|
المصلحون : العدد التاسع
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .
2 – أضواء من الهدي النبوي .
3 – توجيهات ومواقف سلوكية .
4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .
- أضواء من هدي القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا
أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ
وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ
غَنِيٌّ حَمِيدٌ{267} الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم
بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ
عَلِيمٌ{268} يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ
أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ{269}
وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ
يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ{270} إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ
فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ
وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ{271}
لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا
تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ
اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ
تُظْلَمُونَ{272} لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ
يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ
التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا
تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ{273} الَّذِينَ يُنفِقُونَ
أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ
عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{274})
[البقرة : 267 – 274] .
[267] في الآية الأولى يبين الله تعالى لنا أنه إضافة إلى لزوم الإخلاص في الإنفاق
فإن المسلم ينبغي له أن ينفق من صالح ماله وجيده لا من رديئه ، ففي الآية أمر من
الله تعالى للمسلمين بأن ينفقوا من طيبات أموالهم التي اكتسبوها من التجارة أو
الزراعة في الأرض أو استخرجوها من باطن الأرض وغير ذلك من الأموال ، وأن لايعمدوا
إلى الردئ منها فيتصدقوا منه ، والحال أنهم لو عرض عليهم لما أخذوه إلا بشيء من
التغاضي والمجاملة .
وقد جاء في معنى الآية ماأخرجه الحافظ ابن ماجه من حديث البراء بن عازب رضي الله
عنهما في قوله سبحانه (وَمِمَّا
أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ)
قال: نزلتْ في الأنصار ، كانت الأنصار تُخرج إذا كان جِداد النخل من حيطانها [يعني
بساتينها] أقناء البسر [الأقناء جمع قنو وهو الذي يحمل التمر ويسمى العذق] فيعلقونه
على حبل بين أسطوانتين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأكل منه فقراء
المهاجرين، فيعمد أحدهم فيدخل قِنوًا فيه الحشف [الحشف ردئ التمر الذي لم يتم
استواؤه] يظن أنه جائز في كثرة ما يوضع من الأقناء ، فنـزل فيمن فعل ذلك (وَلاَ
تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ)
يقول : لاتعْمَدوا للحشف منه تنفقون (وَلَسْتُم
بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ)
يقول : لو أهدي لكم ماقبلتموه إلا على استحياء من صاحبه غيظًا أنه بعث إليكم ما لم
يكن لكم فيه حاجة ، واعلموا أن الله غني عن صدقاتكم " . قال البوصيري في الزوائد :
إسناده صحيح (سنن ابن ماجه ، رقم 1822 (1/583 )).
(وَاعْلَمُواْ
أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)
أي واعلموا أن الله تعالى غني عن صدقاتكم وإنما هي أعمالكم تثابون عليها يوم
القيامة على قدر جودتها وإخلاصكم فيها وهو جل وعلا المستحق للشكر والثناء وحده
المحمود في كل أحواله .
[268] ولما كان الشيطان حريصا على إغواء المسلمين وحملهم على البخل بأموالهم الذي
يسبب وقوعهم في المآثم نبه الله سبحانه على ذلك بقوله (الشَّيْطَانُ
يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ)
فالشيطان يخوف الإنسان من الوقوع في الفقر ليبخل بماله فيمسك عن الإنفاق في وجوه
الخير ويجر الإنسان إلى الوقوع في المآثم الكبيرة بسبب الشح بالمال ، كمنع الزكاة
والوقوع في الربا ، أما الله سبحانه فإنه يعدكم – أيها المسلمون – على السخاء
بإنفاق المال غفرانًا لذنوبكم فإن الصدقة يطفئ الله بها الخطيئة كما يطفئ الماء
النار ، كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله "والصدقة تطفئ الخطيئة كما
يطفئ النار الماءُ" [سنن الترمذي ، رقم 2616 (5/11) ، سنن ابن ماجه ، رقم 3973
(2/36) ، المستدرك 2/76 وصححه الحاكم ووافقه الذهبي] ويعدكم مع ذلك رزقا واسعا كما
جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان
ينـزلان فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا
"أخرجه الشيخان رحمهما الله تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (صحيح البخاري ،
رقم 1442 ، كتاب الزكاة (3/304) . صحيح مسلم ، رقم 1010 ، كتاب الزكاة ( ص 700))
(وَاللّهُ
وَاسِعٌ عَلِيمٌ)
فهو جل وعلا واسع الفضل عليم بحقيقة نياتكم وأعمالكم.
[269] (يُؤتِي
الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ
... ) الآية ، يعني يؤت الله تعالى الإصابة في القول والعمل من يشاء من عباده ، ومن
ذلك السخاء بالمال والبراءة من الشح ، ومن ينعم الله عليه بذلك فقد أعطاه خيرا
كثيرا ، وما يتذكَّر الفرق بين القيم العالية والقيم الهابطة إلا أصحاب العقول
السليمة .
