الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
المشرف
المؤلفات
الديوانية
الصوتيات
الفــتاوى
تراجم علمائنا
ملتقـيات الخير
شبـهات و ردود
مقـالات مخـتارة
المـعهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
ســيــر الصـــحـابة
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة د. عبدالعزيز الحميدي المصلحون المصلحون : العدد العاشر

المصلحون : العدد العاشر

تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :

1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .

2 – أضواء من الهدي النبوي .

3 – توجيهات ومواقف سلوكية .

4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .

- أضواء من هدي القرآن الكريم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله سبحانه (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ{275} يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ{276} إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{277} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{278} فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ{279} وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ{280} وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ{281}) [البقرة :275-281] .

 

[275] بعد أن حث الله جل وعلا على الإنفاق بوجهيه الواجب والمستحب في عدد من الآيات وتبين لنا أثر الإنفاق في تصحيح أوضاع الأمة الاجتماعية والاقتصادية تأتي الآيات التي تبين حكم الربا وتنفِّر منه بأبلغ صورة ، وذلك ابتداء من هذه الآية ، فقد شبه الله سبحانه الذين يأكلون الربا ويتعاملون به بالمجنون الذي يتخبطه الشيطان من المس ، وهو تشبيه مفزع منفِّر يدل على فظاعة الربا وأثره الهدام في المجتمع ، والربا نوعان: الأول ربا النسيئة وهو أن يعطي الإنسان إنسانًا آخر مبلغا من المال إلى أجل بزيادة ، ويكون مضاعفا حينما يكون الدائن إذا حان الأجل ولم يسدد المدين زاده في المدة وزاد في الفائدة الربوية كما هو معروف عند أهل الجاهلية .

 

النوع الثاني ربا الفضل وذلك في بيع طعام بمثله بأقل منه أو أكثر نظرا لاختلافهما في الجودة، وقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم الأشياء التي يكون فيها ربا الفضل بقوله" الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبُرُّ بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مِثلاً بمثل سواء بسواء يدًا بيد ، فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد " . أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.( صحيح مسلم ، رقم 1588 (ص1211) . صحيح البخاري ، رقم 2175 (4/379) .)

 

وفي بيان نوعي الربا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى : " الربا نوعان : جلي وخفي، فالجلي حرم لما فيه من الضرر العظيم ، والخفي حرم لأنه ذريعة إلى الجلي ، فتحريم الأول قصدا وتحريم الثاني وسيلة ، فأما الجلي فربا النسيئة ، وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية ، مثل أن يؤخر دنيه ويزيده في المال ، وكلما أخره زاد في المال ، حتى تصير المائة عنده آلافا مؤلفة ، وفي الغالب لايفعل ذلك إلا معدم محتاج ، فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادة يبذلها له تكلف بذلها ليفتدي من أسر المطالبة والحبس ، ويدافع من وقت لوقت فيشتد ضرره وتعظم مصيبته ، ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده ، فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له، ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه ، فيأكل مال أخيه بالباطل ، ويحصل أخوه على غاية الضرر ، فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرم الربا ولعن آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه ، وآذن من لم يدعه بحربه وحرب رسوله ، ولم يجئ مثل هذا الوعيد في كبيرة غيره ، ولهذا كان من أكبر الكبائر (إعلام الموقعين عن رب العالمين 2/154).

 

ولقد كان من مفاسد الربا التي من أجلها حُرِّم أن المال يتكدس على مر الزمان في جيوب مئات أو ألوف من الناس على حساب كدح الكادحين الذين ربما أخذوا المال بالربا للتجارة ، فيؤخذ المال من عرق جبينهم إذا ربحوا ، ويكون الأمر أدهى وأطم إذا خسروا ، وربما أخذ بعضهم المال بالربا ليعيل أسرته فإذا به بعد مدة من الزمن يخنقه الربا.

 

ولقد أثبت هذا الزمن – بصورة أعمق من الماضي – مفاسد الربا العظيمة ، حيث تكدست الثروة في جيوب ألوف من البشر على حساب مئات الألوف من الكادحين .. من المعوزين أو من متوسطي الحال .

 

وهذا الذي تبين لنا من الآثار السيئة لربا النسيئة يوجد ما يشبهه بصورة أقل في ربا الفضل ، حيث ينمو المال بين المبيع والثمن بدون جهد من البائع ، فحُرِّم ذلك لشبهه – ولو من بعيد – بالربا الأساسي وهو ربا النسيئة .

 

(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) فهذا هو المسوِّغ لممارسة الربا من المترابين أنهم شبهوه بالبيع ، وذلك أن البيع يحقق الفائدة والربح كالربا (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ) لما فيه من تبادل المنافع وخلوِّه من مفاسد الربا (وَحَرَّمَ الرِّبَا) لكونه يحقق النفع لطرف واحد وهو المرابي بينما يحقق الضرر على الطرف الآخر وهو المقترض بالربا ، ولما فيه من شبح امتصاص الثروات وتكديسها بطريقة منظمة بأيد حفنة من الناس على حساب الإضرار بالكثرة الكاثرة من أبناء المجتمع .

 

(فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ) في تحريم الربا والتنفير منه (فَانتَهَىَ) عن ممارسة الربا (فَلَهُ مَا سَلَفَ) فيحل له الاستفادة مما كان من ذلك قبل نزول هذه الآيات التي تحرم الربا (وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ) أي أمر استقامته واجتنابه الربا إلى توفيق الله سبحانه ، فإن غلبتْ عليه جواذب الخوف من الله والرجاء لما عنده فإنه قد وفقه الله وسيتخلى – على الفور – من الربا (وَمَنْ عَادَ) إلى أكل الربا فذلك الذي غلبتْ عليه وساوس النفس الأمارة بالسوء والشيطان ولم يحالفه توفيق الله تعالى (فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) ماكثون فيها مكثا طويلا .

