الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
المشرف
المؤلفات
الديوانية
الصوتيات
الفــتاوى
تراجم علمائنا
ملتقـيات الخير
شبـهات و ردود
مقـالات مخـتارة
المـعهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
ســيــر الصـــحـابة
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة د. عبدالعزيز الحميدي المصلحون المصلحون : العدد الخامس

المصلحون : العدد الخامس

تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :

1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .

2 – أضواء من الهدي النبوي .

3 – توجيهات ومواقف سلوكية .

4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .

- أضواء من هدي القرآن الكريم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ{153} وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ{154} وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ{155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ{156} أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ{157})[ البقرة : 153 – 157] .

 

[153] في الآية الأولى يأمرنا الله جل وعلا بأن نستعين على إقامة ديننا والدفاع عنه وعلى تحمُّل الشدائد ومواجهة النكبات والمصائب بالصبر والصلاة ، فبالصبر ينتصر المسلمون في جهادهم، وبالصبر تمر عليهم المصائب والمحن فلا تؤثر في نفسياتهم ولاتضعف من عطائهم ، وبالصبر ينجح الإنسان في كثير من أمور حياته التي تحتاج إلى وقت طويل ومصابرة ، وفي ذلك وغيره من فوائد الصبر يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما رُزق عبد خيرا له وأوسع من الصبر".( مسند أحمد 4/33 3)

 

أما الصلاة فإن لها أثرا كبيرًا في تقوية النفوس على تحمل المصائب والشدائد ، ولقد كان الأنبياء عليهم السلام يلجأون إلى الصلاة عند الشدائد ، كما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وكانوا يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة " [مسند أحمد 4/33 3] ، وكان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في سفر فنُعي إليه ابن له فقال : " إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم نزل فصلى ركعتين،ثم قال:فعلنا ما أمر الله به وتلا هذه الآية (اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ) (تعظيم قدر الصلاة ، رقم 201)

 

(إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) أي بحفظه ونصره ، ولم تذكر معيته تعالى مع المصلين لأن الصبر ثمرة من ثمرات الصلاة الكاملة المشتملة على الخشوع .

 

[154] وفي الآية الثانية ينهانا الله عز وجل عن أن نطلق الموت على الشهداء لأنهم في الحقيقة أحياء عند ربهم يرزقون ، وهؤلاء الشهداء الذين لهم هذه الكرامة العظيمة هم الذين خرجوا في سبيل الله وقتلوا من أجل إعلاء كلمة الله ، لا من أجل أي شعار من الشعارات الدنيوية ، وهؤلاء الشهداء أحياء على وجه يعلمه الله تعالى لأن هذا من الحياة البرزخية وهذه الحياة من علم الغيب ، ومن آثار الشهداء أن الحياة المعنوية امتدت ونمت وعظمت بموتهم ، فالحق الذي دافعوا عنه وقُتلوا في سبيله يَحيى باستشهادهم ويتروَّي من دمائهم، إن وقوعهم صرعى في سبيل هذا الحق يلفت أنظار الناس إليه ، ويقولون : لولا أن هذا أمر عظيم مابذل هؤلاء دماءهم رخيصة من أجله ، إن الشهداء يُحيون الدعوة الإسلامية بدمائهم ، فهم مصدر حياة ، وإنَّ من كان كذلك لايمكن أن يُحكم عليه بأنه ميت، ومن أجل ذلك فليهنأ أقاربهم باستشهادهم ، لأنهم تحوّلوا من الحياة المحدودة الفانية إلى الحياة الممتدة الباقية ، وليسعدوا بحيازة هذا الشرف العظيم أن تحوَّل أقاربهم الشهداء إلى دعاة إلى الله تعالى وهم في قبورهم .

 

[155] ثم يخبرنا الله تعالى بأنه سيقدِّر وقوع المحن والمصائب على المؤمنين بالخوف من المكاره ، والجوع ونقص من الأموال بذهابها أو تعسُّر الحصول عليها، ونقص من الأنفس بالموت أو الشهادة في سبيل الله تعالى ، ونقص من الثمرات بقلة ناتجها أو بتلفها، وهذا الابتلاء من الله تعالى لحِكَم جليلة ، منها أن يتقوى إيمان هؤلاء المبتلَين لشعورهم بأنهم إنما تحملوا هذه المصائب من أجل دينهم وقيامهم بالدعوة إليه، ولما يحققونه من العبادات القلبية باللجوء إلى الله تعالى وحده والتوكل عليه ، واستمداد النصر والفرج منه ، وهذه أعمال صالحة ترفع من مستوى الإيمان ، ومنها أن هؤلاء المؤمنين بما يتجملون به من الصبر وبما يَظهرون به من الاعتزاز بالدين يضربون من أنفسهم مثلا للآخرين بسمو التضحية في خدمة الأهداف النبيلة ، وفي هذا دعوة حية للدخول في الإسلام ، وكل هذه الحِكَم وغيرها تتحقق في التحلي بالصبر الجميل ، ولذلك أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يبشر الصابرين بما يسرهم ويرفع من ذكرهم عنده جل وعلا .

