|
المصلحون : العدد السادس
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .
2 – أضواء من الهدي النبوي .
3 – توجيهات ومواقف سلوكية .
4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .
- أضواء من هدي القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد :
يقول الله تعالى ( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ
وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي
الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ
وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ
بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء
وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
{177} ) [ البقرة : 177] .
يبين الله تعالى في هذه الآية أنه ليس البر والعمل الصالح في التوجه في الصلاة
ناحية المشرق أو المغرب إذا لم يكن ذلك عن أمر الله تعالى ، وقد كان اليهود يتوجهون
جهة المغرب والنصارى يتوجهون جهة المشرق ، وقد كان اليهود يجادلون المسلمين في
القبلة كما في الآيات السابقة على هذه الآية .
ثم يبين الله سبحانه أن البر الحقيقي والخير المطلق إنما هما في هذه الأمور التي
ذكرها جل وعلا في هذه الآية :
فالإيمان بالله تعالى هو نقطة الانطلاق وبداية الطريق نحو الترفع عن الحيوانية
والتحلي بوصف الإنسانية الحقة ، فالإنسان جسد وروح ، فإذا آمن بالله تعالى ترقى في
مدارج الروح وأصبح عقله السليم هو المهيمن على جسده وأصبحت أعماله وأفكاره ملائكية
لأنه انطلق من الجواذب الجسدية التي تربطه بالحيوان ، فالإيمان بالله تعالى هو
الفارق بين الإنسان الملائكي والإنسان الحيواني .
والإيمان بالملائكة عليهم السلام الذين هم عباد الرحمن جل وعلا على الدوام ، وعن
طريقهم ينـزل الوحي وتُرفع صحائف الأعمال ويكتب الخير والشر ، فعدم الإيمان
بالملائكة يستلزم عدم الإيمان بالرسل والكتب السماوية لأن الوحي ينـزل عن طريقهم .
والإيمان بالكتب السماوية والنبيين عليهم السلام إيمان بالطريق المستقيم الواحد
الموصل إلى رضوان الله تعالى والسعادة الأخروية ، وهو دين الإسلام الذي بعث الله جل
وعلا به الأنبياء جميعا عليهم السلام ، ولعل ذِكْر الإيمان بالكتاب مفردًا لكون كل
أمة مأمورة بأن تؤمن بكتابها ، أما الأمة الإسلامية فإنها مأمورة بأن تؤمن بالقرآن
تفصيلا وبالكتب السابقة إجمالاً .
وإعطاء المال مع كونه محبوبا للنفس ذوي القربى من باب صلة الرحم ، وإعطاء اليتامى
المحتاجين الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ ، والمساكين الذين أضرَّ بهم الفقر ،
والمسافرين الذين قصرت بهم النفقة عن الوصول إلى بلادهم ، والسائلين الذين أحوجهم
الفقر إلى السؤال،كل ذلك من أعمال البر، وإعطاء المال هذا غير الزكاة التي سيأتي
ذكرها ، والمقصود به صدقة التطوع والصدقة الواجبة سوى الزكاة كالبذل في وقت النوائب
وكبلوغ الحاجة إلى حد الضرورة .
والذين يسعون في تحرير المماليك من الرق ، والرق في الإسلام حالة استثنائية ، حيث
يقع الرق على الكفار الذين يواجهون المسلمين في الحرب ويقعون أسرى ، وقد ندب النبي
صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة إلى إعتاق الرقيق لتقليص هذه الحالة .
والذين يؤدون الصلاة كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها ، ومن أبرز ذلك
الخشوع الذي يقوم على حضور القلب مع الله تعالى .
والذين يُخرجون زكاة أموالهم على الوجه المشروع طيبة بها نفوسهم .
والذين يوفون بالعهد إذا عاهدوا سواء أكان المعاهد مسلما أم كافرًا ، وقد توافرت
الآيات والأحاديث في الحث على الوفاء بالعهود المشروعة التي لاتحل حراما ولاتحرم
حلالا لحِكَم جليلة من أهمها أن ذلك من معالم الإسلام التي تحدد العلاقات بين
المسلمين وأعدائهم ، فكل هذه الأعمال الصالحة من أعمال البر .
ثم يختم الله سبحانه الآية ببيان أعمال البر بالصبر في البأساء ، وذلك في حال الفقر
، وفي الضراء ، وذلك في حال المرض والنكبات ، والصبر في حال الحرب حين يشتد البأس
في القتال، ولقد كان للصبر الجميل الطويل آثار عظيمة في تماسك المجتمعات الإسلامية
والنصر على الأعداء .
