|
المصلحون : العدد الرابع
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .
2 – أضواء من الهدي النبوي .
3 – توجيهات ومواقف سلوكية .
4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .
- أضواء من هدي القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي
خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {21} الَّذِي جَعَلَ
لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ
أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ {22} وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا
عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن
دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ {23} فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن
تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ
أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ {24} وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا
رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن
قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ
فِيهَا خَالِدُونَ {25}) [ البقرة : 21 – 25] .
[21] في الآية الأولى نداء من الله تعالى للبشر جميعًا : أن اعبدوا الله جل وعلا
وحده ، الذي أوجدكم من العدم وأوجد من قبلكم ، فإنه هو الذي يستحق العبادة وحده من
أجل أن تكونوا بهذه العبادة والاستقامة على التوحيد من المتقين الذين اتقوا سخط
الله تعالى وعذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه ، حيث إن من عبد الله حق عبادته
سيكون من المتقين .
[22] ذلكم الله ربكم الذي مهد لكم الأرض فجعلها قرارا تعيشون عليها ، وجعل السماء
بناء وسقفا محفوظا ، فهذه الأجرام الكونية الكبيرة من دلائل قوة الله العظيمة
وقدرته البالغة، وأن الإله القادر على خلق هذه المخلوقات العظيمة هو المستحق
للعبادة وحده جل وعلا، وهو سبحانه الذي أنزل من السحاب مطرا فأخرج به مما أنبته
الناس في الأرض من زرعهم وغرسهم ثمرات، رزقا لهم يأكلون منه ويدخرون .
وبعد أن ذكر الله سبحانه نماذج من كمال قدرته وعظيم نعمته نهي الناس عن الشرك به
(فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ {22}) أي لاتجعلوا لله
عدلاء ومماثلين لـه في العبادة والطاعة ، وأنتم تعلمون تفرده جل وعلا بالربوبية
فكيف تعبدون غيره ؟ وهذا يشمل جميع أنواع الشرك ، وقد كان أبرز أنواع الشرك في عهد
النبي صلى الله عليه وسلم عبادة الأصنام، وطاعة السادة والزعماء في معصية الله ،
والتحاكم إلى غير شريعة الله ، ومع تطور الفكر البشري فإن بعض الناس تحولوا إلى
عبادة الأموات بدعائهم والاستغاثة بهم، ولكن الذي أصبح غالبا على الناس من أنواع
الشرك طاعة غير الله تعالى في معصية الله والتحاكم إلى غير شريعته ، وهذا أمر عجيب
أن ينتشر الشرك في بلاد الإسلام مع نهي الله تعالى الصريح في هذه الآية وغيرها عن
ذلك .
[23] ثم يبين سبحانه معجزة النبي صلى الله عليه وسلم العظمى وهي هذا القرآن الكريم
، حيث تحدى المشركين إن كانوا في شك من أن القرآن كلام الله تعالى أن يأتوا بسورة
من مثله، وأن يدعوا أعوانهم ونصراءهم ليعينوهم على ذلك إن كانوا صادقين في دعواهم
بأن هذا القرآن من كلام البشر ، وهذا التحدي العظيم ظل حتى توفي رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، ولم يستطع أحد أن يأتي بمثل سورة من القرآن ولابمثل آية منه ، مع أن
العرب – آنذاك – كانوا في غاية البلاغة والبيان ، وسيظل هذا التحدي قائما إلى الأبد
، لأن القرآن كلام الله تعالى، ولن يشبهه أبدًا كلام البشر .
[24] وما دمتم أيها الناس عاجزين عن ذلك وستظلون عاجزين فسلموا بأن هذا القرآن
الكريم هو من عند الله تعالى ، واتقوا النار العظيمة الهائلة التي لاتوقد بالحطب ،
وإنما توقد بالحجارة ، وبالناس الذين تتحول أجسامهم إلى حجارة لاتحرقها النار ، وقد
كانوا في الدنيا من قساوة القلوب كالحجارة الصماء ، تلك النار الهائلة أُعدَّت
للكافرين بالله تعالى، فآمنوا به واستجيبوا لما دعاكم إليه رسوله صلى الله عليه
وسلم ، حتى تفوزوا بالنجاة من النار.