 

ومما ينبغي أن يعلم بأن تحريم الربا لايقتصر على آكله فقط ، بل يشمل أصحاب العلاقة به كما جاء في حديث جابر رضي الله عنه قال : " لعن رسول الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ، وقال : هم سواء ".( صحيح مسلم ، رقم 1597 (ص1218) ، مسند أحمد 1/82)

 

[276] وفي المقارنة بين الربا والصدقات يقول الله تعالى (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) .

 

يعني ينقص الله الربا ويذهب بركته ، وينمِّي الصدقات ويضاعف من أجرها، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى ذلك قوله " ماتصدق أحد بصدقة من طيِّب – ولايقبل الله إلا الطيب – إلا أخذها الرحمن بيمنه وإن كانت تمرة ، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل ".(صحيح مسلم ، رقم 1014 (ص702))

 

(وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) يعني لايحب كل مُصرٍّ على كفرٍ مقيم عليه ، مستحل أكلَ الربا ، متمادٍ في الإثم وارتكاب المعاصي .

 

[277] وفي مقابل هؤلاء الكَفَّارين الآثمين الذين لايحبهم الله تعالى لتوغلهم في الربا يعرض الله سبحانه صورة المؤمنين ومايقومون به من الأعمال الصالحة حيث يقول (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ).

 

فهؤلاء الذين آمنوا بالله ربًّا وإلها وآمنوا باليوم الآخر الذي سيجازون فيه وعملوا الأعمال الصالحة التي تشتمل على كل عمل طيب خالص لله تعالى موافق لشريعته ، وأدوا الصلاة كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها ، وخاصة اشتمالها على الخشوع ، وآتوا الزكاة كاملة من صالح أموالهم طيبة بها نفوسهم لهم ثواب عظيم عند ربهم يوم يلقونه في الآخرة ، ولايخافون حين يخاف الناس ولايحزنون حين يحزنون .

 

ومما ينبغي الإشارة إليه اشتمال هذه الآية على أداء الزكاة ، والزكاة تأتي في مقابل الربا ، فكما أن الربا يهدم الاقتصاد ويفسد القلوب فإن الزكاة تبني المجتمع السوي القائم على التكافل وتربط بين أفراد المجتمع ، إنه حينما يتصور الإنسان مجتمعا دخل في الإسلام وكان المحتاجون في جاهليتهم لايحصلون على المال من الأغنياء إلا بواسطة الربا فإذا بهم يفاجؤون بأن الأغنياء قد تنازلوا لهم عن جزء من أموالهم عن طيب نفس فكيف يكون شعور أولئك المحتاجين ؟! إنه شعور مغمور بالغبطة والسرور .

 

فإذا تصورنا أن جزءًا من المال الخاص يتراوح بين 2.5% و 10% هو حق زكاة المال الخاص و20% في كنوز الأرض ومعادنها .. إذا تصورنا أن ذلك كله يُخرج في الزكاة ويُعطى لمستحقيه فهل سيبقى في الأمة الإسلامية عوز أو فاقة ؟ ! وهل ستبقى هناك ضرورة للاقتراض بالربا بسبب الحاجة ؟

 

[278 – 279] ثم تعود الآيات القرآنية للتحذير من الاستمرار على الربا بأسلوب قوي حيث يقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{278} فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ).

 

فهاتان الآيتان نزلتا في قوم أسلموا ولهم على قوم أموال من رباً كانوا أربوه عليهم وكانوا قد اقتضوا بعضه منهم وبقي بعض فعفا الله عز وجل لهم عما كانوا قد اقتضوه قبل نزول هذه الآية وحرَّم عليهم اقتضاء مابقي منه .( تفسير الطبري 5/49).

 

وفي هذه الآية يأمر الله سبحانه عباده المؤمنين بأن يتقوا سخطه وعذابه بترك مابقي لهم من الربا بعد أن علموا بتحريمه وأن يكتفوا بطلب رؤوس أموالهم إن كانوا مؤمنين بالله تعالى حقا وبماأعده للطائعين من الأجر العظيم وما أعده للعاصين من العذاب الأليم.

 

(فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ ) فإن لم ترتدعوا عما نهاكم الله عنه من الربا فاستيقنوا بحرب من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وهي حرب حقيقية ، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب بهذه الآية إلى عامله على مكة عتاب بن أَسِيد وقال : " إن رضوا وإلا فآذنهم بحرب " وهل من أحد يطيق أن يدخل في حرب مع الله ورسوله إن كان له مَسْكة من عقل أو بقية من ضمير .

 

(وَإِن تُبْتُمْ) وذلك بأن ندمتم على ماكان منكم من المعاملة بالربا وأقلعتم عن الاستمرار في ذلك وعزمتم على عدم العودة إليه (فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ) التي أقرضتموها دون الزيادة الربوية (لاَ تَظْلِمُونَ ) أحـدًا بأخذ مازاد على رؤوس أموالكم (وَلاَ تُظْلَمُونَ) ولايظلمكم أحد بالنقص من رؤوس أموالكم .

 

[280] ثم يقول الله تعالى في التيسير على المدينين (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) .

 

ففي هذه الآية يبين الله تعالى أنه ليس من الإسلام مضاعفة الدَّين على المعسر بالربا فإن ذلك من عمل أهل الجاهلية ، وإنما الذي تقتضيه سماحة الإسلام ورحمته هو أن يتم إنظار المعسر وإمهاله إلى أن يستطيع السداد ، فالله سبحانه يدعو الدائنين إلى إنظار المعسرين وإلى ماهو خير من ذلك ، وهو أن يتصدقوا على المدينين بوضع الدين عنهم إن كانوا يعلمون أن ماعند الله خير لهم وأبقى .

 

[281] ثم ختم الله سبحانه الآيات التي حث فيها على الإنفاق وبين شيئا من أحكامه وحذر من الربا وبين شيئا من أحكامه بقوله (وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ).

 

فاتقوا – أيها المؤمنون – بعمل الصالحات واجتناب السيئات يوم القيامة ، ذلكم اليوم المرعب الهائل الذي تُرجعون فيه إلى الله تعالى للحساب ثم للجزاء ، وفيه يجازَى كل واحد منكم بما عمل من خير أو شر من غير أن يناله ظلم ، وكيف يناله ظلم والذي يحاسبه هو الله جل جلاله المنـزه عن الظلم والمتصف بكمال العدل ؟!