أولئك الذين يتصفون بهذه الصفات ويطبقون هذه الأعمال الزكية هم الذين صدقوا في
إيمانهم وأعمالهم ، وهم الذين اتقوا سخط الله عز وجل وعذابه بالاستقامة على شريعته
.
* * *
-أضواء من الهدي النبوي –
– الحث على الصدق –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد :
فقد كان الحديث في الحلقة الماضية عن الصدق والكذب , ونكمل في هذه الحلقة الكلام
على هذا الموضوع .
فالصدق يكون مع الله تعالى , ويكون مع النفس , ويكون مع الناس , ويكون في القول
ويكون في العمل.
فالصدق مع الله تعالى يكون بالإيمان الصادق , بحيث لاتستقر عظمة المخلوق في قلب
المؤمن فتزاحم وجود الإيمان بالله تعالى فيه .
والصدق مع النفس في العزم الأكيد في محاولة تخليصها مما يوصلها إلى سوء العاقبة ,
والوفاء بهذا العزم .
والصدق مع الناس أن لايعاملهم المسلم في الظاهر إلا بما يعتقده في باطنه , ما لم
يترتب على ذلك مصلحة دينية .
والصدق في القول أن لاينطق المسلم بكلام إلا وهو يفهم معناه ويعلم شرعيته , ثم يعزم
عزما أكيدا على تنفيذ مقتضاه حسب استطاعته , فلا يقول : " الله أكبر" وهو يعظم غير
الله تعالى, ولايقول "وجهت وجهي لله " وهو يتوجه إلى غيره .
والصدق في العمل أن يخلص عمله كله لله تعالى بأن يكون مبنيا على نية خالصة في
التقرب إليه.
ومن علامات العزم الصادق على الإخلاص لله جل وعلا أن يخشى المسلم النفاق على نفسه
دائما, وهكذا كان الصحابة رضي الله عنهم , حتى المبشرين بالجنة كعمر بن الخطاب رضي
الله عنه.
ومما جاء في الصدق والكذب ما أخرجه الإمام الترمذي والنسائي من حديث أبي الجوزاء
السعدي رحمه الله تعالى قال : قلت للحسن بن علي رضي الله عنهما : ماحفظتَ من النبي
صلى الله عليه وسلم ؟ قال : حفظت منه "دع مايريبك إلى مالا يريبك , فإن الصدق
طمأنينة والكذب ريبة " .( سنن الترمذي , رقم 2518 , كتاب صفة القيامة (4/668))
نعم , فالصدق طمأنينة لأن الصادق قد اتفقت سريرته مع علانيته , فلا يشعر بأنه قد
ارتكب إثما, فلذلك يكون قلبه في سكون وطمأنينه , بخلاف الكاذب فإنه يعلم أن مايظهره
خلاف ما يبطنه, ويخشى من أن ينكشف أمره , وهذا يسبب له عذابا في الضمير , وقلقا في
التفكير .
وقالت عائشة رضي الله عنها في بيان فظاعة الكذب ٍ"ماكان من خُلق أشدَّ على أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب , ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يطَّلع على الرجل من أصحابه على الكذب فما ينجلي من صدره حتى يعلم أنه قد أحدث توبة
لله عز وجل" ذكره أبو حامد الغزالي في الإحياء وصححه الحافظ ابن حجر.( إحياء علوم
الدين 3/133)
وأخرج الإمام أبوداود من حديث سفيان بن أسيد الحضرمي رضي الله عنه قال:سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول:"كبرتْ خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت
له به كاذب".(سنن أبي داود , رقم 4971 , كتاب الأدب , باب في المعاريض)
نعم فهي خيانة عظيمة من الكاذب لأخيه المصدق له , فأخوه قد أرعى له سمعه وهو يعتقد
أنه يسمع منه خبرًا حقيقيّا .
إنهما أخوان مسلمان أحدهما محترم لأخيه مصدق له قد أعطاه قلبه مع سمعه , والآخر
مخادع مستهين بأخيه قد أعطاه لسانه فقط , وقلبه يكذب لسانه .
وأخرج الإمامان أبو داود والترمذي من حديث بهز بن حكيم رحمه الله تعالى عن أبيه عن
جده رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" ويل للذي يحدث
بالحديث ليضحك به القوم فيكذب , ويل له ويل له ".( سنن أبي داود , رقم 4990 , الأدب
, باب في التشديد في الكذب)
فهذا الرجل الذي يحدث بالحديث الكذب ليضحك به القوم , ولتكون له سمعة في المجالس قد
توعده النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوعيد الشديد , والويل واد من أودية جهنم ,
فما أسوأ مصير هذا المسكين الذي يجلب السرور لمن حوله وهو غافل عن مصيره في الآخرة
!!