[270] (وَمَا
أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ)
الآية ، النفقة هي كل ما يخرجه الإنسان من ماله سواء أكان صدقة واجبة أم صدقة تطوع
، والنذر هو مايوجبه الإنسان على نفسه من الأعمال الصالحة ، ومن ذلك ما يخرج من
ماله ، وكل ذلك بعلم الله تعالى، فيجب على العبد أن يكون في كل ذلك مستقيما على
شريعته وأن لايجنح في شيء من ذلك نحو الظلم لنفسه بتجاوز الحد أو التقصير في واجب
أو الظلم لغيره بمنعه من حقه ، وما للظالمين من أنصار يمنعونهم من عذاب الله تعالى
الذي يستحقونه .
[271] (إِن
تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ)
الآية ، ذكر الله سبحانه في هذه الآية طريقتين لإخراج الصدقات : الأولى إظهارها
والثانية إخفاؤها ، وقد ذكر الله تعالى أن في كل واحدة من الطريقتين خير ، وإخفاء
الصدقة أفضل ، وهذا هو الأصل ، وهو الذي وردت به السنة النبوية كما جاء في قول رسول
الله صلى الله عليه وسلم " ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لاتعلم شماله ماتنفق يمينه
" وذلك في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة [صحيح البخاري ، رقم
1423 ، صحيح مسلم ، رقم 1031] ، ولكن إظهار الصدقة يكون هو المشروع في حال مواجهة
النوائب التي تمر بالمسلمين .. كما في خبر الأعراب الذين وفدوا إلى المدينة وقد
ظهرت عليهم آثار الفقر فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بالصدقة عليهم فأتوا
بصدقاتهم في المسجد [صحيح مسلم رقم 1017] وفي حال التجهيز لقتال الأعداء كما حدث في
غزوة تبوك [سنن أبي داود رقم 1678 ، سنن الترمذي رقم 3675] ففي هذه الأحوال ينبغي
للحاكم أن يدعو لإعلان الصدقة لتحصل بذلك القدوة الحسنة فيقتدي أوساط المسلمين
بأقوياء الإيمان منهم ، وفي كلتا الحالتين فإن الصدقة يُكفِّر الله تعالى بها
الخطايا كما ورد ذلك في السنة النبوية، والله سبحانه دقيق العلم بأموركم لايخفى
عليه شيء من ذلك .
[272] (لَّيْسَ
عَلَيْكَ هُدَاهُمْ
... ) الآية ، جاء في سبب نزول الآية من عدة طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن
بعض الصحابة رضي الله عنهم لهم أقارب كفار فكانوا يحرمونهم من الصدقة من أجل أن
يلجئوهم إلى الدخول في الإسلام [تفسير الطبري 5/19 – 20] فنـزلت هذه الآية مبينة أن
هداية التوفيق ليست بيد البشر وإنما هي بيد الله تعالى وحده وأنه يشرع للمسلم أن
يتصدق على الكفار المحتاجين كما يتصدق على المسلمين ، وكان لهذا التسامح مع الكفار
أثر بالغ في تأليف قلوبهم إلى الإسلام (وَمَا
تُنفِقُواْ)
أيها المسلمون (مِنْ
خَيْرٍ)
ســواء أكان على مسلمين أم عـلى كفار (فَلأنفُسِكُمْ)
فإن نفعه في الآخرة يعود عليكم ، والأصل في المؤمنين المتقين أنهم لا ينفقون من
أموالهم إلا ابتغاء وجه الله ولو كان من انفقوا عليه من الكفار ، (وَمَا
تُنفِقُونَ)
أيها المؤمنون (مِنْ
خَيْرٍ)
من مال تريدون بـه وجـه الله تعالى (يُوَفَّ
إِلَيْكُمْ)
يوفيكم الله تعالى جزاءه مضاعفا (وَأَنتُمْ
لاَ تُظْلَمُونَ)
لاتنقصون منه شيئا.
[273] ثم يبين الله تعالى أولى المحتاجين بالصدقة بقوله (لِلْفُقَرَاء
الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ
.. ) الآية ، فهذا أمر من الله تعالى بأن نجعل صدقاتنا للفقراء الذين وقفوا أنفسهم
على الجهاد في سبيل الله تعالى ولايستطيعون السفر طلبا للرزق ، وهم لتعففهم وشدة
حيائهم يظنهم من لايعرفهم غير محتاجين إلى الصدقة ، فهم من سلالات كريمة أبيَّة لم
تعرف السؤال وإنما طرأ على حياتهم ظروف أحالتهم إلى فقراء ، ولكن أصحاب الفراسة
يعرفونهم بعلامات ظاهرة وهي آثار الحاجة فيهم، لايسألون الناس ، وإن اضطروا لم
يُلحُّوا في السؤال ، وأمثال هؤلاء يتكرر وجودهم على مدى الزمن خصوصا مع وجود المحن
والكوارث والتغيرات المفاجئة للأحوال الاقتصادية في المجتمع ، (وَمَا
تُنفِقُواْ)
أيها المؤمنون (مِنْ
خَيْرٍ)
من مال في سبيل الله تعالى (فَإِنَّ
اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ)
لايخفى عليه شيء وسيجزي عليه أوفر الجزاء .
