|
المصلحون : العدد الثالث
تحتوي النشرة على
الموضوعات الثابتة التالية :
1 – أضواء من هدي القرآن
الكريم .
2 – أضواء من الهدي النبوي
.
3 – توجيهات ومواقف سلوكية
.
4 – مواقف جهادية من
السيرة النبوية .
- أضواء من هدي القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ
آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا
مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ {14} اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ {15} أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ
اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ
مُهْتَدِينَ {16} . مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا
أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ
يُبْصِرُونَ {17} صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ {18} أَوْ كَصَيِّبٍ
مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي
آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ
{19} يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ
فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ
بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {20}) [
البقرة : 14 – 20] .
[14] بعد أن ذكر الله سبحانه حقيقة النفاق وبواعثه ودوافع التمسك به ذكر صورة
واقعية للمنافقين في تطبيقهم النفاق عندما يواجهون المؤمنين ، فبين تعالى أنهم إذا
قابلوا المؤمنين أظهروا لهم الإيمان بالإسلام ، وإذا انصرفوا عن المؤمنين واجتمعوا
بشياطينهم في خلوة من المؤمنين أظهروا لهم أنهم معهم في الكفر بالإسلام وعداوة
المؤمنين به ، وسوغوا ماقاموا به من تظاهرهم للمؤمنين بالإيمان بأنهم كانوا ساخرين
منهم مستخفِّين بهم ، لا أنهم كانوا صادقين في دعوى الإيمان بدينهم .
[15] وإذا كان هؤلاء المنافقون يستخفُّون بالمؤمنين ويسخرون منهم على حد زعمهم لأن
المؤمنين لايعلمون حقيقة مايضمره أولئك المنافقون فإن المؤمنين ليسوا وحدهم في
الميدان ولامعزولين عن أي سند ، كما يتصور ذلك المنافقون ، بل هم يركنون إلى الله
جل وعلا الذي أوجدهم وأوجد أعداءهم من العدم ، والذي بيده مقاليد أمورهم جميعا، وهو
سبحانه يعلم بواطن أمورهم ، وسيكشفهم للمؤمنين حتى يكونوا منهم على حذر، وإن قوة
المؤمنين التي تبدو ضعيفة أمام أعدائهم الكثيرين الأقوياء ليست في الحقيقة كذلك
لأنها موصولة بقوة الله عز وجل ، فالمنافقون حينما يحاربون المؤمنين إنما يحاربون
الله ، والله سبحانه هو الذي يتولى رد كيدهم ، وينتقم منهم ، ويمهلهم في عتوهم في
الكفر والضلال الذي جاوز الحد ، يترددون متحيرين كالذي يسير في الظلمات يتخبط هنا
وهناك ، لايجد مخرجا ولايهتدي سبيلا .
[16] أولئك المنافقون الذين اختاروا لأنفسهم طريق الضلال على طريق الهدى ، حيث
كفروا بالله تعالى وكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم بعدما وضحت لهم معالم طريق
الهدى وأصبح في متناول أيديهم لو أرادوا سلوكه ، فما ربحوا في تجارتهم حيث استبدلوا
الغالي النفيس بالرخيص الخسيس ، وفضلوا الأدنى على الأعلى ، فخسروا في تجارتهم ..
خسروا الحياة الآخرة حيث حرموا من نعيمها وباؤوا بجحيمها ، وخسروا الحياة الدنيا
التي هي غاية مطلبهم لأن السعادة الحقيقة ليست في تلبية المطالب الجسدية ، فهذه لها
غاية تنتهي إليها كما أن فيها مخاطر تحيلها في أغلب الأحيان إلى همٍّ وشقاء يعذب
النفس ويؤلم الضمير ، بل السعادة الحقيقية هي في تغذية الروح وانطلاقها من سلطان
المادة ، وتحرر العقل من سلطان الهوى والعاطفة ، ولايمكن أن تتحقق هذه السعادة إلا
بالإيمان بالله واليوم الآخر، فهؤلاء المنافقون قد خسروا سعادة الدارين ، وماكانوا
موفقين إلى سلوك الطريق المستقيم الذي يوصلهم إلى الربح في تجارتهم ، حيث بحثوا عن
السعادة في هذه الحياة الدنيا من غير طريقها الصحيح وغفلوا عن العمل للآخرة .
