|
المصلحون : العدد الثامن
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .
2 – أضواء من الهدي النبوي .
3 – توجيهات ومواقف سلوكية .
4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .
-أضواء من هدي القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى
(مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ
أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ
يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ{261} الَّذِينَ يُنفِقُونَ
أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً
وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ
هُمْ يَحْزَنُونَ{262} قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ
يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ{263} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ
رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ
صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ
يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ
الْكَافِرِينَ{264} وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء
مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ
أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ
فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ{265} أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ
لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ
فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء
فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ
لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ{266})
البقرة:261- 266].
[261] في هذه الآية يبين الله تعالى الفضل العظيم للإنفاق في سبيل الله جل وعلا ،
حيث تضاعف النفقة في هذا المجال إلى سبعمائة ضعف ، بينما تضاعف النفقة في غير
الجهاد إلى عشرة أضعاف كسائر الأعمال الصالحة، وفي هذا بيان للأهمية العظمى للإنفاق
في الجهاد ، وهذه المضاعفة الكبيرة تعطي ضمانا لاستمرارية الجهاد بالنفس ، حيث إن
المجاهدين بأنفسهم لا يستطيعون الاستمرار في الجهاد إلا إذا توافرت النفقة اللازمة
لهم ولأسرهم من ورائهم ، وهذه المضاعفة الكبيرة تجعل المحسنين يبدأون أولاً بتغطية
حاجات المجاهدين كاملة ثم ينصرفون إلى مجالات الإنفاق الأخرى ، لأن الإنفاق على
مجاهد واحد يعادل الإنفاق على سبعين فقيرا ، ومع هذه المضاعفة الكبيرة للإنفاق على
الجهاد في سبيل الله تعالى فإنه سبحانه يقول (وَاللّهُ
يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ)
يعني فيما يزيد على سبعمائة ، وذلك فيما يتفضل الله عزوجل به على المنفقين الذين
أصبح لهم دور بارز في إغاظة الكفار وإضعافهم وإعزاز المسلمين وتقويتهم ، وتحديد
الجهاد بأنه في سبيل الله يحصر هذه المضاعفة العظيمة بكون الجهاد في سبيل الله
تعالى ومن أجل إعلاء كلمته وخلوه من أي شائبة من الشوائب التي تخل بإخلاص المنفق
لهذا الهدف السامي النبيل ، والله سبحانه واسع الفضل عليم بمن يستحقه من المنفقين.
[262] ثم يؤكد الله تعالى على الأجر الكبير للمخلصين في إنفاقهم على الجهاد بقوله (
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا
أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
).
فقد ذكر الله سبحانه من نواقض الإخلاص في الإنفاق أن يُتبعه المنفقون بالمنِّ بذلك
على من أنفقوا عليهم ، وذلك بالتبجح بإظهار ماقدموا من مال أو أن يصل منهم أذى
للمنفق عليهم كأن يحاولوا استغلالهم في منافع شخصية لهم ، فإذا خلا الإنفاق في سبيل
الله من هذه المعوقات فإن المنفقين لهم أجرهم العظيم عند ربهم يوم القيامة ،
ولايخافون حين يخاف الناس ولايحزنون حين يحزنون .
[263] ويبين سبحانه خطورة إلحاق الأذى بالمنفق عليهم بالمقارنة بين الإنفاق على
المجاهدين مع إلحاق الأذى بهم وبين بذل المعروف والإحسان للناس والتسامح معهم حيث
يقول (قَوْلٌ
مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ
حَلِيمٌ).
فالإحسان إلى الناس والتجاوز عنهم خير من صدقة يتصدق بها المنفق ثم يُتبعها بالأذى
لمن تصدق عليهم، إن صدقة التطوع مستحبة ولكن أذى المسلمين محرم ، فكيف يرتكب المسلم
محرما من أجل أمر مستحب ؟ لاشك أن ترك الصدقة – والحال هذه – أولى ، والله تعالى
غني عن صدقات عباده ، وهو الغني عن كل شيء ، وإنما يعود نفع الصدقات العظيم على
أصحابها إذا سلمت من المفسدات ، وهو سبحانه حليم على عباده حيث لم يعاجل المتجاوزين
منهم بالعقوبة .
وقال العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية : إن هذه الآية
مقررة لقاعدة : درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، التي هي من أعظم قواعد الشريعة
، ومبينة أن الخير لايكون طريقا ووسيلة إلى الشر ، ومرشدة إلى وجوب العناية بجعل
العمل الصالح خاليا من الشوائب التي تفسده وتذهب بفائدته كلها أو بعضها.( تفسير
المنار 3/63 – 64)
[264] ويبين الله سبحانه أن وقوع المتصدق في هذه المخالفة وهي المنُّ على من تصدق
عليهم وإلحاق الأذى بهم يبطل صدقته حيث يقول (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى
كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ
فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ
يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ).
