الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
المشرف
المؤلفات
الديوانية
الصوتيات
الفــتاوى
تراجم علمائنا
ملتقـيات الخير
شبـهات و ردود
مقـالات مخـتارة
المـعهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
ســيــر الصـــحـابة
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة د. عبدالعزيز الحميدي المصلحون المصلحون : العدد الحادي عشر

المصلحون : العدد الحادي عشر

تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :

1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .

2 – أضواء من الهدي النبوي .

3 – توجيهات ومواقف سلوكية .

4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .

-أضواء من هدي القرآن الكريم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله سبحانه (لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{284} آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ{285} لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ{286}) [ البقرة :284 – 286] .

 

[284] يبين الله تعالى في الآية الأولى سعة ملكه وإحاطته وتدبيره لكل مافي السماوات والأرض، ثم يبين جل وعلا أن حسابه شامل لكل أقوال العباد وأعمالهم ما أظهروا منها وما أخفوه، ثم بعد الحساب يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ، وهو سبحانه قادر على كل شيء .

 

ولقد شق نزول هذه الآية على الصحابة رضي الله عنهم كثيرا لقول الله تعالى (أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ) فخافوا من حديث النفس كما أخرج الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت هذه الآية (وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ) قال : دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا " قال : فألقى الله الإيمان في قلوبهم ، فأنزل الله تعالى (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) قال : قد فعلت (أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا) قال : قد فعلت.( صحيح مسلم ، رقم 126 (ص116))

 

فبينت الآية الثالثة أن الإنسان قد عفا الله تعالى عنه الخطأ والنسيان وأنه قد عفا عنه حديث النفس لأنه جل وعلا لايكلف نفسا إلا وسعها .

وجاء في حديث آخر أن الآية على ظاهرها ولكن الله سبحانه يعفو عن العبد ويكفِّر سيئاته بالمصائب ، وذلك فيما أخرجه الحافظان أحمد والترمذي من حديث أمية بنت عبد الله أنها سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله تعالى (وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ) وعن قوله (مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) [النساء :123] فقالت : ماسألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فقال : " ياعائشة هذه متابعة الله عز وجل العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة ، حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع لها فيجدها في ضبنه [يعني في جنبه أي قد اختفت داخل ثوبه]، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير".(مسند أحمد 6/218 ، سنن الترمذي رقم 2991 .)

 

وفضْل الله جل وعلا واسع فإنه بالإمكان تحقق مدلول الحديثين .

 

ورجح الإمام الطبري عدم نسخ الآية الأولى بالثالثة لهذا الحديث ، ولأن النسخ إزالة للحكم بالكلية وليس في الآية الثالثة إزالةٌ لحكم الأولى ، ولأن المحاسبة لاتعني ضرورة المعاقبة لما جاء في حديث النجوى ، وهو ما أخرجه الإمام البخاري من حديث صفوان بن محرز المازني قال: " بينما أنا أمشي مع ابن عمر رضي الله عنهما آخذ بيده إذ عرض رجل فقال : كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى ؟ فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره فيقول : أتعرف ذنب كذا ، أتعرف ذنب كذا ؟ فيقول : نعم أي رب ، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك قال : سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ، فيعطَى كتاب حسناته ، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد : هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ، ألا لعنة الله على الظالمين ".( صحيح البخاري ، رقم 2441 (5/96))

 

[285] وفي بيان بديع بليغ يبين الله تعالى إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم الصادق ويقينه الراسخ بهذا القرآن العظيم الذي أنزل إليه من ربه ، ويتوِّج المؤمنين بهذا الشرف العظيم حيث يضمهم إلى رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الإيمان فيقول جل وعلا (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ) إنهم يؤمنون بهذا الكتاب الكريم الذي بين فيه الله عز وجل الهدف الأعلى من وجود الإنسان في الأرض وعلاقة الإنسان بربه سبحانه والنظام الذي يسير عليه في حياته وأحوال الآخرة التي سيؤول إليها ، إنه الكتاب العظيم الذي أخرج الله به الإنسان من الحيوانية الهابطة إلى الإنسانية السامية ، من الظلمات إلى النور ، فالمسلمون هم – وحدهم- الذين يعيشون – بهذا الكتاب – في أنوار الهداية بينما يتخبط العالم من حولهم في ظلمات التيه والغواية .

 

إن هذا الكتاب العظيم هو البلسم الشافي والإجابة المقنعة على كل تساؤلات الحيارى والتائهين .

(كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ) كلٌّ من الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه آمنوا بالله جل جلاله الموصوف بصفات الكمال والجلال .. آمنوا به ربا واحدا وإلها واحدا ، وآمنوا بملائكته الكرام البررة عليهم السلام الذين يعبدون الله تعالى الليل والنهار لايفترون ، والذين وكَّل الله جل وعلا بعضهم بمهمات جليلة مما يتعلق بحياة البشر كتبليغ الرسالات وكتابة الأعمال وحفظ المؤمنين ، وآمنوا بكتبه ورسله عليهم السلام على مر الزمان من عهد آدم عليه السلام إلى عهد خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم لايفرقون بين أحد منهم ، بل يؤمنون بأن الله تعالى أرسل جميع الرسل بدين الإسلام الذي هو توحيد الله جل وعلا بالربوبية والعبادة وإن اختلفت شرائعهم في بعض القضايا على حسب ما تقتضيه أحوال أقوامهم وأزمانهم إلى أن جمع الله تعالى جميع البشر برسالة خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم ، فهذه الأمة الإسلامية العظيمة التي تجمع ولاتفرق وتؤمن بأفضل وأعظم ما حدث في جميع الأمم وهو بعثة الرسل عليهم السلام وإنزال الكتب السماوية.

 

(وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) فلا إيمان بدون سمع ولاطاعة ، فالسمع الكامل والطاعة الكاملة لله جل وعلا ولرسوله صلى الله عليه وسلم في كل شؤون الحياة ، فلا مجال لاتباع الهوى في حياة المؤمن الصادق لأن ذلك يتنافى مع السمع والطاعة لله جل وعلا .

 

ومع إعلان السمع والطاعة من المؤمنين فإن الإنسان يضعف أحيانا أمام نفسه الأمارة بالسوء ، فلابد من الالتجاء إلى عفو الله تعالى ومغفرته (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا) فالمؤمن يطلب المغفرة من الله جل وعلا لما يعلم من الذنوب وما لايعلم (وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) فالمؤمن الحق يتذكر اليوم الآخر دائما ، وهذا التذكُّر يجعله دائم اليقظة والحذر من ارتكاب مايتنافى مع رضوان الله تعالى والسعادة الأخروية .

 

[286] (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) في هذه الآية بيان لسعة رحمة الله تعالى وحكمته في تشريعه ، فهو سبحانه لم يشرع للناس شريعة فوق طاقتهم ، فأوامره ونواهيه كلها في وسع الإنسان أن يقوم به ، وبهذا فإن المسلم يُقبل على شريعة الله سبحانه وهو منشرح النفس لأن الذي خلقه وهو أعلم بحدود إمكاناته هو الذي شرع له هذه الشريعة ، فإذا أصابه الكسل والفتور في أثناء أداء التكاليف فإنه يعلم يقينا أن ذلك لعارض عرض لـه وليس لأن التكليف فوق طاقته ، وبهذا فإنه يتحمس لتنشيط نفسه ، فالذي خافه الصحابة رضي الله عنهم من أن يُكتب عليهم حديث الوسوسة لا يدخل في نطاق التكليف لأنه فوق طاقة الإنسان ، فلا يكتب عليه ماحدَّث به نفسه حتى يعمل (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) فللنفس ماكسبت من أعمال الخير وستثاب عليها، وعليها ما اكتسبت من أعمال الشر وستعاقب عليها .

 

ومع كون تكاليف الدين ميسَّرة وفي حدود الطاقة البشرية فقد جاء التوجيه الإلهي للمؤمنين بأن يلجأوا إلى الله عز وجل بالدعاء على اعتبار أن الإنسان تطرأ عليه ظروف تضعف من استقامته على التطبيق الكامل لأوامر الله تعالى ونواهيه (لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) ربنا لاتؤاخذنا إن نسينا شيئا فرضت علينا عمله فلم نعمله ، أو أخطأنا في فعل شيء نهيتنا عن فعله ففعلناه على غير قصد منا إلى معصيتك ولكن عن جهالة منا به وخطأ .( تفسير الطبري 5/155)

 

(رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا) يعني ربنا ولاتحمل علينا عهدا نعجز عن القيام به كما حملته على اليهود والنصاري الذين كلفتهم أعمالا وأخذت عليهم العهود فلم يقوموا بها فعوجلوا بالعقوبة .

 

(رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ) يعني من التكاليف والمصائب والابتلاءات التي لانستطيع القيام بها ولا احتمالها إلا بصعوبة شديدة .

 

(وَاعْفُ عَنَّا) إن قصرنا في عمل شيء مما كلفتنا به .