*         *        *

- أضواء من الهدي النبوي –

-  الدين النصيحة –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد :  فهذه أحاديث تربوية في مجال النصح والمشورة , فمن ذلك ما أخرجه مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى من حديث تميم الداري رضي الله عنه : "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الدين النصيحة , قلنا لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " .( صحيح مسلم, رقم 55 , الإيمان (ص74))

 

وقوله " الدين النصيحة " يعني أن الدين لايتم إلا بالنصيحة وهي إخلاص القلب وتخليصه من الغش في القول والعمل والاعتقاد .

 

فالنصيحة لله تعالى أن يكون الله جل وعلا أحب إليه مما سواه , وأن يلزم نفسه بتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه , وأن يجتهد دائما في تلمُّس الطرق التي توصله إلى رضوانه وتبعده عن سخطه, وأن يكون عزمه على بذل الجهد في طاعته أكبر من عمله, فإن استطاع تحقيق ما عزم عليه وإلا كان له ثواب عزمه , وأن يطهر قلبه تماما من اتباع هواه أو الخضوع لغيره فيما يخالف دينه.

 

أما إذا قام المسلم بأداء التكاليف الشرعية مكرَهًا عليها , أو تأسيا بالآباء وحفاظا على ما تعارف الناس عليه في بيئته من غير إرادة مخلصة لله تعالى ولانية صادقة في طلب مرضاته واجتناب سخطه فإنه غير ناصح لله جل وعلا .

 

ولقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن النصح لله تعالى هو أحب العبادة إليه , وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه جل وعلا "قال الله عز وجل : أحب ما تعبدني به عبدي النصح لي" أخرجه الإمام أحمد .(مسند أحمد 5/245 .)

 

أما النصيحة لكتاب الله تعالى فإنها تكون بتعظيمه وتقديسه وتلاوته وتدبر معانيه , والعمل بما جاء فيه من تكاليف , والتذكر بما جاء فيه من العبر والمواعظ والوعد والوعيد .

 

وكذلك نشره بين الناس وتعليمهم أحكامه وآدابه وتذكيرهم به , فإن من فعل ذلك حصل على ثناء النبي صلى الله عليه وسلم بقوله " خيركم من تعلم القرآن وعلمه".( صحيح البخاري رقم 5027)

 

ومن النصح له أيضا أن يشعر المسلم وهو يتلو كتاب الله تعالى أنه أحد المخاطبين به من رب العالمين جل وعلا , وأن يكون هذا الشعور أقوى بكثير من شعوره حين يوجَّه إليه خطاب من أحد الزعماء , وهذا الشعور يعطيه مزيدًا من الاهتمام بالاستفادة من كتاب الله تعالى .

 

أما النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها تكون بمحبته القلبية فإن الإيمان الصادق مترتب على ذلك كما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم : " لايؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين" أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.( صحيح البخاري رقم 15, الإيمان (1/58), صحيح مسلم , رقم 70/44 , كتاب الإيمان (ص67) .)

 

وتكون أيضًا بطاعته وذلك بتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه , وهذا هو الدليل الظاهر الذي يبين الصدق في محبته , فإذا أظهر المسلم محبته ولكنه مستمر في معصيته فإن هذا دليل واضح على أنه مقلد في محبته لغيره ممن يراهم يتحمسون لذلك , ولم تكن محبته عن قناعة قلبية لأنه ليس لهذه المحبة أثر ظاهر في السلوك .

 

أما النصيحة لأئمة المسلمين فإنها تكون بطاعتهم وإعزازهم إذا استقاموا على شريعة الله تعالى, والدعاء لهم والدعوة إلى اجتماع الأمة عليهم , والقيام معهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , ووعظهم وتذكيرهم , وبذل الجهد في إصلاحهم والإصلاح بهم .

 

أما النصح لعامة المسلمين فإنه يكون بمحبة هدايتهم وإرشادهم إلى مافيه خيرهم في العاجلة والآجلة ورفْع المقصرين منهم في العمل ليتجهوا نحو الكمال , وتشجيع المتجهين إلى الكمال ليصلوا إلى الغاية الحميدة .

 

ومن النصح للمسلمين الستر على من زلت به القدم , ومَدُّ يد الرعاية لهم والعناية بهم حتى يرتفعوا عن المستوى الذي هبطوا إليه .

 

ومما جاء في معنى هذا الحديث ما أخرجه الطبراني في معجميه الأوسط والصغير من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ٍ "من لايهتم بأمر المسلمين فليس منهم , ومن لم يصبح ويمسي ناصحا لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم".( ذكره الحافظ الهيثمي وقال: فيه عبد الله بن أبي جعفر الرازي , ضعفه محمد بن حميد , ووثقه أبو حاتم وأبو زرعة وابن حبان – مجمع الزوائد 1/87 . أقول : وهؤلاء الذين وثقوه أئمة كبار في علم الجرح والتعديل , وقد توسط في الحكم عليه الحافظ ابن حجر فقال : صدوق يخطئ _ تقريب التهذيب 1/407, وعلى هذا فحديثه من قبيل الحسن إلا إذا تبين خطؤه .)

 

والمقصود بنفي الإسلام في هذا الحديث نفي الانتماء لجماعة المسلمين , وليس نفيا للإسلام بالكلية , فإن الإسلام لاينتفي بالكلية إلا بالكفر , والإنتماء لجماعة المسلمين له صفات مذكورة في موضعها , ومن أبرزها محبة الإسلام واتخاذه قضية كبرى للمسلم في هذه الحياة, يتحمس له ويدعو إليه ويدافع عنه ويعتز به .

 

فمن كان كذلك فإنه لابد أن يهتم بأمر المسلمين , وأن يكون ناصحا لله تعالى ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين .

 

ومن ذلك ما أخرجه مالك وأحمد رحمهما الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا , يرضى لكم أن تعبدوه ولاتشركوا به شيئا, وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولاتفرقوا , وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم , ويسخط لكم قيل وقال, وإضاعة المال , وكثرة السؤال.( موطأ مالك , كتاب الكلام , ص 990 , مسند أحمد 2/377 .)

 

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " ثلاث لايُغلُّ عليهن قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل لله , والنصيحة لكل مسلم , ولزوم جماعة المسلمين فإن دعاءهم محيط من ورائهم" أخرجه الإمام الدارمي .( سنن الدارمي رقم 230( 1/87) وقال المنذري : أخرجه البزار بإسناد حسن – الترغيب 1/54- .)

 

وقوله ٍ" يغل" بضم الياء وكسر الغين من الإغلال وهو الخيانة , ويروي بفتح الياء وكسر الغين من الغل وهو الحقد – ذكره ابن الأثير في النهاية – ولعل كونه من الإغلال بمعنى الخيانة أقرب إلى معنى الحديث , لأن المعنى أن هذه الخصال الثلاث لايتصور أن تقع الخيانة فيهن من مؤمن صادق في إيمانه , إذ أن الخيانة في هذه الخصال تتنافى مع الإيمان .

 

ومن ذلك ما أخرجه مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال : " بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم ".( صحيح مسلم , رقم 56, الإيمان (ص75) .)

 

وهذا الحديث يبين لنا أهمية النصح للمسلمين حيث جاء ذكره ضمن بنود البيعة التي كان الصحابة رضي الله عنهم يبايعون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

*          *        *

- توجيهات ومواقف سلوكية –

- مواقف في الورع والعفة والزهد – من أخبار أبي عبيدة ومعاذ رضي الله عنهما : من أخبار الصحابة رضي الله عنهم في الزهد مارُوي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن عمر حين قدم الشام قال لأبي عبيدة رضي الله عنه : اذهب بنا إلى منـزلك , قال: وماتصنع عندي؟ ماتريد إلا أن تعصر عينيك عليّ , قال: فدخل فلم ير شيئًا , قال: أين متاعك ؟ لا أرى إلا لَبَدًا وصحفة وشنّـًا  (اللَّبد السرج والشنّ القربة القديمة) وأنت أمير , أعندك طعام ؟ فقام أبو عبيدة إلى جونة (يعني السلة) فأخذ منها كسيرات , فبكى عمر , فقال له أبو عبيدة : قد قلت لك إنك ستعصر عينيك عليَّ , يا أمير المؤمنين يكفيك ما يُبْلُغك المقيل , قال عمر : غيَّرتْنا الدنيا كلَّنا غيرك يا أبا عبيدة .

 

ذكره الإمام الذهبي وقال : وهذا والله هو الزهد الخالص لا زهد من كان فقيرًا معدما.(سير أعلام النبلاء 1/17)

 

فهذا مثل بليغ في الزهد يقدمه أحد عظماء الإسلام أمام أحد عظمائه .

 

لقد كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه حينما قَدِم إلى الشام قد جعل من أهدافه المهمة أن يزور بيت أمير الشام أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه لِيُثْلج صدره برؤية مظهر من مظاهر الزهد النادرة , ولكن أبا عبيدة كان يدرك ما ستؤول إليه حال عمر حينما يرى بيته فتلكأ قليلا في الذهاب به , ولم يتمالك عمر نفسه حينما رأى ذلك البيت الذي كأنما هُجر من دهر فجاشت عيناه بالدموع .

 

ويَحْدُث مايدهش المتأمل حيث يقول أبو الزهد ومقنِّن مناهجه في عصره : "غيَّرتنا الدنيا كلَّنا غيرك يا أبا عبيدة " .

 

هل حقا غيَّرت الدنيا عمر ؟!

إنه الحاكم العظيم الذي ساس دولته على الزهد وكان قدوة عليا للزاهدين !

ولكنه التواضع الكبير من الرجل الكبير !

 

فما أعظم هذا الحوار بين هذين الرجلين العظيمين ! وما أعظم ماقدَّماه لأمة الإسلام من تضحية وفداء !!

ومن ذلك ماذكره ابن الجوزي عن مالك الداري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة فقال للغلام : اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح . ثم تَلَهَّ ساعة في البيت حتى تنظر مايصنع .

 

فذهب الغلام قال : يقول لك أمير المؤمنين : اجعل هذه في بعض حاجتك , قال: وصله الله ورحمه , ثم قال : تعالَي ياجارية , اذهبي بهذه السبعة إلى فلان , وبهذه الخمسة إلى فلان وبهذه الخمسة إلى فلان , حتى أنفذها .

 

فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل , فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل وتَلَهَّ في البيت ساعة حتى تنظر مايصنع , فذهب بها إليه قال : يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك , فقال رحمه الله ووصله , تعالي ياجارية , اذهبي إلى بيت فلان بكذا, اذهبي إلى بيت فلان بكذا , فاطَّلَعَت امرأته فقالت : ونحن والله مساكين فأعطنا ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فَدَحَا بهما إليها , فرجع الغلام إلى عمر فأخبره بذلك , فقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض.( صفة الصفوة 1/491 .)

 

ومن هذه الأخبار تبين لنا ماكان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة , ولاشك أن من وقع في يده مال هو بحاجته ففرقه من ساعته .. لاشك أنه قد تجرد قلبه من الميل إلى الدنيا , ولايكون ذلك إلا بدافع قوي يهيمن على النفس فيصرف اتجاهها إلى مايخالف هواها , هذا الدافع هو ماذكره الله تعالى بقوله في مدح الصحابة رضي الله عنهم (يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً) [الفتح :29] ومايزال عباد الله المخلصون يقاومون هوى نفوسهم حتى يكون هواهم خالصا فيما يحبه الله تعالى , ولذلك فإنهم يشتاقون إلى لقائه جل وعلا, ولايكرهون الموت لأنهم قد عاشوا لما بعد الموت , ولم تمثل الحياة الدنيا في شعورهم إلا كرحلة سفر , قد تم فيها الإعداد لما بعدها من الإقامة .

