا موقف فدائي من سالم بن عمير النجَّاري رضي الله عنه أراد به عزة الإسلام
والمسلمين, والانتقام من ذلك الحاقد الباغي أبي عفك الذي أراد أن يفرق شمل المسلمين
وأن يصد عن سبيل الله تعالى .
ولما كانت الدعوة الإسلامية فَتيَّة في المدينة , ومايزال المسلمون يعانون من هجمات
اليهود والمنافقين المخذِّلة المنفرة , كان لابد من تلقين أولئك الذين يثيرون الناس
بأشعارهم ضد الإسلام دروسا بليغة رادعة لكل من تسِّول له نفسه أن يُرْخي لها العنان
كي تقول مايمليه عليها الهوى المنحرف والحقد الأسود الدفين .
ولقد كان الشعر له منـزلة كبيرة عند العرب , وكانوا يستخدمونه في إثارة الحروب
وإسقاط الزعامات القبلية أو تثبيتها .
ولم يكن أبو عفك هذا من النوع المتجرد من الهوى , الذي ينشد الحق ويحكِّمه إذا
وجده, بل كان من أصحاب الهوى المنحرف الذي يرى الحق كل الحق هو فيما عليه الآباء
والأجداد , وهذا لايجدي معه الحوار الهادف الذي يخضع لمسلَّمات العقل السليم لأنه
على مذهب الشاعر العربي القائل :
وما أنـا إلا من غُزَيَّة إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
بل إن أبا عفك فاق هذا المتعصب للتقاليد القبلية , حيث رشد أكثر قبيلته فلم يرشد
وإنما ظل على غوايته وتجاوز ذلك إلى التحريض على الحق وأهله .
وموقف جليل لتلك المرأة النهدية التي قرَّعت ذلك الباغي الحاقد ووبخته بشعرها الجيد
, أنْ كذَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحَرَّض عليه , كما أشادت بسالم بن عمير
الذي أراح البلاد والعباد من ذلك الحاقد الحاسد وانتصر لله تعالى ولرسوله صلى الله
عليه وسلم .
2 – موقف إيماني فدائي آخر –
( عمير بن عدي وقتل عصماء بنت مروان )
ذكر محمد بن إسحاق رحمه الله تعالى حديث الحارث بن الفضيل عن خبر عمير بن عدي
الخَطْمي وماقام به من قتل عصماء بنت مروان التي كانت تعيب الإسلام وأهله بقولها :
أطعُـتم أتاويَّ من غيركم فـلا من مُراد ولامذحج [1]
تُرَجُّونُه بعد قـتل الرُّؤوس كما يُرتجى مـَرَق المُنضج[2]
ألا أَنـِفٌ يبـتغي غـرّة فيقْطَع مـن أمـل المُرتجى [3]
[1] أتاوىَّ أي غريب بعيد النسب.
[2] أي بعد قتل الأشراف , وذلك في معركة بعاث حيث قتل أكثر سادة القبلتين الأوس
والخزرج .
[3] أنف أي حمىُّ الأنف , تريد بذلك تحريض قومها على اغتيال النبي صلى الله عليه
وسلم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك : ألا آخذٌ لي من ابنة مروان ؟
فسمع ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عُميرُ بن عديّ الخطميّ , وهو عنده ,
فلما أمسى من تلك الليلة سرى عليها في بيتها فقتلها , ثم أصبح مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم , فقال : يارسول الله , إني قد قتلتها . فقال: نصرت الله ورسوله
ياعمير , فقال :هل عليّ شيء من شأنها يارسول الله ؟ فقال:لاينتطح فيها عنـزان. (أي
أمر قتلها هين لايترتب عليه شيء)
فرجع عُمير إلى قومه , وبنو خطمة يومئذ كثيرٌ موجُهم [أي اضطرابهم] في شأن بنت
مروان, ولها يومئذ بنون خمسة رجال , لما جاءهم عُمير بن عديّ من عند رسول الله صلى
الله عليه وسلم , قال : يابني خطمة, أنا قتلت ابنة مروان , فكيدوني جميعًا ثم
لاتنظرون .
فذلك اليومُ أولُ ماعز الإسلام في دار بني خطمة ,وكان يستخفي بإسلامهم فيهم من
أسلم, وكان أول من أسلم من بني خطمة عُمير بن عديّ,وهو الذي يُدْعَى القارئ , وعبد
الله بن أوس, وخزيمة بن ثابت , وأسلَمَ – يوم قتلت ابنة مروان – رجال من بني خطمة,لما
رأوا من عزّ الإسلام .