يعني لاتبطلوا ثواب صدقاتكم - أيها المؤمنون – بالمن والأذى فإن ذلك يؤثر على
الإخلاص ، ويشبِّه الله تعالى الذين يُتبعون صدقاتهم بالمنِّ والأذى بالذي ينفق
ماله مراءاة للناس وطلبا لمدحهم ولايريد وجه الله تعالى لأنه لايؤمن به جل وعلا حقا
ولا باليوم الآخر صدقا ، فمثل هذا المتصدق الذي أوهم الناس بأنه محسن كريم وهو يملك
قلبا قاسيا لارحمة فيه كمثل حجر غطاه التراب فظن الناس أنه سيكون فيه نبات ينفعهم
إذا نزل عليه المطر ولكن ما إن لامسه الماء حتى تعرى وظهر أنه لانفع فيه في نبات
ولا في إمساك الماء ، فكذلك المراؤون لايجدون عند الجزاء أي ثواب لما قدموا من عمل
، والله جل وعلا لا يوفق الكافرين لفعل الخير الذي يستفيدون منه في أخراهم لأن
قلوبهم قد تمحضت لفعل الشر وإن تظاهر أصحابها بفعل الخير.
[265] وفي مقابل ذلك يضرب الله تعالى مثلا للذي ينفق ماله ابتغاء رضوان الله عز وجل
مع رسوخ معتقده بأن ماعند الله سبحانه خير وأبقى حيث يقول (وَمَثَلُ
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ
أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا
ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرٌ).
فقد ضرب الله تعالى مثلا لذلك ببستان عظيم متكاثف الأشجار بأرض عالية خصبة ، فهطل
عليه مطر غزير فأنتج ثمرات مضاعفة ، ولكونه في مكان مرتفع فإنه إن لم تسقط عليه
الأمطار يكفيه لبقاء الحياة والنمو الرذاذ والندى ، فكما أن الناس يستفيدون من هذه
الجنة ثمرات كثيرة فيما إذا هطل عليها المطر ، ويستفيدون بعض الثمرات فيما إذا تغذت
على الطل فإنهم يستفيدون من المنفق فوائد كبيرة فيما إذا درَّت عليه الأرزاق
ويستفيدون منه بعض الفائدة فيما إذا قلَّت مصادر ماله ، والله سبحانه بصير بأعمال
عباده مطلع على أسرارهم فيثيب كل واحد منهم بحسب إخلاصه.
[266] وفي تصوير وضع المنفق الذي لايريد وجه الله تعالى وإنما ينفق من ماله في
المشاريع الخيرية مراءاة للناس وطلبا لمدحهم ثم تكون نهايته في الآخرة نهاية
مأساوية حيث لايستفيد من عمله ذلك أي شيء يقول الله تعالى (أَيَوَدُّ
أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن
تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ
وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ).
فهذا المنفق رياء وسمعة يشبه ذلك الرجل الذي غرس جنة من أشجار النخيل والعنب وأصبحت
الأنهار تجري من تحت أشجارها وأثمرت له كل الثمرات الجيدة التي تثمرها تلك الشجر،
حتى إذا أصابه الكِبَر وأصبح عاجزًا عن غرس مثلها وله ذرية ضعفاء عاجزون عن ذلك وهو
وذريته أحوج ما يكون لتلك الجنة إذا بإعصار مدمر فيه نار يهب عليها فاحترقت وأصبحت
أثرا بعد عين ، فكذلك المنفق رياء وسمعة يطرب لمدح الناس له على مايقدم من أعمال
خيرية حتى إذا وافى ربه يوم القيامة لم يجد من تلك الأعمال إلا الإثم المتراكم عليه
فباء بأسوأ مصير، وبمثل هذا البيان يبين الله لكم أيها الناس لتتأملوا فتخلصوا
أعمالكم لله عز وجل .
* * *
-أضواء من الهدي النبوي –
– السابقون إلى النعيم -
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد :
فقد تقدم لنا ذكر حديث السبعة الذين يظلهم الله تعالى تحت ظل عرشه يوم لاظل إلا
ظله, وتحدثنا عن ثلاثة منهم وهم الإمام العادل والشاب الذي نشأ في عبادة الله
تعالى, والرجل الذي قلبه معلق في المساجد .
رابعًا : " ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه " , فقلوبهما لم تعمر
بغير محبة الله تعالى , وعلاقتهما لم تُبْن على الروابط المادية , ولا على رابطة
النسب واللغة والوطن التي لاتخضع لرابطة المحبة في الله جل وعلا .
بل تجتمع قلوبهما حين يلتقيان على محبة الله سبحانه , ويُخضعان لهذه المحبة جميع
تصرفاتهما, فينطلقان في دائرة الفعل ودائرة الترك من الحرص على مايرضي الله تعالى
والحذر مما يسخطه , وحين يتفرقان يوصي كل واحد منهما أخاه بالاستقامة على أمور
الدين , ويحاسب كل واحد منهما الآخر على أخطائه لأنه يحب له ما يحب لنفسه .
ولقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر أن هذه الخصلة من خصال الإيمان
, وذلك في قوله " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان , أن يكون الله ورسوله أحب إليه
مما سواهما, وأن يحب المرء لايحبه إلا لله , وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ
أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار "أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك رضي
الله عنه.( صحيح البخاري , رقم 16 , الإيمان (1/60) , صحيح مسلم , رقم 67/43 ,
الإيمان (ص66))
ولقد كان الصحابة رضي الله عنهم إذا التقوا سأل الواحد منهم أخاه عن حزبه في
القرآن, كما فعل معاذ بن جبل وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهما حينما كانا في اليمن
, وربما تساءلوا عن العلم وذكَّر بعضهم بعضا .