 

(وَاغْفِرْ لَنَا) إن وقعنا في شيء مما نهيتنا عنه .

 

(وَارْحَمْنَا) الطف بنا برحمة منك حتى نظفر بثوابك وننجوا من عذابك .

 

(أَنتَ مَوْلاَنَا) أنت ولي أمرنا نلجأ إليك في خصومتنا مع أعدائنا ولانلجأ لأحد سواك (فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) الذين جحدوا وحدانيتك وعبدوا الأوثان من دونك وأطاعوا غيرك في معصيتك .

 

هذا وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مايفيد أن الله سبحانه قد استجاب لهذه الأدعية ، وذلك فيما أخرجه الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، وفيه أن الله تعالى قال بعد كل دعاء من هذه الأدعية " قد فعلت ".( صحيح مسلم ، رقم 126 (ص116))

*         *         *

- أضواء من الهدي النبوي –

– تقدير أهل الفضل –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد :  فإن الله جل وعلا أمر باحترام المؤمنين عموما وتوقيرهم لقربهم من الله تعالى, ولما بينهم من الأخوة والمودة , المبنية على إيمانهم بالله جل وعلا .

 

وأرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى العناية بهذا الجانب المهم , وخص بالذكر أناسًا يستحقون مزيدًا من الإكرام والتوقير , لمِاَ لهم من الكرامة عند الله تعالى , فقال صلى الله عليه وسلم " إن من إجلال الله إكرامَ ذي الشيبة المسلم , وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه , وإكرامَ ذي السلطان المقسط" أخرجه الإمام أبو داود من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه .( سنن أبي داود , رقم 4676 , الأدب باب 23  )

 

ففي هذا الحديث يأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإكرام ثلاثة من المسلمين :

الأول : كبير السن الذي شاب على الإسلام , فمن إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم , لأن الذي قضى عمرا طويلا في عبادة الله تعالى وطاعته , ولم يصرَّ على ارتكاب الذنوب, ولم يترك شيئا من واجبات الإسلام خليق بأن يكرم وأن يحترم , لأنه لم يفعل ذلك إلا إجلالا لله تعالى وخشية منه ورجاء لما عنده , فكان إكرامه من إجلال الله تعالى وتعظيمه , ومعلوم أن أي أمر فيه إجلال لله تعالى فإنه يترتب عليه الأجر العظيم يوم القيامة .

 

وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم لمن أكرم كبار السن من المسلمين بين الوعد الكريم بالفوز بإجلال الله تعالى, الذي يترتب عليه الثواب الجزيل في الآخرة كما في هذا الحديث وبين الوعيد الشديد لمن أهان كبار السن , حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا " وفي رواية " ويعرف شرف كبيرنا " , أخرجه الإمام أحمد والترمذي وأبو داود .( صحيح الجامع رقم 5320 و 5321)

 

إضافة إلى مايحصل عليه من أكرم كبار السن من الإكرام بالمثل في الدنيا , حينما يكون محتاجا إلى الإكرام والاحترام , وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما أكرم شاب شيخا لسنِّه إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه " أخرجه أبو عيسى الترمذي.( سنن الترمذي , كتاب الأدب رقم 2023)

 

وإذا علمنا أن التربية هي نقل الفضائل والمكارم من الجيل الراشد إلى الجيل الناشئ فإنه يتبين لنا أن عدم احترام كبار السن مُخلٌّ بالجانب التربوي , لأنه يحُول دون استفادة الصغار من الكبار, فالتربية تعتمد على توافر الاحترام الكافي من الصغار للكبار , والرحمة من الكبار للصغار .

 

وإذا كان الصغار لايحترمون الكبار فإن الأمة تصاب بانفصام في التربية , حيث تُحجب مقومات الأمة وعواملُ استقامتها عن الصغار , ولذلك فإن من الضروري على الآباء تربية أبنائهم من الصغر على احترام الكبار ومخاطبتهم بأدب .

 

الثاني : حامل القرآن الذي يشتغل بحفظه وتلاوته , وتعلمِ أحكامه والتذكر بمواعظه , غيرُ الغالي فيه الذي ينـزله على غير مانزل من أجله , وذلك مثل الذين غلوا في آيات الوعيد فكفَّروا عصاة المؤمنين , وترتب على ذلك قيامهم بقتال المسلمين,فأحدثوا في الأمة الإسلامية حدثا عظيما , وكذلك الذين غلَوا في آيات الوعد فحكموا بأن عصاة المؤمنين لايعذَّبون في النار, والحقيقة أنهم تحت مشيئة الله جل وعلا , إن شاء عذبهم بقدر ذنوبهم ولايخلَّدون في النار, وإن شاء غفر لهم لقوله تعالى (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) [النساء : 48].