[274] ثم يختم الله تعالى آيات الإنفاق ببشارة عظيمة للمنفقين حيث يقول (الَّذِينَ
يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ
أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)
الآية ، فهذه الآية شملت إنفاق الأموال بالليل والنهار وبالسر والعلانية ، وهذا
يفيد سعة الإنفاق وأن إخراج المال أصبح عند هؤلاء عادة ملازمة لهم ، فهؤلاء
المحسنون يتتبعون احتياجات الناس بالليل والنهار ، وإذا أمكنهم أن يكون ذلك سرا
وإلا فإنهم يواصلون الإنفاق علانية ففي كلٍّ خير ، فهؤلاء لهم أجرهم عند قدومهم على
ربهم يوم القيامة، ولاهم يحزنون على مفارقة الحياة الدنيا ، لأنهم يعيشون في نشوة
الإحسان الذي بذلوه ويرجون به أضعاف ذلك في جنات النعيم .
* * *
- أضواء من الهدي النبوي –
– الترغيب في ترك الجدال -
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد :
فهذه أحاديث تربوية في موضوع الترغيب في ترك الجدال , فمن ذلك ماأخرجه أبو عيسى
الترمذي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"من ترك الكذب وهو باطل بُني له في ربض الجنة [أي في أدناها] ومن ترك المراء (المراء
يطلق على الشك ويطلق على الجدال , وهو المراد هنا) وهو محقٌّ بُني له في وسطها ,
ومن حسن خلقه بُني له في أعلاها .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن.( سنن الترمذي , رقم 1993 , البر , (4/358)).
وأخرجه ابن ماجه رحمه الله وذكر نحوه.( سنن ابن ماجه , المقدمة رقم 51(1/19)).
ففي هذا الحديث ترغيب قوي في دفع المسلم إلى محاولة ترك الجدال , لأن الجدال هو أول
مراحل الشقاق والنـزاع , وقد يترتب عليه اعتداء أو قطيعة رحم أو هجران بين المؤمنين
, والمراء إما أن يكون بحق أو بباطل , فإن كان بحق فإن ترك المراء يكون بترك الحق ,
أو بعضه اجتنابا للدخول مع المسلمين في شقاق ونزاع , ونظرًا لصعوبة ذلك على النفس
كان جزاء من فعل ذلك الحصول على بيت في وسط الجنة , وإن كان المراء بباطل فإن ترك
المراء يكون بالاعتراف بالحق لصاحب الحق وإعادته إليه , وهذا عمل يثاب عليه فاعله .
وللشيطان أثر في إثارة الجدال والنـزاع بين المؤمنين كما جاء في حديث أخرجه مسلم
رحمه الله من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : " إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش
بينهم". ( صحيح مسلم , رقم 2812 , صفات المنافقين (ص 2166)).
فهذا الحديث صريح في بيان دور الشيطان في إثارة الخلاف بين المسلمين وتعميق النـزاع
والشقاق, ولهذا فإن أيَّ مسلمين يحصل بينهما نزاع فينبغي لهما أن يدركا على الفور
أن الشيطان قد حضرهما , وأن مهمته أن يثير غضب كل واحد منهما و أن يوسع شقة الخلاف
بينهما , فليستعيذا بالله منه مع حضور القلب وإدراك عظمة الله تعالى وضعف كيد
الشيطان.
ومما جاء من التنفير من الخصومة بين المؤمنين ما أخرجه الشيخان من حديث عائشة رضي
الله عنها قالت:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبغض الرجال إلى الله تعالى
الأَلَدُّ الخَصِم" .(صحيح البخاري , رقم 7188 (13/180) صحيح مسلم رقم ، 2668 ( ص
2054)).
والألد هو الأعوج الذي لايستقيم على الهدى . والخصِمُ صيغة مبالغة والمراد الشديد
الخصومة. وهكذا كان الشديد الخصومة في الباطل المنحرف عن الاستقامة أبغضَ الرجال
عند الله تعالى, مما يدل على فظاعة الخصومة بين المؤمنين , وقد نال الشديد الخصومة
هذه المنـزلة الوضيعة عند الله تعالى لشدة الأذى الذي يُلحقه بإخوانه المسلمين .