خامسا : "ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف الله " فهذا الرجل قد
حماه ورعه, ولم يحمله تعرضه للفتنة على الاستجابة لغرائزه فيما يسخط الله تعالى
عليه , بل حكَّم عقله المستنير بنور الله تعالى في ميوله وعواطفه .
فهذا الرجل قد وقع في صراع بين عقله السليم وعاطفته المنحرفة , ولكنه في النهاية
غلَّب عقله السليم فكبح جماح نفسه عن التردي في المهالك .
وفي هذا يظهر لنا مثل من عظمة الإسلام في تحرير العقل من إسار العواطف المنحرفة ,
وتخليص النفس من الانحدار نحو البهيمية .
ولقد كان التخلص من سطوة الغريزة والاستسلام لنداء العقل السليم المنسجم من شريعة
الله تعالى من أزكى الأعمال التي كانت سببا في الخلاص من هلاك محقق كما في خبر
الثلاثة أصحاب الغار الذين أووا إليه من المطر فانطبقت على بابه صخرة , فلم يتمكنوا
من الخروج منه, فدعا كل واحد منهم بعمل صالح له لعل الله تعالى ينجيهم , وقد توسل
أحدهم إلى الله تعالى بإعفاف نفسه من الزنى بعد أن تمكن منه ففرج الله عنهم
فخرجوا.( ينظر الحديث في صحيح البخاري , رقم 3465 , الأنبياء (6/505) .)
فهذا الرجل الذي دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله تعالى قد فاز في
الآخرة بهذا الجزاء العظيم مقابل إعفاف نفسه من الحرام طاعة لله تعالى وخشية منه .
ويشبه هذا الرجل من اضطرته ظروف المعيشة أو الدراسة إلى أن يعيش في بلد قد عمر
بالفتن, فأصبح يتعرض لأسباب الهلاك والانهيار الخلقي , ولكنه اعتصم بدينه ومنعه
خوفه من الله عز وجل من الانخراط في سلك الهالكين .
فهذا وأمثاله قد تيسرت لهم أسباب المتعة التي حرمها الله تعالى من غير أن يغامروا
في سبيل الحصول عليها , ومع ذلك امتنعوا من اقتراف الإثم خوفا من الله عز وجل ,
ورجاء لما عنده , فالدوافع نحو الهبوط في الرذيلة قوية , ولكن إيمانهم بالله تعالى
أقوي من ذلك , ولهذا منعهم من السقوط ورفعهم إلى الأعلى .
فهؤلاء عاشوا في وسط اللهب ولم يحترقوا فيه , لأن لهم من إيمانهم القوي ماشكَّل
حصانة قوية لأنفسهم من الوقوع في حمأة الرذيلة .
سادسًا : " ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لاتعلم شماله ماتنفق يمينه " فهذا رجل قد
عمر الإخلاص لله تعالى قلبه , فلم يتمثل فيه غير إرادة العمل بما يرضيه واجتناب
مايسخطه وبالتالي فإن سلوكه قد تحدد على اعتبار هذا المبدأ , فلم يلتفت إلى إعجاب
الناس به وثنائهم عليه , لأنه لايقيم لهم وزنا , أما الله تعالى الذي تمثل الإيمان
به في قلبه وشغل باله وتفكيره فهو مطلع على عمله وإن أخفاه , فهو يخفي هذا العمل
الصالح إمعانا في الإخلاص لله تعالى , لأنه يخشى من اطلاع الناس على عمله أن يداخله
شيء من الرياء فينقص بذلك إخلاصه لله جل وعلا , وبالتالي ينقص ثواب عمله .
وهذا المثل الذي ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم للمبالغة في إخفاء الصدقة دليل
على استحباب العناية بإخفاء العمل الصالح حفاظا على سلامة التوحيد من الخلل وسلامة
الثواب من أن ينتقص .
وفي هذا الحديث دليل على أن إخفاء الصدقة أفضل من إعلانها , ويؤيد ذلك ما أخرجه
الإمام أحمد من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "
إن الملائكة قالت: يارب هل من خلقك شيء أشد من الجبال ؟ قال: نعم , الحديد , قالت:
فهل أشد من الحديد ؟ قال: نعم, النار , قالت : فهل أشد من النار ؟ قال : نعم ,الماء
, قالت: فهل أشد من الماء ؟ قال : نعم, الريح , قالت:فهل أشد من الريح ؟ قالت: نعم
:ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها عن شماله" .( مسند أحمد 3/124)
وهكذا تسلسلت هذه الأسئلة في أشد خلق الله تعالى , فكانت الملائكة عليهم السلام ترى
أن أشد خلق الله جل وعلا الجبال , ولكن الحديد يفل الجبال ويفتتها وأشد منه النار
التي يصهر بها الحديد حتى يذوب , وأشد من النار الماء الذي يطفئها , وأشد من الماء
الريح التي يسوق الله سبحانه بها السحاب المحمل بالماء .
