|
المصلحون : العدد السابع
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .
2 – أضواء من الهدي النبوي .
3 – توجيهات ومواقف سلوكية .
4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .
- أضواء من هدي القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله
تعالى
(زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ
آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ
مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)
[ البقرة 212] .
حينما ينفلت
الإنسان من قانون الهداية الإلهية فإنه تتضاءل لديه القيم الروحية وتتضخم لديه
القيم المادية ، فتتعلق نفسه بمباهج الدنيا وجمع المال الذي يحصل منه على مايريد من
مظاهر الحياة وزينتها ، ويقبض يده عن الإنفاق على المشاريع الخيرية، وتبرز في عينه
الأثرة والأنانية ، ويستبعد من حياته الإيثار والرحمة ، وهو في هذا الإقبال العارم
نحو التضخم المادي والعلو في الأرض ينظر إلى المؤمنين الذين يشغلون وقتهم بالإعداد
للحياة الآخرة وينفقون من أموالهم بسخاء نظر سخرية واستخفاف ، ويَعدُّون أنفسهم
أعلى من المؤمنين شأنًا وأسمى منهم فكرا ، ولكن هؤلاء التائهين قد غفلوا عن أن
الميزان الحقيقي ليس في الحياة الدنيا وإنما هو في الآخرة ، فالذين آمنوا سيكونون
فوقهم في الميزان يوم القيامة ، لأن المؤمنين في درجات الجنة والكافرين في دركات
النار .
والله سبحانه يرزق
من يشاء في الدنيا بغير حساب ، لأن رزق الخلق جميعا لاينقص من ملكه شيئا ، فهو
تعالى يرزق الكفار ابتلاء لهم ، وقد يوسع الرزق على بعض المؤمنين ليكونوا من
الشاكرين ، وقد يُقدِّر الرزق على بعضهم ليكونوا من الصابرين .
وقال تعالى
(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ
وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ
فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن
بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ
آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن
يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)
[ البقرة : 213] .
يعني : كان الناس
حينما أهبط الله تعالى آدم عليه السلام إلى الأرض وعاش فيها هو وبنوه أمة واحدة على
الهدى ، ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث الله سبحانه – على مدار الزمان – النبيين عليهم
السلام يبشرون المستقيمين على الطريق المستقيم الموصل إلى رضوان الله تعالى
بالسعادة في الجنة وينذرون المنحرفين عن ذلك بالشقاء في النار ، وعلى رأس هؤلاء
النبيين نوح عليهم السلام ، وأنزل تعالى مع أولئك النبيين الكتب السماوية المشتملة
على الحق ليحكموا بموجبها بين الناس فيما اختلفوا فيه ، إلى أن قدر الله تعالى ظهور
الشريعة الخاتمة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن الكريم
الذي أصبح مهيمنا على الكتب من قبله ، ولكن كل أمة كان يختلف أفرادها في الكتاب
المنـزل إليهم من بعد ما عرفوا الحق حيث يبغي بعضهم على بعض ويحاول كل فريق أن يدعي
بأن الحق معه لتكون له الهيمنة .
فهدى الله تعالى
الذين آمنوا من هذه الأمة المحمدية الإسلامية لمعرفة الحق فيما اختلف فيه الذين
سبقوهم وأذعنوا لهذا الحق وطبقوه بمقتضى كتابهم القرآن الكريم .
فالكتب السماوية هي
التي كان يجب التحاكم إليها على يد المرسلين عليهم السلام في كل ما اختلف الناس فيه
، وقد اجتمعت كل تلك الكتب في القرآن الكريم الذي قدر الله تعالى أن يكون خاتمتها
والمهمين عليها ،فالناس من طبيعتهم الاختلاف ولن يوفق بينهم فكر مماثل لأفكار
المختلفين ، لأنه لامزية لذلك الفكر على أفكارهم ، ولكن حينما يعلمون بأن الكتاب
المنـزل من السماء هو الذي يمثل شريعة الله تعالى فإنه يجب عليهم جميعا أن يذعنوا
له لأنه صادر من الله جل وعلا الذي خلقهم وخلق العقول التي يفكرون بها، والله
سبحانه هو الذي يوفق من يشاء إلى قبول الحق والسير على الصراط المستقيم .
وقال تعالى
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ
خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ
حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا
إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) [ البقرة : 214] .