وأخرج الإمامان مسلم وأبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم " كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ماسمع ".( صحيح مسلم , المقدمة ,
باب النهي عن الحديث بكل ماسمع 1/0 , سن أبي داود , رقم 4992 , الأدب , باب في
التشديد في الكذب)
وأخرج مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : " بحسْب المرء من الكذب
أن يحدث بكل ماسمع ".( صحيح مسلم , المقدمة , باب النهي عن الحديث بكل ماسمع 1/11)
فهذا مثال لمبدأ وزن الكلام الذي يسمعه الإنسان قبل أن يحدث به , فالذي يحدث بكل
ماسمع لايؤمن عليه أن ينقل أخبارا مكذوبة , فيكون قد وقع في الكذب , والله تعالى قد
منح الإنسان العقل ليميز به بين الصالح والطالح وبين الأخبار التي يظهر عليها الصدق
من الأخبار التي يظهر عليها الكذب .
ويَعدُّ النبي صلى الله عليه وسلم من الكذب وعد الأطفال وعدم الوفاء لهم , فقد أخرج
الإمام أبو داود من حديث عبد الله بن عامر رضي الله عنه قال : " دعتني أمي يوما –
ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد بيننا – فقالت : تعال أعطيك , فقال لها رسول
الله صلى الله عليه وسلم : ما أردت أن تعطيه ؟ قالت : أردت أن أعطيه تمرا , فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إنك لو لم تعطه شيئا كُتِبَتْ عليك كذبة ".(
سنن أبي داود , رقم 4991 , كتاب الأدب في التشديد في الكذب)
وهكذا يرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى التحري الشديد في اجتناب الكذب , وإن
كان في الأمور التي يراها الناس صغيرة , وهذا يعني أن المسلمين إذا امتثلوا بالصدق
في تلك الأمور الصغيرة ففي الأمور الكبيرة من باب أولى .
وفي الحديث توجيه تربوي من رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو تربية الأولاد منذ
الصغر على الصدق , فإن الآباء والأمهات إذا كذبوا أمام أبنائهم , أو وعدوهم ولم
يفوا لهم ينشأ الصغار على الكذب , لأن الوالدين هما القدوة الأولى لأولادهما .
* * *
- توجيهات ومواقف سلوكية –
- مواقف في الورع والعفة والزهد –
- من مواقف أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه –
من ذلك ما أخرجه المؤرخ أبو زيد عمر بن شبة من خبر عبد الرحمن بن نجيح قال: نزلت
على عمر رضي الله عنه , فكانت له ناقة يحلبها , فانطلق غلامه ذات يوم فسقاه لبنا
أنكره, فقال: ويحك من أين هذا اللبن لك ؟ قال : يا أمير المؤمنين إن الناقة انفلت
عليها ولدها فشربها, فحلبت لك ناقة من مال الله , فقال: ويحك تسقيني نارًا , واستحل
ذلك اللبن من بعض الناس , فقيل هو لك حلال يا أمير المؤمنين ولحمها.( تاريخ المدينة
المنورة /702)
فهذا مثل من ورع أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه , حيث خشي من عذاب الله جل وعلا
لما شرب ذلك اللبن مع أنه لم يتعمد ذلك , ولم تطمئن نفسه إلا بعد أن استحل ذلك من
بعض كبار الصحابة رضي الله عنهم الذين يمثلون المسلمين في ذلك الأمر , وهذا الخبر
وأمثاله يدل على أن ذكر الآخرة بما فيها من حساب ونعيم أو شقاء قد أخذ بمجامع قلب
عمر وملأ عليه تفكيره, حتى أصبح ذلك موجها لسلوكه في هذه الحياة .