[17 – 18 ] وقد بين الله عز وجل أن صفة هؤلاء المنافقين العجيبة في استفادتهم من
التظاهر بالإسلام في الحياة الدنيا حيث عاشوا تحت ظلاله في أمن ونالوا من خير
الدنيا الذي أفاءه عليهم الإسلام كما نال المؤمنون ، ثم انقضت حياتهم فواجهوا
الحساب والعذاب وهم قد تعرّوا من سربال الإيمان الذي طالما لجؤوا إليه في الحياة
الدنيا ، كمثل قوم أوقدوا لهم نارا يستضيؤون بها، فلما أضاءت ماحولهم من الظلمات
واستضاؤوا بها بعض الوقت نزع الله نورهم فأصبحوا في الظلمات يتخبطون ، ولايبصرون
الطريق إلى النجاة من هذه الظلمات .
[19- 20] فهذا مثل لمن أصر على الكفر من المنافقين ، وضرب الله سبحانه مثلا آخر
لفريق منهم يؤمنون في وقت الرخاء أحيانًا فإذا أحدقت بهم الشدائد كفروا ونافقوا،
حيث شبههم الله تعالى في موقفهم من نزول الوحي الإلهي بما يحمل في طياته من وعيد
شديد لهم في الدنيا والآخرة وهجوم على معتقداتهم وكشف لأسرارهم وتكليف لهم بما
يرونه شاقا عليهم ، وبما يلمحونه فيه أحيانًا من حق وهدى فيفيؤون إلى ظلاله فترة من
الزمن، ثم تعصف بهم الشدائد والشبهات فيقفون متحيرين لايدرون هل يسيرون في طريق
الهدى الذي يسبب لهم بعض المتاعب في نظرهم ، أم يسيرون في طريق الضلال الذي يعيشون
فيه في خوف وقلق ويترقبون كل يوم أن ينـزل الوحي بكشف أمرهم وهتك سترهم.. شبههم
تعالى بقوم هطل عليهم مطر عظيم قد تكاثفت فيه الظلمات .. ظلمة السحاب مع ظلمة المطر
مع ظلمة الليل ، وزمجر رعده ، ولمع برقه، حتى خافوا من الصواعق التي تقترن بالرعد
أحيانًا أن تهلكهم فوضعوا أصابعهم في آذانهم حتى لايسمعوا أصواتها المزعجة، وكلما
أضاء لهم البرق مشوا في ضوئه إلى الأمام ، فإذا خبا ضؤوه وقفوا عن المسير .
* * *
- أضواء من الهدي النبوي -
-التحذير من الغيبة–
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : فإن من التوجيهات النبوية في الحفاظ على الأخوة الإسلامية حماية أفراد الأمة
من مساوئ الأخلاق التي تضعف مابينهم من رابطة وأخوة , وإن من أبرز الأخلاق السيئة
التي جاء النهي عنها في القرآن الكريم والسنة الشريفة الوقوع في غيبة المؤمنين .
ولقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الغيبة بقوله " أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا : الله
ورسوله أعلم قال: ذكرك أخاك بما يكره , قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال:
إن كان فيه ماتقول فقد اغتبته , وإن لم يكن فيه فقد بهته " . أخرجه الإمام مسلم من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه . (صحيح مسلم , رقم 2589 , كتاب البر (ص 2001) ؛ سنن
أبي داود رقم 4875 في الأدب , باب الغيبة)
وهكذا عرف النبي صلى الله عليه وسلم الغيبة بأنها ذكر المسلم في حال غيبته بما
يكره, وقد كان بعض الصحابة رضي الله عنهم يظنون بأن الأمر المنكر هو أن تذكر أخاك
المسلم بما ليس فيه, وأن ذكره بما فيه من العيوب ليس بأمر منكر , فأبان لهم صلى
الله عليه وسلم بأن ذكر عيوب المسلم التي هي فيه وهو غائب هو الغيبة , وأن ذكره بما
ليس فيه بهتان لأن ذلك من الكذب عليه, وهو في نفس الأمر غيبة إذا كان من قيل فيه
غائبا, فتكون الصورة الأخيرة قد جمعت بين كبيرتين: الغيبة والبهتان .