ولكن أشد من ذلك كله المؤمن القوي الذي قدر على كبح جماح نفسه وتطلِّعها نحو المجد
والجاه الدنيوي فأخفى صدقته ابتغاء وجه الله جل وعلا .
ولكن هل إخفاء الصدقة أفضل في جميع الأحوال ؟
الواقع أنه أفضل إلا حينما تدعو حاجة المسلمين إلى إعلان الصدقة فإنه ينبغي للإمام
أن يدعو إليها علنا كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال النكبات والحاجات
التي تمر بالمسلمين لتحصل القدوة الحسنة بأصحاب الإيمان القوي الذين يبذلون من
أموالهم الكثير في سبيل الله تعالى .
سابعا : ٍ "ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه" وذلك لما يتصف به من خشية الله تعالى
, وهذا دليل على عظمة وجود الإيمان به جل وعلا في قلبه , وأن استشعار عظمته هو الذي
أصبح مهيمنا على مشاعره , فإذا ذكر الله سبحانه الذي هو أعظم محبوب لديه اهتز
وجدانه وجاشت مشاعره , فظهر التعبير عن ذلك بقطرات الدمع التي تفيض بها عيناه , ولو
كان في قلبه قوة أخرى تهيمن عليه لغفل وقسا قلبه , ولم يكن لذكر الله تعالى أثر
كبير على نفسه , وكونه يتأثر بذكر الله جل وعلا وهو وحده دليل على إخلاص مشاعره
نحوه , فبذلك استحق هذا الجزاء العظيم .
* * *
-توجيهات ومواقف سلوكية –
-مواقف في الورع والعفة والزهد –
- من مواقف أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه –
لقد اشتهر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه بأنه من أهل الغنى والثروة ,
ولكن مع هذه الشهرة فإنه قد رويت عنه أخبار تدل على أنه كان من الزاهدين في الدنيا
.
فمن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث حميد بن نعيم : أن عمر وعثمان رضي الله عنهما
دُعيا إلى طعام , فلمَّا خرجا قال عثمان لعمر : قد شهدنا طعامًا لوددنا أنا لم
نشهده , قال: لِمَ قال : إني أخاف أن يكون صُنِع مباهاة.( الزهد / 126)
فهذا فقه من عثمان بن عفان رضي الله عنه بمجالات السخاء الإسلامي , فالسخاء في
الإسلام لايكون بالتفاخر بالكرم والتباهي بنوع الطعام أو كثرته , وإنما ببذل المال
من غير إسراف ولاخيلاء مع شكر المنعم جل وعلا والتواضع للناس , وهذه النظرة من
عثمان تُعدُّ من التزهيد بالجاه الدنيوي , وهذا يدل على أنه كان من الزاهدين في ذلك
.
ومن زهد عثمان رضي الله عنه وتواضعه ما أخرجه الإمام أحمد من حديث ميمون بن مهران
قال : أخبَرني الهمْداني أنه رأى عثمان بن عفان رحمة الله عليه على بغلة وخلفه
غلامه نائل وهو خليفة.( الزهد / 127)
وكذلك ماأخرجه من حديث الهمداني قال : رأيت عثمان نائما في المسجد في ملحفة ليس
حوله أحد وهو أمير المؤمنين.
كما أخرج من حديث شرحبيل بن مسلم أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يطعم الناس
طعام الإمارة ويدخل إلى بيته فيأكل الخل والزيت.( الزهد / 129)
فهذه أمثلة جليلة من زهد أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه , وحينما يكون الزاهد
متوسط الحال في المعيشة فإن زهده لايلفت النظر كثيرًا ولايثير العجَب , ولكن حينما
يكون غنيا فإن زهده يكون مدهشا للمتأملين وعبرة للمعتبرين , ذلك لأن كثرة المال
تغري بالانصراف نحو الملذات والتوسع في النفقات , فلابد ليكون الغني زاهدا من قوة
بالغة تصرفه عن ذلك وتضخِّم في عينه النظر للآخرة وتقلل في عينه النظر إلى الدنيا ,
وهكذا كان عثمان رضي الله عنه الذي كان من أعظم الأثرياء في الإسلام قد غلبت قوة
إيمانه شهوته وهواه فكان من أعظم الزاهدين , وضرب من نفسه مثلا لجميع الأغنياء
بإمكان الجمع بين الغِنَى والزهد في الدنيا .
من أخبار علي بن أبي طالب رضي الله عنه :
يُعدُّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من أئمة الزاهدين مع شدة انفتاح
الدنيا في عهده , ومن أخباره في الزهد مارواه مجاهد بن جبر رحمه الله قال : قال علي
رضي الله عنه : جُعت مرة بالمدينة جوعا شديدًا فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة
فإذا أنا بامرأة قد جمعت مَدَرًا فظننتها تريد بلَّه فأتيتها فقاطعتها كل ذَنوب على
تمرة , فعددت ستة عشر ذنوبا حتى مجلت يدي
ثم أتيت الماء فأصبت منه , ثم أتيتها فقلت بِكَفَّىَّ "هكذا" بين
يديها فعدَّت لي ست عشرة تمرة , فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأكل معي
منها.