 

وعلى ضد ذلك الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان بقوله : "يوشك الأمم أن تَدَاعَى عليكم كما تداعى الأَكَلَة إلى قصعتها , فقال قائل : ومِنْ قِلَّة نحن يومئذ ؟ قال : بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غُثاء كغثاء السيل , ولينـزعَنَّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم , وليقذفَنَّ الله في قلوبكم الوهْن , فقال قائل : يارسول الله وما الوَهْن ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت . أخرجه الإمامان أبو داود وأحمد. ( سنن أبي داود , رقم 4297 , الملاحم 4/483 , مسند أحمد 2/359 .)

 

من أخبار سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه :

أخرج الحافظ ابن كثير في ترجمة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : وفي رواية محمد بن عائذ الدمشقي عن الهيثم بن حميد عن مطعم عن المقدام وغيره أن سعدا قال : يارسول الله ادع الله أن يجيب دعوتي , فقال : إنه لايستجيب الله دعوة عبد حتى يطيب مطعمه , فقال : يارسول الله ادع الله أن يطيِّب مطعمي , فدعا له , قالوا : فكان سعد يتورع من السنبلة يجدها في زرعه فيردها من حيث أُخذت.( البداية والنهاية 8/76)

 

ففي هذا الخبر بيان لاهتمام سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بالورع واستقامته على ذلك, وكونه يهتم بسنبلة وقعت في أرضه دليل على قوة ورعه , فإن كثيرًا من الناس لايلتفتون لمثل هذا, وإذا كان قد تورع عن هذا الشيء الحقير فإن تورعه عن الأمور الكبيرة الواضحة في الحرام والشبهات من باب أولى , وهذا الحديث صريح في أن أهم أسباب إجابة الدعاء الورع عن الحرام والشبهات , وقد رُويت أحاديث أخرى في هذا المعنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , ومن ذلك ما أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيها الناس إن الله طيب لايقبل إلا طيبا , وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين , فقال : (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ{51}) [المؤمنون :51] , وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) [البقرة : [172] قال : ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر , يمد يديه إلى السماء : يارب , يارب , ومطعمه حرام , ومشربه حرام , وملبسه حرام, وغُذِّي بالحرام فأنَّى يستجاب لذلك !".( صحيح مسلم , رقم 1015 , الزكاة (ص703 ))

 

من أخبار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه :

من أخباره رضي الله عنه في باب الخشية من الله تعالى ما أخرجه أبو عبد الله الحاكم من خبر عمرو بن ميمون قال : كان عبد الله – يعني ابن مسعود رضي الله عنه – تأتي عليه السنة لايحدِّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , فحدَّث ذات يوم عن رسول الله بحديث فَعَلَتْه كآبة , وجعل العرق يتحادر على جبهته ويقول : نحوَ هذا أو قريبا من هذا .

 

قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه , وأقره الذهبي.(المستدرك 3/314)

 

فهذا مثل من شدة الوجل والخشية من الله تعالى , واهتمامٌ بالغ من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بأداء ماسمع من النبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يغير منه حرفا , وهذا النص يعدُّ توثيقا لجميع مرويات ابن مسعود إذا صحت عنه , وعلى شاكلته كان علماء الصحابة رضي الله عنهم , لأنهم يعلمون جميعًا أن هذا الأمر أداءٌ لدين الله تعالى , وأنَّ تحمُّل ذلك العلم وأداءَه مسؤولية عظيمة .

 

من أخبار أبي أمامة رضي الله عنه :

من ذلك ما أخرجه الإمام الطبراني في معجمه الكبير من حديث أبي أمامه الباهلي رضي الله عنه قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى باهلة , فأتيتهم وهم على الطعام , فرحبوا بي وأكرموني, وقالوا: تعال فكل , فقلت : إني جئتكم لأنهاكم عن هذا الطعام [جاء في إحدى الروايات أنه كان طعامهم الدم , وكانوا يستخرجونه من البهائم ويجعلونه في طعامهم, فلذلك لم يأكل أبو أمامة من طعامهم لأنه محرم .], وأنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم أتيتكم لتؤمنوا به , فكذبوني وزبروني [أي انتهروه] , وأنا جائع ظمآن , فنمت فأُتِيت في منامي بشربة لبن فشربت ورويت وعظم بطني , قال القوم : أتاكم رجل من أشرافكم وسَراتكم فرددتموه , اذهبوا إليه وأطعموه من الطعام والشراب مايشتهي , فأتوني بالطعام والشراب , فقلت : لاحاجة لي في طعامكم وشرابكم , فإن الله أطعمني وسقاني , فانظروا إلى الحال التي أنا عليها , فنظروا فأريتهم بطني , فأسلموا عن آخرهم . ذكره الحافظ الهيثمي وقال : رواه الطبراني بإسنادين وإسناد الأولى حسن.( مجمع الزوائد 9/387)

 

وهكذا أظهر هذا الصحابي الجليل عزة الإسلام فلم يدار المشركين في اقتراف شيء مما نهى الله تعالى عنه , فكان أهلا لأن تجري على يديه كرامة الله جل وعلا حيث أطعمه وسقاه, ثم هدى على يديه قبيلته بأكملها , وتلك من عاجل بشرى المؤمن في الحياة الدنيا , مع ما ادخره الله تعالى له في الآخرة من الثواب العظيم .

 

وهذا مثل رائع في باب الورع والتقوى , وبيان واضح لأثر ذلك في نجاح الداعية , كما هو ظاهر في استجابة قوم أبي أمامة , وقد كانوا كذبوه أولاً وزجروه , ثم أكبروا فيه الامتناع عن الطعام والشراب تَدَيُّنًا مع شدة احتياجه إليه , فلما رأوا ما مَنَّ الله به عليه من تلك الكرامة العظيمة خضعوا للحق فأسلموا .

 

ومن ذلك ماروي عن مولاة لأبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قالت : كان أبو أمامة رجلا يحب الصدقة ويجمع لها من بين الدينار والدرهم والفلوس , وما يأكل , حتى البصلة ونحوها, ولايقف به سائل إلا أعطاه ماتهيأ له حتى يضع في يد أحدهم البصلة .