ومن ذلك ما أخرجه المؤرخ أبو زيد عمر بن شبة من خبر قتادة بن دعامة السدوسي قال:
خرج عمر رضي الله عنه من المسجد ومعه الجارود العبدي , فإذا امرأة برزة (هي المرأة
الكهلة التي تبرز للقوم يتحدثون معها) على ظهر الطريق, فسلم عليها عمر رضي الله عنه
فردت عليه السلام – أو سلمت عليه فرد عليها السلام – فقالت: هيها ياعمر (أي تنبَّه
وتفطَّن) عهدتك ياعمر وأنت تسمى عميرا في سوق عكاظ تصارع الصبيان , فلم تذهب الأيام
حتى سمِّيت عمر , ثم لم تذهب الأيام حتى سمِّيت أمير المؤمنين , فاتق الله في
الرعية , واعلم أنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد , ومن خاف الموت خشي الفوت ,
فبكى عمر رضي الله عنه, فقال الجارود : هيه (أي تنبَّهي) فقد اجترأت على أمير
المؤمنين وأبكيته !! فقال عمر رضي الله عنه : أما تعرف هذه ؟ هذه خولة بنت حكيم
امرأة عبادة بن الصامت التي سمع الله عز وجل قولها من فوق سماواته , فعمر أحرى أن
يسمع لها.( تاريخ المدينة المنورة /773 – 774 , وقد نزل في خولة بنت حكيم رضي الله
عنها
قول الله تعالى (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)
[المجادلة /1]
وقوله "امرأة عبادة بن الصامت " وهم من الراوي عن قتادة وهو خليد بن دعيج , والصواب
أنها امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة, أفاد ذلك الحافظ أبو عمر ابن عبد البَرّ –
الاستيعاب 4/284 .)
ففي هذا الخبر موقفان :
أولا : أنه مثل من الجرأة التي اتصف بها الصحابة رضي الله عنهم رجالا ونساء في
مخاطبة الولاة والتعبير عما في نفوسهم من إرادة الإصلاح , وقد تربوا على هذه الجرأة
في ظل الإسلام, حيث جاءت الأوامر فيه بلزوم التناصح بين الراعي والرعية كما جاء في
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " الدين النصيحة , قلنا لمن ؟ قال: لله ولكتابه
ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " أخرجه الإمام مسلم من حديث تميم الداري رضي الله
عنه.( صحيح مسلم , رقم 55 , الإيمان (ص74))
ثانيًا : موقف لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه الذي تمثل في الخشية من الله تعالى
والتواضع لأفراد رعيته , وهذا دليل على قوة إيمانه وتعظيمه لله عز وجل وشدة
استحضاره لمشاهد الحياة الآخرة , ومن كان كذلك فإنه ينسى نفسه ودنياه ويتوجه سلوكه
إلى محاولة بلوغ الهدف الإسلامي الأعلى , وهو الظفر برضوان الله سبحانه ونعيم الجنة
.
ومن ذلك ما أخرجه أيضًا المؤرخ أبو زيد عمر بن شبة من حديث معيقب قال: أرسل إليَّ
عمر رضي الله عنه مع الظهيرة فإذا هو في بيت يطالب ابنه عاصما , فقلت: على رسلك يا
أمير المؤمنين فإنك تأخذ أمرك بالهوينَى , وإذا بعاصم في زاوية , فقال – يعني أمير
المؤمنين - : أتدري ماصنع هذا ؟ إنه انطلق إلى العراق فأخبرهم أنه ابن أمير
المؤمنين فانتفقهم فأعطوه آنية وفضة ومتاعا وسيفا محلَّى , فقال : مافعلت , إنما
قدمت على أناس من قومي فأعطوني هذا, فقال: خذه يامعيقب فاجعله في بيت المال ,
فجعلته فلما كان العشي حُدِّث القوم شأنه , وانطلق عاصم فطلب إلى أناس في السيف ,
فقالوا : يا أمير المؤمنين , السيف أماله ؟ فإنه ليس له سيف قال: يامعيقب انزع
حليته وأعطه النصل , قال: فما أصنع به ؟ قال : ماشئت , فأخذ النصل.( تاريخ المدينة
المنورة /700 – 701 ، وقوله " أماله " يعني : أليس له الحق في أن يملك سيفًا ؟)
فهذا مثل من التحري في المال الذي يكتسبه الإنسان عن طريق جاهه ومنصبه , فحيث شعر
أمير المؤمنين عمر بأن ابنه عاصما قد اكتسب هذا المال لكونه ابن أمير المؤمنين تحرج
من إبقاء ذلك المال عنده لكونه اكتسبه بغير جهده الخاص فدخل ذلك في مجال الشبهات .
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : "إذا استأذنت أحدكم امرأته أن تأتي المسجد فلا يمنعها ,
قال: وكانت امرأة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه تصلي في المسجد فقال لها : إنك
لتعلمين ماأحب, فقالت: والله لا أنتهي حتى تنهاني , قال: فطُعِن عمر وإنها لفي
المسجد .( مسند أحمد 2/7 .)