ومن الأخلاق السيئة التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة الزور , ومما
جاء في ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه رضي الله عنه
قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ -
ثلاثا - : الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور – أو قول الزور – " وكان رسول
الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس, فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.(صحيح مسلم
, رقم 87 , الإيمان (ص 91) . صحيح البخاري , رقم 2654 , الشهادات , (5/261))
فقد عرض النبي صلى الله عليه وسلم على صحابته رضي الله عنهم هذه الكبائر العظيمة
على طريقة الاستفهام ليشوقهم إلى سماع ما سيقوله لهم , وليلفت انتباههم حتى
يستوعبوا مايقول , وهذا دليل على اهتمامه ببيان هذه الكبائر .
ولقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث النكير على شهادة الزور , وأبدى
اهتماما كبيرا في التنفير من هذه الشهادة , حيث كان متكئا فجلس وبقي يكررها حتى قال
الصحابة : ليته سكت, شفقةً عليه وكراهةً لما يزعجه .
قال الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى : وسبب الاهتمام بذلك كون قول
الزور أو شهادة الزور أسهلَ وقوعًا على الناس والتهاون بها أكثر , فإن الإشراك ينبو
عنه قلب المسلم, والعقوق يصرف عنه الطبع , وأما الزور فالحوامل عليه كثيرة كالعداوة
والحسد وغيرهما فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه , وليس ذلك لعظمها بالنسبة لما ذكر
معها من الإشراك قطعا بل لكون مفسدة الزور متعدية إلى غير الشاهد بخلاف الشرك فإن
مفسدته قاصرة غالبا .(
فتح الباري 5/263).
ولقد أمر الله تعالى باجتناب قول الزور مع أمره باجتناب عبادة الأوثان وذلك في قوله
تعالى (ذَلِكَ
وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ
لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ
الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ)
[الحج :30] وهذا يدل على شناعة قول الزور عموما وشهادة الزور خصوصا .
إن شاهد الزور هو الجسر الذي يعبر عليه الظالمون ليأخذوا به حقوق الناس وينتهكوا به
أعراضهم , فإن القاضي الشرعي يبني حكمه غالبا على شهادة الشهود , فشاهد الزور يقع
في الإثم ويقع بسببه القاضي الذي يحكم في القضية بناء على شهادته في مخالفة حكم
الحق, ويقع في الإثم المدعي ظلما الذي يصل إلى أخذ حقوق الناس بشهادة الزور .
وشهادة الزور دليل على ضعف إيمان مرتكبها وقلة ورعه حيث لم يحجزه إيمانه عن ارتكاب
هذا الجرم الشنيع .
كما أنها دليل على ضعف شعور صاحبها بالأخوة الإسلامية لأن الدافع إلى شهادة الزور
إما مصلحة دنيوية أو عصبية جاهلية نحو الأقارب أو القبيلة أو الوطن , وفي ظل هذه
الدوافع الدنيوية ينسي شاهد الزور رابطته الدينية وأخوته الإيمانية فيشهد ضد أخيه
المسلم زورًا وبهتانًا لمصلحة قريبة فانية .
وهذه الأخوة الإيمانية ليست هي الدافع الوحيد لمنع شهادة الزور , بل إن هذه الشهادة
محرمة حتى في المعاملة مع الكفار , وإنما يتأكد تحريمها بالنسبة للمسلم لأن شاهد
الزور – والحال هذه- يجمع بين جريمتين : جريمة شهادة الزور , وجريمة توهين الأخوة
الإسلامية بين المسلمين.
ومن هذا الحديث وأمثاله ندرك عظمة الإسلام وأثره الكبير في بناء المجتمع الصالح
وتطهيره من عوامل الهدم والتخريب , فالمجتمعات العالمية تقوم فيها الأحكام كثيرا
على شهادة الزور , لأن غير المسلمين يفقدون الوازع الديني الذي يدفعهم نحو الفضائل
, ويحميهم من الرذائل , أما المسلمون فإنهم لو طبقوا دينهم كما جاء من عند الله
تعالى لكوَّنوا بذلك المجتمع السامي الذي يسعد فيه أهل الحق والصلاح , ويُكبت فيه
أهل العدوان والفساد .
* * *
- توجيهات ومواقف سلوكية –
- مواقف في الورع والعفة والزهد –
من مواقف أمير المؤمنين علي رضي الله عنه :
من أخبار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الزهد والورع ما أخرجه أبو
نعيم بإسناده عن علي بن ربيعة الوالبي أن علي بن أبي طالب جاءه ابن النباج فقال :
يا أمير المؤمنين امتلأ بيت مال المسلمين من صفراء وبيضاء , فقال : الله أكبر !
فقام متوكئًا على ابن النباج حتى قام على بيت مال المسلمين فقال :
هـذا جَنَايَ خيارُه فـيه وكـلُّ جَانٍ يـده إلى فيه
يا ابن النباج عليَّ بأشياع الكوفة , قال : فنودي في الناس فأعطى جميع مافي بيت مال
المسلمين وهو يقول : ياصفراء ويابيضاء غُرِّي غَيْرِي , هيا , وهيا , حتى مابقي منه
دينار ولادرهم, ثم أمره بنضحه وصلى فيه ركعتين .