[25] وفي مقابل هذا المشهد الهائل من العذاب الآليم تأتي البشرى السعيدة للذين
آمنوا وعملوا الصالحات بأن الله تعالى قد أعدَّ لهم من النعيم جنات عظيمة تجري
الأنهار من تحت قصورها الجميلة وأشجارها الظليلة ، ومن كمال سعادة المؤمنين في
الجنة أنهم كلما رزقهم الله من ثمراتها ظنوا أنه هو الأول لأنه يشبهه ، ولكنهم
يجدون بعد مذاقه أنه يختلف عنه، وذلك من تنوع وجوه النعيم ، ومع تشابه تلك الثمرات
في اللون والحجم ونحو ذلك فإنها متشابهة في الجودة والنقاء فلا مرذول فيها ، ولهم
مع هذا النعيم في المآكل أزواج مطهرة من الدنس الحسي كالبول والحيض ، والمعنوي
كالغل والحسد وسوء الخلق، ولايكدر صفو سعادتهم الخوف من زوالهم أو زوال النعيم عنهم
، بل هم في نعيم الجنة خالدون.
* * *
-
أضواء من الهدي النبوي –
- التحذير من الغيبة
-
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : فقد ذكرنا في الحلقة الماضية بيانا للمراد بالغيبة وتصويرًا لنكارتها وعقوبة
فاعلها في الآخرة , وما أعده الله تعالى من العقاب الأليم لمن خاض في أعراض
المسلمين.
وفي مقابل ذلك يتبين لنا جزاء من حمى المؤمنين ودافع عن أعراضهم كما جاء في قول
رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من حمى مؤمنا من منافق بعث الله ملكا يحمي لحمه
يوم القيامة من نار جهنم , ومن رمى مسلما يريد شينه به جلس يوم القيامة على جسر من
جسور جهنم حتى يخرج مما قال " أخرجه أبو داود رحمه الله تعالى من حديث معاذ بن أنس
رضي الله عنه.(جمع الفوائد رقم 8001)
فهذا جزاء عظيم لعمل صالح حميد , فالذي يتطوع للدفاع عن أخيه المسلم الغائب ويذب عن
عرضه يقيض الله تعالى له ملكا يحميه يوم القيامة , والدفاع عن أعراض المسلمين قد
يكون نوعا من الجهاد فيما إذا كان المنتهك لذلك رجلا له هيمنة وقوة , فالذي يبادر
إلى حماية عرض أخيه المسلم – والحال هذه – يكون قد دخل في سلك المجاهدين .
وفي هذا الحديث عقاب شديد أليم لعمل سيء سقيم , فالذي يرمي أخاه المسلم بما يعيبه
ويسيء سيرته يعاقب يوم القيامة بالجلوس على جسر من جسور جهنم حتى يُخرج نفسه مما
قال , ولن يستطيع ذلك لأن الآخرة دار جزاء وليست دار عمل.
والغيبة خلق سيء ذميم ينتج عن ضعف في شخصية المغتاب , حيث لايقدر على مواجهة من
يعيبه ببيان مايتصف به من العيوب, فيحاول نشرها في المجتمع لأن ذلك لايكلفه شيئا من
عناء المواجهة .
ومن أسباب الغيبة الأساسية وقوع الخلاف وسوء التفاهم بين المؤمنين الذي ينتج عنه
سوء الظن, بسبب عدم مصارحة كل واحد من المتخاصمين صاحبه بما يكنُّ له في ضميره ,
فيفترقان وفي قلب كل واحد منهما شيء من الضغينة على صاحبه , ثم ينمو هذا الحقد في
القلب ولايجد له متنفسا بعد ذلك إلا بتلمس عيوب صاحبه ومحاولة إفشائها بين الناس .
ولذلك قرن الله سبحانه النهي عن سوء الظن وعن التجسس الذي يتبع سوء الظن مع النهي
عن الغيبة في آية واحدة حيث يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا
تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ
لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ
رَّحِيمٌ {12}) [ الحجرات : 12] .
ومما ينبغي الإشارة إليه أن عمران المجالس العلمية بذكر مادوَّنه علماء الجرح
والتعديل في كتبهم من جرح الرواة يعدُّ من الغيبة , خصوصا فيما إذا نُشر ذلك عبر
وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة , فإن هؤلاء الرواة المجروحين لو نُشروا واطلعوا
على نقدهم لساءهم ذلك , لكن لو كان ذكر ذلك النقد من أجل التوصل به إلى الحكم على
الأحاديث والآثار فإن المقصد من ذلك أسمى من هدف مراعاة شعور هؤلاء المجروحين , لأن
ذلك يترتب عليه حماية السنة النبوية .
فليتنبه طلاب العلم الذين يظنون أن تداول ماذكره العلماء من جرح الرواة في المجالس
من حفظ العلم واستذكاره , والذين يذكرون ذلك ضمن الترجمة للعلماء على أنه من نشر
العلم , فإنه ليس كذلك, وإنما هو من الغيبة ما لم تدعُ الحاجة العلمية إلى ذلك في
حال الحكم على الأحاديث والآثار .