وأخرجه عبد الرزاق الصنعاني وذكر أن المرأة هي عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل.(
مصنف عبد الرزاق 3/148 , رقم 5111 .)
ففي هذا الخبر مثل من تعظيم أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لأمور الشريعة , ووقوفه
عند كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , حيث قدَّم تنفيذ ذلك على
ماتحبه نفسه .
وفي هذا المعنى ما أخرجه محمد بن سعد من خبر زيد بن أسلم عن أبيه قال: جاء بلال
يريد أن يستأذن على عمر فقلت : إنه نائم , فقال : يا أسلم كيف تجدون عمر ؟ قال: خير
الناس إلا أنه إذا غضب فهو أمر عظيم , فقال بلال : لو كنت عنده إذا غضب قرأت عليه
القرآن حتى يذهب غضبه .
وأخرج أيضا من خبر عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : مارأيت عمر غضب قط فذُكِر
الله عنده أو خُوِّف أو قرأ عنده إنسان آية من القرآن إلا وقف عما يريد.( طبقات ابن
سعد 3/309)
ذلك لأن غضبه لله تعالى , وأمره كله له سبحانه فإذا ذُكِّر به وخوف منه أو تُليتْ
عليه آياته غلبت عليه خشيته جل وعلا , فأمسك عما كان يريد الإقدام عليه من تأديب
ونحوه .
ومن ذلك ما أخرجه الحافظ ابن عساكر من خبر أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت عمر
بن الخطاب يوما – وخرجت معه حتى دخل حائطًا [ أي بستانا ] فسمعته – يقول – وبيني
وبينه جدار وهو في جوف الحائط : عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بَخٍ , والله لتتقين
الله بُنَيَّ الخطاب أو ليعذبنك.( تاريخ دمشق 44/310)
فهذا نوع من محاسبة النفس وتذكيرها بيوم الحساب حتى لاتغتر بالجاه الدنيوي , فإن
الناس يوم القيامة يبعثون مجردين من أموالهم وجاههم , ولايرافقهم إلا أعمالهم
الصالحة .
وأخرج ابن عساكر أيضًا من خبر أبي مسلم الأزدي , أنه صلى مع عمر بن الخطاب رضي الله
عنه أو حدثه من صلى مع عمر بن الخطاب المغرب , فمسَّى بها – أو شغله بعض الأمر –
حتى طلع نجمان , فلما فرغ من صلاته تلك أعتق رقبتين .( تاريخ دمشق 44/311)
فهذا الخبر يبين لنا شدة تعظيم أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه للصلاة وعظم خشيته
من الله تعالى , حيث كفَّر عن تأخير صلاة المغرب عن أول وقتها بعتق مملوكَين .
* * *
- مواقف جهادية من السيرة النبوية –
-مواقف من غزوة بدر الكبرى-
- مثل من نصر الله تعالى أولياءه -
أخرج الإمام الطبراني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال لعلي رضي الله عنه : ناولني كفّا من حصى , فناوله فرمى به وجوه القوم ,
فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء,فنـزلت
(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ
وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ
اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{17}) [الأنفال:17] .
ذكره الهيثمي وقال :ورجاله رجال الصحيح , وذكر روايتين عن الطبراني من حديث حكيم
ابن حزام وحسَّن إسنادهما .( مجمع الزوائد 6/84)
وهذا مثل من نصر الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ولعباده المؤمنين , كما أنه
معجزة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم حيث وصل كف الحصباء إلى عيون جميع الكفار
.