وفي رواية أخرى لأبي نعيم من خبر مجمع التيمي قال : كان عليّ يكنس بيت المال ويصلي
فيه ويتَّخذه مسجدًا رجاء أن يشهد له يوم القيامة.( حلية الأولياء 1/80 – 81 ,
تاريخ الإسلام للذهبي / الخلفاء الراشدين /643).
ففي هذا مثل بليغ في الترفُّع عن متاع الدنيا الزائل , فبيت المال قد امتلأ من
الذهب والفضة, ولاينظر إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه نظرة إعجاب وغرور, بل كان
جوابه حينما أبلغه المسؤول المالي عن ذلك أن قال : الله أكبر ! فإذا كان بعض الناس
يكْبِرون الدنيا ويعظمونها فالله تعالى أكبر منها ومن كل شيء , ومادام المسلم يشعر
حقا بأن الله أكبر فلماذا يجعل قلبه مستسلمًا لما هو أصغر !!
إنه فقه عظيم من علي رضي الله عنه حينما تذكَّر هوان الدنيا وحقارتها فكبَّر الله
تعالى , ولسان حاله يؤنِّب من انخدع بمتاع الدنيا الزائل ونسي أن الله جل وعلا أكبر
من كل شيء .
وإنه لميزان دقيق يحسه المؤمن الذي نَوَّرَ الله سبحانه بصيرته , فكلما كان الله
تعالى أعظم وأكبر من كل شيء في قلبه كانت الدنيا ومافيها أهون شيء عليه , وأصبح
يُسَخِّر المال الحلال في طاعة الله جل وعلا , وكلما عظمت الدنيا في قلبه كان ذلك
على حساب نقص تعظيمه لله تعالى .
ونجد عليا رضي الله عنه يُحَلِّق في آفاق العظمة وهو يخاطب الدنيا بقوله : ياصفراء
يابيضاء غُرِّي غيري .. مما يدل على الوجدان الحيّ والحسِّ المرهف الذي يصور الدنيا
كخصم يخاتل ويراوغ خصمه .. وهو بهذا يعلن انتصاره على جموح النفس وجموح العواطف ,
ويُحَكِّم عقله الذي يعطي الدنيا حجمها المناسب لزمنها المحدود في شقائها ونعيمها ,
ويعطي الآخرة حجمها المناسب لخلودها وعظمة نعيمها وهول جحيمها .
ونجده رضي الله عنه يصل إلى قمة المعالي حينما صلى في بيت المال ركعتين لتكونا
شاهدتين له يوم القيامة بأنه قد عدل في حكمه واستقام في أمره .
ولعل في اتخاذ بيت المال مسجدًا رمزًا لعلو الآخرة على الدنيا , وهو مكمِّل للسلوك
العالي الذي مارسه في تصريف ذلك المال في وجوهه المشروعة .
ومن مواقف علي رضي الله عنه في الزهد والورع مارواه هارون بن عنترة عن أبيه قال
:دخلت على علي بن أبي طالب بالخَوْرنَق [موضع بالكوفة] وهو يرعد [يعني من شدة
البرد] تحت سَمَلِ قطيفة [يعني قطيفة قديمة] فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله قد جعل
لك ولأهل بيتك في هذا المال وأنت تصنع بنفسك ماتصنع , فقال : والله ماأرزؤكم من
مالكم شيئًا وإنها لقطيفتي التي خرجت بها من منـزلي – أو قال من المدينة .( حلية
الأولياء 1/ 82 , صفة الصفوة 1/316 , تاريخ الإسلام , الخلفاء /644).
وهنا نتساءل فنقول : ما الذي حمل أمير المؤمنين عليّا على أن يعيش عيشة الفقراء وأن
يتحمل البرد القارس وهو قادر على أن يشتري أفخر ما يوجد في الأرض من الملابس
وأكثرها دفئًا ؟!
ولماذا تورع عن أموال المسلمين مع أن له حقا فيها ؟
إنه مثال للزهد الحقيقي حيث يرغب عن متاع الدنيا مع القدرة التامة على تحصيله.
إنه تلميذ المدرسة النبوية التي تربي فيها على الزهد في متاع الدنيا الزائل ,
والتنافس على نعيم الآخرة الخالد , فلقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم عيشة
الفقراء وهو يستطيع أن يكون كأغنى الأغنياء .