ومما يدل على عدم فهم بعض الصحابة للغيبة قبل بيان النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم
كانوا يظنون أن ذكر الإنسان بما فيه ليس بأمر منكر ما أخرجه أبو داود والترمذي
رحمهما الله من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يارسول الله حسبك من صفية
قصرُها , فقال : لقد قلت كلمة لو مزج بها البحر لمزجته .
قالت : وحكيت له إنسانا فقال : ما أحب أني حكيت إنسانا وأن لي كذا وكذا.(سنن
الترمذي رقم 2503 في القيامة , باب تحريم الغيبة)
ولقد كان رد النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها بليغا وقويا , حيث
شبه تلك الكلمة من الغيبة بجسم منتن كريه الرائحة يُرمَى به في البحر فيغير من
رائحته وهو أسلوب مؤثر في التنفير من الغيبة .
وفي هذا الحديث بيان أن حكاية حركات الإنسان من مشيته وكلامه ونحو ذلك يعدُّ من
الغيبة , لأنه لو علم بالذين يقلدونه لكره ذلك .
ونجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يغتنم الفرص التي تمر به ليدعو إلى الله تعالى
وينفر المسلمين من الغيبة , فقد أخرج الإمام أحمد رحمه الله تعالى من حديث جابر بن
عبد الله رضي الله عنهما قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فارتفعت ريح منتنة
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدرون ما هذه الريح ؟ هذه ريح الذين يغتابون
المؤمنين [جمع الفوائد رقم 8004] . وإن هذا المثل يجعل المسلم كلما شم ريحا قبيحة
تذكر الغيبة ونفر منها .
ومن أمثلة ذلك أيضًا ما أخرجه الطبراني رحمه الله في المعجم الكبير من حديث عبد
الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام رجل
فوقع فيه رجل من بعده, فقال له : تخلَّل , فقال: ومم أتخلل يارسول الله أأكلت لحما
؟ قال: إنك أكلت لحم أخيك. (جمع الفوائد رقم 8005)
وهكذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم مضمون قول الله
تعالى (وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ
أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ) [ الحجرات :12] فقد ذكره في واقعة حدثت,
حيث أمر ذلك الرجل الذي وقع في الغيبة بأن يخلل أسنانه من آثار اللحم , فلما استنكر
ذلك أبان له بأنه بانتهاكه عرض أخيه كأنما بسط لحمه وصار يأكل منه .
وإنه ليكفي في بيان حجم ضرر الغيبة ذكرها في القرآن على سبيل النهي عنها والتنفير
منها .
ومما جاء في التنفير من الغيبة ما أخرجه أبو داود رحمه الله تعالى من حديث أنس بن
مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لما عُرج بي مررت بقوم
لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء ياجبريل ؟ قال: هؤلاء
الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم . (سنن أبي داود , رقم 4878 , في الأدب
, باب الغيبة)
فهذا الحديث الصحيح يبين لنا مشهدًا من مشاهد يوم القيامة الهائلة , ففي مقابل أكل
لحوم المسلمين بالغيبة يسلط الله تعالى على المغتابين يوم القيامة أظفارهم النحاسية
التي يخمشون بها وجوههم وصدورهم , ولا أظن من تذكر هذا المشهد سيُقبل على الغيبة
بعد ذلك .
ولما كان الربا قد استقر حكمه وعرف المسلمون فظاعته ونكارته فإن النبي صلى الله
عليه وسلم يمثل به في بيان نكارة الغيبة حيث يقول : " إن أربى الربا الاستطالة في
عرض المسلم بغير حق" أخرجه أبو داود رحمه الله تعالى من حديث سعيد بن زيد رضي الله
عنه.(سنن أبي داود , رقم 4876 , في الأدب , باب الغيبة)
فالربا من أكبر الكبائر ومن المعاملات التي تدمر الكيان المالي للأمة , ولما كانت
فظاعة الربا معلومة فإن النبي صلى الله عليه وسلم يغتنم الفرصة من ذلك لبيان شيء
يعدُّ من أكبر أنواع الربا , ألا وهو الخوض في عرض المسلم بغير حق , فإنه إذا كان
الربا تدميرًا للكيان المالي فإن الغيبة تدمير للكيان الخلقي للأمة .