أما النميمة فإنها نقل كلام الناس على وجه الإفساد بينهم وهي أشد ضررا من الغيبة ,
لأن الغيبة قد لاتصل إلى من وقعت عليه, بينما النميمة تصل بين كل الأطراف , وهي
سريعة الإفساد للمجتمع, وإحداث الجفوة بين أفراده .
ولأضرار النميمة المفسدة في المجتمع كان صاحبها محروما من دخول الجنة , كما جاء في
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لايدخل الجنة قتات" أي نمام , أخرجه الشيخان
وأبو داود والترمذي من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما.
(جمع الفوائد رقم 8002)
وللنميمة أثر واضح في نفس من وقعت عليه , فإذا علم بها حزن لذلك , وبدأ في تشغيل
عقله في التفكير فيما حدث من صاحبه نحوه .
وقد ينتهي به تفكيره إلى العفو عنه ونزع ما قد يتولد في القلب من الضغينة والحقد
عليه , حفاظا على روح الأخوة الإسلامية وطلبا لأجر العفو والصبر , وهذا لايحدث إلا
من أقوياء الإيمان, وقليل ماهم .
وقد ينتهي به تفكيره إلى ترسخ الغل عليه في قلبه فيحدث بذلك إضعاف خطير للأخوة
الإسلامية بينهما .
ثم إنه قد ينتهي بذلك , وقد يُعمل تفكيره في طريقة الانتقام منه, وهذا يحصل كثيرا
لدى المجتمعات الإسلامية التي ينقصها الوعي الديني , فيبدأ بعد ذلك في تتبع عورات
أخيه المسيء إليه وتصيد غفلاته ليكيد له , ويبين له أنه أقدر منه على النزال
والصراع .
وهنا تحدث المأساة الأخلاقية , حيث يُشغل المسلم عقله في محاولات متكررة للإيقاع
بإخوانه المسلمين بدلا من أن يشغله في عمران المجتمع بالخير والسعادة.
وإن المصيبة الكبرى أن مأساة هذين المتنازعين لاتقتصر عليهما, بل يجر كل واحد منهما
إلى صفه آخرين ممن له تأثير عليهم, وهنا نجد أن عدوى هذا المرض الخطير تسري في
المجتمع وتعمل فيه هدما وإفسادًا .
والنميمة لها أثر فعال في إيلام نفس فاعلها , فهو حينما تصدر منه يبدأ في التفكير
في نتائجها السيئة , فيعيش في مرحلة نفسيه صعبة , من محاكمة العقل للنفس على جموحها
وانحرافها عن خط الاعتدال , ويبدأ في التفكير في كيفية الخروج من هذا المأزق الحرج
, وقد يهديه تفكيره إلى ارتكاب الكذب , والتنصل من فعلته , فيقع في مصيبة أخلاقية
جديدة للخروج من المصيبة الأولى.
وماكان أغناه عن ذلك كله لو أنه ألزم لسانه الصمت عن قول السوء وترك مالا يعنيه!
* * *
- توجيهات ومواقف سلوكية –
-مواقف في الورع والعفة والزهد –
- من مواقف أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه –
ولقد كان لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مواقف كثيرة في الزهد والورع
نذكر نماذج منها , فمن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث المسور بن مخرمة رضي الله
عنه قال: أُتِيَ عمر بمال فوُضِع في المسجد , فخرج إليه يتصفَّحه وينظر إليه فهملتْ
عيناه , فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : يا أمير المؤمنين مايبكيك فو الله
إن هذا لَمِنْ مواطن الشكر , فقال عمر: إن هذا والله ما أْعْطِيَهُ قوم قط إلا
أُلقِيَ بينهم العداوة والبغضاء.( الزهد /115)
فهذا يعدُّ من فقه عمر رضي الله عنه فقد أشفق على المسلمين من أن يفتتنوا بالدنيا ,
فتكون سببا في تباعد قلوبهم وإثارة النـزاع بينهم , ولقد بلغ به التأثر من ذلك إلى
حد البكاء , وقد اختلفت نظرة الصحابيين الجليلين رضي الله عنهما إلى ذلك المال ,
فنظر إليه عمر على أنه سبب من أسباب الفتنة , ونظر إليه عبد الرحمن بن عوف على أنه
نعمة من الله تعالى , وكلا النظرتين تَصْدُقان على ذلك المال , وكل واحد من هذين
الصحابيين يدرك النظرتين كلتيهما , لكن في تلك اللحظة غَلَب على فكر عمر الإشفاق
على الأمة من الخطر الذي هي مُقْدمة عليه فبكى , وغلب على عبد الرحمن بن عوف ملاحظة
شكر النعمة فأظهر الفرح .