 

وكذلك من الغلو في القرآن ادعاء الاكتفاء به وعدم اعتبار سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

ولا الجافي عنه الذي يهجر تلاوته , أو العملَ بأحكامه أو لايعتبر بمواعظه .

 

وكيف لايكون إكرام حامل القرآن المعتدل في فهمه والعمل به من إجلال الله تعالى وهو يبذل جهده في العناية بكتاب الله جل وعلا ؟

 

ففي هذا الحديث الشريف دعوة للاهتمام بكتاب الله تعالى , حفظا , وتلاوة وتجويدا , وتعلما وتعليما , وتذكُّرًا بمواعظه , وعملا بأحكامه , حيث إن حاملي كتاب الله جل وعلا من أصحاب الدرجات العالية في الآخرة .

 

هذا وإن حاملي القرآن لَمِن أصحاب المقامات الرفيعة عند المسلمين , فكم رفع القرآن أقواما لاذكر لهم في المجتمع لمجرد أنهم من حفظة هذا الكتاب الكريم ‍ خصوصًا إذا كانوا من الذين يحسنون تجويده وتلاوته , والناس يرفعون من مقام أهل القرآن احتراما لكتاب الله تعالى , فكيف إذا علموا بأن إكرامهم من إجلال الله عز وجل .

 

الثالث : الحاكم العادل , فإكرامه إجلال لله تعالى , لأنه يحكم بشريعة الله جل وعلا , وينفذها في الواقع , فهو يطبق أمورا من الدين في الأرض , يترتب تطبيقها الكامل على وجود الحكام العادلين, من ذلك الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين , والجهادُ وتنفيذ الحدود , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

 

فالحاكم العادل به يسود الأمن في المجتمع , وبه تستقر العدالة بين الناس .

 

ولقد بلغ من فضل الحاكم العادل أن جعله النبي صلى الله عليه وسلم في مقدمة الناجين من أهوال يوم القيامة , حيث يقول : " سبعة يظلهم الله تحت ظله يوم لاظل إلا ظله : إمام عادل .." الحديث, كما بين صلى الله عليه وسلم بأن الحكام العادلين لهم المقامات الرفيعة يوم القيامة حيث يقول : "المقسطون على منابر من نور يوم القيامة الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وماولوا " .

 

فالحاكم العادل جدير بأن يُكرم وأن يوقر لأمور منها : أن إكرامه يُعدُّ من باب رد الجميل والاعتراف بالفضل لأهله , حيث تغلَّب هذا الحاكم على نوازع النفس ودواعي العواطف , فحكم بالعدل وإن أوقعه ذلك في إحراجات مع المنحرفين الذين يحبون الظلم ويتضجرون من العدل .

 

ومنها أن في إكرامه واحترامه تأييدًا وتشجيعًا له على الاستمرار في العدالة والاهتمام بأمور الأمة .

 

ومنها أن في ذلك تثبيتا لحياة الأمن والاستقرار في المجتمع .

*          *          *

-توجيهات ومواقف سلوكية –

- مواقف في الورع والعفة والزهد –

من أخبار المقداد بن عمرو رضي الله عنه :

من الذين وردت عنهم الأخبار في الخشية والورع المقداد بن عمرو رضي الله عنه , من ذلك ما أخرجه أبو عبد الله الحاكم من حديث المقداد بن عمرو رضي الله عنه قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مَبْعَثا , فلما رجعت قال: كيف تجد نفسك ؟ قلت: مازلت حتى ظننت أنَّ من معي خَوَلي[أي خدم لي], وايم الله لا أعمل على رجلين بعدها , قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه , وأقره الذهبي .( المستدرك 3/349 – 350)

 

فهذا مثال للورع والشدة في محاسبة النفس , فحينما أحس المقداد رضي الله عنه بأن نفسه قد تعاظمت بعض الشيء من أثر احترام الناس وتقديرهم له نفرَ من تلك الولاية التي خاف على دينه منها وآلي على نفسه أن لايتولى عملا في حياته .