 

[156] هؤلاء الصابرون هم الذين يوقنون بأن مانالهم من نعمة وما أصابهم من مصيبة فذلك كله من الله تعالى ، فيستسلمون لقضائه ، رجاء لثوابه وخوفا من عقابه، ويعلنون بأنهم عبيدٌ لله تعالى يقومون بعبادته أحياءً ، وأنهم إليه صائرون بعد مماتهم ، فهم مسلمون أمرهم لله جل وعلا أحياءً وأمواتًا .

 

[157] أولئك الصابرون المستسلمون لقضاء الله وقدره لهم مغفرة من ربهم ، وصلواتُ الله على عباده هي غفرانه لذنوبهم ، ولهم مع المغفرة التي ستَرهم الله وصفح عنهم بها رحمةٌ منه جل وعلا ورأفة يصيرون بها إلى خير مآل ، وأولئك هم الموفقون إلى سلوك الطريق المستقيم ، والثابتون عليه قولا وعملا .

 

وهل لهم مع هذه العاقبة الحسنى التي وعدهم الله عز وجل بها في الآخرة عاقبة حسنى بالنصر والتمكين وما يعقب ذلك من الانفتاح الدنيوي ؟ ربما يكون ذلك إذا أراد الله جل وعلا أن ينصر بهم دينه ويعلي بهم كلمته ، لكن ليس ذلك هو الهدف من التضحية بالأموال والنفوس .. أوَّلاً لأن الهدف الأعلى للمسلم هو ابتغاء رضوان الله تعالى والسعادة الأخروية ، وثانيًا لأن الذين ابتلاهم الله سبحانه بتلك المصائب لن يبقوا جميعا حتى يتم النصر والتمكين على أيديهم ، بل سينتقل عدد منهم إلى رحمة الله تعالى قبل ذلك إما بالموت أو بالشهادة .

*         *         *

- أضواء من الهدي النبوي –

– الحث على الصدق –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : فإن الصدق من أبرز مكارم الأخلاق , والكذب من أبرز مساوئها, وقد كان هناك اهتمام كبير من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الترغيب في الصدق والتحذير من الكذب .

 

فمن ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر , وإن البر يهدي إلى الجنة , ومايزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا , وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور , وإن الفجور يهدي إلى النار , ومايزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا".( صحيح البخاري , رقم 6094 , كتاب الأدب (10/507) ؛ صحيح مسلم , رقم 2607 , كتاب البر (ص2012).)

 

فالصدق من أبرز صفات المؤمنين , لأنه انسجام بين الظاهر والباطن , فلا ينطق اللسان إلا بما يعتقده القلب , وحياة المؤمن تقوم على الوضوح والانسجام والتكامل .

 

ولذلك كان الصدق مؤشرا من مؤشرات الإيمان , فكلما كان الإنسان يتحرى الصدق ويتورع عن الكذب كان أقرب إلى حياة كاملي الإيمان من الصديقين .

 

والصدق يهدي إلى البر , لأن الصدق صفاء في النفس ونور في القلب , والإنسان ينقاد إلى فعل الخيرات إذا صفت نفسه وتخلص تفكيره من شوائب التبعات التي يخلفها التناقض بين ظاهره وباطنه.

 

فالمؤمن إذا صدق وتحرى الصدق وألزم نفسه به وجاهدها حتى يكون منطقه كلُّه صدقا فإنه يبلغ درجة الصديقية , وهي درجه عالية إذا بلغها المؤمن يكون قد تمحض للخير فتُقِبل نفسه بانشراح وشوق نحو أعمال الخير والإحسان , وهذه الأعمال الصالحة جزاؤها العظيم ومآلها الكريم الظفر بنعيم الجنة .

 

والكذب من أبرز صفات المنافقين , لأن النفاق يقوم على الاختلاف بين الظاهر والباطن , والوسيلة الكبرى للمنافق حتى يؤدي أدوار النفاق هي خصلة الكذب, لأن الصدق يفضح حياته المتناقضة .

 

وإذا ألف الإنسان الكذب ومارسه في حياته فإنه ينحط بنفسه حتى يكتب عند الله كذابا , وبالتالي فإن نفسه تنشرح لارتكاب أعمال الفجور التي عاقبتها الشقاء في النار .

 

والكذب يهدي إلى الفجور , لأن الكذب ظلمات في القلب وتكدير لصفاء النفس .