ويبين رسول الله صلى الله عليه وسلم العقاب الأليم لمن استفاد أمورًا دنيوية من
خلال خوضه في أعراض إخوانه حيث يقول : " من أكل برجل مسلم أكلةً فإن الله يطعمه
مثلها من جهنم , ومن كسى ثوبا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم , ومن قام
برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة " أخرجه أبو
داود رحمه الله من حديث المستورد.(جمع الفوائد رقم 7999)
فهذا جزاء من جنس العمل , فالذي يتسلق على جثث إخوانه المسلمين , ويبني له مجدا
دنيويا على حساب خوضه في أعراضهم فإنه يلقى بذلك عذابا مضاعفا في جهنم, ويظهر أمام
الناس يوم القيامة بمظهر الخزي والعار بدلا من الجاه الذي حصل عليه في الدنيا , وأي
إنسان عاقل يرضى بهذه النتيجة السيئة ؟!!
* * *
-توجيهات ومواقف سلوكية -
-
مواقف في الورع والعفة والزهد –
من مواقف أمير المؤمنين عمر رضي الله
عنه :
لقد كانت لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه جهود في حماية المسلمين من الدخول في
حياة الترف والنعيم ومايترتب على ذلك من نتائج سيئة في الدنيا والآخرة ومن ذلك ما
أخرجه الإمام الطبري من طريق سيف بن عمر عن شيوخه قالوا : ولما نزل أهل الكوفة
الكوفة واستقرت بأهل البصرة الدار عرف القوم أنفسهم وثاب إليهم ماكانوا فقدوا , ثم
إن أهل الكوفة استأذنوا في بنيان القصب واستأذنه فيه أهل البصرة , فقال عمر :
العسكر أجَدُّ لحربكم وأذكى لكم وما أحب أن أخالفكم , وما القصب ؟ قالوا : العِكْرش
إذا رَوِي قصَّب فصار قصبا [العكرش نبات شوكي ينبت من نزوز الأرض] قال : فشأنكم
فابْتَنَى أهل المصرين بالقصب .
ثم إن الحريق وقع بالكوفة والبصرة وكان أشدهما حريقا الكوفة , فاحترق ثمانون عريشا,
ولم يبق فيها قصبة في شوال , فما زال الناس يذكرون ذلك , فبعث سعد منهم نفرًا إلى
عمر يسأذنون في البناء باللَّبِن فقدموا عليه بالخبر عن الحريق ومابلغ منهم –
وكانوا لايدعون شيئا ولايأتونه إلا وآمَروه فيه [ يعني شاوروه] – فقال : افعلوا
ولايزيدن أحدكم على ثلاثة أبيات [يعني غرف] ولاتطاولوا في البنيان , والزموا السنة
تلزمكم الدولة , فرجع القوم على الكوفة بذلك , وكتب عمر إلى عتبة وأهل البصرة بمثل
ذلك .
قال : وعهد عمر إلى الوفد وتقدم إلى الناس أن لايرفعوا بنيانا فوق القدر , قالوا:
وما القدر؟ قال: مالا يقربكم من السَّرف, ولايخرجكم من القصد.(تاريخ الطبري 4/43)
هذا ومن استعراض هذا الخبر يتبين لنا أن أولئك القوم كانوا زاهدين في مظاهر الدنيا
, فهم يريدون من المساكن مايكنِّهم من الشمس والمطر والبرد والحر , ولايهمهم التمتع
بالقصور والبيوت العالية , ولذلك اختاروا التعريش بالقصب الذي كان أيسر الأشياء
لديهم حتى اضطروا إلى البناء بالطين , ومع ذلك نجد عمر رضي الله عنه يضع لهم
الاحتياطات اللازمة لمنع التنافس والتطاول في البنيان .
وهذا إدراك بعيد المدى لما يُتوقع أن تكون عليه الأمة من الغنى بعد الفتوح , فهو
يحاول في هذا التوجيه وأمثاله أن يحدَّ من اندفاع الأمة نحو الإسراف والترف , وأن
يحملها على حياة القصد والاعتدال .
وإن هذا التوجيه له أصل من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وذلك في قوله :
النفقة كلها في سبيل الله إلا البناء فلا خير فيه " .
أخرجه الإمام الترمذي من طريقين وقال: هذا حديث صحيح. (سنن الترمذي , أبواب صفة
القيامة , باب 40 رقم 2482 و 2483)
ومن كلام عمر رضي الله عنه السابق يتبين لنا أن المقصود بالبناء الذي لاخير فيه
ماقرب من الإسراف وأخرج من القصد والاعتدال .