إن الجنة شأنها
عظيم وأمرها كبير ، كيف لا وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولاخطر على قلب بشر من
النعيم الخالد ؟ ولكن هل تنال هذه الجنة بثمن هزيل وحياة مشوبة بالتردد والإحجام
ونفاد الصبر ؟ لا ، إنها لا تنال إلا بحياة النضال والتضحية والصبر الجميل الطويل ،
وفي هذه الآية يستفهم الله تعالى مخاطبًا ذلكم الجيل المثالي الذي كان مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم : بل أظننتم – أيها المؤمنون – أن تدخلوا الجنة ولما يُصبْكم
مثل ما أصاب المؤمنين من قبلكم من الفقر الشديد والنكبات والمصائب والزلزلة المرعبة
بأنواع المخاوف ؟ .. تلك الزلزلة التي بلغت من شدتها أن يقول رسولهم والمؤمنون معه
– مستعجلين انقضاء الغمة – متى نصر الله ؟ نعم متى نصر الله ، وهذا هو منطق الرسل
عليهم السلام والمؤمنين المتقين ، فالنصر لايطلب إلا من الله تعالى ، ألا إن نصر
الله جل وعلا قريب من عباده المؤمنين إذا اتقوا ربهم وصبروا .
ومما جاء في معنى
هذه الآية ما أخرجه الإمام البخاري من حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه قال : "
شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة – فقلنا
له : ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا ؟ قال: كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في
الأرض فيُجعل فيه ، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيُشق باثنين ومايصده ذلك عن
دينه ، ويُمشط بأمشاط الحديد مادون لحمه من عظم أو عصب ، ومايصده ذلك عن دينه ،
والله ليُتَمَّن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لايخاف إلا الله أو
الذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون".( صحيح البخاري , رقم 3612 (6/619))
* * *
-أضواء من الهدي النبوي –
– السابقون إلى النعيم -
الحمد لله والصلاة
والسلام على رسول الله ..
وبعد :
فنحن اليوم مع حديث عظيم يبين لنا بعض صفات السابقين إلى النعيم , وهو ما أخرجه
الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "سبعة
يظلهم الله تعالى في ظله يوم لاظل إلا ظله : إمام عادل , وشاب نشأ في عبادة الله ,
ورجل قلبه معلق في المساجد , ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه و تفرقا عليه , ورجل
دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله , ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتي
لاتعلم شماله ماتنفق يمينه , ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ".( صحيح البخاري ,
رقم 1423 , الزكاة (3/292) ؛ صحيح مسلم , رقم 1031 , الزكاة (ص 715))
فهذا الحديث يبين
لنا طائفة ممن يشملهم الله جل وعلا يوم القيامة بعناية خاصة , يوم لا ملاذ ولا ملجأ
إلا بحماية الله عز وجل , يوم يُبعث الناس متجردين من سلطانهم وأموالهم , فيبتغي كل
واحد منهم الخلاص لنفسه من هول ذلك اليوم
(يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ{34} وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ{35} وَصَاحِبَتِهِ
وَبَنِيهِ{36} لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ{37})
[عبس : 34 – 37] .
في ذلك اليوم
الرهيب الهائل لاينقذ الإنسان إلا ما قدمه في الدنيا من عمل صالح .
وقولـه " سبعة
يظلهم الله في ظله " الأرجح أن المراد في ظل عرش الرحمن جل جلاله, كما جاء في حديث
سلمان رضي الله عنه عند سعيد بن منصور بإسناد حسن " سبعة يظلهم الله في ظل عرشه"
ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى .( فتح الباري 2/144 .)
و ما أعظمها من فضيلة , وما أبلغه من جزاء حينما يكون هذا العبد الضعيف العاجز في
كنف الله تعالى ورعايته ؟!
وفي أي يوم ذلك ؟
في يوم الجزاء وانقطاع العمل (يَوْمَ لَا يَنفَعُ
مَالٌ وَلَا بَنُونَ{88} إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ{89})
[الشعراء :88 – 89] .
هؤلاء السبعة من
السابقين إلى النعيم , ومن المقربين إلى الباري جل وعلا, فمن هم هؤلاء السبعة ؟
وما هو عملهم
الصالح الذي أوصلهم الله تعالى به إلى هذه المنـزلة الرفيعة ؟
الأول :
" إمام عادل" قال الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني : والمراد به صاحب الولاية العظمى,
ويلتحق به كل من ولي شيئا من أمور المسلمين فعدل فيه , ويؤيده رواية مسلم من حديث
عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما رفعه " إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن
يمين الرحمن , الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وماولوا "(صحيح مسلم , رقم 1827 (ص
1458))
قال : وأحسن مافسر
به العادل أنه الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولاتفريط .(
فتح الباري 2/144)
وقال القاضي عياض
رحمه الله : هو كل من إليه نظر في شيء من مصالح المسلمين من الولاة والحكام.(شرح
النووي على صحيح مسلم 7/121)
ويأتي على رأس
هؤلاء الأئمة الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأنهم جميعا أئمة عادلون قد
بلغوا كمال العدل .