 

قالت : فأصبحنا ذات يوم  وليس في بيته شيء من الطعام لذلك – يعني لذلك الغرض وهو الصدقة – ولا لنا , وليس عنده إلا ثلاثة دنانير , فوقف به سائل فأعطاه دينارًا ثم وقف به سائل فأعطاه دينارًا , ثم وقف به سائل فأعطاه دينارًا .

 

قالت : فغضبت وقلت : لم يَبْقَ لنا شيء ! فاستلقى على فراشه وأغلقت عليه باب البيت حتى أذن المؤذن للظهر , فجئته فأيقظته فراح إلى مسجده صائمًا , فرققت عليه فاستقرضت ما اشتريت به عشاء فهيأت سراجا وعشاء , ووضعت مائدة ودنوت من فراشه لأمهده له , فرفعت المرفقة – يعني المخدة – فإذا بذهب , فقلت في نفسي , ماصنع إلا ثقة بما جاء به , قالت: فعددتها فإذا ثلاثمائة دينار , فتركتها على حالها حتى أَنصرِفَ على العشاء .

 

قالت : فلما دخل ورأى ماهيأت له حمد الله تعالى وتبسم في وجهي , وقال: هذا خير من غيره , فجلس فتعشى , فقلت : يغفر الله لك , جئتَ بما جئت به , ثم وضعتَه بموضع مضيعة ! فقال: وماذاك ؟ فقلت : ماجئت به من الدنانير , ورفعت المرفقة عنها ففزع لِمَا رأى تحتها, وقال: ويحك ماهذا ؟ فقلت : لا علم لي به إلا أني وجدته على ماترى , قالت:فكثر فزعه رضي الله عنه.

 

ذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة والذهبي في تاريخه , وأشار إليه في سير أعلام النبلاء وقال: لأبِيِ أمامة كرامة باهرة جزع هو منها.( صفة الصفوة 1/734 , تاريخ الإسلام 3/315 , سير أعلام النبلاء 3/362).

 

وإن مارأيناه في هذا الخبر شيء عجيب , فَلأَنْ يتصدق المسلم بمازاد عن حاجته فهذا ظاهر, ولـه أمثلة كثيرة من عمل الصالحين , لكن أن يتصدق بثمن قوته الضروري فإن هذا نادر المثال, وإنما يدل على إيمان قوي وثقة بالغة بما عند الله تعالى من الخير في الدنيا والآخرة , فأما الجزاء الأخروي فأدلته ظاهرة معلومة , وأما الجزاء الدنيوي ففي مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "مامن يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينـزلان فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا , ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفا" [صحيح البخاري , رقم 1442 , الزكاة (3/304) , صحيح مسلم , الزكاة رقم 57] وقد ضاعف الله تعالى لأبي أمامة الخلف بمائة ضعف , حيث رُزِق بثلاثمائة دينار لايعرف مصدرها , بدلا من الثلاثة التي تصدق بها .

 

والمشهد العجيب الثاني أنه فزع لما رأى تلك الدنانير , وزاد فزعه يوم أن جهل مصدرها, في مقام يُتوقع فيه الفرح والسرور , وماذاك إلا أنه وأمثاله ينظرون إلى الدنيا نظرة وجل وفزع خوفًا من الوقوع في شيء من فتنتها على حسب عرف السابقين بالخيرات , وإن كان ذلك يُعدُّ أمرًا معتادًا عند غيرهم , أما شدة فزعه حينما جهل مصدرها فهو مبني على شدة خشيته من الله تعالى أن يكون ذلك استدراجًا , وأن يداخل نفسه شيء من الإعجاب بالعمل الصالح , ولكن أنَّى يصدر ذلك ممن يحوِّلون مشاهد السرور والفرح إلى مشاهد الخوف والفزع !

*          *        *

- مواقف جهادية من السيرة النبوية  -

- مواقف من غزوة بدر الكبرى -

النصر على الأعداء من نعم الله تعالى -

قال محمد بن إسحاق : ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم , حتى إذا كان بالرَّوْحاء لقيه المسلمون يُهنئونه بما فتح الله عليه , ومن معه من المسلمين , فقال لهم سَلمة بن سلامة – كما حدثني عاصم [سقط اسم عاصم من النسخة المطبوعة التي اعتمدت عليها وقد اثبته من الروض الأنف 5/152] بن عُمر بن قتادة , ويزيد بن روُمَان - :ما الذي تُهنئوننا به ؟ فو الله إن لقينا إلا عجائز صُلْعا كالبُدْن المعقَّلة , فنحرناها , فتبّسم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم , ثم قال: أي ابن أخي , أولئك الملأ.( سيرة ابن هشام 2/334 , وقال ابن هشام : الملأ الأشراف والرؤساء)

 

وأخرجه الواقدي , وقد جاء فيه بعد قوله " أولئك الملأ " : "لو رأيتهم لَهِبْتَهم , ولو أمروك لأطعتهم , ولو رأيت فَعَالك مع فَعالهم لاحتقرته , وبئس القوم كانوا على ذلك لنبيهم" فقال سلمة: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله .. ثم ذكر خبرًا آخر إلى أن قال في حكاية قول النبي صلى الله عليه وسلم : "وأما ماقلت في القوم فإنك عمدت إلى نعمة من نعم الله تزهدها" فاعتذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقبل منه رسول الله معذرته فكان من عِلْيَة أصحابه.( مغازي الواقدي 1/116).

 

في هذا الخبر بيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن التهوين من شأن الأعداء بعد الانتصار عليهم يُعدُّ من الغفلة عن تذكر نعمة الله تعالى , وذلك لأن نصر الله تعالى أولياءه المؤمنين من أعظم النعم عليهم, فإنه أعظم بكثير من قوتهم وتدبيرهم .

 

كما أن الاهتمام ببيان قوة أفراد الجيش والتهوين من شأن الأعداء يبعث على الغرور الذي قد كان سببا في الانتكاسة في موطن آخر .