وإن من أعظم مظاهر الإسراف التطاول في البنيان , وذلك لأن البنيان يستهلك من
الإنسان- مالا كثيرًا ووقتًا طويلاً , فإذا انصرف له الإنسان بالاهتمام استحوذ على
تفكيره حتى يبقى هو الهم الأكبر عند بعض الناس .
ومن أجل إقامة بنيان يتفوق فيه الإنسان على من دونه ويحاذي فيه من يرى أنهم في
طبقته في الغنى أو يطاول من هم أعلى منه في ذلك . من أجل ذلك يضع ثروته في تشييد
القصر الذي سيسكنه, وقد يستدين من أجل أن يحقق في نفسه هذه الرغبة , فيبقى عُمْرًا
من عمره ولا مال له إلا هذا القصر الذي يكمل فيه ويجمِّل , غير ملتفت إلى مايكون قد
قصَّر فيه من النفقة الواجبة ولا إلى ما أهمله من عبادة الزكاة التي هي الركن
الثالث من أركان الإسلام والتي لايستطيع أن يجمع نصابها لإنفاقه ماله في التطاول في
البنيان .
ولئن كان مايخشاه عمر رضي الله عنه من الانفتاح الدنيوي في عهده ويحاول أن يحجز
الأمة عن التوغل فيه في ناحية البنيان لايعدو أن يكون بناء محدودًا ينتهي إعداده في
أمد قصير فإن إعداد البناء في عصرنا هذا قد يستغرق سنوات من العمر , ثم قد يعقبه في
أحوال كثيرة ديون متراكمة يظل صاحبها يجمع فضول أمواله لسدادها , وقد يمر عليه سنون
من عمره وهو لايعرف عن الزكاة شيئًا مع أنه يعدُّ من المتوسطين في الغنى الذين هم
غالبية الناس , لأن القصور التي تعارف أكثر الناس عليها تتطلب أنواعًا غاليةً من
الأثاث والكماليات التي ترهق طالبها وتجعله يظل يلاحق أنفاسه سنوات عَلَّه يصل إلى
ماتصبو إليه نفسه من مشاكلة الناس في مظاهر الحياة الدنيا.
وفي خِضَمِّ هذا التنافس تضيع أحيانًا بعض مطالب الإسلام الحيوية من العبادات
المالية التي على رأسها الزكاة والإنفاق على المجاهدين في سبيل الله تعالى , كما
أنه قد ينشغل فكر الإنسان أحيانًا عن الأمور المهمة كالصلاة وطلب العلم .
وقول عمر " مالا يقربكم من السرف ولايخرجكم من القصد" يعني أن حدود البناء المشروع
مالايقرب صاحبه من الإسراف وهو مجاوزة الحد المشروع ولايخرجه من حدود الاعتدال, وقد
ترك عمر رضي الله عنه تحديد ذلك لهم , لكل بلد عرفٌ خاص به , يتحدد به الإسراف
والاعتدال والتقتير , فالقصد إذًا يحدده العرف السائد في البلد لدى أوساط الناس من
أهل الاستقامة والالتزام بالاعتدال في الأمور الدنيوية .
فإذا شرع المسلم في بناء بيت فلْيلاحظ هذا العرف العام , ولاينبغي له أن يتعرض لنقد
أهل الصلاح والتقوى , خاصة إذا كان من أهل العلم الديني , حيث يُفترض في هؤلاء أن
يكونوا قدوة صالحة لمجتمعهم , وأن يكونوا هم الذين يحددون العرف الصالح الذي يسير
عليه أفراد المجتمع الإسلامي .
وقوله "والزموا السنة تلزمكم الدولة" يعني أن الالتزام بالطريق المستقيم الذي سار
عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب في الإدالة على الناس والتمكين في الأرض,كما
جاء في قول الله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ
كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ
الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ {55}) [ النور : 55] .
ولقد كان هذا التزهيد من عمر رضي الله عنه في مظاهر الدنيا مع أن المسلمين آنذاك
كانوا يتنافسون في هذا الزهد , فكيف بمن جاؤوا بعدهم على مرِّ العصور ممن يتنافسون
على مظاهر الدنيا؟
هذا ولقد كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه حريصا على علاج أمر الانفتاح المادي
الذي كان في عصره حيث فتحت بلاد الفرس وأجزاء من بلاد الروم , فأفاء الله تعالى على
المسلمين من غنائم الفتوح وفيء البلاد وخراجها أموالا عظيمة , ولقد خطب أمير
المؤمنين عمر خطبة بليغة شخص فيها ذلك الواقع وأرشد المسلمين إلى السلوك الأمثل .