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى من حديث يحيى بن جَعْدة قال: قال عمر
رضي الله عنه : لولا ثلاث لأحببت أن أكون قد لقيت الله عز وجل : لولا أن أضع جبهتي
لله عز وجل , وأجلسَ في مجالس يُنتقَى فيها طيب الكلام كما يُنتقى فيها طيب التمر ,
وأن أسير في سبيل الله عز وجل.( الزهد /117)
ففي هذا الخبر حدد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أنواعا من الأعمال الصالحة يحب
البقاء في الحياة من أجلها , فالمؤمن الحق يحب لقاء الله تعالى , لأن هذه الحياة
الدنيا ليست دار قراره وإنما دار قراره الحياة الآخرة , فهو يشتاق إلى نعيمها
المقيم , ولايحب البقاء في الدنيا إلا للعمل الصالح الذي يرفع من درجاته في حياته
الباقية , وقد أشار عمر إلى ثلاثة من أجلِّ الأعمال الصالحة, وهي الصلاة , ومجالس
العلم والذكر , والجهاد في سبيل الله تعالى , وقد كان رضي الله عنه من المكثرين من
صلاة النفل , وممن تَعمر بهم مجالس العلم والذكر , أما الجهاد فكان هو القائد
الأعلى للجيوش الإسلامية في بلاد العالم , وكان الجهاد شُغْلَه الشاغل الذي أهمه
وغلب على تفكيره, أما في داخل المجتمع الإسلامي فكان إمام المصلحين الآمرين
بالمعروف والناهين عن المنكر.
وهكذا تكون الأهداف السامية , فكيف بمن يرغبون في البقاء في الحياة الدنيا من أجل
أموال يُثَمِّرونها , أو قصور يعمرونها , أو شهوات يغذُّونها ؟! أولئك هم الخاسرون
الذين قَصُرت أنظارهم, وتدنَّت أهدافهم , ففضلوا الأدنى على الأعلى والفاني على
الباقي .
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص رضي الله
عنه قال: قدم على عمر رضي الله عنه مسك وعنبر من البحرين فقال عمر : والله لوددت
أني وجدت امرأة حسنة الوزن تَزِنُ لي هذا الطيب حتى أقسمه بين المسلمين , فقالت له
امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل : أنا جيدة الوزن فهلمَّ أزِنْ لك , قال: لا
, قالت : لِمَ ؟ قال: - إني أخشى أن تأخذيه فتجعليه هكذا وأدخل أصابعه في صدغيه –
وتمسحي به عنقك, فأصيب فضلا على المسلمين .( الزهد /119)
فهذا مثل من ورع أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه واحتياطه البالغ لأمر دينه , فقد
أبى على امرأته أن تتولى قسمة ذلك الطيب حتى لاتمسح عنقها منه فيكون قد أصاب شيئًا
من مال المسلمين, وهذه الدِّقة المتناهية في ملاحظة الاحتمالات التي قد توقع في
المحرمات أو الشبهات نورٌ يهبه الله تعالى لأوليائه السابقين إلى الخيرات , وفرقان
يفرقون به بين الحلال والحلام والحق والباطل, بينما تفوت هذه الملاحظات على الذين
لم يشغلوا تفكيرهم بحماية أنفسهم من المخالفات.
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي عثمان النهدي قال: لما قدم عتبة [هو عتبة
بن فرقد] أذربيجان أُتِيَ بالخبيص فأمر بسفطين عظيمين [السَّفَط وعاء كالقفَّه
والخبيص نوع من الحلوى] فصُنِعا له من الخبيص , ثم حمل على بعير فسرِّح بهما إلى
عمر رضي الله عنه , فلما قدم على عمر ذاقه فوجده شيئًا حلوا , فقال: كل المسلمين
يشبع من هذا في رحله ؟ قال: لا , قال: فلا حاجة لنا فيه فأطَبقهما وردهما عليه , ثم
كتب إليه: أما بعد فليس من كدِّ أبيك ولا من كد أمك فأشبع المسلمين مما تشبع منه في
رحلك [الزهد /121 . وأخرج نحوه الإمام مسلم – صحيح مسلم , رقم 2069 /12 كتاب
اللباس].
فهذه نظرة جليلة من أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه في التأكيد على مبدإ المساواة
بين المسلمين, فالمطلوب في حياة المسلمين هو الزهد والتخشن في المعيشة الذي أوصى به
عمر عتبة بن فرقد, ولكن لو فُرِض أن الخير عمَّ المسلمين فأصبحوا كلُّهم يحصلون على
الأطعمة الشهية فإن تناولها في بعض الأحيان لاينافي حياة الزهد , ولكن حينما تكون
هذه الأطعمة مقصورة على الخاصة فإن ذلك لايجيز للوالي أن يصرف مال المسلمين لإطعام
الخاصة منها, ولذلك قال عمر لعتبة حينما كتب إليه " فليس من كدِّ أبيك ولا من كد
أمك" .