وقد ذكر ابن إسحاق أن حسان بن ثابت رضي الله عنه أجاب تلك المرأة بقوله :
بنـُوا وائـل وبنُو واقـف وخطمةُ دون بني الخزرج
متى مادَعَتْ سـفهًا ويـحها بعَوْلَتها والمـنايا تجي[1]
فهزَّت فتى ماجـدًا عرقـه كـريم المداخل والمخرج
فضرَّجها مـن نـجيع الدما ء بعد الهدوّ فلم يـحرج
[2][3]
[1] أي بصيحتها
وأخرجه محمد بن عمر الواقدي بنحوه وزاد :
فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى من حوله فقال : إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل
نصر الله ورسوله بالغيب , فانظروا إلى عُمير بن عديّ . فقال عمر بن الخطاب رضي الله
عنه : انظروا إلى هذا الأعمى الذي تشدد في طاعة الله . فقال : لاتقل الأعمى ,
ولكنَّه البصير .
فهذا السيد الشهم الشجاع عمير بن عدي الذي أفقده الله تعالى البصر وأنعم عليه
بالبصيرة النافذة , قد ساءه وآلمه وضع تلك المرأة الحاقدة الباغية التي شَرِقَتْ
بالإسلام وغُصَّت برجاله الغُرِّ الميامين , فتحولت تلك الغصص التي امتلأ منها
قلبها رعبا وحقدا إلى أبيات من الشعر نفثت فيها حقدها , وأمَّلت بذلك أن تصل إلى
مقصودها من قتل النبي صلى الله عليه وسلم والقضاء على دعوته .
ولقد كان من أثر ذلك الشعر على النبي صلى الله عليه وسلم أن رغب في الانتقام منها
لما يعلمه من أثر لذلك الشعر في تثبيط قومها عن الإسلام , خصوصا وأن انتشار الإسلام
في قومها بني خطمة بطيء, والكفر فيهم قوي , حتى اضطر بعض من أسلم منهم إلى كتمان
دينه , فهذا الشعر وأمثاله في مثل ذلك الواقع السيء يكون له أثر بالغ في الصد عن
الإسلام .
فكان أن تصدى لإسكات ذلك الصوت النشاز وقطع عروق دعوة الباطل البطل الشجاع عمير بن
عدي الخطمي فأقدم على قتل تلك المرأة مع مايكتنف ذلك من خطر بالغ على نفسه حيث إنه
فاقد البصر , ولما يحيط بتلك المرأة من رجال يحمونها على رأسهم أبناؤها الخمسة
الذين تجرأت بهم وبمن ظل على كفره من قومها على ذلك القول الشنيع الهابط .
ولقد بلغت به شجاعته وقوة إيمانه أن قام بإعلان ماقام به من ذلك وتحدي قومه حينما
سألوه عن قتلها بذلك القول القوي البليغ "نعم , فكيدوني جميعا ثم لاتنظرون , فو
الذي نفسي بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم " .
وهنا نلمس نوعا من التأييد الإلهي ببث الرعب في قلوب الكفار والمنافقين حينما يقفون
أمام أقوياء الإيمان , فهؤلاء جماعة من الرجال , وكلهم يملكون السلاح , وهم أبناء
الحروب ورثوها كابرا عن كابر , ومع ذلك يقفون خاضعين صاغرين أمام تهديد رجل أعمى .
لكنه وإن كان أعمى البصر فإنه يملك الجوهرة الغالية التي يفقدونها جميعا , ألا وهي
الإيمان الصادق واليقين الراسخ , الذي يُتَوِّجُه حضور القلب مع الله تعالى وشعور
العبد بأن الله تعالى معه بنصره وتأييده مادام عبده معه بقلبه وقالبه .
ويفوز هذا البطل الشامخ بثناء النبي صلى الله عليه وسلم عليه أمام أصحابه , ومن ظفر
بثنائه فقد ظفر بحبه , وهل تطمع نفس المؤمن الصادق إلى شيء كما تطمع إلى حب الله
تعالى وحب رسوله صلى الله عليه وسلم؟!
ولقد كان من أثر ماقام به هذا المؤمن المجاهد أن انتشر الإسلام وعز المسلمون في دار
قومه بني خطمة بعد عمله الجليل , فأظهر الإسلام من كانوا يخفون إسلامهم , وأسلم
رجال كانوا يجاهرون بكفرهم لمَّا رأوا عزة الإسلام في قومهم .
فكم قدَّم هذا المؤمن القوي للدعوة الإسلامية آنذاك من خدمة ودعم رضي الله عنه
وأرضاه.
ولقد سجل حسان بن ثابت رضي الله عنه الثناء عليه بشعره , في الوقت الذي سفَّه فيه
ماقامت به تلك المرأة وقومها من الصد عن الإسلام ومحادَّة رسول الله صلى الله عليه
وسلم .
وهذا موقف يذكر لحسان بن ثابت في ذلك الوقت الذي كان الصراع فيه بين الإسلام
والوثنية على أشدِّه فرضي الله عنه وأرضاه .
* * *
انتهت
|