-مثل من الوفاء لأهل الفضل –
( رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهَى عن قتل أبي البَخْتَريّ )
ذكر ابن إسحاق خبر نهي النبي صلى الله عليه وسلم من قتل عدد من المشركين منهم أبو
البختري العاص بن هشام بن الحارث بن أسد ثم قال : وإنما نهى رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن قتل أبي البَخْتَريّ لأنه كان أكفَّ القوم عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم وهو بمكة , وكان لايؤذيه , ولايبلُغه عنه شيء يكرهه, وكان ممن قام في نقض
الصحيفة التي كتبت قريشُ على بني هاشم وبني المطلب. فلقيه المُجذَّر بن ذياد
البلَوي , حليف الأنصار , ثم من بني سالم بن عوف, فقال المجذَّر لأبي البختريّ , إن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن قتلك – ومع أبي البختري زميل له , قد خرج
معه من مكة , وهو جُنادة ابن مُلَيْحة بنت زُهير بن الحارث بن أسد , وجُنادة رجلٌ
من بني ليث . واسمُ أبي البختري العاص – قال : وزميلي ؟ فقال له المُجذّر : لا
والله, مانحن بتاركي زميلك , ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بك وحدك ,
فقال : لا والله , إذن لأموتَن أنا وهو جميعًا , لاتتحدَّث عني نساء مكة أني تركت
زميلي حرْصًا على الحياة , فقال أبو البختري – حين نازله المجذّر وأبَى إلا القتال
– يرتجز :
لن يُسْلم ابنُ حُرّةٍ زميلَهْ حتى يموت أو يرى
سَبيلَهْ
فاقتتلا فقتله المجذّرُ بن ذياد وقال المجذر بن ذياد في قتله أبا البختري :
إمّا جهلت أو نَسيتَ نَـسَبي فَأثْبت النِّسبة
أني مــن بَلي *1
الطّاعـنين برمـاح الـيَزَني والضاربين الكبْش
حتى يَنْحني*2
بَشِّر بيُتْم من أبـيه البَخْتَري أو
بَشـِّرنْ بمـثلها مـنّي بَنيّ
أنا الذي يُقال أصْلي من بَلي أطعنُ
بالصَّـعدة حـتى تَنْثَني*3
وأعْبطُ القرْن بعَضْب مَشْرَفي*4 أرْزمُ للموت
كـإرزام المري*5
فلا ترى مجذَّرًا يفْري فـَريّ*6
المعنى:-
1-
بليٌّ بطن من قبيلة قضاعة.
2-
قوله اليزني نسبة إلى ذي يزن وهو والد سيف بن ذي يزن المشهور,والكبش المراد به رئيس
القوم وأميرهم .
3-
الصعدة القناة المستوية .
4-
أي أقتل المنازل في الحرب بالسيف القاطع .
5-
أي أشتد للموت,وقال ابن هشام:" المري" من غير ابن إسحاق,والمري الناقة التي يُستنزل
لبنها على عسر .
6-
أي لا يأتي أحد بمثل عمله.
في هذا الخبر نلاحظ مثلاً من الوفاء لأهل الفضل والمعروف وإن كانوا كافرين , فقد
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أبي البختري العاص بن هشام مكافأة له على
ماسبق منه من مواقف حميدة في مكة أيام ضعف المسلمين , حيث كان من أبرز فريق أهل
الاعتدال من الكفار الذين قاموا بنقض صحيفة البغي والعدوان , وقد سبق بيان موقفه مع
أبي جهل حينما آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أبو البختري معه وسب أبا جهل
وضربه .
وفي هذا الخبر يبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أهمية مكافأة أهل الفضل وردِّ
الجميل إليهم وإن كانوا كافرين .
وموقف للمجذَّر بن ذياد البلوي رضي الله عنه الذي حفظ وصية النبي صلى الله عليه
وسلم بذلك الرجل فحاول به أن يستأسر حتى يحقن دمه , ولكنه اضطر إلى أن يقتله حينما
أصر على القتال .
والخبر يظهر لنا إلى جانب ذلك صورة من شجاعة المجذر الذي استطاع قتل أبي البختري
وزميله الذي من أجله ثبت أبو البختري ورفض الاستسلام .
كما يظهر لنا براعة المجذر في شعر الرجز الحربي الحماسي البليغ , وقد كانوا
يستعينون بذلك الرجز على استنهاض الهمم وكسر شوكة العدو , وقد اشتمل ذلك الرجز على
شيء من الافتخار بالنفس وهذا لايصدر من الصحابة رضي الله عنهم إلا في حال الحرب ,
وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم لما فيه من تقوية المسلمين وإضعاف الكافرين .
مشاركة الملائكة يوم بدر وما في ذلك من العبر
مشاركة الملائكة يوم بدر مع المؤمنين مقطوع بها لما نزل في ذلك من الآيات القرآنية
وذلك في
قول الله تعالى (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ
فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{123} إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ
أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ
الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ{124} بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم
مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ
الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ{125} وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ
وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ
الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ{126} ) [آل عمران: 123–126].
وقوله تعالى (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم
بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ{9} وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى
وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ
اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ{10}) [الأنفال:9- 10]
وقوله تعالى (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ
فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ
الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ
بَنَانٍ{12}) [الأنفال :12]
وهذه الآية تفيد أن الملائكة عليهم السلام شاركوا في القتال نفسه إلى جانب ماقاموا
به من تثبيت المؤمنين وطمأنة قلوبهم .