 

فالإنسان حينما يكذب يظهر بشخصية مستعارة تتناقض مع شخصيته الأصلية , فيبدأ بالتعامل مع الناس بسلوك مزدوج , مرة تطغى فيه شخصيته الأصلية , ومرة تطغى فيه شخصيته المستعارة .

 

ونظرًا للتناقض بين الشخصيتين فإنه يتورط في كثير من المواقف , ويفتضح أمره , فيضطر لتلافي الوقوع في هذا التناقض إلى أن يرتكب وقائع أخرى من الكذب ليستر بذلك حقيقة معتقده وماوقع فيه من التناقض , وقد يجره ذلك إلى ارتكاب كثير من الجرائم ليبقى على الصورة المصطنعة التي ظهر بها أمام الناس , ومن هنا كان الكذب قائدا إلى الفجور الذي يقود صاحبه إلى النار .

 

ويأتي الكذاب في مقابلة الصديق , وإن مجرد المقارنة بين المنـزلتين ليعدُّ أقوى منفر عن الكذب, فأي عاقل يرضى لنفسه بأن يمحى من سجل الصديقين ويثبت في سجل الكذابين ؟!

 

إن التهاون بالكذب شيئا فشيئا يورث التطبُّع به , فيغدو الكذب أمرا سهلا لدى من تطبع به, لا يشعر معه بأنه قد ارتكب إثما , بل يكون خلقا من أخلاقه يكتسب الأصالة , ويصبح الصدق عنده خلقا شاذا لاترتاح نفسه إليه ولاينفتح له تفكيره .

 

وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الكذب لايتفق مع الإيمان , وذلك فيما أخرجه الإمام مالك من حديث صفوان بن سليم رضي الله عنه قال: قلنا : يارسول الله أيكون المؤمن جبانا ؟ قال: نعم , قيل له : أيكون بخيلا ؟ قال : نعم , قيل : أيكون المؤمن كذابا ؟ قال : لا  . (الموطأ , كتاب الكلام , باب ماجاء في الصدق والكذب 2/990)

 

نعم فالجبن ضعف في النفس , وقد يكون المؤمن ضعيف النفس , والبخل إمساك للمال عن الحقوق الواجبة , وهو مبني على حب الدنيا أكثر من الآخرة , وهو مع هذا لايتنافى مع الإيمان, أما الكذب فإنه يتنافى مع الإيمان , لأن الكذب يعدُّ تناقضا بين السريرة والعلانية , فالكذاب مخادع لأنه يظهر للناس شيئا ويسر شيئا آخر , ولهذا كان الكذب من صفات المنافقين .

 

وذكر الحافظ ابن حجر عن الحافظ البيهقي في الشُّعَب بسند صحيح أن أبا بكر رضي الله عنه قال: " الكذب يجانب الإيمان" , وذكر عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يُطبع المؤمن على كل شيء إلا الخيانة والكذب " قال الحافظ ابن حجر : أخرجه البزار وسنده قوي .( فتح الباري 10/508)

 

وهذا يدل على فظاعة الكذب حيث إنه يتناقض مع الإيمان .

 

ومما جاء في التنفير من الكذب ما أخرجه الإمام الترمذي من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كذب العبد تباعد عنه الملك ميلا من نتن ماجاء به" .( سنن الترمذي رقم 1979 , كتاب البر والصلة , باب ما جاء في الصدق والكذب)

 

فهذا تصوير للأمور المعنوية بالصور المحسة للتنفير منها , وإذا كان الكذاب تبتعد منه ملائكة الرحمة والحفظ فما أقبح ماجاء به ! وما أكبر حرمانه حيث حرم من صحبة الملائكة عليهم السلام!

*          *          *

- توجيهات ومواقف سلوكية –

-مواقف في الورع والعفة والزهد –

من مواقف أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه

من أمثلة ماكان يتصف به عمر رضي الله عنه من خشية الله تعالى ما أخرجه الإمام البخاري من حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه قال : لما طُعن عمر جعل يألم , فقال له ابن عباس- وكأنه يجزِّعه - : يا أمير المؤمنين ولئن كان ذاك لقد صحبتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته , ثم فارقته وهو عنك راض , ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته , ثم فارقته وهو عنك راض , ثم صحبت صَحَبَتَهم ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون , قال : أمَّا ماذكرتَ من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضاه فإن ذلك مَنٌّ من الله تعالى مَنَّ به علي , وأما ماذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإن ذلك مَنٌّ من الله جل ذكره منَّ به علي , وأما ماترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك , والله لو أن لي طِلاعَ الأرض ذهبا لافتديت به من عذاب الله عز وجل قبل أن أراه.(صحيح البخاري , فضائل الصحابة , رقم 3692 (7/43 ))

 

لقد كان عمر رضي الله عنه يخاف هذا الخوف العظيم من عذاب الله تعالى مع أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له بالجنة , ومع ماكان يبذل من جهد كبير في إقامة حكم الله والعدل والزهد والجهاد وغير ذلك من الأعمال الصالحة , وإن في هذا لدرسًا بليغًا للمسلمين عامة في تذكر عذاب الله الشديد وأهوال يوم القيامة .