في هذا الخبر بيان لشدة الحال التي مر بها الصحابة رضي الله عنهم في المدينة حيث
ترك المهاجرون أموالهم بمكة , ولم تكن أموال الأنصار – على الرغم مما اتصفوا به من
الإيثار – لتتسع لتغطية احتياج المهاجرين في كل الأحوال , ولكنهم صبروا على تلك
الحال حتى فرج الله تعالى شدتهم , وكان بإمكانهم لو أرادوا الدنيا أن يبقوا في مكة
وغيرها من البلاد التي هاجروا منها بدينهم, وسيكونون – والحال تلك – أيسر حالا
وأهنأ بالا في عرف عامة الناس , ولكن ماحملوه من النور الإلهي يجعل السعادة كل
السعادة في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم , والتضحية بكل مالديهم من طاقة في سبيل
الله تعالى , وإن ألجأهم ذلك إلى أقسى الظروف المعيشية .. فلله درهم ما أسمى فكرهم,
وأرفع ذكرهم , وأقوى صبرهم !!
وعبرة أخرى نأخذها من هذا الخبر تتعلق ببيان صورة من السلوك المشروع في مواجهة
الشدائد , حيث خرج علي رضي الله عنه للعمل بيديه للكسب المشروع , ولم يجلس منتظرًا
ماتجود به أيدي المحسنين .
وصورة أخرى من قوة التحمل حيث قام بذلك العمل الشاق وهو يعاني من شدة الجوع مايضعف
قوته .
وصورة أخيرة من إيثار الأحبة والوفاء لهم , فهو على مابه من شدة الجوع وبالرغم مما
قام به من ذلك العمل الشاق قد احتفظ بأجرته من التمر حتى لقي النبي صلى الله عليه
وسلم فأكل معه .
وأخرج البلاذري من خبر الحارث قال : كنت عند علي فأتته امرأتان فقالتا : يا أمير
المؤمنين [إننا] فقيرتان مسكينتان . فقال : قد وجب حقّكما علينا وعلى كلّ ذي سعة من
المسلمين إن كنتما صادقتين , ثم أمر رجلاً فقال : انطلق بهما إلى سوقنا فاشتر لكل
واحدة منهما كرّا من طعام [الكر : مكيال لأهل العراق فيه ستون قفيزًا , والقفيز
ثمان مكاكيك , والمكوك صاع ونصف الصاع] وثلاثة أثواب – فذكر رداءً أو خمارًا
وإزارًا – وأعط كل واحدة منهما من عطائي مائة درهم , فلما ولّتا سفرت إحداهما
وقالت: يا أمير المؤمنين فَضِّلني بما فضّلك الله به وشرّفك . قال: وبماذا فضلني
الله وشرفني ؟
قالت : برسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : صدقت وما أنت ؟
قالت : [أنا] امرأة من العرب وهذه من الموالي, قال: فتناول شيئًا من الأرض ثم قال:
قد قرأت مابين اللوحين فما رأيت لولد إسماعيل على ولد إسحاق عليهما السلام فضلاً
ولاجناح بعوضة.( أنساب الأشراف /879)
ففي هذا الخبر أمثلة من أخلاق أمير المؤمنين علي رضي الله عنه , وذلك في الرحمة
والتواضع والعدالة , ومما يلفت النظر عدم تفضيله تلك المرأة العربية على الأخرى
التي هي من الموالي , وبيان أن الإسلام لايقر التفرقة في العطاء بين العرب والموالي
ماداموا مسلمين , وفي هذا لفتة مهمة في تعديل نظرة العرب للموالي ليفهموا بأن العزة
والرفعة بالإسلام لا بالعروبة .
ومن ذلك ما أخرجه الحافظ ابن عساكر من خبر الحافظ أبي نعيم الأصبهاني قال: وسمعت
سفيان يقول : إذا جاءك عن علي رضي الله عنه شيء أُثبت لك فخذ به , مابنى عليّ لبنة
ولاقصبة على قصبة , ولقد كان يجاء بحبوبه في جراب من المدينة .( تاريخ دمشق /482).
في هذا الخبر يربط العالم الكبير سفيان بن سعيد الثوري بين الزهد في الدنيا والعلم
المتعلق بذلك, فأمير المؤمنين علي رضي الله عنه كان من أئمة الزهد قولا وعملا ,
فأقواله في الزهد يكون لها الأثر الكبير لأنه كان طوال أيام خلافته زاهدا يعيش على
رَيع مال له في المدينة ولم يبن له قصرا يناسب مركزه الاجتماعي , فلذلك كان بحقٍّ
أزهد الناس في عصره كما قال عنه عمر بن العزيز رحمه الله تعالى .