 

وإن في هذا الخبر درسًا حيًّا للمسؤولين الذين يخدعون بمناصبهم فتتغير حالهم بعد توليهم المسؤولية , ويداخلهم شيء من الغرور والكبرياء , وربما تلا ذلك شيء من ظلم الناس وتأخير حقوقهم , فليَعْلَم هؤلاء أنهم قد اختاروا الدنيا على الآخرة وآثروا حظ أنفسهم على ابتغاء رضوان الله تعالى , ولئن خُيِّل إليهم أنهم قد كسبوا شيئا من الجاه الدنيوي فلقد خسروا كثيرًا حينما لم يضعوا في حسابهم العمل لما بعد الموت .

 

من أخبار خبَّاب بن الأرَتِّ رضي الله عنه :

مما روي عن الصحابة رضي الله عنهم ماروي عن خبَّاب بن الأرَتِّ رضي الله عنه وذلك فيما ذكره ابن الجوزي عن طارق بن شهاب قال: جاء خبَّابًا نَفَرٌ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا: أبشر يا أبا عبد الله إخوانك تَقْدُم عليهم غدا , فبكى وقال : أمَا إنه ليس بي جزع ولكن ذكرتموني أقوامًا وسمَّيتم لي إخوانا , وإن أولئك مضوا بأجورهم كما هي , وإني أخاف أن يكون ثواب ماتذكرون من تلك الأعمال ماأوتينا بعدهم.( صفوة الصفوة 1/427)

 

لقد فزع خباب رضي الله عنه وبكى من النعمة التي أوتيها مع أنها من خالص الحلال خشية أن يكون قد عُجِّل له بعض ثواب عمله الصالح , وفي هذا دلالة على شدة خشيته من الله تعالى, وعظمة استحضاره للآخرة , حيث يخشى أن ينتقص أجره بما تقدم من نعمة في الدنيا , وقد جرى ذلك من صحابة آخرين رضي الله عنهم , وهذا دليل على قوة إيمانهم وحرصهم الشديد على السلامة في الآخرة ورفعة الدرجات .

 

وإذا كان خباب قد فزع من تلك النعمة الحلال فكيف بمن يتقلَّبون في أنواعٍ من متاع الدنيا المكوَّن من كسب حرام أو مال مشتبه ؟!

 

من أخبار عائشة رضي الله عنها :

من ذلك ما أخرجه الحاكم من حديث أبي عمرو ذكوان مولى عائشة رضي الله عنها: أن دُرْجًا [هو وعاء الجوهر] قَدِمَ إلى عمر من العراق وفيه جوهر , فقال لأصحابه : تدرون ماثمنه ؟ قالوا : لا , ولَمْ يدروا كيف يقسمونه , فقال : تأذنون أن أبعث به إلى عائشة لِحُبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها ؟ فقالوا: نعم, فبعث به إليها فَفَتَحتْه فقالت: ماذا فُتِحَ على ابن الخطاب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم لاتبقني لعطيته لقابل .

 

قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إذا صح سماع ذكوان أبي عمرو , ولم يخرجاه , وقال الذهبي : قلت : فيه إرسال.( المستدرك 4/8)

 

ففي هذا الخبر موقفان : الأول في تصرف أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه الحكيم, وذلك حينما ذهب فكره إلى بِرِّ من يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من غيره فتذكَّر عائشة رضي الله عنها, فاستأذن الصحابة رضي الله عنهم في إرسال ذلك الجوهر إليها , وهذا موقف آخر يُذكَر له حيث لم يستبدَّ برأيه مع كونه في عمل خيري , ومما يُذكَر له أيضًا في هذا التصرف أنه لم يراع في ذلك ابنته أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها ولم يدارها في ذلك , بل خَلُص تفكيره لبِرِّ من يحبها رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من غيرها .

 

والموقف الثاني : فيما أبْدَتْه عائشة رضي الله عنها من زهد في مظاهر الحياة الدنيا, حيث فزعت من رؤية ذلك الجوهر النفيس وخشيت على نفسها الفتنة به بدلا من أن تفرح به حتى دعت على نفسها بذلك الدعاء , وهذا مثال على كمال الزهد وقوة الإيمان .