 

ومن ذلك ما أخرجه الإمام ابن جرير الطبري من خبر سالم بن عبد الله بن عمر رحمه الله ورضي عن أبيه وجده قال : لما ولي عمر قعد على رزق أبي بكر الذي كانوا فرضوا له , فكان بذلك فاشتدت حاجته , فاجتمع نفر من المهاجرين , منهم عثمان وعلي وطلحة والزبير , رضي الله عنهم, فقال الزبير : لو قلنا لعمر في زيادة نزيدها إياه في رزقه , فقال علي : وددنا قبل ذلك فانطلقوا بنا , فقال عثمان : إنه عمر , فهلموا فلنستبرئ ماعنده من وراء , نأتي حفصة فنسألها ونستكتمها, فدخلوا عليها وأمروها أن تخبر بالخبر عن نفر , ولاتسمى له أحدًا إلا أن يقبل, وخرجوا من عندها فلقيتْ عمر في ذلك فعرفت الغضب في وجهه , وقال: من هؤلاء ؟ قالت: لاسبيل إلى علمهم حتى أعلم رأيك , قال: لو علمتُ من هم لَسُؤْتُ وجوههم , أنت بيني وبينهم, أنشُدك الله ما أفضلُ ما اقتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتك من الملبس ؟ قالت : ثوبين ممشَّقين كان يلبسهما للوفد ويخطب فيهما للجُمَع , قال: فأي الطعام ناله عندك أرفع ؟ قالت : خَبْزنا خبزة شعير فصببنا عليها وهي حارة أسفل عكَّة لنا فجعلناها هشَّة دسمة , فأكل منها وتطعَّم منها استطابةً لها , قال : فأي مُبْسَط كان يبسطه عندك كان أوطأ ؟ قالت : كساء لنا ثخين كنا نربِّعه في الصيف فنجعله تحتنا , فإذا كان الشتاء بسطنا نصفه وتدثرنا بنصفه , قال : ياحفصة فأبلغيهم عني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدَّر فوضع الفضول مواضعها وتبلَّغ بالتزجية [أي الاكتفاء بالقليل] , وأني قدَّرت , فو الله لأضعنَّ الفضول مواضعها ولأتبلَّغن بالتَّزجية , وإنما مثلي ومثلُ صاحَبيَّ كثلاثة سلكوا طريقا , فمضى الأول وقد تزود زادا فبلغ , ثم اتبعه الآخر فسلك طريقه فأفضى إليه , ثم اتبعه الثالث , فإن لزم طريقهما ورضي بزادهما لحق بهما وكان معهما , وإن سلك غير طريقهما لم يجامعهما.( تاريخ الطبري 3/616 –617)

 

فهذا دليل على زهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعفته حيث اكتفى بالقليل من بيت المال مقابل تفرغه لأمور الأمة , وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوم أن تولى الخلافة وافق على ترك التجارة ولم يقبل بأكثر من درهمين خصصهما له أهل الحل والعقد في اليوم, فاستمر ذلك في عهد عمر , ثم أدرك من جاء ذكرهم في الخبر من أهل الحل والعقد بأن هذا المبلغ لايكفي بعد أن توسعت دولة الإسلام فأرادوا أن يزيدوا في ذلك المخصص , فكان هذا الموقف الأخلاقي الرفيع الذي صدر من عمر رضي الله عنه.

 

وهذا الموقف يدل على ضخامة الحياة الآخرة في عين عمر وأنه كان يرتب سلوكه في الحياة الدنيا على اعتبار النظر إلى الرفعة في الآخرة , فلذلك اكتفى بالقليل من المعيشة وفرض على نفسه وأسرته نظامًا شديدًا في التقشف والزهد , وجعل مثَلَه الأعلى في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه , فلزم السير على منهاجهما في حياة الزهد وإن كانت أنماط الحياة قد تغيرت بعض الشيء في عصره , وهذا يدل على غزارة علمه وقوة إيمانه .

 

ولقد كانت قناعته بهذا المنهج الزهدي كبيرة , حيث ثار غضبه من ذلك العرض الذي عرضته عليه ابنته أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها .

 

ومن أمثلة ورعه ما أخرجه المؤرخ أبو زيد عمر بن شبَّة من خبر الربيع بن زياد الحارثي قال: كنت عند عمر رضي الله عنه فوضع يده على بطنه , فقلت : مالك يا أمير المؤمنين ؟ فقال: طعام غليظ أكلته أُذِيْتُ منه , قلت: يا أمير المؤمنين إن أولى الناس بالمطعم اللين والملبس اللين لأنت, قال: فتناول عُصَيَّة فقرع بها رأسي وقال : كنت أحسب فيك خيرا ياربيع بن زياد , قلت: مالك يا أمير المؤمنين ؟ قال: والله ماأردت بها إلا مقاربتي , أتدري مامثلي ومثلهم ؟ قال : مامثلك ومثلهم؟ قال: مثل قوم أرادوا سفرا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل وقالوا : أنفق عليك وعلينا أفَلَه أن يستأثر عليهم ؟ قلت: لا , قال : فكذلك .( تاريخ المدينة المنورة /697 – 698)

 

ففي هذا الخبر مثل من عفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وورعه , حيث ساوى نفسه بأوساط الناس ولم يؤْثر نفسه بشيء من أموال الأمة , والمثل الذي ضربه عمر للوالي والرعية يدل على شدة تحرِّيه في الأمور المالية , فإن الأموال العامة مشاعة بين الأمة , ومهمة الحاكم أن يتولى سياسة إنفاقها وتوزيعها بالعدالة , كما يفعل ذلك من اختاره المسافرون لصرف نفقاتهم في السفر .

 

ومن ذلك ما أخرجه المؤرخ أبو زيد عمر بن شبة من خبر معدان ابن أبي طلحة اليعمري أنه قدم على عمر رضي الله عنه بقطائف وطعام , فأمر به فقسم , ثم قال : اللهم إنك تعلم أني لم أرزقهم ولن أستأثر عليهم إلا أن أضع يدي مع أيديهم في طعامهم , وقد خفت أن تجعله نارًا في بطن عمر.

 

قال معدان : ثم لم أبرح حتى رأيته اتخذ صحفة من خالص ماله فجعلها بينه وبين جفان العامة.( تاريخ المدينة المنورة /704)

 

فأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يرغب في أن يأكل مع عامة المسلمين لما في ذلك من المصالح الاجتماعية , ولكنه يتحرج من أن يأكل من طعام صنع من مال المسلمين العام , فيأمر بإحضار طعام خاص له من خالص ماله , وهذا مثال رفيع في العفة , إذ أن الأكل من مال المسلمين العام معهم ليس فيه شبهة تحريم لأنه منهم ولكنه قد أعف نفسه من ذلك ابتغاء ماعند الله تعالى , ولشدة خوفه من الله تعالى خشي أن يكون ذلك من الشبهات فحمى نفسه منه .

*          *          *

مواقف جهادية من السيرة النبوية

مواقف من غزوة بدر الكبرى

مثل من عدالة النبي صلى الله عليه وسلم

(خبر سواد بن غُزَيَّة )

قال ابن إسحاق وحدثني حبان بن واسع بن حبان عن أشياخ من قومه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدَّل صفوف أصحابه يوم بدر , وفي يده قِدْح [القدح بكسر القاف العصا الصغيرة] يعدل به القوم , فمر بسواد بن غزية, حليف بني عدي بن النجار [قال ابن هشام : ويقال سوَّاد ( مثقَّلة) وسواد في الأنصار غير هذا مخفف .] وهو مُستنتل من الصف [أي متقدم عليه , وقال ابن هشام : ويقال : مستنصل من الصف , أي خارج منه] فطعن في بطنه بالقِدح , وقال: استو ياسواد, فقال يارسول الله أوجعتني , وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدْني , قال فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال : اسْتَقدْ , قال : فاعتنقه فقبَّل بطنه , فقال : ماحملك على هذا ياسواد ؟ قال: يارسول الله , حضر ماتَرى فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمسّ جلدي جلدَك , فدعا له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بخير , وقاَلهُ له.( سيرة ابن هشام 2/310 .)

 

وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة سواد بن غزية رضي الله عنه : وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن جعفر بن محمد عن أبيه [هو محمد بن علي بن الحسين الملقب بالباقر .] أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخطى بعرجون [العرجون هو أصل القنو الذي يكون فيه التمر] فأصاب به سواد بن غزية الأنصاري .. فذكر القصة.( الإصابة 2/94 رقم 3582 , وذكره الحافظ الهيثمي وقال : رواه الطبراني ورجاله ثقات – مجمع الزوائد 2896-.)

 

وهذا الموقف من سواد بن غزيَّة رضي الله عنه يدل على شدة تعلقه برسول الله صلى الله عليه وسلم وكَلَفه بمحبته , وهكذا كان كل الصحابة رضي الله عنهم .