* * *
- مواقف جهادية من السيرة النبوية –
-مواقف من غزوة بدر الكبرى –
- مثلان من شجاعة أبي دجانة –
قال الواقدي فيما يرويه عن شيوخه : ولما جال المسلمون واختلطوا , أقبل عاصم بن أبي
عوف بن صُبيرة السهمي كأنه ذئب يقول: يامعشر قُريش, عليكم بالقاطع , مفرق الجماعة,
الآتي بما لايُعرف , محمد ! لانجوتُ إن نجا ! ويعترضه أبو دُجانة , فاختلفا ضربتين
وضربه أبو دجانة فقتله . ووقف على سلبه يسلبه , فمرّ عمر بن الخطاب وهو على تلك
الحال , فقال : دع سلَبه حتى يُجهَض العدوّ, وأنا أشهد لك به . ويُقبل معْبد بن
وهْب , فضرب أبا دُجانة ضربة , برك أبو دجانة كما يبرُك الجمل , ثم انتهض , وأقبل
عليه أبو دجانة فضربه ضربات لم يصنع سيفه شيئًا, حتى يقع مَعْبد بُحفرة أمامه
لايراها , وبرك عليه أبو دُجانة , فذبحه ذبحًا , وأخذ سَلَبه.( مغازي الواقدي 1/86)
فهذا الكافر العاتي عاصم بن أبي عوف الذي خرج يتحدى المسلمين , ويهدد رسول الله صلى
الله عليه وسلم بالقتل متجاهلاً من حوله من المسلمين الذين يفدونه بأرواحهم كان له
بالمرصاد أبو دجانة سماك ابن خرشة رضي الله عنه فلم يثبت أمامه إلا قليلاً حتى قضى
عليه وأسكت عواءه .
وينتهز أحد الكفار فرصة انشغال أبي دجانة فيضربه ضربة أوقعته على الأرض, لكنه سرعان
مانهض نهوض الأسد فقضى على عدوه .
-
موقف شجاعة لعلي بن أبي طالب –
قال الواقدي – فحدّثني مَعْمَر , عن الزُّهري , قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم [يوم أن كان في مكة] : اللهمَّ , اكفني نَوْفَل بن خُوَيلد ! وأقبل نوفل يومئذ
وهو مرعوب , قد رأى قتْل أصحابه, وكان في أول ما الْتقوا هم والمسلمون , يصيح بصوت
له زَجَل , رافعًا صوته : يامعشر قُرَيش, إن هذا اليوم يومُ العلاء والرِّفعة !
فلما رأى قُريشًا قد انكسرت جعل يصيح بالأنصار : ماحاجتكم إلى دمائنا ؟ أما ترون
ماتقتلون ؟ أما لكم في اللَّبَن من حاجة ؟ فأسره جَبّار بن صَخر فهو يسوقه أمامه .
فجعل نوفل يقول لجبار – ورأى عَليًا مُقبلاً نحوه – قال : يا أخا الأنصار , من هذا؟
واللات والعُزى , إني لأرى رجلاً , إنه ليُريدني ! قال : هذا علي بن أبي طالب .
قال: مارأيت كاليوم رجلاً أسرع في قومه منه . فيصمد له عليٌّ عليه السلام فيضربه ,
فنشب سيف علي في حَجَفته ساعة , ثم نزعه فيضرب ساقيه , ودرعه مُشَمَّرة , فقطعهما ,
ثم أجهز عليه فقتله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من له علمٌ بنوفل بن خويلد
؟ فقال علي : أنا قتلته . قال : فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: الحمد لله
الذي أجاب دعوتي فيه !.( مغازي الواقدي 1/ 91 – 92)
وهكذا أقر علي بن أبي طالب عين رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقضاء على أحد عتاة
الكفار الذي كان يصعِّد في أذى المسلمين ويصِّوب يوم أن كانوا مستضعفين في مكة ,
وكان الذي أسره من الأنصار لم يعلم بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ولا بما كان منه
من أذى المسلمين .
- نماذج عالية من الولاء والبراء –
1 – أخرج أبو عبد الله الحاكم من طريق محمد بن عمر الواقدي قال: وعبد الرحمن بن أبي
بكر الصديق لم يزل على دين قومه في الشرك حتى شهد بدرًا مع المشركين , ودعا إلى
البراز فقام إليه أبوه أبو بكر رضي الله عنه ليبارزه .. فذكر أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال لأبي بكر : متِّعنا بنفسك, ثم إن عبد الرحمن أسلم في هدنة الحديبية.(
المستدرك 3/474)
2 – وأخرج أبو عبد الله الحاكم بإسناده عن عبيد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي
عبيدة بن الجراح ينصب الألَّ [الألُّ – بفتح الهمزة وتشديد اللام الحرية العريضة
النصل] لأبي عبيدة يوم بدر , وجعل أبو عبيدة يحيد عنه, فلما أكثر الجَرَّاح قصده
أبو عبيدة فقتله , فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية حين قتل أباه
(لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ
حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ
إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ
وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا
الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ
أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
[ المجادلة : 22] (المستدرك 3/265). وأخرجه الحافظ الطبراني وذكر نحوه.(المعجم
الكبير 1/155 رقم 360)
4 – قال ابن إسحاق : وحدثني نُبيه بنُ وهْب , أخو بني عبد الدار أنّ رسول الله صلى
الله عليه وسلم حين أقبل بالأسارى فرقهم بين أصحابه , وقال . استوصُوا بالأسارى
خيرًا , قال . وكان أبو عزيز بن عُمير بن هاشم , أخو مصعب بن عُمير لأبيه وأمه في
الأسارى .