ومن أخبار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الزهد والورع ما أخرجه
الإمام أحمد من حديث أبي مطر عمرَ بن عبد الله الجهني قال : رأيت عليًّا عليه
السلام متَّزرًا بإزار مرتديًا برداء ومعه الدِّرَّة [الدرة بكسر الدال وتشديدها
العصا] كأنه أعرابي بدوي , ثم ذكر دخوله إلى السوق ومساومته أحد التجار في ثوب
بثلاثة دراهم , وأن التاجر عرفه , قال: فلما عرفه لم يشتر منه شيئًا , فأتى آخر
فلما عرفه لم يشتر منه شيئًا , فأتى غلامًا حدثًا فاشترى منه قميصًا بثلاثة دراهم ,
ثم جاء أبو الغلام فأخبره, فأخذ أبوه درهمًا ثم جاء به فقال : هذا الدرهم يا أمير
المؤمنين , قال: ما شأن هذا الدرهم ؟ قال: كان ثمن القميص درهمين , فقال: باعني
رضاي وأخذ رضاه .( الزهد / 130).
فهذا مثل في الزهد من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه , فلقد كان مظهره
في لباسه يوحي بأنه رجل أعرابي لخشونة ملابسه , وحينما اشترى له ثوبًا اختار نوعًا
متواضعًا رخيص الثمن مع أنه كان آنذاك أعلى مسؤول في العالم , حيث كان خليفة
المسلمين, وهذا يدل على تواضعه وزهده في الدنيا .
ومثل آخر في الورع والاحتياط للدين حينما امتنع من الشراء ممن يعرفونه حتى لايراعوه
في الثمن لمنصبه , فهو لايريد أن يستثمر منصبه الكبير لمصالحه الخاصة , وهذا فهم
دقيق لمجالات الورع والتقوى , فالخلافة عنده وعند أمثاله عمل صالح , والخليفة إذا
صاحبه العدل كان أول السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم القيامة , فهو
لايريد أن يدنس هذا العمل الصالح بمصالح دنيوية فيتحول العمل إلى مَجْلبةٍ للوزر
بدلاً من الأجر , فكان بهذا السلوك العالي قدوة حسنة لمن أتوا بعده .
ومن أخباره رضي الله عنه في الزهد ما أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد من حديث عمر بن
قيس قال: قيل لعلي عليه السلام : لِمَ ترقع قميصك ؟ قال: يخشع القلب ويقتدي به
المؤمن. (الزهد /131 , وانظر تاريخ الإسلام /الخلفاء / 647).
فهذا مثل من زهده رضي الله عنه وحرصه على تربية المسلمين على حياة الزهد والتقشف,
فقد لاحظ في لبس الثوب المرقوع ملحظين : الأول أنه وسيلة إلى خشوع القلب وتواضع
النفس والبعد عن أسباب العجب والكبرياء , والثاني أنه يُعدُّ بذلك قدوة للمسلمين ,
فإذا رآه الناس – وهو في أعلى منصب – يلبس الثوب المرقوع فإن نفوسهم تتطامن
ويبتعدون عن التنافس في شراء الملابس الغالية الثمن , وَيَتَقوَّى بذلك الزاهدون
الذين يتعرضون لملامة الناس على سلوكهم حياة الزهد .
وكذلك ما أخرجه الإمام أحمد من خبر عبد الله بن زُرَير الغافقي قال: دخلت على علي
بن أبي طالب رضي الله عنه – قال حسن [هو حسن بن موسى شيخ الإمام أحمد] : يوم الأضحى
– فقرب إلينا خَزِيرة [الخزيرة لحم يقطع ويطبخ بالماء ثم يذر عليه الدقيق], فقلت:
أصلحك الله لو قربت إلينا من هذا البط – يعني الوزّ – فإن الله عز وجل قد أكثر
الخير ! فقال: يا ابن زرير إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لايحل
للخليفة من مال الله إلا قصعتان , قصعة يأكلها هو وأهله وقصعة يضعها بين يدي
الناس.( مسند أحمد 1/78).
فهذا أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه يضرب مثلا عاليا في
الورع والزهد في متاع الدنيا الزائل من طعام وشراب , فلقد كان بإمكانه أن يأخذ من
بيت المال ماشاء من الأموال مما لايلفت النظر إليه , حيث يُؤَمِّن له معيشة مساوية
لأغنياء المسلمين , ولكنه رضي بخشونة العيش إيثارًا للآجلة على العاجلة , واحتياطًا
لأمر دينه , وإبرازًا للقدوة الصالحة , لأنه إذا كان أعلى رجل في الدولة يعيش هذا
المستوى من العيش فإن في ذلك عزاء للفقراء ليصبروا ويرضوا بقضاء الله تعالى وقدره ,
ووعظًا للأغنياء ليشكروا الله تعالى فيخففوا من اندفاعهم نحو الترف والإسراف .
وإذا أخذ الأغنياء بالمنهج الوسط في المعيشة فإن فضول أموالهم ستعود في النهاية إلى
الفقراء لما ينتظرونه مقابل ذلك من الجزاء المضاعف في الآخرة , وبالتالي يرتفع
الفقراء درجات نحو الوسط , وينـزل الأغنياء درجات نحو الوسط , ليعيش الجميع حياة
متقاربة في الأمور المعيشية من طعام ولباس ومركب وسكن .