ومن هذا الجزاء
العظيم نعرف أهمية الولاية على أمر من أمور المسلمين وضخامة المسؤولية لمن أدرك
قيمتها , وبضد ذلك من تولى شيئا من أمور المسلمين فجار عليهم وظلمهم فإنه يتعرض
للعذاب الأليم , وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم من ولي من
أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه , ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به
" أخرجه مسلم رحمه الله تعالى .( صحيح مسلم , رقم 1828 , الإمارة (ص1458))
وقال أيضا : " ما
من أمير على عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولا لايفكه إلا العدل أو يوبقه
الجور". ( الفتح الرباني 23/14)
الثاني :
شاب نشأ في عبادة الله تعالى .
وتخصيص الشباب
بالذكر لقوة الدوافع التي تدفع في هذه السن إلى الانحراف عن الطريق المستقيم والبعد
عن الاستقامة على أمور الدين .. من قوة الشباب والحيوية وقلة النظر في عواقب الأمور
, إضافة إلى شدة الاندفاع في هذه المرحلة من العمر نحو التأسي بالأقران , وغالبا
ماتكون الكلمة للهدامين , لأن النفوس ميالة إلى إشباع الغرائز , والشاب ينظر غالبا
بعواطفه أكثر مما ينظر إلى الأمور بعقله .
فمن استطاع من
الشباب أن يمر بهذه المرحلة وهو سليم من الوباء الأخلاقي فإنه يكون عنصرا زكيا,
ويحمل إيمانا قويا تتدفق فيه الحيوية والرواء , حيث أصبح حاكما على تصرفات نفسه
فحماها من الانحراف نحو الرذيلة .
فالشاب الذي نشأ في
عبادة الله تعالى يكون محبا للطهر والعفاف , ميالا إلى الخير وأهله, عزوفا عن الشر
وأهله , يحب مجالس العلم والذكر , ويكره مجالس اللهو والعبث , قد أصبح همُّ الآخرة
بباله ولم ينافس أقرانه من أهل الدنيا في لهوهم ومجونهم .
وبهذا استحق بقوة
إيمانه وحماية نفسه من المهلكات وحملها على الطاعات هذا الجزاء العظيم.
ولقد كان الشاب
الذي حمى نفسه من الميل نحو المعاصي مثار عجب الله تعالى كما جاء في قول رسول الله
صلى الله عليه وسلم "يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة" أخرجه الإمام أحمد من حديث
عقبة بن عامر رضي الله عنه.( المسند 4/151)
الثالث :
رجل قلبه معلق بالمساجد , فهو لايكاد يخرج منها إلا ويجد في قلبه شوقا يحدوه إلى
العودة إليها مرة أخرى . وهو حين يدخلها يدخل بقلب قد غمره الشوق إلى لقاء الله
تعالى ومناجاته , لابقلب قد اعتاد أن يدخل المساجد فهو ينفذ عادة درج عليها من صغره
فأصبحت جزءا من مألوفاته وعاداته .
وإن من علامات تعلق
القلب بالمساجد أن يبكر الإنسان بالحضور إلى المسجد حال سماعه الأذان, وأن يترك أي
عمل أو قول كان منشغلا به , فإن قول المؤذن "حي على الصلاة" دعوة إلى الإقبال إلى
المسجد , وأن يَعدَّ إقامته في بيت الله تعالى خالصة لوجهه الكريم , فيعمر وقته
بالذكر وقراءة القرآن والصلاة .
وإن من علامات تعلق
القلب بالمساجد أن يتخذها المسلم له موطنا , وذلك بأن يلازمها بالصلاة وتلاوة
القرآن والذكر , فإن ذلك مجلبة لرضوان الله تعالى , كما أخرج ابن ماجه القزيني رحمه
الله تعالى من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما
توطَّن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تَبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب
بغائبهم إذا قدم عليهم".( سنن ابن ماجه , رقم 800 , المساجد (1/262) وقال البوصيري
: إسناده صحيح , رجاله ثقات)
وكما أخرج أيضا من
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: صلينا مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم المغرب , فرجع من رجع وعقَّب من عقب, فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم
مسرعا قد حفزه النفس , وقد حسر عن ركبتيه فقال: " أبشروا , هذا ربكم قد فتح بابا من
أبواب السماء , يباهي بكم الملائكة , يقول : انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضة , وهم
ينتظرون أخرى".( سنن ابن ماجه , رقم 801 , المساجد (1/262) وقال البوصيري : هذا
إسناد صحيح ورجاله ثقات)
وقولـه " مسرعا قد
حفزه النفس" دليل على أهمية هذا الأمر , وقوله "قد حسر عن ركبتيه" يعني حتى لايعوقه
إزاره عن السير بسرعة , وهذا يدل على أهمية هذا الأمر .