قال . فقال أبو عزيز . مَرَّ بي أخي مُصعْب بن عُمير ورجل من الأنصار يَأسرني ,
فقال: شُدّ يديك به فإن أُمّه ذاتُ متاع , لعلها تَفْديه منك ! قال: وكنتُ في رهَط
من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر , فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصُّوني
بالخُبز , وأكلوا التمر , لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا ماتَقَع في
يد رجل منهم كسرة خُبز إلا نَفَحني بها , قال : فأستَحْيي فأردّها على أحدهم
فيردّها عليَّ مايمسُّها .
قال ابن هشام : وكان أبو عزيز صاحبَ لواء المشركين ببدر بعد النضر بن الحارث , فلما
قال أخوه مُصعب بن عمير لأبي اليَسَر , وهو الذي أسره ماقال , قال له أبو عزيز : يا
أخي , هذه وصاتُك بي . فقال مصعب : إنه أخي دونك , فسألتْ أمُّه عن أغلى مافُدي به
قُرشيُّ , فقيل أربعةُ آلاف درهم فبعثت بأربعة آلاف درهم ففدته بها.( سيرة ابن هشام
2/336 – 337)
في هذه الأخبار أمثلة رائعة من قوة إيمان الصحابة رضي الله عنهم , ووضوح معالم
التوحيد عندهم .
فقد كان أبو بكر رضي الله عنه على استعداد لمبارزة ابنه عبد الرحمن , وقد عزم على
ذلك لولا أن منعه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأقدم أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه على قتل أبيه .
كما أقدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه على قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة .
وأقدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه على قتل ابن عمه العاص بن سعيد بن العاص, وهو
يلتقي مع علي بجدِّهما عبد مناف بن قصي .
وأخيرًا كان من مصعب بن عمير رضي الله عنه ذلك الموقف الجليل حينما أظهر البراءة من
أخيه في النسب أبي عزيز , وأثبت الولاء لأخيه في الدين ذلك الرجل الأنصاري .
وهذه الأعمال الجليلة تُعدُّ أمثلة حية لتطبيق مبدإ الولاء للمؤمنين وإن كانوا
أباعد لاتربطهم أي رابطة من النسب أو الوطن أو غير ذلك , والبراء من الكافرين وإن
كانوا من الأقارب الأدنين.
ومبدأ الولاء والبراء يُعدُّ من أصول التوحيد , وهو من التكاليف التي لايطبقها عن
طيب نفس إلا أقوياء الإيمان .
-عدد المقاتلين ونهاية المعركة –
أخرج الإمام البخاري بإسناده من عدة طرق عن البراء بن عازب رضي الله عنه أنه قال:
حدثني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدرًا أنهم كانوا عدة أصحاب طالوت
الذين جاوزوا معه النهر بضعة عشر وثلاثمائة , قال البراء : لا والله ماجاوز معه
النهر إلا مؤمن. ( صحيح البخاري , المغازي رقم 3957 – 3959 (7/290 ))
وجاء تحديد عددهم في رواية الإمام أحمد بثلاثة عشر وثلاثمائة (الفتح الرباني 21
/42) , وقال الحافظ ابن حجر وهذا هو المشهور عند ابن إسحاق وجماعة من أهل المغازي.(
فتح الباري 7/291)
وجاء في رواية للإمام مسلم أن عددهم تسعة عشر وثلاثمائة.( صحيح مسلم , الجهاد رقم
1763 (ص 1384))
وحمل ذلك الحافظ ابن حجر على احتمال أن يكون ضُمَّ إليهم في العدد من استُصْغر ولم
يؤذن له في القتال كالبراء وابن عمر وأنس واستشهد على ذلك بما ذكره عن الإمام أحمد
بسند صحيح عن أنس أنه سئل : هل شهدت بدرًا ؟ فقال : وأين أغيب عن بدر ؟ قال : وكأنه
كان حينئذ في خدمة النبي صلى الله عليه وسلم.( فتح الباري 7/292)
أما عدد المشركين فقد سبق في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: نظر رسول
الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف ".( صحيح مسلم , الجهاد رقم 1763
(ص1384))
هذا وإن أهمية معركة بدر وتميزها ليس في كون المؤمنين قابلوا جيشًا يبلغ ثلاثة
أضعافهم, فإنهم قد قابلوا بعد ذلك أضعافهم بأكثر من ذلك , ولكن هذا التمييز يبرز
لكون معركة بدر هي المعركة الأولى التي واجه فيها المسلمون أعداءهم بهذا العدد
القليل .