وكذلك ماأخرجه الإمام أحمد من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : أقبلْتُ
فإذا الناس بين أيديهم القِصَاع , فدعاني عمر فأتيته , فدعا بخبز غليظ وزيت , قال:
قلت له: أمَنَعْتني أن آكل من الخبز واللحم ودعوتني على هذا ؟ قال: أنا دعوتك على
طعامي فأما هذا فطعام المسلمين.( الزهد /121)
فهذا مثل من زهد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه , فإنه لم يُسَوِّ نفسه بعامة
المسلمين في الطعام فضلا عن أن يزيد عليهم , وقد كان مقبولا منه أن يأكل من طعام
عامة المسلمين, ولكنه لتقشفه وزهده يختار لنفسه طعامًا أقل ثمنًا من ذلك .
وأخرج الإمام أحمد أيضًا من حديث مصعب بن سعد قال : قالت حفصة بنت عمر : ياأمير
المؤمنين لو لبسْتَ ثوبا هو ألين من ثوبك وأكلت طعاما هو أطيب من طعامك فقد وسع
الله عز وجل من الرزق وأكثر من الخير , قال: إني سأخصمك إلى نفسك, أما تذكرين ماكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يَلْقَى من شدة العيش ؟ فمازال يذكِّرها حتى أبكاها ,
فقال لها: إنْ قلتُ لك ذاك إني والله لَئِنْ استطعت لأشاركنهما بمثل عيشهما الشديد
لعلِّي أدرك معهما عيشهما الرَّخِيِّ [الزهد /125].
فهذا بُعْدُ نظر من أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه , فهو يرى أنه كلما زاد في
الزهد في الدنيا والتقشف في المعيشة فإنه حرِيٌّ بأن ينال مزيدًا من العيش
الرَّخِيِّ في الجنة , فلهذا قال: "لئن استطعت لأشاركنهما بمثل عيشهما الشديد
لعلِّي أدرك معهما عيشهما الرخي" .
وهو يريد بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر الصديق رضي الله عنه .
ولقد كان شديد الالتزام بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وذلك حينما ذكَّر
ابنته أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها بمعيشة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكان
ذلك من أسباب عصمته من الدنيا التي انفتحت في عهده بشكل لم يسبق له مثيل في حياة
العرب .
* * *
- مواقف جهادية من السيرة النبوية –
مواقف من غزوة بدر الكبرى :
- شهادة للمسلمين من أعدائهم –
( عمير بن وهب يُقَدِّر عدد المسلمين واختلافٌ في جيش قريش )
قال ابن إسحاق : وحدثني أبي إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم عن أشياخ من الأنصار
, قالوا : لما اطمأن القوم , بعثوا عُمير بن وَهْب الجُمَحي فقالوا : احرز لنا
أصحاب محمد, قال : فاستجال بفرسه حول العَسكر ثم رجع إليهم , فقال: ثلاث مئة رجل ,
يزيدون قليلاً أو ينقُصون , ولكن أمهلوني حتى أنظر أللْقَوم كمينٌ أو مَدَد ؟ قال:
فضرب في الوادي حتى أبْعد, فلم يَرَ شيئًا , فرجع إليهم , فقال : ما وجدتُ شيئًا ,
ولكنّي قد رأيتُ يامعشر قريش البَلايا تَحْمل المَنايا , نواضحَ يَثْرب تحمل الموت
الناقع [يعني أن إبل المدينة جاءت تحمل سبب موتنا المحقق] قوم ليس معهم مَنعة ولا
مَلْجأ إلا سيوفهم , والله ماأرَى أن يُقتل رجلٌ منهم حتي يَقتل رجلاً منكم , فإذا
أصابوا منكم أعدادهم فما خيرُ العيش بعد ذلك ؟ فَرَوْا رأيَكم .
وهكذا كان عمير بن وهب ناجحًا في تقديره المقارب لعدد جيش المسلمين , وفي وصفه
البليغ لقوة المسلمين ومدى ثباتهم , حيث أبان بأنهم ليس معهم من الإبل مايكفي
لفرارهم فيما إذا كانت الدائرة عليهم , وهذا يعني أنهم سيستميتون في الدفاع عن
أنفسهم حتى يَقتُلوا على الأقل عددهم من الكفار , أو تكون الأخرى حيث ينهزم الكفار
أمامهم لشدة ثباتهم ولكون الكفار قد أعد كل واحد منهم نجيبة يفرُّ عليها عند اللزوم
, وزعماء الكفار لايريدون كلا النتيجتين .