* * *
- توجيهات ومواقف سلوكية –
-مواقف في الورع والعفة والزهد –
-من مواقف أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه -
من ذلك ما أخرجه
الإمام أحمد من حديث مسروق بن الأجدع قال: دخل عبد الرحمن- يعني ابن عوف رضي الله
عنه – على أم سلمة رضي الله عنها فقالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن
من أصحابي لمن لايراني بعد أن أموت أبدا , قال: فخرج عبد الرحمن من عندها مذعورًا
حتى دخل على عمر رضي الله عنه فقال : اسمع ماتقول أمك , فقام عمر حتى أتاها فدخل
عليها فسألها, ثم قال: أنشدك بالله أمنهم أنا ؟ فقالت : لا ولن أبرئ بعدك أحدا.(
مسند أحمد 6/312 .)
فهذا مثال على
ماكان يتحلى به الصحابة رضي الله عنهم من الخشية لله تعالى , فهذان الصحابيان
الجليلان كلاهما ممن بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة , ومع ذلك فزعا لما
سمعا هذا الحديث, ولم يكتف أمير المؤمنين عمر بذلك , بل ناشد أم المؤمنين أم سلمة
رضي الله عنها بأن تخبره إذا كان ممن ينطبق عليه هذا الوعيد , وهذا يدل على قوة
الدين وعظمة الله تعالى في قلوب الصحابة رضي الله عنهم .
وأخرج الحافظ ابن عساكر من خبر مزيدة بن قعنب الرهاوي قال: كنا عند عمر بن الخطاب-
رضي الله عنه – إذ جاءه قوم فقالوا : إن لنا إماما يصلي بنا العصر فإذا صلى صلاته
تغنى بأبيات , فقال عمر : قوموا بنا إليه, فاستخرجه عمر من منـزله فقال: إنه بلغني
أنك تقول أبياتا إذا قضيت صلاتك فأنشدنيها , فإن كانت حسنة قلتها معك , وإن كانت
قبيحة نهيتك عنها, فقال الرجل :
وفؤادي كلـما نبهته عاد في اللذات يبـغي تعبي
لا أراه الدهر إلا لاهيا في تـماديه فـقد بَرَّح بي
ياقرين السوء ماهذا الصِّبا فني العـمر كذا باللعب
وشـباب بان مني فمضى قبل أن أقضي مـنه أربي
ما أُرَجـِّي بعده إلا الفنا ضيَّق الشيب عليَّ مطلبي
نفسُ لاكنتِ ولاكان الهوى اتقي المولى وخافي وارهبي
فقال عمر : نعم ,
نفس لاكنت ولاكان الهوى , وهو يبكي ويقول : اتقي المولى وخافي وارهبي , ثم قال عمر
: من كان منكم مغنيا فليغنِّ هكذا .( تاريخ دمشق 44/312)
فهذا مثل من رقة
قلب أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وشدة خشيته من الله جل وعلا, حيث بكى لما سمع
هذه الأبيات الوعظية .
وفي قوله " فإن
كانت حسنة قلتها معك " دلالة على تواضعه وحسن أسلوبه في دراسة القضايا , واحترامه
آراء الآخرين .
وفي هذا الخبر
دلالة على إقرار الصحابة رضي الله عنهم للأناشيد الإسلامية واستحسانهم لما كان منها
يشتمل على الوعظ والتذكير بالآخرة , مع أن ذلك الإمام كان يتغنى بتلك الأبيات
الشعرية في المسجد وبعد صلاة العصر , فجواز ذلك خارج المسجد من باب أولى .
ومن ذلك ما أخرجه
المؤرخ أبو زيد عمر بن شبة النميري من خبر عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : أنا
آخركم عهدًا بعمر رضي الله عنه , دخلت عليه ورأسه في حجر ابنه عبد الله بن عمر,
فقال له : ضع خدي بالأرض , فقال : هل حجري والأرض إلا سواء ؟ قال: ضع خدي بالأرض لا
أم لك – في الثانية والثالثة – ثم شبك رجليه فسمعته يقول : ويل لي وويل لأمي إن لم
يغفر الله لي , حتى فاضت نفسه.( تاريخ المدينة المنورة ص 919 .)
فهذا مثل مما كان
يتصف به أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه من خشية الله تعالى , حتى كان آخر كلامه
الدعاء على نفسه بالويل إن لم يغفر الله جل وعلا له , مع أنه أحد العشرة المبشرين
بالجنة, ولكن من كان بالله أعرف كان من الله أخوف , وإصراره على أن يضع ابنه خده
على الأرض من باب إذلال النفس في سبيل تعظيم الله عز وجل , ليكون ذلك أقرب لاستجابة
دعائه, وهذه صورة تبين لنا قوة حضور قلبه مع الله جل وعلا .
ومن ذلك ما أخرجه
الحافظ ابن عساكر من خبر الأحنف بن قيس التميمي قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول :
لايحل لعمر من مال الله إلا حلتين : حلة للشتاء وحلة للصيف وماحج به واعتمر عليه من
الظهر [أي الإبل] , وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم , ثم أنا رجل
من المسلمين.( تاريخ دمشق /270)
وهكذا كانت مخصصات
أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه من بيت مال المسلمين مايكفي للقوت الضروري والكسوة
الضرورية كأحد أوساط الناس , ومازاد عن ذلك فإن عمر يتورع عنه, ولو أن رجلا استأجر
رجلا على أن يعمل له بطعامه وكسوته لم يقبل بذلك إلا عند الضرورة القصوى , ولكن عمر
فرض على نفسه ذلك تورعا منه .