وإن واقع المسلمين اليوم في بعض بلادهم يشبه ماكان في عهد الصحابة رضي الله عنهم
إبَّان الفتوح , من ناحية انفتاح خزائن الأرض وتوافر الأموال بشكل لم تتوقعه الأمة
ولم تترقب حصوله بذلك المستوى الكبير , وإن خطبة أمير المؤمنين عمر التي سَيَتمُّ
عرضها تظل جديدة نابضة بالحياة والعطاء , حيث تعالج واقعا نعاصره , وإذا كان
الصحابة رضي الله عنه ومن عاصرهم من التابعين بحاجة إلى هذه الوصايا النافعة فإننا
في هذا العصر أحوج إلى ذلك بكثير , لأن مستوى الإيمان أقل, ومستوى البصيرة أخف .
ولقد كان عمر رضي الله عنه يخشى على الأمة آنذاك من الغفلة عن شكر المنعم جل وعلا,
فقام مذكِّرا بالله تعالى ومايجب له من الشكر والتوحيد الخاص , حيث قال: "إن الله
سبحانه وبحمده قد استوجب عليكم الشكر , واتخذ عليكم الحُجَج فيما آتاكم من كرامة
الآخرة والدنيا, عن غير مسألة منكم له ولارغبة منكم فيه إليه " .
فذكَّرهم بأن تلك النعم العظيمة التي أفاءها الله تعالى عليهم من الفتوح لم يكونوا
يتوقعونها على ذلك النحو العظيم , ثم ذكَّرهم بالهدف العالي الذي خلقهم الله جل
وعلا من أجله, وماسخر لهم من النعم حيث قال: " فخلقكم تبارك وتعالى ولم تكونوا
شيئًا لنفسه وعبادته , وكان قادرا على أن يجعلكم لأهون خلقه عليه , فجعل لكم عامة
خلقه , ولم يجعلكم لشئ غيره, وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض , وأسبغ عليكم
نعمه ظاهرة وباطنة , وحملكم في البر والبحر , ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون , ثم
جعل لكم سمعا وبصرا" .
فقد ذكر الميزة العظمى للإنسان حيث شرفه الله تعالى على سائر المخلوقات في هذه
الأرض, فسخر كل مافيها له , ولم يسخره لشيء من المخلوقات الأخرى, وبيَّن الهدف
الأعلى من خلق الإنسان وهو القيام بعبادة الله تعالى وحده , مع تذكُّر شمول العبادة
لكل عمل مشروع أراد به فاعله وجه الله تعالى , ومن ذلك عمارة الأرض بطاعته سبحانه .
ثم ذكر النعم التي خص الله بها هذه الأمة حيث قال : "ومن نعم الله تعالى عليكم
نِعَمٌ عمَّ بها بني آدم – يعني كالتي مر ذكرها – ومنها نعم اختص بها أهل دينكم ,
ثم صارت تلك النعم خواصها وعوامها في دولتكم وزمانكم وطبقتكم , وليس من تلك النعمة
نعمة وصلت إلى امرئ خاصة إلا لو قُسم ماوصل إليه منها بين الناس كلهم أتعبهم شكرها
وَفَدحَهم حقها , إلا بعون الله مع الإيمان بالله ورسوله " .
ومن النعم التي اختص الله بها أهل هذا الدين كون السيادة في العالم لهذه الأمة ولم
تكن قبل ذلك لأهل دين من الأديان , وأصبح مايوجد في بلاد العالم من النعم الخاصة
والعامة يجتمع في دولة الإسلام لأنها قد هيمنت على دول العالم .
وفي قوله " إلا بعون من الله مع الإيمان بالله ورسوله" بيان للدوافع القوية التي
تدفع إلى شكر المنعم جل وعلا , من الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ,
وما يتفرع عن ذلك من العمل الصالح, ثم بالاستعانة بالله جل وعلا مع تعظيمه وإجلاله
وصدق النية .