هذا مع أن عمير بن وهب آنذاك – كسائر الكفار – لايعتقد أي تفوق معنوي للمسلمين فهو
يَعدُّ الفرد منهم كأي فرد من البشر , فكيف به لو أدرك بأن الواحد منهم في الطاقة
عن عشرة لما يحملونه من إرادة طلب الشهادة حيث يبذلون كل مالديهم من طاقة في الهجوم
؟!
ثم كيف به فوق ذلك لو أدرك بأنهم موصولون بحبل من الله تعالى وأنهم أهل لأن يمدهم
بجنود من ملائكته ؟! كيف به وبقومه لو أدركوا ذلك ؟! إذًا لفزعوا فزعا يشل حركتهم
وينسيهم أوهامهم البالية التي يقدسونها ويقاتلون من أجلها .
ومع غياب هذا التصور فإننا نجد عقلاءهم قد تأثروا ببيان عمير بن وهب فأشاروا
بالعودة وترك القتال , وإلى هذا يشير محمد بن إسحاق رحمه الله تعالى في روايته حيث
يقول :
فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى إلى الناس , فأتى عُتبة بن ربيعة , فقال: يا أبا
الوليد , إنك كبير قُريش وسيِّدُها , والمطاع فيها , هل لك إلى أن لاتزال تُذكر
فيها بخير إلى آخر الدهر؟ قال: وماذاك يا حكيم ؟ قال: ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك
عمرو بن الحضرمي , قال: قد فعلتُ , أنت عليَّ بذلك , إنما هو حليفي , فعليَّ عقله
[أي ديته] وما أصيبَ من ماله,فَأت ابن الحنظليّة [قال ابن هشام : والحنظلية أم أبي
جهل], فإني لا أخشى أن يَشْجُر أمر الناس غيره , يعني أبا جهل بن هشام ثم قام عُتبة
بن ربيعة خطيبًا , فقال: يامعشر قريش , إنكم والله ماتصنعون بأن تلقوا محمدًا
وأصحابه شيئًا , والله لئن أصبتموه لايزال الرجلُ ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه
, قتل ابن عمه , أو ابن خاله , أو رجلاً من عشيرته , فارجعوا وخلوا بين محمد وبين
سائر العرب , فإن أصابوه فذاك الذي أردتم , وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه
ماتريدون .
قال حكيم : فانطلقت حتى جئتُ أبا جهل , فوجدته قد نَثَل درعا له من جرابها , فهو
يهنئها [قال ابن هشام : يهيئها] – فقلت له : يا أبا الحكم إن عُتبة أرسلني إليك
بكذا وكذا , للذي قال , فقال: انتفخ والله سحره [أي جبن وخاف كأن الخوف ملأ جوفه
فانتفخ سحره أي رئته] حين رأى محمدًا وأصحابه , كلا والله لانرجع حتى يحكم الله
بيننا وبين محمد , وما بعُتْبة ماقال , ولكنه قد رأى أن محمدًا وأصحابه أكلة جزُور
[يعني لايزيدون على مائة , وذلك لأن الله تعالى قلل المؤمنين في أعينهم] , وفيهم
ابنُه , قد تخوَّفكم عليه. ثم بعث إلى عامر بن الحضْرمي , فقال: هذا حليفُك يريد أن
يرجع بالناس , وقد رأيتَ ثأرَك بعينك , فقُم فانشد خُفْرتك [الخفرة : الذِّمَّة]
ومَقْتل أخيك .
فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف [يعني خلع ثيابه] ثم صرخ : واعَمْراه ! واعَمْراه !
فحميت الحربُ , وحَقب أمرُ الناس [أي فسد], واستوْثقوا على ماهم عليه من الشرّ ,
وأُفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عُتبة .
فلما بلغ عتبة قول أبي جهل " انتفخ سحره " قال: سيعلم مصفر استه [هذا كناية عن
الجبن] من انتفخ سحره, أنا أم هو.( سيرة ابن هشام 2/305 – 307)
وأخرجه الواقدي وذكر نحوه وزاد : فقال – يعني أبا جهل – لعمير بن وهب: حرِّش بين
الناس , فحمل عمير فناوش المسلمين لأن ينقض الصف, فثبت المسلمون على صفهم ولم
يزولوا , وتقدم ابن الحضرمي فشد على القوم فنشبت الحرب .( مغازي الواقدي 1/65)
وأخرج نحوه باختصار الحافظ البزار , ذكر ذلك الحافظ الهيثمي وقال: ورجاله ثقات.(
مجمع الزوائد 6/76)
وهكذا تغلَّب رأي السفهاء الحاقدين الذين غابت عن تفكيرهم جميع مناحي المثل العليا,
ونداءات العقل السليم , ومَثُلت أمام ناظرهم جوانب الحقد اللئيم ونوازع الانتقام
النكد , فغطت على نداءات العقول , وشحذت بحرارة ولهيب نداءات العواطف الجامحة ,
والأهواء المتأججة , وكان حامل كبر ذلك طاغية قريش أبو جهل فرعون هذه الأمة .