 

ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن أبي مليكة عن ذكوان مولى عائشة رضي الله عنها أنه استأذن لابن عباس رضي الله عنهما على عائشة وهي تموت, وعندها ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن , فقال: هذا ابن عباس يستأذن عليك وهو من خير بنيك , فقالت :دعني من ابن عباس ومن تزكيته , فقال لها عبد الله بن عبد الرحمن : إنه قارئ لكتاب الله فقيه في دين الله فأْذَني له فليسلِّم عليك وليودعك , قالت : فأْذن له إن شئت , قال: فأذن له فدخل ابن عباس ثم سلم وجلس وقال: أبشري يا أم المؤمنين فو الله مابينك وبين أن يذهب عنك كل أذًى ونصب – أو قال: وصب- وتلقي الأحبة محمدًا صلى الله عليه وسلم وحزبه – أو قال : أصحابه – إلا أن تفارق روحك جسدك , فقالت: وأيضًا , فقال ابن عباس : كنت أحب أزواج رسول الله إليه ولم يكن يحب إلا طيبا , وأنزل الله عز وجل براءتك من فوق سبع سماوات, فليس في الأرض مسجد إلا وهو يُتلى فيه آناء الليل وآناء النهار , وسقطت قلادتك بالأبواء فاحتبس النبي صلى الله عليه وسلم في المنزل والناس معه في ابتغائها – أو قال في طلبها – حتى أصبح القوم على غير ماء فأنزل الله عز وجل (فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً) [النساء :43] فكان في ذلك رخصة للناس عامة في سببك , فو الله إنك لمباركة, فقالت : دعني يا ابن عباس من هذا فو الله لوددت أني كنت نسيًا منسيَّا .( مسند أحمد 1/349)

 

فهذا مثال من خشية الله تعالى , وقوة استحضار الحياة الآخرة في القلب , فقد تناست أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كل فضائلها التي ذكرها ابن عباس رضي الله عنهما والتي لم يذكر, ولم يبرز في فكرها إلا الحساب وأهوال الآخرة , وهذا دليل على قوة الإيمان ورسوخ اليقين .

 

ومن ذلك ما أخرجه أبو عبد الله البخاري رحمه الله من حديث عوف بن الحارث : أن عائشة رضي الله عنها حُدِّثت أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة : والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها , قالت : أهو قال هذا ؟ قالوا : نعم , قالت : هو لله علي نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبدا , فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة , فقالت : لا والله لا أشَفِّع فيه أبدا ولا أتحنث إلى نذري , فلما طال ذلك على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث – وهما من بني زهرة – وقال لهما : أَنشُدكما بالله لما أدخلتماني على عائشة فإنها لايحل لها أن تنذر قطيعتي , فأقبل به المسور بن مخرمة وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما حتى استأذنا على عائشة فقالا : السلام عليك ورحمة الله وبركاته , أندخل ؟ قالت: عائشة : ادخلوا , قالوا : كلنا , قالت : نعم , ادخلوا كلكم – ولاتعلم أن معهما ابن الزبير- فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب فاعتنق عائشة , وطفق يناشدها ويبكي , وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها إلا كلمته وقبلت منه , ويقولان : إن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عما قد علمت من الهجرة, فإنه لايحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال , فلما أكثروا على عائشة من التذكرة والتحريج طفقت تذكِّرهما وتبكي , وتقول : إني نذرت والنذر شديد , فلم يزالا بها حتى كلمت ابن الزبير, وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة , وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعُها خمارها"  .( صحيح البخاري , رقم 6063 , كتاب الأدب (10/491))

 

وقوله " في بيع أو عطاء أعطته عائشة" قال الحافظ ابن حجر : في رواية الأوزاعي :"في دارٍ لها باعتها , فسخط عبد الله بن الزبير بيع تلك الدار" قوله "لتنتهين عائشة" زاد في رواية الأوزاعي" أما والله لتنتهين عائشة عن بيع رباعها "قال: وهذا مفسر لما أُبهم في رواية غيره,وكذا ماتقدم في مناقب قريش من طريق عروة قال:"كانت عائشة لاتمسك شيئا , فما جاءها من رزق الله تصدقت به "وهذا لايخالف الذي هنا لأنه يحتمل أن تكون باعت الرِّباع لتتصدق بثمنها"  أ هـ .( فتح الباري 10/493)

 

ففي هذا الأثر بيانٌ لبعض أخلاق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها , فمن ذلك اتصافها بالكرم الفياض , حيث كانت تتصدق بعطائها , وتبيع من ملكها لتتصدق بثمن ذلك , ولقد أثار كرمها البالغ ابن أختها عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما فقال ماقال : وكان ميلها الشديد إلى الكرم دافعا لها إلى النذر المذكور الذي أصبحت به محرجة بين الوفاء بالنذر وصلة الرحم.

 

ومن ذلك اتصافها بالخوف الشديد من الله تعالى , والورع الدقيق حيث تحرجت من عدم الوفاء بنذرها , ولما اضطرت إلى ذلك بدافع من تغليب جانب صلة الرحم وعدم الاستمرار في الهجر أعتقت أربعين مملوكا كفارة لنذرها , ومع ذلك كانت كلما ذكرت ذلك النذر تبكي , وهذا دليل على قوة الإيمان وعظمة الخشية من الله تعالى .