وذكر الحافظ ابن
حجر أن الكرابيسي أخرجه بسند صحيح.( فتح الباري 13/161)
ومن أمثلة خشيته من
الله تعالى ما أخرجه الخطيب البغدادي من خبر قسامة بن زهير قال: وقف أعرابي على عمر
بن الخطاب فقال :
ياعمر الخير جُزيتَ
الجنة جَـهِّز بُنـيَّاتي وأمُهنَّه
أقسـم بالله لتفعلـنه
قال : فإن لم أفعل
ماذا يكون يا أعرابي ؟ قال :
أقسـم أني سوف أمضينه
قال : فإن مضيت
ماذا يكون يا أعرابي ؟ قال :
والله عـن حالي
لتسألنَّه ثَمَّ تكون المسألات ثمَّه
والواقف المسؤول
بينهنَّه إمـا إلى نار وإما جنه
قال : فبكى عمر حتى
اخضلت لحيته بدموعه , ثم قال : ياغلام أعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا لشعره , والله
ما أملك قميصا غيره.( تاريخ بغداد 4/312)
وهكذا بكى أمير
المؤمنين عمر رضي الله عنه بكاء شديدًا تأثرًا بشعر ذلك الأعرابي الذي ذكَّره بموقف
الحساب يوم القيامة , مع أنه لايذكر أنه ظلم أحدا من الناس , ولكنه لعظم خشيته وشدة
خوفه من الله تعالى تنهمر دموعه أمام كل من يذكِّره بيوم القيامة .
ومن أمثلة ورعه رضي
الله عنه ما أخرجه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري من خبر إياس بن سلمة عن أبيه [أبوه
هو سلمة بن عمرو بن الأكوع السلمي رضي الله عنه .] قال : مر عمر بن الخطاب رضي الله
عنه في السوق ومعه الدِّرة فخفقني بها خفقة فأصاب طرف ثوبي فقال أمط عن الطريق ,
فلما كان في العام المقبل لقيني فقال : ياسلمة تريد الحج؟ فقلت : نعم , فأخذ بيدي
فانطلق بي إلى منـزله فأعطاني ستمائة درهم وقال : استعن بها على حجك واعلم أنها
بالخفقة التي خفقتك , قلت : يا أمير المؤمنين ماذكرتها , قال: وأنا مانسيتها.(تاريخ
الطبري 4/224)
فهذا مثل من ورع
أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث شعر بأنه قد ضرب ذلك الرجل وهو غير
مستحق للضرب , فعوضه بذلك المال إبراء لذمته , وهو بذلك يقتدي برسول الله صلى الله
عليه وسلم كما ورد الخبر عنه بذلك في يوم حنين وغيره .
* * *
-مواقف جهادية من السيرة النبوية –
-مواقف من غزوة بدر الكبرى –
- موقف لأم صفوان بن أمية -
قال الواقدي :
فحدّثني محمد بن قُدامة , عن أبيه , عن عائشة بنت قُدامة , قالت: قيل لأُم صفوان بن
أمية – ونَظَرَتْ إلى الُحباب بن المُنذر بمكة - : هذا الذي قطع رجْل عليّ بن أمية
يوم بدر . قالت : دعونا من ذكر من قُتل على الشرك ! قد أهان الله عَليًّا بضربة
الُحباب بن المُنذر, وأكرم الله الُحباب بضربه عَليًّا , قد كان على الإسلام حين
خرج من هَاهنا , فقُتل على غير ذلك.( مغازي الواقدي 1/85)
وهذا موقف جليل من
هذه المرأة المؤمنة يدل على قوة إيمانها ورسوخ يقينها حيث اتضحت لها عقيدة الولاء
والبراء , فأصبحت تحب المسلمين وإن كانوا من غير قبيلتها وتكره الكافرين وإن كانوا
من أبنائها .
وقولها عن ابنها
علي " قد كان على الإسلام حين خرج من ههنا فقُتل على غير ذلك" تعني أنه كان ممن
عُرف عنهم الإسلام بمكة وخرجوا مع قومهم يوم بدر مكرهين فلما التقى الصفان فُتنوا
حينما رأوا قلة المسلمين فقالوا : قد غر هؤلاء دينهم , فنـزل فيهم قول الله تعالى
(إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـؤُلاء
دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ{49})
[الأنفال : 49] .( تفسير الطبري 10/21 , سيرة ابن هشام 2/230 ).