لقد ورم أنف أبي جهل وساءه أن يرى دولة الإسلام في عز ونهوض ورام من إرادة تقويضها
ما الله حائل بينه وبينه ,فأبى أن يُصيخَ سَمْعه لنداء العقل والحكمة الذي أطلقه
بعض حكماء قريش كعتبة بن ربيعة وحكيم بن حزام , ودفعه حقده اللئيم إلى إشعال بوادر
الحرب وإثارة مهيجاتها ليضيع صوت العقل والحكمة في خضَمِّ العصبية الجاهلية وتلبية
النداءات العاطفية الطائشة .
- مثل من نصر الله تعالى أولياءه –
(تقليل الكفار في أعين المؤمنين )
قال
الله تعالى (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً
وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ
وَلَـكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ {43} وَإِذْ
يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي
أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ
الأمُورُ {44}) الأنفال : 43 – 44] .
فهذه نعمة من الله تعالى على أوليائه المؤمنين ولونٌ من ألوان نصره إياهم , يقول
الإمام ابن جرير في تفسيره الآية الأولى , يريكهم في نومك قليلا فتخبرهم بذلك , حتى
قويت قلوبهم واجترؤوا على حرب عدوهم , ولو أراك ربُّك عَدُوَّك وعدوَّهم كثيرًا
لفشل أصحابك فجبنوا وخافوا ولم يقدروا على حرب القوم , ولتنازعوا في ذلك , ولكن
الله سلَّمهم من ذلك بما أراك في منامك من الرؤيا .
ورَوَى في تفسير الآية الثانية بإسناده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لقد
قُلِّلوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي : تراهم سبعين ؟ قال : أراهم مئة
, قال: فأسرنا رجلاً منهم فقلنا كم هم ؟ قال : كنا ألفا.( تفسير الطبري 10/12 – 13)
وقال الحافظ ابن كثير : ومعنى هذا أن الله تعالى أغرى كُلاًّ من الفريقين بالآخر ,
وقلَّله في عينه ليطمع فيه , وذلك عند المواجهة , فلما التحم القتال وأيَّد الله
المؤمنين بألف من الملائكة مردفين بقي حزب الكفار يرى حزب الإيمان ضعفَيْه , كما
قال تعالى (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ
الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم
مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ {13}) [آل عمران : 13] .
وهذا هو الجمع بين هاتين الآيتين فإن كُلاًّ منهما حق وصدق ولله الحمد والمنة.(
تفسير ابن كثير 2/338)
فالضمير الأول في (يرونهم ) للكفار والثاني للمؤمنين , أي يرى الكفار المسلمين
مثليهم بعد أن التحمت المعركة , وهذه آية عظيمة لأن عدد المسلمين يبلغ ثلثهم ومع
ذلك رأوهم ضعفيهم , فأما قبل المعركة فإن الله تعالى قللهم في أعين الكفار حتى قال
عنهم أبو جهل في خلافه مع عتبة بن ربيعة " ولكن قد رأى أن محمدًا وأصحابه أكَلَة
جزور" كما في الموضوع السابق , والناقة عادة تكفي مائة , فكانوا يرون المسلمين بهذا
القدر لما قللهم الله في أعينهم .