 

من أخبار زينب بنت جحش رضي الله عنها :

ومثل آخر من زهد أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها أخرجه ابن سعد من حديث بَرْزَة بنت رافع قالت : لما خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها, فلما أُدْخِلَ عليها قالت : غفر الله لعمر , غيري من أخواتي كان أقوى على قسم هذا مني , قالوا : هذا كله لك , قالت : سبحان الله ! واستترت منه بثوب , وقالت : صبُّوه واطرحوا عليه ثوبا , ثم قالت لي : أدخلي يدك فاقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان وبني فلان , من أهل رحمها وأيتامها , حتى بقَيتْ بقية تحت الثوب , فقالت لها برزة بنت رافع : غفر الله لك يا أم المؤمنين, والله لقد كان لنا في هذا حق , فقالت : فلكم ماتحت الثوب , فوجدنا تحته خمسة وثمانين درهما, ثم رفعت يدها إلى السماء فقالت : اللهم لايدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا , فماتت .

 

قال عبد الوهاب [يعني عبد الوهاب بن عطاء الذي روي عنه ابن سعد] في حديثه : فكانت أولَ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لُحُوقًا به.( طبقات ابن سعد 8/109 – 110)

 

فهذا موقف رفيع في الزهد والكرم من أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها , حيث فزعت من ذلك المال الذي كان عطاءَها السنوي , وقد استترت من ذلك المال بثوب وكأنما صُوِّرت لها النار متمثِّلةً بذلك المال , ولم يَقِرَّ لها قرار حتى فرَّقت ذلك المال على أقاربها , وأخيرًا دعت على نفسها بعدم البقاء خشية الافتتان بالدنيا , وهذا دليل على كمال الزهد والخشية .

*          *          *

- مواقف جهادية من السيرة النبوية –

- مواقف من غزوة بدر الكبرى –

- من أشعار الدعوة والجهاد –

( نماذج من أشعار المسلمين في بدر )

قال حسان بن ثابت رضي الله عنه بعد أبيات له كما ذكر ابن إسحاق :

إن كنتِ كاذبةَ الـذي حَدَّثتني * * * فنجَوت مَنْجَى الحارث بـن هشام 1*

ترك الأحبَّة أن يُـقاتـل دونهُمْ * * * ونـجا برأس طمرَّة 2* ولـجـام

تـذر العنَاجيج الـجياد بقفرة * * * مـرَّ الدَّموك بمُحْـصَد ورجـام 3*

مَلأتْ به الفرْجَين فارْمَدَّت بـه * * * وثــوى أحبَّتُه بشـرّ مـقـام 4*

وبنُو أبيه ورَهْـطهُ فـي مَعْرك * * * نصـر الإلهُ بـه ذوي الإسـلام

طَحَـنَتْهُمُ , واللهُ يُنْـفذُ أمرهَ * * * حـربٌ يُشـبُّ سعـيرُها بضرام

لـولا الإلهُ وجـَرْيها لَـتركْنه * * * جـَزَر السباع ودُسْـنه بـحَوامي 5*

من بين مأسـور يشـد وثـاقه * * * صقرٌ إذا لاقـى الأسـنة حـامـى

ومـجدَّل لايستـجيب لـدعوة * * * حـتى تزول شـوامـخُ الأعـلام 6*

بالـعار والـذلّ المُـبيَّن إذ رأى * * * بيض السـُّيوف تَسُوق كـلَّ هُمَام

بيـدَى أغرَّ إذا انتمى لـم يُخزه * * * نسـب القصار سَـمَيْدع مقـدام 7*

بيض إذا لاقت حـديدًا صَمَّمَتْ * * * كالـبرق تحت ظـلال كـل غمام

1* إنما ذكر الحارث بن هشام فقط مع أن الذين فروا من المعركة من قريش كثير لكونه من سادتهم وقد أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه وكان له بلاء مشكور يوم اليرموك وغيره رضي الله عنه .

2* أي فرس سريع الجري .

3* العناجيج الخيل النجيبة , والدَّموك البكرة التي يُستقى بها من البئر , والمُحْصَد الحبل الذي يربط به الدلو , والرِّجام الحجر الذي يربط بالدلو ليثقله حتى يسرع بالنزول , والمعنى أن الفرس التي نجا عليها الحارث أسرع من ذلك .

4* الفرجين مابين يدي الفرس ورجليها وارمدَّت أي أسرعت .