 

وكون النبي صلى الله عليه وسلم كشف بطنه له ليستقيد منه يعدُّ مثالا على العدالة الكاملة التي كان يتصف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهو في ذلك يعدُّ قدوة عليا لجميع الولاة الذين يتولون شيئًا من أمور الأمة في إنصاف أفراد رعيتهم من أنفسهم , ومن غيرهم من الكبراء من باب أولى .

-دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ومناشدته ربه جل وعلا –

قال ابن إسحاق : ثم عدّل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الصفوف , ورجع إلى العريش فدخله , ومعه فيه أبو بكر الصديق , ليس معه فيه غيره , ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُناشد ربه ماوَعده من النصر , ويقول فيما يقول : اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لاتعبد , وأبو بكر يقول : يانبي الله , بعض مُناشدتك ربك فإن الله مُنجزٌ لك ماوعدك . وقد خفق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خَفْقة [أي نام نومة يسيرة] وهو في العريش, ثم انتبه فقال: أبشر يا أبا بكر , أتاك نصرُ الله هذا جبريل آخذٌ بعنان فرس يقوده , على ثناياه النقع [يعني الغُبار].(سيرة ابن هشام 2/311)

 

وقد ذكر ابن إسحاق رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما رأى جيش الكفار ينحدر من الكثيب الذي جاؤوا منه : اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك, اللهم فنصرك الذي وعدتني , اللهم أحِنْهم [أي اهلكهم] الغداة .( سيرة ابن هشام 2/304)

 

وقد أخرج خبر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ومناشدته ربه الإمام البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة يوم بدر : اللهم إني أنشُدك عهدك ووعدك , اللهم إن تشأ لاتُعبد بعد اليوم , فأخذ أبو بكر بيده فقال : حسبك يارسول الله , ألححت على ربك ,وهوَ يثبُ في الدرع , فخرج هو يقول (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ{45})[القمر :45].( صحيح البخاري , التفسير , رقم 4875 (8/619) .)

 

وأخرج ذلك الإمام مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لما كان يوم بدر نظر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهُم ألفٌ , وأصحابهُ ثلاثُمائة وتسعة عشر رجُلاً , فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة , ثم مد يديه فجعل يهتف بربه " اللهُمَّ ! أنجز لي ماوعدتني . اللهُمَّ ! آت ماوعدتني. اللهمَّ ! إن تهلك هذه العصابةُ من أهل الإسلام لاتُعبد في الأرض" فما زال يهتف بربه , مادًّا يديه, مُستقبل القبلة , حتى سقط رداؤه عن منكبيه , فأتاهُ أبو بكر . فأخذ رداءه فألقاهُ على منكبيه. ثم التزمه من ورائه . وقال : يانبي الله كفاك مُناشدتك ربك . فإنه سيُنْجزُ لك ماوَعَدك .

 

فأنْزل اللهُ عز وجل (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ{9})[الأنفال : 9]  [أي متتابعين] فَأمَدَّهُ اللهُ بالملائكة.( صحيح مسلم , الجهاد , رقم 1763 ( ص 1384))

 

وقال الصالحي رحمه الله تعالى : وأخرج البيهقي بسند حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ماسمعت مناشدًا ينشد مقالة أشد مناشدة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لربه يوم بدر , جعل يقول : "اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك , اللهم إن تهلك هذه العصابة لاتُعْبَد" ثم التفت كأن وجهه شقة قمر فقال : " كأنما أنظر إلى مصارع القوم العشية".(سبل الهدى والرشاد 4/37)

 

وذكره الحافظ الهيثمي من رواية الإمام الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه وقال : ورجاله ثقات إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه.( مجمع الزوائد , وأبو عبيدة هو ابن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه)

 

وذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى هذا الدعاء ثم قال : هكذا حكى السهيلي عن قاسم ابن ثابت أن الصديق رضي الله عنه إنما قال : "بعضَ مناشدتك ربك" من باب الإشفاق لما رأى من نصَبه في الدعاء والتضرع , حتى سقط الرداء عن منكبيه , فقال: بعضَ هذا يارسول الله , أي لمَ تُتعب نفسك هذا التعب والله قد وعدك بالنصر ؟ وكان رضي الله عنه رقيق القلب شديد الإشفاق على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

قال : وحكى السهيلي عن شيخه أبي بكر بن العربي قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام الخوف, والصديق في مقام الرجاء , وكان مقام الخوف في هذا الوقت – يعني أكمل – قال : لأن الله له أن يفعل ما يشاء , فخاف أن لايُعبد في الأرض بعدها , فخوفه ذلك عبادة.( البداية والنهاية 3/271 – 272)

 

وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الله تعالى أولاً وآخرا يستلهم منه النصر والتأييد , وكان مع ذلك يعمل بجميع الأسباب للوصول إلى النصر , ولما انتهى من إعداد جيشه رجع إلى العريش يدعو ربه بإلحاح أن ينـزِّل نصره على تلك الفئة المؤمنة .