وهنا يبرز سؤال مهم , وهو لماذا لم يطلب النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة مددًا
, حيث إنه لم يخرج لقتال , فلم يخرج معه العدد الكافي لمواجهة جيش الكفار , والكفار
لم يقصدوا المدينة , وإنما قصدوا بدرًا ليفاخروا العرب باستعدادهم الحربي الكبير ,
فكان بإمكان النبي صلى الله عليه وسلم أن ينتظر في مكان بعيد عن متناول الكفار حتى
يأتيه المدد من المدينة , فما الحكمة من عزمه صلى الله عليه وسلم على القتال بذلك
الجيش المحدود ؟
لاشك أن في ذلك حكَمًا عظيمة , لعل منها أن تحصل العبرة العظيمة للمسلمين وجميع
أعدائهم من إقدام بعض المسلمين على جيش كبير قد أخذ أفراده كامل استعدادهم للحرب,
ثم انتصار المسلمين ذلك الانتصار المؤزر الذي لفت الأنظار , وأوقع الرعب في قلوب
الكفار, كما رفع من معنوية المسلمين وجرأهم على قتال أعدائهم وإن كانوا أضعافهم .
ولعل من الحكَم في ذلك أن يفهم الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم أن العبرة في
القتال ليست بالكثرة وإنما بتحقيق عوامل النصر التي أهمها التوكل على الله تعالى
واستمداد النصر منه والاستقامة على الدين .
أما نهاية المعركة فقد كانت لصالح المسلمين حيث نصر الله تعالى رسوله صلى الله عليه
وسلم وأولياءه المؤمنين نصرًا مؤزرًا .
ولم يُستشهد من المسلمين إلا أربعة عشر , ستة من المهاجرين , وثمانية من الأنصار
ولم يؤسر من المسلمين أحد , وقد ذكر ابن إسحاق أسماء الشهداء.( سيرة ابن هشام 3/427
– 429 .)
أما المشركون فقد قتل منهم سبعون وأسر سبعون , وقد ذكر ابن إسحاق وابن هشام أسماء
أكثرهم . ( سيرة ابن هشام 3/429 – 445)
-
سحب صناديد قريش إلى القليب ومافي ذلك من عبر-
أخرج الإمام أبو عبد الله البخاري من حديث قتادة قال " ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي
طلحة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد
قريش فقُذفوا في طَويٍّ من أطواء بدر (أي في بئر من آبارها) خبيث مُخْبث , وكان إذا
ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال , فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته
فشُدَّ عليها رحلها, ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا : مانرى ينطلقُ إلا لبعض حاجته,
حتى قام على شفة الرَّكيِّ (أي على طرف البئر) , فجعل يُناديهم بأسمائهم وأسماء
آبائهم , يافلان ابن فلان , ويافلان ابن فلان , أيسرّكم أنكم أطعتمُ الله ورسوله ؟
فإنا قد وجدنا ماوعدنا ربنا حقا , فهل وجدتم ماوعد ربكم حقا .
قال فقال عمر : يارسول الله , ماتُكلم من أجساد لا أرواح لها , فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : والذي نفس محمد بيده , ما أنتم بأسمع لما أقول منهم .
قال قتادة : أحياهم الله حتى أسمعهم قوله , توبيخًا وتصغيرًا ونقْمة وحَسرة
ونَدَما.( صحيح البخاري , المغازي رقم 3976 ( 7/301 ))
وأخرجه أبو عبد الله الحاكم من حديث عائشة رضي الله عنها وذكر نحوه باختصار, وجاء
في آخره : فلما أمر بهم فسحبوا عُرف في وجه أبي حذيفة بن عتبة الكراهية وأبوه يسحب
إلى القليب, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا حذيفة والله لكأنه ساءك
ماكان في أبيك , فقال: والله يارسول الله ماشككت في الله وفي رسول الله ولكنه كان
حليما سديدًا ذا رأي فكنت أرجو أن لايموت حتى يهديه الله عز وجل إلى الإسلام , فلما
رأيت أن قد فات ذلك ووقع حيث وقع أحزنني ذلك , قال : فدعا له رسول الله صلى الله
عليه وسلم وآله بخير .
قال الحاكم : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه , وأقره الذهبي.( المستدرك 3/224)
في هذا الخبر عبرة للمعتبرين , حيث سقط هؤلاء السادة الزعماء صرعى يوم بدر ,
وواجهوا ذلك المصير السيء في الدنيا , التي طالما حلموا فيها بالشرف الرفيع , مع
ماينتظرهم في الآخرة من العذاب الأليم الخالد .
لقد كانت سعادة الدنيا والآخرة بأيديهم لو فكروا في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم
بعقول متجردة من الهوى , ولكن الهوى الجامح المهيمن على أفكارهم قد قادهم إلى
الهلاك في الدنيا والآخرة, فخسروا الدنيا التي سخَّروا عقولهم وأجسامهم لعمارتها ,
وخسروا الآخرة التي لم يكونوا يحسبون لها حسابا .
وموقف إسلامي لأبي حذيفة بن عتبة رضي الله عنه الذي تغير وجهه كراهية لما رأى أباه
يُسحب إلى القليب , حزنا على موته كافرا وحرمانه من الهداية مع ماكان يتمتع به من
عقل راجح ورأي سديد , ولم يكن حزنه لمجرد أنه فقد أباه , ولهذا المقصد النبيل الذي
أثار حزن أبي حذيفة دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير .
* * *
انتهت
|