 

فلذلك وغيره كانت كراهية النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الكلام الذي صدر من سلمة بن سلامة بن وقش رضي الله عنه .

 

لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن زعماء قريش بأنهم علْيةُ القوم , وأن من رآهم هابهم ومن أمروه أطاعهم لما يتمتعون به من قوة الشخصية وإحكام التصرف في الأمور الدنيوية , واجتذاب الناس إليهم ببعض الفعال الحميدة .

 

وإن في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عنهم بذلك وصفا لحجم المعاناة التي كان يواجهها هو وأصحابه في مقاومة هؤلاء الزعماء حينما كانوا تحت سيطرتهم في مكة , فإن مقاومة العدو الذي ينْفر الناس منه لتخبطه واضطرابه , ووقوع الشقاق بين زعمائه , وهبوط هؤلاء الزعماء إلى التخلق بالأثرة والاهتمام بالمنافع الشخصية , ليست كمقاومة العدو الذي أحكم سادتُه أمره فيما يتعلق بالأعراف الاجتماعية والتقاليد المرعية , حتى فرضوا على الآخرين هيبتهم , واستقام الأتباع على طاعتهم .

 

فرحة المؤمنين وغيظ اليهود والمنافقين

قال محمد بن عمر الواقدي رحمه الله تعالى :

وقدَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم زَيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة من "الأثيل " فجاؤوا يوم الأحد شَدَّ الضُّحى , وفارق عبد الله زيدًا بالعقيق , فجعل عبد الله يُنادي على راحلته , يامعشر الأنصار, أبشروا بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقَتْل المشركين وأسْرهم ! قُتل ابنا رَبيعة , وابنا الحجاج , وأبو جَهل, وقُتل زَمعة بن الأسود , وأمية بن خلف , وأُسر سُهيل بن عمرو ذو الأنياب في أسرى كثيرة . قال عاصم بن عَدي : فقمت إليه فنحَّوته فقلت : أحقًّا ماتقول ياابن رواحة ؟ قال: إي والله , وغدًا يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شاءَ الله ومعه الأسرى مُقرَّنين . ثم اتَّبع دور الأنصار بالعالية- العالية بنو عمرو بن عوف وخطمة ووائل , منازلهم بها – فبشرهم دارًا دارًا , والصبيان يشتدون معه ويقولون : قُتل أبو جهل الفاسق ! حتى انتهوا إلى بني أمية بن زيد .

 

وقدم زيد بن حارثة على ناقة النبي صلى الله عليه وسلم القصواء يبشر أهل المدينة , فلما جاء المُصلى صاح على راحلته , قُتل عُتبة وشيبة ابنا ربيعة , وابنا الحجاج , وأبو جهل , وأبو البختري , وزمعة بن الأسود , وأمية بن خلف , وأُسر سهيل بن عمرو ذو الأنياب في أسرى كثيرة. فجعل الناس لايُصدقون زيد بن حارثة , ويقولون : ماجاء زيد إلا فَلاَّ! [أي منهزما] حتى غاظ المسلمين ذلك وخافوا. وقدم زَيد حين سَوَّوا على رُقَيَّة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم الترابَ بالبَقيع .

 

فقال رجلٌ من المنافقين لأُسامة بن زيد : قُتل صاحبكم ومن معه . وقال رجل من المنافقين لأبي لبابة بن عبد المنذر : قد تفرق أصحابكم تفرقا لايجتمعون منه أبدًا . وقد قُتل علية أصحابه وقُتل محمد , هذه ناقته نعرفها , وهذا زيد لايدري مايقول من الرعب , وجاءَ فلاَّ . قال أبو لبابة: يُكذب الله قولك ! وقالت يهود : ماجاء زيد إلاّ فلاَّ !

 

قال أسامة بن زيد : فجئتُ حتى خلوتُ بأبي , فقلت : ياأبَهْ , أحقُّ ماتقول ؟ قال: إي والله حقٌّ يابُني ! فقويتُ في نفسي , فرجعتُ إلى ذلك المنافق فقلت : أنت المُرجف برسول الله وبالمسلمين, ليُقدّمنك رسولُ الله إذا قدم فليضربن عنقَك ! فقال : يا أبا محمد , إنما هو شيء سمعتُ الناس يقولونه.( مغازي الواقدي 1/114 – 115 , وأخرجه الحاكم وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه – المستدرك 3/217 – 218 - .)

 

وهكذا صور لنا هذا الخبر مقدار فرحة المؤمنين بنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في بدر , وماتم في ذلك من قتل زعماء الكفار وأسر بعضهم, الذين كانوا يملؤون الأرض سمعة وجبروتا .

 

وقد شارك في هذه الفرحة صبيان المدينة , الذين رفعوا أصواتهم بإعلان فرحتهم بقتل أبي جهل الفاسق .

وفي مقابل ذلك أصابت المنافقين واليهود كآبة شديدة وغيظ خانق , مما دفعهم إلى تكذيب ذلك الخبر , وإشاعة انهزام المسلمين , وأن المبشِّرَيْن إنما هما من أوائل المنهزمين .

 

وهذا هو شعور أعداء الله تعالى دائمًا نحو أي نعمة تساق للمسلمين , كما أخبر الله تعالى عنهم بقولـه  (إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [آل عمران:120] .

 

لقد كان هذا الخبر مفاجأة كبرى غير متوقعة لأهل المدينة , ولذلك جاء عاصم بن عدي سرًّا يستفسر من عبد الله بن رواحة عن صحة الخبر , وجاء أسامة سرًّا يستفسر من أبيه زيد عن ذلك, لاشكاّ في صدقهما ولكن من باب احتمال أن يكون الخبر نوعًا من الخداع الحربي الذي يستخدم عادة لكسب المواقف ودرء الأخطار .