 

لقد اتصلت قوة الأرض الضعيفة بقوة الله جل وعلا القاهرة العظيمة . فاكتسبت قوة الأرض مددا إلهيا جبارًا , وأصبحت قوةً عظيمة لايمكن الوقوف في وجهها , مهما بلغ العَدد , ومهما كانت العُدَد .

 

لقد تم ربط حبل متين سام بين السماء والأرض , طرفه على لسان سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم , وطرفه الآخر عند الله عز وجل . لقد تم هذا الاتصال المباشر بغير الوسائط التي يألفها الناس, لأن الله جل جلاله قريب من عباده , وكان توجيه المعركة بيد الله عز وجل , الذي بيده النصر , وله العزة والقهر .

 

وما أروع العباد المؤمنين وهم يستلهمون النصر من الله تعالى , ويكلُون إليه مصائرهم, ويعتمدون عليه في جميع أمورهم .

 

وما أتعس الكافرين وهم يستلهمون النصر من قوى البشر الضعيفة الواهية .

 

إن مجرد تصور وجود الله عز وجل في المعركة مع المؤمنين بنصره وتأييده لَيكسبهم قوة عالية, ويرفع من كفاءتهم , مهما كانت ضعيفة في القياس المادي .

 

وإن تصور ذلك لدى الكافرين لَيخلع قلوبهم لو عقلوا , ويُسلمهم غنيمة للمسلمين من غير بذل جهد كبير .

 

إن الإنسان المؤمن بالله تعالى وإن طرأت عليه ظروف يكون فيها ضعيفا أو مغلوبا على أمره, فإنَّ اتصاله الصادق بالله تعالى يجعله أقوى قوة في هذه الأرض , إنه موصول بحبل الله المتين , ومن كان الله معه لايمكن أن يُغلب إذا كان صادقا مع الله تعالى .

 

وكان جواب الله تعالى على ابتهال نبيه صلى الله عليه وسلم هو مانزل في قوله تعالى (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ{9})[الأنفال : 9]  يعني يتبع بعضهم بعضا , والله جل وعلا قادر على أن ينصر نبيه صلى الله عليه وسلم بغير واسطة الملائكة , ولكنه جل وعلا أراد أن يبشر أولياءه بنصره , وأن يُطمئن قلوبهم , قال تعالى (وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ{10}) [ الأنفال :10] .

 

ولقد أنزل الله تعالى ملائكته بقيادة جبريل عليهم السلام فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من العريش وهو يقول (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ{45})[القمر :45]  , ويقول : هنا مصرع فلان , وهنا مصرع فلان , لأناس سماهم من صناديد قريش , فما جاوزوا المكان الذي حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم .

- مثل من الشوق العظيم للجنة –

( خبر عمير بن الحمام ورغبته في الشهادة )

أخرج الإمام مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في سياقه لغزوة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "قُومُوا إلى جنة عرضُها السماوات والأرض" قال: يقولُ عمير بن الحمام الأنصاري : يارسول الله ! جنة عرضها السماوات والأرض ؟ قال: "نعم" قال : بخ بخ .( أي عظيم عظيم فهي كلمة تطلق لتفخيم الأمر)

 

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مايحملكُ على قولك بخ بخ " قال: لا والله يارسول الله إلا رجاءة [وفي رواية رجاء وهما بمعنى واحد] أن أكون من أهلها . قال : فإنك من أهلها" فأخرج تمرات من قرنه [أي جعبة النشاب]. فجعل يأكلُ منهن . ثم قال: لئن أنا حييتُ حتى آكل تمراتي هذه , إنها لحياةٌ طويلة  . قال فرمى بما كان معه من التمر . ثم قاتلهم حتى قتل. ( صحيح مسلم , الإمارة رقم 1901 ( ص 1510) ، وأخرجه أبو عبد الله الحاكم بنحوه وصححه على شرط مسلم وأقره الذهبي – المستدرك 3/426- ، وأخرجه ابن إسحاق بنحوه سيرة ابن هشام 2/312)

 

في هذا الخبر نجد مثلاً عاليًا من قوة ارتباط النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم بالجنة , فالرسول صلى الله عليه وسلم يَعدُ الشهداء بالجنة , والمؤمنون يتسابقون إلى الشهادة حرصا على الظفر بالجنة .

 

ونجد عمير بن الحمام يبلغ به حرصه على الجنة إلى أن يرمي التمرات من يده , وأنْ يرى أنَّ وقت أكلها وقت طويل , لأنه يفصل بينه وبين دخول الجنة , وإنْ كان ذلك الوقت في عرف الناس قصيرًا .