أما أخبار السيرة فقد رُويت في ذلك مجموعة من الأحاديث , وسأكتفي بذكر ثلاثة أحاديث
صحيحة , أولها مارواه الإمام البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما "أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر : هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب".( صحيح
البخاري , المغازي , رقم 3995 (7/312))
وثانيها مارواه الإمام مسلم بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :
بينما رجلٌ من المسلمين يومئذ يشتدُّ في أثر رجل من المشركين أمامه . إذ سمع ضربة
بالسوط فوقه. وصوت الفارس يقول : أَقْدمْ حيزُومُ .( اسم فرس الملك)
فنظر إلى المُشرك أمامهُ فخرَّ مستلقيًا . فنظر إليه فإذا هو قد خُطمَ أنفهُ ,
وشُقَّ وجهُهُ كضربة السوط . فاخضرَّ ذلك أجمعُ . فجاءَ الأنصاري فحدث بذلك رسول
الله صلى الله عليه وسلم . فقال " صدقت . ذلك من مدد السماء الثالثة" فقتلوا يومئذ
سبعين . وأسروا سبعين.( صحيح مسلم رقم 1763 ( ص 1384))
وثالثها ما أخرجه الإمامان أحمد والبزار من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في
قصة بدر وقد جاء فيه : فجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرا , فقال
العباس: يارسول الله إن هذا والله ما أسرني , أسرني رجل أجلح [أي قد انحسر شعر رأسه
من الأمام] من أحسن الناس وجها على فرس أبلق , ما أراه في القوم , فقال الأنصاري :
أنا أسرته يارسول الله , فقال: اسكت فقد أيدك الله بملك كريم .
ذكره الحافظ الهيثمي وقال : رواه أحمد والبزار , ورجال أحمد رجال الصحيح غير حارثة
ابن مَضْربَ وهو ثقة , وذكره أيضًا من رواية الإمام أحمد وقال : ورجاله رجال
الصحيح.(مجمع الزوائد 6/76 , 85)
إن إنزال الملائكة عليهم السلام من السموات العُلَى إلى الأرض لنصر المؤمنين حدث
عظيم .
إنه قوة عظمى , وثبات راسخ للمؤمنين حينما يوقنون بأنهم ليسوا وحدهم في الميدان,
وأنهم إذا حققوا أسباب النصر واجتنبوا موانعه فإنهم أهل لمدد السماء , وهذا الشعور
يعطيهم جرأة على مقابلة الأعداء وإن كان ذلك على سبيل المغامرة كما في تلك المعركة
لبُعْد التكافؤ المادي بين جيش الكفار الكبير عددًا القوي إعدادًا , وجيش المؤمنين
القليل عددًا الضعيف إعدادًا .
وهو في الوقت نفسه عامل قوي في تحطيم معنوية الكفار وزعزعة يقينهم , وذلك حينما
يشيع في صفوفهم احتمال تكرر نزول الملائكة الذين شاهدهم بعضهم عيانا .
إنهم مهما قدَّروا قوة المسلمين وعددهم فإنه سيبقى في وجدانهم رعب مزلزل من احتمال
مشاركة قُوًى غير منظورة , لايعلمون عددها ولايقدِّرون مدى قوتها .
ولقد رافق هذا الشعور المؤمنين في كل حروبهم التي خاضها الصحابة رضي الله عنهم في
العهد النبوي وفي عهد الخلفاء الراشدين , كما رافق بعض المؤمنين بعد ذلك , فكان
عاملاً قويا في انتصاراتهم المتكررة الحاسمة مع أعدائهم .
-إبليس يَخْذل المشركين –
تقدم أن إبليس – لعنه الله – ظهر للمشركين بصورة سراقة بن مالك المدلجي وقال لهم
حينما خافوا أعداءهم على ذراريهم : أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء
تكرهونه.