 

مثل من الشجاعة وقوة الإيمان

( أبو رافع يرد على أبي لهب )

قال ابن إسحاق : وحدّثني حُسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة مولى ابن عباس: قال : قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم [هو أبو رافع القبطي رضي الله عنه , اختلف في اسمه اختلافًا كثيرًا – الإصابة 4/68 رقم 391] : كنت غلامًا للعبّاس بن عبد المطلب وكان [في النسخة المطبوعة التي اعتمدت عليها "وكلام " والصواب ما أثبته من الروض الأنف 5/156 .] الإسلام قد دخَلَنا أهل البيت , فأسلم العبّاس , وأسلمت أمُّ الفضل , وأسلمتُ , وكان العباس يهاب قومه , ويكره خلافهم , وكان يكتُم إسلامه , وكان ذا مال كثير متفرِّق في قومه .

 

وكان أبو لهب قد تخلَّف عن بدر , فبعث مكانه العاص بن هشام بن المُغيرة , وكذلك كانوا صنعوا , لم يتخلف رجلٌ إلا بعث مكانه رجلاً , فلما جاءه الخبرُ عن مُصاب أصحاب بدر من قُريش, كبته الله وأخزاه , ووجدنا في أنفسنا قوة وعزّا , قال: وكنت رجلاً ضعيفًا , وكنت أعمل الأقداح  [جمع قدح بفتح القاف والدال آنية تروي الرجلين] : أنحتُها في حُجرة زمزم , فو الله إني لجالس فيها أنحت أقداحي , وعندي أم الفضل جالسةٌ , سَرَّنَا ماجاءنا من الخبر , إذ أقبل أبو لهب يجرُّ رجليه بشرّ , حتى جلس على طُنُب الحُجْرة فكان ظهرهُ إلى ظهري .

 

فبينما هو جالسٌ إذ قال الناس : هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب [قال ابن هشام : واسم أبي سفيان المغيرة ] قدمَ , قال: فقال له أبو لهب : هلمَّ إلي فعندك لعمري الخبرُ , قال : فجلس إليه والناسُ قيامٌ عليه, فقال: يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس ؟

 

قال : والله ماهو إلا أن لقينا القومَ ,فَمَنَحْناهم أكتافنا يقتُلوننا كيف شاؤوا , ويأسرُوننا كيف شاؤوا , وايُم الله مع ذلك ما لُمْت الناس , لقينا رجالا بيضا , على خَيْل بُلقْ [أي لونها يجمع بين السواد والبياض], بين السماء والأرض , والله ماتُليق شيئًا ولايقوم لها شيء .

 

قال أبو رافع : فرفَعْتُ طُنُب الحُجرة بيدي , ثم قلتُ : تلك والله الملائكة , قال: فرفع أبو لهب يدَه فضرب بها وجهي ضربة شديدة . قال وثَاوَرْتُه فاحتَملني فضرب بي الأرض ثم برك عليّ يضْربني , وكنت رجلاً ضعيفا , فقامت أمُّ الفضل إلى عمود من عمد الحُجرة فأخذته فضربته به ضربة فلَعت [أي شقت] في رأسه شجةً مُنْكرة , وقالت : استضعفتَه أنْ غاب عنه سيِّدهْ , فقام مولِّيا ذليلاً , فو الله ماعاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعَدَسة [هي قرحة مُعْدية كانت العرب تتشاءم منها] فقتلته . ( سيرة ابن هشام 2/338 – 340 وذكره الهيثمي من رواية الإمام أحمد وذكر أنه رواه باختصار , قال: وبعضه مرسل ورجال غير  المرسل ثقات – مجمع الزوائد 6/88 .)

 

في هذا الخبر موقف لأبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشجاعة وقوة الإيمان , فحينما سمع عن الذين قاتلوا المشركين على الخيل البلق بين السماء والأرض أدرك أنهم الملائكة عليهم السلام, فأعلن ذلك بوضوح غير هياب ولامتردد , مع أنه يعلم أن ذلك يغيظ المشركين الذين كانوا مع المسلمين في حالة حرب , وحينما ضربه أبو لهب على وجهه لم يرض بالضيم , بل هجم عليه على الرغم من كونه ضيعف الجسم .

 

وموقف لأم الفضل رضي الله عنها حينما قامت تنصر أبا رافع مولى زوجها العباس رضي الله عنهما , فردَّت أبا لهب بغيظه لم ينل من أبي رافع مايريد .

 

وفي الخبر مثل من غطرسة الكفار وطغيانهم , فحينما تكلم أبو رافع بمعتقده الذي يراه لم يكن لدى أبي لهب من أسلوب للرد عليه إلا أسلوب العنف والقوة البدنية , وهذا مثل من أمثلة كثيرة تقدم بعضها تدل على خواء الكفار من الحجج العقلية والأدلة البيانية , حيث يلجؤون غالبًا إلى أسلوب الكبت والحجر الفكري .

موقف لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الوفاء

أخرج أبو عبد الله الحاكم من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: ما مَنَعَنا أن نشهد بدرًا إلا أني وأبي أقبلنا نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذَتْنَا كفارُ قريش فقالوا : إنكم تريدون محمدًا, فقلنا : مانريده إنما نريد المدينة , فأخذوا علينا عهد الله وميثاقه لتصيُرنَّ إلى المدينة ولاتقاتلوا مع محمد صلى الله عليه وسلم , فلما جاوزناهم أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا له ماقالوا وماقلنا لهم فما ترى؟ قال: نستعين الله عليهم ونفي بعهدهم , فانطلقنا إلى المدينة , فذاك الذي منعنا أن نشهد بدرًا .

 

قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.( المستدرك 3/201 – 202)

 

في هذا الخبر مثل من اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء بالعهد والوفاء بالعهد وإن ظهر في بعض صوره مجحفًا بالمسلمين مفوتا لهم بعض الفرص السانحة فإنه بركة في جهدهم المبذول وإن قلّ , كما أنه تطبيق لمكارم الأخلاق العالية , حيث يرسم لهم صورة صادقة مشرقة أمام الناس , فيكون ذلك سببا في تقوية الدعوة الإسلامية , وذلك في جذب الناس إلى الدخول في الإسلام .

*          *          *

انتهت

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 50:47:11


3 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8399369 عدد زيارات الموقع 46 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com