-مواقف وعبر في مقتل أبي جهل-
أخرج الإمامان
البخاري ومسلم – واللفظ له – من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه قال :
بينما أنا واقف في الصف يوم بدر . نظرتُ عن يميني وشمالي . فإذا أنا بين غلامين من
الأنصار . حديثة أسنانُهُما . تمنيتُ لو كنت بين أضلعَ منهما . فغمزني أحدهما. فقال
: ياعم ! هل تعرف أبا جهل ؟ قال : قُلتُ : نعم . وماحاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال:
أُخبرتُ أنه يَسُبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم . والذي نفسي بيده لئن رأيته
لايُفارق سوادي سواده [أي شخصي شخصه .] حتى يمُوت الأعجلُ منَّا. قال: فتعجبت لذلك
. فغمزني الآخر فقال مثلها .قال :فلم أنشبْ أن نظرتُ إلى أبي جهل يزُول [أي يتحرك
ولايستقر .] في الناس . فقُلتُ : ألا تريَان ؟ هذا صاحبُكُما الذي تسألان عنه .
قال: فابتدراهُ , فضرباهُ بسيفيهما , حتى قتلاه . ثُم انصرفا إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم . فأخبراهُ . فقال "أيُّكُما قتلهُ ؟ "فقال كُلُّ واحد منهما : أنا
قَتَلتُ . فقال : هلْ مسحتُما سيفَيْكُما ؟ " قالا : لا . فنظَرَ في السيفين
فقال"كلاكُما قَتَلهُ" وقضى بسَلَبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح . (والرجلان : مُعاذ
بن عُمرو بن الجمُوح ومُعاذُ بن عفراء).( صحيح مسلم , كتاب الجهاد , رقم 1752
(ص1372) صحيح البخاري , كتاب فرض الخمس رقم 3141 (6/246) وأخرجه الحاكم من حديث عبد
الرحمن بن عوف وذكر مثله – المستدرك 3/425 - .)
وقال ابن إسحاق في
هذا الخبر : وكان أول من لقي أبا جهل , كما حدثني ثورُ بن يزيد, عن عكرمة عن ابن
عباس , وعبد الله بن أبي بكر أيضًا قد حدّثني ذلك , قالا : قال مُعاذ بن عمرو بن
الجموح , أخو بني سلمة : سمعتُ القومَ وأبو جهل في مثل الحرَجة [قال ابن هشام :
الحرجة الشجر المتلف وفي الحديث عن عمر بن الخطاب أنه سأل أعرابيا عن الحرجة قال:
هي شجرة بين الأشجار لايوصل إليها .] وهم يقولون : أبو الحكم لايُخلص إليه . قال:
فلما سمعتُها جعلتُه من شأني , فصَمَدْت نحوه , فلما أمْكنني حملتُ عليه فضربته
ضربة أطَنَّتْ قدمَه بنصف ساقه , فو الله ماشبَّهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من
تحت مرضَخَة النَّوى حين يُضرب بها . قال : وضربني ابنه عكْرمة على عاتقي فَطَرح
يدي, فتعلقتْ بجلدة من جنْبي , وأجْهضني القتالُ عنه , فلقد قاتلتُ عامّةَ يومي
وإني لأسْحبُها خلفي, فلما آذتْني وضعتُ عليها قَدمي , ثم تَمَطَّيتُ بها عليها حتى
طرحتُها .
قال ابن إسحاق : ثم
عاش بعد ذلك حتى كان زمانُ عثمان .
ثم مر بأبي جهل وهو
عقيرُ مُعوِّذ بن عفراء , فضربه حتى أثْبَته , فتركه وبه رمق, وقاتل معوذ حتى قُتل.
( سيرة ابن هشام 2/321 .)
قال ابن إسحاق :
فمر عبد الله بن مسعود بأبي جهل , حين أمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
يُلْتمس في القتلى , وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني –
انظروا , إن خَفي عليكم في القتلى , إلى أثر جرح في رُكبته , فإني ازدحمتُ يومًا
أنا وهو على مأدبة لعبد الله بن جُدعان , ونحن غلامان, وكنت أشفَّ منه
بيَسير,فدفعته فوقع على رُكبتيه , فجُحش [أي خدش .] في إحداهما جحْشا لم يزل أثره
به.
قال عبد الله بن
مسعود : فوجدته بآخر رَمق فعرفته , فوضعتُ رجلي على عُنقه – قال: وقد كان ضَبَث بي
[قال ابن هشام : ضبث : قبض عليه ولزمه .] مَرَّةً بمكة فآذاني ولَكزني ثم قلت له :
هل أخزاك الله ياعدوّ الله ؟ قال وبماذا أخْزاني ! أأعمد [يعني وهل أكثر , وجاء في
احدى روايات البخاري : وهل فوق رجل قتلتموه ؟] من رجل قتلتموه ؟ أخبرني لمن الدائرة
اليوم ؟ قال : قلت لله ولرسوله.( سيرة ابن هشام 2/322 .)