5* الحوامي جمع حامية وهي جوانب الحافر .

6* المجدل المطروح على الجدالة وهي الأرض والشوامخ الأعالي والأعلام الجبال .

7* السميدع السَّيد , وهذه التعليقات مع تعليقات أخرى مستفادة من هامش سيرة ابن هشام للشيخ الهراس رحمه الله تعالى .

----------------------

قال ابن إسحاق : وقال حسَّان أيضًا :

فما نخشى بـحول الله قـومـا * * * وإن كثـروا وأجـمعت الزحوف

إذا ما أَلـَّـبـُوا جـمعا عـلينا * * * كفانـا حــدهـم ربٌّ رؤوف

سـمونا يوم بـدر بالعـوالـى * * * سـراعا ما تُضعـْضعُنا حتـوف1*

فلم تُـرَ عُصبة في الـناس أنـكى * * * لـمن عادَوا إذا لقحت كَشوف2*

ولكنـا تـوكلـنا , وقـُلـنـا * * * مآثـرُنا ومعـقـلنا الـسُّيوف

لقـيناهم بـهـا لـما سـمونا * * * ونـحنُ عصابةٌ وهُـمُ ألـوف3*

1* الحتوف : جمع حتف وهو الموت .

2* أنكى أي أشد نكاية وإثخانا في العدو . والكشوف بفتح الكاف الناقة التي يقع عليها الفحل من غير اشتهاء منها.

3* هذا محمول على المبالغة لأن جيش قريش ماكان يزيد على الألف .

----------------------

 

قال ابن إسحاق : وقال كعب بن مالك في يوم بدر :

ألا هـل أتى غسان في نأي دارها * * * وأَخْـبَرُ شـيء بالأمور عليمها

بأن قد رمتنا عـن قسيِّ عـدواة * * * مَعـدٌّ معًا جـُهالها وحلـيمها

لأنـا عـبـدنا الله لم نرج غيره * * * رجـاء الجنان إذا أتانا زعيمـها 1*

نبيّ لـه في قـومـه إرثُ عـزة * * * وأعـراقُ صدق هذَّبتْها أرومها2*

فساروا وسرنا فالتقـينا كأننـا * * * أسود لقاء لايـُرَجـَّى كليمها3*

ضربناهُمُ حتى هـوى في مكَرِّنا * * * لمنخر سوء من لُـؤَيٍّ عظـيمها

فـوَلَّوا ودسـناهم ببيض صوارم * * * سـواءٌ علينا حلفها وصَميمها4*

1* أي ضامنها وهو النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ضمن لهم الجنة بالجهاد .

2* أرُومها أي أصولها .

3* أي جريحها أي لايرجى أن يشفى من جراحه .

4* أي من كان من صميم قريش ومن كان حليفا لهم , والبيض الصوارم السيوف القاطعة .

----------------------

 

قال ابن إسحاق : وقال كعب بن مالك أيضًا :

لعـمر أبيـكما بـابْنَيْ لُـؤَيّ * * * عـلى زَهـْو لـديكُم وانتخاء

لَمَا حـامت فـوارسكم ببدر * * * ولاصـبروا بـه عنـد اللقاء1*

وردنـاه بـنـور الله يـجلو * * * دُجـى الظلـماء عـنا والغطاء

رسـولُ الله يَقـْدُمُنا بـأمـر * * * مـنَ امـر الله أُحْكـمَ بالقضاء

فما ظفرت فوارسـكم ببـدر * * * ومارجـعـوا إليـكم بالـسواء

فلا تعجـل أبا سفـيان وارقب * * * جياد الـخيل تطـلعُ من كـداء

بنصـر الله روحُ القـدس فيها * * * وميـكـالٌ , فياطـيـب الملاء2*3*

1* لما حامت أي لم تمنع فوارسكم جيشكم .

2* أي ما أطيب الملأ الذين يقودهم جبريل وميكائيل عليهما السلام .

3* سيرة ابن هشام 2/458 – 470 .

----------------------

 

وبعد : فهذه نماذج من أشعار المسلمين التي قالوها بمناسبة انتصارهم المؤزر يوم بدر, والشعر له مكانة عالية عند العرب , فهو يرفع أقوامًا ويخفض آخرين , ويُشعل الحروب ويطفئها .

 

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب من شعراء أصحابه أن يغيظوا الأعداء بشعرهم كماستأتي نماذج لذلك في مواقف لاحقة بإذن الله تعالى .

*         *         *

انتهت

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 50:47:11


6 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8399353 عدد زيارات الموقع 40 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com