وهذا هو المنهج الإسلامي الذي طبقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون
من بعده رضي الله عنهم.
* * *
-مواقف جهادية من السيرة النبوية –
- مواقف من غزوة بدر الكبرى –
- مثل أعلى في الرقي الأخلاقي –
(إكرام الأسرى)
أخرج الإمام الطبراني من حديث أبي عزيز بن عمير أخي مصعب بن عمير قال: كنت في
الأسرى يوم بدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : استوصوا بالأساري خيرا , وكنت
في نفر من الأنصار فكانوا إذا قدَّموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر وأطعموني البُرّ
لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم . ذكره الحافظ الهيثمي وقال:رواه الطبراني في
الصغير والكبير وإسناده حسن . (مجمع الزوائد 6/86).
وأخرج الواقدي من حديث الزُّهري . قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : استوصوا
بالأسرى خيرًا. فقال أبو العاص بن الربيع : كنت في رهط من الأنصار جزاهم الله خيرًا
, كنا إذا تعشينا أو تغدينا آثروني بالخبز وأكلوا التمر , والخبز معهم قليل والتمر
زادُهم . حتى إنَّ الرجل لتقع في يده الكسرة فيدفعها إليّ . وكان الوَليد بن الوليد
بن المُغيرة يقول مثل ذلك ويزيد: وكانوا يحملوننا ويمشون .(مغازي الواقدي 1/119).
في هذين الخبرين مثل رفيع في المعاملة الكريمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى
مع الأعداء , وشاهدٌ على سمو الإسلام في المجال الأخلاقي , حيث ظفر أعداء الإسلام
من معاملة المسلمين بأعلى درجات مكارم الأخلاق , التي تتمثل في خلق الإيثار ,
فالصحابة رضي الله عنهم يأكلون الطعام الذي يُعدُّ في نظرهم من الدرجة الثانية
لكثرته , ويؤثرون الأسارى بالطعام الذي يُعدُّ من الدرجة الأولى لندرته , ولو أنهم
اقتصروا على مساواة الأسارى بأنفسهم لكانوا قد بلغوا الكمال في العدالة, ووصلوا إلى
مستويات عليا في تمثيل مكارم الأخلاق , ولم تتوجه إليهم أي ملامة من أهل العقل
الحصيف والرأي السديد , فكيف بهم وقد جاوزوا مرحلة المساواة إلى مرحلة الإيثار على
النفس ؟! لاشك أنهم بذلك يكونون قد بلغوا القمة العليا في الرقي الأخلاقي .
إن هذا الخبر يعطينا صورة رائعة للمقدرة الفائقة عند المسلمين الصادقين على الجمع
بين القوة الخارقة في الحرب , والتمثيل العالي لمكارم الأخلاق حتى مع من كانوا قبل
أيام قلائل يقابلون المسلمين في الميدان , مع تصور أن الأعداء لو ظفروا بهم لمزقوهم
شر ممزَّق .
إن شعور المسلم القوي بعداوة الأعداء وتطبيقه الحي لمبدإ البراء من الكفار يجعل من
العجيب المدهش أن يصل هذا المسلم في معاملته للأعداء الذين هم تحت ملكه وتصرفه إلى
حد الإيثار على النفس بمنافع الحياة الدنيا .
وإن الذي يواجه مقاتلين يستميتون في القتال دفاعا عن قضيتهم , لاينتظر من هؤلاء
المقاتلين الذين خطفوا بصره في الميدان وشلُّوا بصيرته إلا الموت البطيء على أيديهم
, فكيف به وهو يواجه رجالا يؤثرونه على أنفسهم ؟!
إنه لمن المستغرب المحيِّر للعقلاء العاديين أن يُقدم أناس على قتل أقاربهم الأدنين
في الميدان, ثم يؤثروا الأباعد عنهم بمنافع الدنيا وهم يملكون قتلهم ومادون ذلك من
الإيذاء .
فما الذي حملهم على هذا الأمر الذي ظاهره التناقض ؟ ! إنه طاعة الله تعالى وابتغاء
رضوانه في الحالين معا , فهو الذي أمرهم ببذل الجهد في القتال في سبيله , وأن
لاتأخذهم به لومة لائم, وهو الذي أمرهم بأن يصلوا إلى القمة في الرقي الأخلاقي حتى
مع أعدائهم.
موقفا رحمة وحزم من رسول الله صلى الله عليه وسلم
( خبر أبي عزة الجمحي )
أخرج الواقدي من حديث الزهري , عن سعيد بن المسيب , قال : أمَّن رسول الله صلى الله
عليه وسلم من الأسرى يوم بدر أبا عزة عمرو بن عبد الله بن عمير الجمحي , وكان
شاعرًا , فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقال : لي خمس بنات ليس لهنَّ شيءٌ
, فتصدق بي عليهن يامحمد , ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقال أبو عزَّة :
أعطيك موثقًا لا أقاتلك ولا أكثر عليك أبدًا . فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم
.