وأخرجه الإمام
البخاري مختصرا من عدة طرق (صحيح البخاري , المغازي رقم 3961 , 3962 , 3963 (7/293)
.)
وأخرج الإمام
الطبراني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال أدركت أبا جهل يوم بدر صريعًا فقلت :
أي عدو الله قد أخزاك الله قال: وَبمَ أخزاني ؟ هل أكثر منْ رجل قتلتموه ومعي سيف
لي فجعلت أضربه ولايحتكُّ فيه شيء ومعه سيف له جيد فضربت يده فوقع السيف من يده
فأخذته , ثم كشفت المغفر عن رأسه فضربت عنقه .
ثم أتيت النبي صلى
الله عليه وسلم فأخبرته فقال : آلله الذي لا إله إلا هو , قلت : آلله الذي لا إله
إلا هو قال: انطلق فاستثبت فانطلقت وأنا أسعى مثل الطائر ثم جئت وأنا أسعى مثل
الطائر أضحك, فأخبرته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق فانطلقت معه فأريته
, فلما وقف عليه صلى الله عليه وسلم قال : هذا فرعون هذه الأمة . رواه الطبراني
ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن وهب بن أبي كريمة وهو ثقة, ذكر ذلك الحافظ الهيثمي.
( مجمع الزوائد 6/79 , وخبر عبد الله بن مسعود كان بعد انتهاء المعركة , أما خبر
معاذ ومعوذ فكان في أثنائها بعدما أصابا أبا جهل .)
في هذا الخبر
برواياته المتعددة مواقف منها :
أولاً :
ماجرى من هذين الشابين الأنصاريين من طموح إلى خوض أخطر مغامرة في قتال جيش الكفار
وهي الوصول إلى أبي جهل الذي كان محميًّا بفرسان عشيرته وعلى رأسهم ابنه الشجاع
عكرمة رضي الله عنه .
وهذان الشابان هما
معاذ بن عمرو بن الجموح الخزرجي , ومعاذ بن الحارث بن رفاعة الخزرجي رضي الله عنهما
, ويسمى معوِّذًا كما جاء في بعض الروايات , وهما أخوان من أم وهي عفراء , وقد
اشتهر معاذ بن الحارث بالنسبة إلى أمه .( الإصابة 3/408 – 409 رقم 8041 و 8053 .)
وحينما انطلقا إلى
أبي جهل سبق معاذ بن عمرو بن الجموح إليه فقطع ساقه ولكن عكرمة بن أبي جهل عاجله
بضربة أطاحت بيده , أما أخوه معاذ بن الحارث فإنه ضربه بعدما سقط, ولكن بقي فيه رمق
.
ونظرًا لكون معاذ
بن عمرو هو الذي سبق إلى أبي جهل فإن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بسلبه له, لأنه
قد قام بالمهمة الكبرى في قتل ذلك الطاغية , ولكنه صلى الله عليه وسلم أقرَّ
للأخوين بالاشتراك في قتله , وفي ذلك مواساة لمعاذ بن الحارث الذي أخبر عن نفسه
بأنه قد قتله .
لقد كان الدافع إلى
مغامرة ذينك الشابين هو ماسمعاه من أن أبا جهل كان يسب رسول الله صلى الله عليه
وسلم , وهكذا تبلغ محبة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حد بذل النفس في
سبيل الانتقام ممن تعرض له بالأذى .
وإننا لنجد في هذا
الاندفاع القوي نحو ركوب المخاطر صورة من مجالات الطموح التي كانت تهيمن على أفكار
شباب الصحابة رضي الله عنهم , بينما كان الشباب الآخرون في قبائل العرب وغيرهم
يهيمن على قلوبهم التفكير في مجالات إشباع الشهوات , وتُعمر مجالسهم بالتنافس في
الملذات الدنيوية .
ثانيًا :
ماجرى من معاذ بن عمرو بن الجموح حينما واصل الجهاد ويده مقطوعة , فلما أصبحت هذه
اليد المتدلية بجلدتها عائقًا له دون بذل الجهد في القتال تمطى عليها حتى طرحها .
سبحان الله ! أما
كان يكفي هذا الشاب أن قُطعت يده في سبيل الله تعالى ؟!
أما كان في هذه
الإصابة مندوحة له عن مواصلة الجهاد ؟!
أما كان يحق له أن
ينـزوي في ناحية من نواحي العسكر يعالج جراحه ؟!
بلى , كان يحق له
ذلك , ولكنه كان يحمل روحًا عالية , وهمة سامية , كان يحمل همَّ حماية هذا الدين
العظيم , وحماية رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين , وماكان له – والحال هذه
– أن يقدِّم حماية جسده على حماية هذه المبادئ السامية , وإن نفسه لتهون في سبيل
إعلاء كلمة الله تعالى .