- مواقف بطولية لبعض الصحابة –
(خبر المبارزة بين المسلمين والكفار )
أخرج الإمام أبو داود السجستاني من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: تقدم –
يعني عتبة بن ربيعة – وتبعه ابنه وأخوه , فنادى : من يبارز ؟ فانتدب له شباب من
الأنصار , فقال : من أنتم ؟ فأخبروه فقال :لا حاجة لنا فيكم إنما أردنا بني عمنا ,
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "قم ياحمزة, قم ياعلي , قم ياعبيدة بن الحارث"
فأقبل حمزة إلى عتبة , وأقبلت إلى شيبة , واختلف بين عبيدة والوليد ضربتان , فأثخن
كل واحد منهما صاحبه , ثم ملنا على الوليد فقتلناه , واحتملنا عبيدة.( سنن أبي داود
, رقم 2665 , الجهاد (3/119))
وأخرجه الواقدي وذكر أن الشباب الذين خرجوا للمبارزة من الأنصار هم معاذ ومعوذ وعوف
أبناء الحارث وهم بنو عفراء , ولكنه ذكر أن عليا قابل الوليد بن عتبة وأن عبيدة بن
الحارث قابل شيبة , وزاد : فقال عبيدة يارسول الله ألستُ شهيدًا ؟ قال: بلى , قال :
أما والله لو كان أبو طالب حيا لعلم أنا أحق بما قاله منه حين يقول :
كذبتم وبيتِ الله نُخْلي محمدا ولـمَّا نطاعن دونه ونناضلِ
ونُسلِمَه حتَى نُصرَّع حولـه ونَذهلَ عن أبنائنا والحلائـل
(
مغازي الواقدي 1/68 – 70 )
وأخرجه ابن إسحاق وذكر نحوه .( سيرة ابن هشام 2/309)
وذكر الحافظ ابن حجر رواية أبي داود ثم قال : قلت: وهذا أصح الروايات , لكن الذي في
السِّيَر من أن الذي بارزه علي هو الوليد هو المشهور , وهو اللائق بالمقام لأن
عبيدة وشيبة كانا شيخين كعتبة وحمزة , بخلاف علي والوليد فكانا شابين , وقد روى
الطبراني بإسناد حسن عن علي قال : أعنت أنا وحمزة عبيدة بن الحارث على الوليد بن
عتبة فلم يَعب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك علينا , وهذا موافق لرواية أبي داود ,
والله أعلم.( فتح الباري 7/298)
وهكذا تبين لنا من كلام الحافظ ابن حجر أن أصح الروايات في هذا الموضوع رواية أبي
داود التي ساندتها أيضًا رواية الطبراني على أن المبارز لعتبة حمزة , والمبارز
لشيبة علي , والمبارز للوليد عبيدة, وانتقد هذه الرواية الصحيحة بمخالفتها لما في
كتب السِّير من أن الذي بارزه علي هو الوليد وأن هذا هو المشهور .
وهذا ذهاب من الحافظ ابن حجر – وهو من المحققين – إلى اعتبار قول أهل الاختصاص
وتقديمه على أنه مجال من مجالات الترجيح بين الروايات , فرواية أبي داود أصح من حيث
السند , وهذه مزية ظاهرة , ولكن اتفاق المؤرخين على اعتبار أن الذي بارز الوليد بن
عتبة هو علي رضي الله عنه يُعدُّ مزية مقابلة , وقد يكون الخبر صحيحا من حيث
الإسناد ولكن يكون فيه خطأ في المتن, لكن الحافظ لم يجزم بترجيح أحد القولين بل ذكر
مايرجح كل قول وأسند علم ذلك إلى الله تعالى.
وقد اتفقت روايتا الواقدي وابن إسحاق على أن المبارز لعلي هو الوليد بن عتبة ,
واختلفتا في المبارزين لحمزة وعبيدة , فجاء في رواية الواقدي أن المبارز لحمزة هو
عتبة بن ربيعة وأن المبارز لعبيدة هو شيبة بن ربيعة , وجاء في رواية ابن إسحاق أن
المبارز لحمزة هو شيبة وأن المبارز لعبيدة هو عتبة , ولكن رواية الواقدي أرجح في
ذلك لأنها تتفق في هذه النقطة مع رواية أبي داود , ولأن هند بنت عتبة قد حرصت – كما
يأتي في أحد – على قتل حمزة , ولمَّا قُتل أَكلَتْ من كبده لأنه هو الذي قتل أباها
في يوم بدر .
هذا ومن المواقف البارزة في هذا الحدث ماكان من تسابق الصحابة إلى مبارزة المشركين
, والمبارزة هي أخطر أنواع الحرب حيث إنها مواجهة لخطر الموت المباشر , لأن الذين
يتقدمون للمبارزة عادة يكونون من الشجعان المعدودين .
وحينما اعترض عتبة بن ربيعة على تقدم من تقدم وأراد أن يكون المتقدمون من بني عمه
بادر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمر حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة
بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بأن يتقدموا لمبارزة المشركين الثلاثة .
وكون النبي صلى الله عليه وسلم يقدم ثلاثة من أقاربه الأدنين يُعدُّ تضحية كبيرة
وتوجيها لقادة الدعوة من أمته إلى أن يَعدُّوا من أهم عوامل نجاحهم أن يكون القائد
هو وأقاربه في مقدمة الكفاح والقيام بالمهامِّ الشاقة.
وماذكر عبيدة بن الحارث لرسول الله صلى الله عليه وسلم من شعر أبي طالب يُعدُّ نوعا
من الوفاء بالعهد الذي أبرمه أبو طالب , وكأنه يقول : إذا كان أبو طالب – وهو في
حال الكفر – قد تعهد بتقديم هذه التضحية فإن المسلمين من قرابة النبي صلى الله عليه
وسلم أحق منه بذلك .
* * *
انتهت
|