فلما خرجت قريش إلى أحُد جاءَه صفوان بن أمية فقال : اخرج معنا ! فقال: إني قد
أعطيت محمدًا موثقًا أن لا أقاتله ولا أكثر عليه أبدًا , وقد منّ علي ولم يمنّ على
غيري حتى قتله أو أخذ منه الفداء . فضمن صفوان أن يجعل بناته مع بناته إن قُتل ,
وإن عاش أعطاه مالاً كثيرًا لا يأكله عياله . فخرج أبو عزة يدعو العرب ويحشرها , ثم
خرج مع قريش يوم أُحُد فأُسر ولم يُؤسَر غيره من قريش , فقال : يامحمدّ , إنما
خرجْت مُكرهًا , ولي بنات فامْنُن عليّ ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين
ما أعطيتَني من العهد والميثاق ؟ لا والله , لاتَمْسَح عارضَيك بمكَّة تقول "سخرتُ
بمحمد مرّتين" !
وأخرج من حديث الزُّهري , عن سعيد بن المُسيِّب , قال : قال النبي صلى الله عليه
وسلم : إنَّ المؤمن لايُلْدغ من جُحْر مرّتين , ياعاصم بن ثابت , قدِّمْه فاضرب
عنقه ! فقدّمه عاصم فضرب عنقه.(مغازي الواقدي 1/ 110 – 111)
في هذا الخبر بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف موقف رحمة من أبي عزة الجمحي
لما ذكر فقره ومالديه من البنات التي يعولهن فأطلقه صلى الله عليه وسلم بغير فداء
وذلك يوم بدر ولكنه لم يف لرسول الله صلى الله عليه وسلم بماعاهده عليه من لزوم
السلم وعدم إثارة الحرب ضده فوقع أسيرًا في معركة أحد , ومع ما سلف منه من خيانة
العهد فإنه حاول أن يستدر عطف النبي صلى الله عليه وسلم لعله يَمُنُّ عليه ولكنه
صلى الله عليه وسلم كان حازمًا لايغدر به الخادعون فأمر عاصم بن ثابت بضرب عنقه .
ولقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا للقادة من بعده لزوم المحافظة على عزة
الإسلام ودولته , والحذر من الوقوع في خداع المخادعين , لأن الأمر ليس قضايا فردية
وإنما هو قضية الأمة فإذا وقع القائد في خداع الأعداء تضرر من ذلك جيشه وأمته .
موقف رحمة وعدالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال الواقدي في بيان أحداث غزوة بدر :
ولما أُسر سُهيل بن عمرو , قال عمر رضي الله عنه : يارسول الله انزعْ ثنيتيه يُدلَع
لسانُه فلا يقوم عليك خطيبًا أبدًا ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا
أُمثِّل به فيُمثِّل الله بي وإن كنت نبيًّا , ولعله يقوم مقامًا لاتكرهه . فقام
سُهيل بن عمرو حين جاءَه وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بخُطبة أبي بكر رضي الله
عنه بمكة , كأنه كان يسمعها . قال عمر حين بلغه كلام سُهيل : أشهدُ إنَّك لرسولُ
الله ! يُريد حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم " لعله يقوم مقامًا لاتكرهه ".(
مغازي الواقدي 1/107 ، وفي رواية : لعله يقوم مقاما تحمده عليه).
وهكذا أبَي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينـزع ثنيتي سهيل بن عمرو , مع أن مقصد
عمر بن الخطاب رضي الله عه لم يكن التمثيل به وإنما كان مقصدا دعويا , وذلك من أجل
أن لايقوم خطيبا ضد دعوة الإسلام وقد كان سهيل خطيبا مصقعًا لـه تأثير على قومه,
وهذا موقف رحمة وعدالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفي قولـه صلى الله عليه وسلم " لعله يقوم مقامًا لاتكرهه" معجزة نبوية ظاهرة , حيث
تحقق مارجاه صلى الله عليه وسلم وذلك أنه أسلم يوم فتح مكة وحسن إسلامه , فلما توفي
رسول الله صلى الله عليه وسلم كاد بعض أهل مكة أن يرتدوا عن الإسلام وأظهروا التمرد
على دولة الإسلام فقام فيهم خطيبًا فثبَّت المترددين وهدد المتمردين , ومما روي من
قوله في ذلك ٍ "يامعشر قريش لاتكونوا آخر الناس إسلاما وأولهم ردة , من رَابَنَا
ضربنا عنقه " .
ولما بلغ عمر موقفه هذا تذكر مقالة النبي صلى الله عليه وسلم عنه بعد بدر فقال : "
أشهد إنك لرسول الله" يعني حيث أخبر عن أمر مغيب فوقع كما أخبر به .
* * *
انتهت
|