وقد استمر إبليس يسير معهم وهو متلبِّس بصورة هذا الزعيم القَبَلي الشجاع ليقويهم
ويشد من عزمهم على القتال , وقد أخرج خبره بعد ذلك الإمام الطبراني من حديث رفاعة
بن رافع, قال : لما رأى إبليس ما فعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يُخلَص
إليه , فتشبَّث به الحارث ابن هشام وهو يظن أنه سراقة بن مالك , فوكز في صدر الحارث
ثم خرج هاربًا حتى ألقى نفسه في البحر ورفع يديه فقال : اللهم إني أسألك نظرتك إياي
وخاف أن يخلص القتل إليه.( أي سأل ربه ماوعده به من إنظاره إلى يوم البعث)
وأقبل أبو جهل فقال يامعشر الناس لايهولَنَّكم خذلان سراقة بن مالك فإنه كان على
ميعاد من محمد , ولايهولنكم قتل شيبة وعتبة والوليد فإنهم عجلوا , فو اللات والعزى
لانرجع حتى نقرنهم بالحبال , فلا ألفينَّ رجلا منكم قتل رجلا ولكن خذوهم أخذًا حتى
تعرفوهم سوء صنيعهم من مفارقتهم إياكم ورغبتهم عن اللات والعزى .
ثم قال أبو جهل متمثلاً :
ما تنقمُ الحربُ الشموسُ مني بازلُ عامين حـديثٌ سنِّي
لمثل هـذا ولدتني أمي
ذكره الحافظ ابن كثير.( البداية والنهاية 3/283)
وهكذا خدع إبليس أولياءه الكافرين , فدفعهم إلى المعركة , وحلَّ لهم مشكلة كانت
عائقا لهم عن الإقدام ليصل بهم إلى ماكان يريد الوصول إليه من القضاء على الإسلام ,
فالكفار جميعا من جند إبليس يسخِّرهم لصد دعوة الحق , إما بالوسوسة وهو الغالب وإما
بأن يتمثل لهم بصورة بشر يعرفونهم ويعرفون مكانتهم ووزن الكلام الذي يقولونه كما في
هذا الخبر , وإما في صورة رجل مجهول يمنحهم التأييد والمشورة .
ولكن إبليس – لعنه الله – لم يستطع إكمال أدوار الخداع وذلك لمَّا رأى الملائكة
عليهم السلام, وقد نزلوا من السماء لنصر المؤمنين وتأييدهم , فخشي أن يصلوا إليه ,
وولَّى هاربا .
وهكذا يُبْنَى الباطل على أوهى من خيوط العنكبوت , حتى إذا ظهر جنود الإيمان وحققوا
لأنفسهم شروط النصر والتمكين تداعت قواعد بنيان الباطل , فخرَّ على أهله , ثم كشف
لهم بعد ذلك أن تدبيرهم كان تدميرًا لهم , وأنهم قد صنعوا بمخططاتهم نهايتهم .
وقام أبو جهل يلملم خيوط العنكبوت التي تمزقت فيحاول تثبيت الكفار , فحكم على فرار
الشيطان – الذي مازالوا يعتقدون بأنه سراقة بن مالك – بأن ذلك كان على اتفاق بينه
وبين المسلمين , وأن قتْلَ ثلاثة من زعمائهم كان بسبب استعجالهم , وكان قادرًا على
أن يشير عليهم قبل ذلك بالتريُّث .
ويصل به حقده وغروره إلى أن يشير على قومه بأن لايقتلوا المسلمين قتلا وأن يأخذوهم
أسرى ليذلوهم ويُجبروهم على ترك معتقدهم .
ويشاء الله تعالى خلاف مايريد هذا الطاغية , فتدور الدائرة عليه وعلى جيشه ,
ويَقْتلُ منهم المسلمون طائفة ويأسرون طائفة ويشرِّدون بقيتهم .
ولقد ذكر الله سبحانه وتعالى موقف إبليس هذا منهم في بدايته ونهايته
حيث يقول جل وعلا (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ
غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ
الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي
أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ{48})
[الأنفال : 48] .
وقد جاء عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية ما يوافق
الخبر السابق الذي أخرجه الإمام الطبراني وذلك فيما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن
عباس رضي الله عنهما قال : جاء إبليس يوم بدر في جند من الشياطين معه رايته , في
صورة رجل من بني مدلج في صورة سراقة بن مالك بن جعشم , فقال الشيطان للمشركين :
لاغالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم , فلما اصطف الناس أخذ رسول الله صلى الله
عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين , فولوا مدبرين , وأقبل جبريل
عليه السلام إلى إبليس , فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين , انتزع يده ثم
ولى مدبرًا وشيعته , فقال الرجل : ياسراقة أتزعم أنك لنا جار ؟ فقال : إني أرى
مالاترون إني أخاف الله والله شديد العقاب , وذلك حين رأى الملائكة.( تفسير ابن
كثير 2/340 , وهذا الخبر من صحيفة علي بن أبي طلحة وإسنادها صحيح إلى ابن عباس رضي
الله عنهما)
* * *
انتهت
|