ثالثًا :
ماجرى بين عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأبي جهل وهو في الرمق الأخير من الحوار
فيه عبرة بليغة , فهذا الطاغية الذي كان شديد الأذى للمسلمين في مكة – وخاصة
المستضعفين منهم – قد وقع صريعًا بين أيدي من كان يؤذيهم .
ويشاء الله تعالى
أن يكون الذي يقضي على آخر رمق من حياته هو أحد المستضعفين الذين كان يؤذيهم في مكة
, وقد كان في ذلك شيء من تشفِّي المؤمنين من أعدائهم الذي مر الكلام عليه في خبر
بلال رضي الله عنه مع أمية بن خلف .
ولقد كان أبو جهل
مستكبرًا جبارًا حتى وهو صريع وفي آخر لحظات حياته , فقد جاء في رواية لابن إسحاق
أنه قال لعبد الله بن مسعود لما أراد أن يحتزَّ رأسه " لقد ارتقيت مرتقًى صعبا
يارويعي الغنم".( سيرة ابن هشام 2/333 .)
وهكذا تستمر
الغطرسة والكبرياء في أصحاب النفوس المريضة , حيث ينسون أو يتناسون كل صفات الكمال
والرجولة في الرجال , ولايتذكرون إلا شيئًا من صفاتهم أو مهنهم البسيطة, وهذا أثر
من آثار خُلق الكبر السيئة , وبهذه الرؤية الناقصة القاتمة يصدر حكم هؤلاء
المستكبرين على الناس, فربما حكموا على العظماء المفكرين بأحكام يزدريها العقلاء ,
لأن أولئك المتكبرين لاينظرون إلى الناس إلا من خلال ذلك المنظار الضيق الدنيء .
-شجاعة عكاشة بن محصن ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم-
قال بن إسحاق :
وقاتل عُكاشة بن محصن بن حُرثان الأسدي , حليف بني عبد شمس بن عبد مناف , يوم بدر
بسيفه حتى انقطع في يده , فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه جذلاً من حطب,
فقال: قاتل بهذا ياعُكاشة , فلما أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم هزّه ,
فعادَ سيفًا في يده طويل القامة, شديد المتن , أبيض الحديدة , فقاتل به حتى فتح
الله تعالى على المسلمين , وكان ذلك السيف يسمى العَوْن , ثم لم يزل عنده يَشهد به
المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قُتل في الرّدة , وهو عنده, قَتله
طليحة ابن خُويلد الأسدي .( سيرة ابن هشام 2/324 .)
في هذا الخبر إشارة
إلى شجاعة عكاشة بن محصن رضي الله عنه وشدة بلائه في القتال, حيث انقطع السيف في
يده من كثرة الجلاد .
وفي الخبر معجزة
بالغة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث ناول عكاشة أصلاً من أصول الشجر فعاد في يده
سيفا في غاية الجودة والمتانة , ومن بركة هذا السيف أنه استمر في يد عكاشة يقاتل به
أعداء الله حتى استشهد رضي الله عنه في حروب الردة .
-موقف جهادي للزبير بن العوام-
أخرج الإمام
البخاري من حديث هشام بن عروة عن أبيه قال : "قال الزبير : لقيتُ يوم بدر عبيدة بن
سعيد بن العاص وهو مُدجَّج لايُرَى منه إلا عيناه وهو يكنى أبا ذات الكرش فقال: أنا
أبو ذات الكرش , فحملت عليه بالعنـزة فطعنته في عينه فمات (العنزة بفتح العين
والنون الحربة).
قال هشام : فأُخبرت
أن الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه ثم تمطأت فكان الجهد أن نزعُتها وقد انثنى
طرَفاها . قال عروة: فسألهُ إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه , فلما قُبض
رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها, ثم طلبها أبو بكر فاعطاه, فلما قُبض أبو بكر
سألها إياه عمر فأعطاه أياها , فلما قُبض عمر أخذها , ثم طلبها عثمان منه فأعطاه
إياها , فلما قُتل عثمان وقعت عند آل علي فطلبها عبد الله بن الزبير , فكانت عنده
حتى قُتل" .( صحيح البخاري , المغازي , رقم 3998 (7/314) .)
هذا الخبر يصور لنا
دقة الزبير بن العوام رضي الله عنه في إصابة الهدف , حيث استطاع أن يضع الحربة في
عين ذلك الرجل مع ضيق ذلك المكان وكونه قد وزع طاقته بين الهجوم والدفاع, فلقد كانت
إصابة ذلك الرجل بعيدة جدًّا لكونه قد حمى جسمه بالحديد الواقي, لكن الزبير استطاع
إصابة إحدى عينيه فكانت بها نهايته , ولقد كانت الإصابة شديدة العمق مما يدل على
قوة الزبير الجسدية , إضافة إلى دقته ومهارته في إصابة الهدف .
* * *
انتهت
|