 

لقد كان الشعور القوي بالحياة الآخرة متمثلاً في حياة الصحابة رضي الله عنهم , فكانت قلوبهم عامرة بالخوف من النار والشوق إلى الجنة وكان تردد خواطرهم بين مقامي الخوف والرجاء حافزًا قويّا على تقوى الله تعالى والزهد في الحياة الدنيا والتسابق في ميادين الجهاد في سبيل الله تعالى .

- مثل من الشوق إلى رضوان الله تعالى –

( خبر عوف بن الحارث )

قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عوف بن الحارث , وهو ابن عفراء , قال: يارسول الله , مايُضحك الرب من عبده ؟ قال: غمْسهُ يده في العدو حاسرًا [يعني غير لابس للدرع], فنـزع درعًا كانت عليه فقذفها , ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قُتل.( سيرة ابن هشام 2/312)

 

وهذا مثل آخر من اهتمام الصحابة رضي الله عنهم بالحياة الآخرة , يتمثل في طلب مَواطِنِ رضوان الله تعالى , يُقَدِّمه عوف بن الحارث الأنصاري رضي الله عنه حيث يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الموطن الذي يبلغ فيه الدرجات العلى من رضوان الله تعالى , فيأتي جواب النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يكون في إقحام النفس في المغامرات المهلكة طلبا للشهادة , ومن ذلك أن ينطلق المجاهد في نحر العدو كالسَّهم الحديد الذي لاتحول العوائق دون بلوغه هدفه , وهو حاسر غير متدرع بما يقيه من سلاح الأعداء .

 

ومثل هذا يغلب على الظن وقوعه شهيدًا في ساحة الأعداء , ولكن بعد أن يُثخن فيهم قتلا, لأن النفوس التي لاتؤمن بالآخرة يفرُّ أصحابها من الشجعان المغاوير , خاصة الحُسَّر من الدروع, لأن رمي الدرع يعدُّ علامة على الاستقتال وطلب الموت , ومن كان كذلك فإن مواجهته تعدُّ من الخطر الذي يحذر منه .

 

-استفتاح أبي جهل ومافيه من العبر –

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن مُسْلم بن شهاب الزهري , عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير العُذري , حليف بني زهرة , أنه حدّثه : أنه لما التقى الناسُ ودنا بعضهم من بعض , قال أبو جهل بن هشام : اللهم أقْطَعنَا للرحم ,وآتانا بما لايُعْرف , فأَحِنْه الغداةَ [أي أهلكه أول النهار],فكان هو المُسْتَفْتح.(أي الحاكم على نفسه).

 

وأخرجه الإمام أحمد والحاكم من حديث الإمام الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير أن أبا جهل حين التقى القوم قال : اللهم أيُّنا كان أقطع للرحم , وآتانا بما لانعرف فأحنْه الغداة, فكان ذلك استفتاحه فأنزل الله تعالى (إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ{19}) [الأنفال : 19 ] .

 

وقال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي.( الفتح الرباني 21/44 , المستدرك 2/328)

 

من الغريب جدّا أن يدعو أبو جهل بهذا الدعاء وهو يشرك بالله تعالى ويحارب دعوة التوحيد, فهل كان حين دعا صادقًا في دعوته , وأنه يعتقد بأنه وحزبه أقرب إلى رضوان الله تعالى من رسوله صلى الله عليه وسلم وأوليائه المؤمنين ؟!

 

الواقع أن أبا جهل قد صرح قديمًا بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله حقا , وأن الذي منعه من الإيمان به حسدُه لبني عبد مناف حيث قال في تسويغ كفره بالنبي صلى الله عليه وسلم : تنازعْنا نحن وبنو عبد مناف الشرف , أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا , حتى إذا تحاذينا على الرُّكب وكنا كفرسيْ رهان قالوا : منَّا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك مثل هذا ؟

 

ولكن الدافع لأبي جهل في دعائه هذا سياسي , وذلك أنه أراد كسب الموقف بمحاولة تقوية معنوية جيش قريش , حيث إن فيهم من يميل إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم والاعتقاد بأنه منصور من الله تعالى , فدعا بهذا الدعاء تبجُّحًا لِيثبت لهؤلاء بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم ليس بأقرب منهم إلى الله تعالى .

 

وهكذا الكفار في كل زمن يرفعون عقيرتهم عند الضرورة بدعوى القرب من الله تعالى ليُؤَثِّروا على البسطاء والسذَّج , وليسحبوا البساط من تحت أرجل المؤمنين , ولكن الحق واضح لكل ذي فهم ثاقب وبصيرة مدركة , إذا تجرد من الهوى المنحرف .

*          *          *

انتهت

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 50:47:11


7 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8399390 عدد زيارات الموقع 44 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com