ثم يبين مهمة هذه الأمة في الأرض بعدما أفاء الله عليها من الفتح والتمكين حيث
يقول:" فأنتم مستخلفون في الأرض قاهرون لأهلها قد نصر الله دينكم , فلم تصبح أمة
مخالفةً لدينكم إلا أمتان: أمة مستعَبدة للإسلام وأهله يَجزُون لكم [يعني يدفعون
لكم الجزية] يُستصفَون معايشهم وكدائحهم ورشح جباههم, عليهم المؤونة ولكم المنفعة ,
وأمة تنتظر وقائع الله وسطواته في كل يوم وليلة, قد ملأ الله قلوبهم رعبا , فليس
لهم معقل يلجئون إليه , ولامهرب يتقون به , قد دهمتهم جنود الله عز وجل ونزلت
بساحتهم " .
فهذه الأمة الإسلامية قد اختارها الله تعالى لتكون فيها الرسالة الخاتمة ,
ولتتولَّى قيادة البشرية, فمكَّن لها واستخلفها في الأرض وأذل لها أمة الفرس التي
كانت تسيطر على المشرق وأزال دولتهم من الوجود , وأصبحت بلادهم جزءًا من دولة
الإسلام , كما أذل الله تعالى لها أمة الروم التي تسيطر على المغرب , حيث اكتسحت
جنود الإسلام بلاد الشام ومصر التي كانت تحت سيطرتهم , ثم غزوهم في عُقر دارهم .
ثم يُعَدِّد نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث يقول :"مع رَفَاغَة العيش – يعني
سعته – واستفاضة المال وتتابع البعوث , وسد الثغور بإذن الله تعالى , مع العافية
الجليلة العامة التي لم تكن هذه الأمة على أحسن منها مذ كان الإسلام , والله
المحمود , مع الفتوح العظام مع كل بلد, فما عسى أن يبلغ مع هذا شكرُ الشاكرين وذكر
الذاكرين واجتهاد المجتهدين , مع هذه النعم التي لايُحصَى عددها ولايُقْدَر قدرها ,
ولايُسطاع أداء حقها إلا بعون الله ورحمته ولطفه , فنسأل الله الذي لا إله إلا هو
الذي أبلانا هذا أن يرزقنا العمل بطاعته والمسارعة إلى مرضاته" .
وعمر رضي الله عنه في هذا الكلام يحث على شكر هذه النعم ويبين أنه مع شكر الشاكرين
وذكر الذاكرين واجتهاد المجتهدين بالعبادة لن يستطيع المسلمون بلوغ شكرها ولا أداء
حقها إلا إذا شملهم الله تعالى بعونه ورحمته ولطفه .
وهذا يعدُّ فهما وتطبيقا للآية الكريمة التي شرع الله تعالى لنا تكرارها في كل صلاة
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ {5})
[الفاتحة :5] فإذا لم يكن هناك عون من الله تعالى للعبد فإنه لايصل إلى مقام
الشكر وإن اجتهد في العبادة , وما أحسن قول الشاعر :
إذا لم يكن عون من الله للفتى
فأول مايجني عليه اجتهاده
وإذا لم يشمل الله تعالى عباده برحمته ولطفه فإنهم هالكون كما قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم "لايدخل أحدكم الجنة بعمله , قالوا: ولا أنت يارسول الله ! قال "
ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل, ووضع يده على رأسه". (مسند أحمد
2/256)
ثم ختم خطبته بتذكير المؤمنين بنعمة الله تعالى عليهم حيث جمع لهم بين خيري الدنيا
والآخرة, والحال أن الظفر بخير الآخرة وحده يكفي لشعور المؤمن بنعمة ربه العظمى
عليه, فكيف إذا جمع معه خير الدنيا ؟
إلى أن قال : فأذكِّركم الله الحائل بين قلوبكم إلاَّ ماعرفتم حق الله فعملتم به,
وقسرتم أنفسكم على طاعته, وجمعتم مع السرور بالنعم خوفًا لها ولاِ نْتِقَالها
ووجلاً منها ومن تحويلها , فإنه لاشيء أسلب للنعمة من كُفرانهَا , وإن الشكر أَمْنٌ
للغِيَر ونماء للنعمة , واستجلاب للزيادة, هذا لله عليَّ من أمركم ونهيكم
واجب.(تاريخ الطبري 4/217)
* * *
- مواقف جهادية من السيرة النبوية –
مواقف من غزوة بدر الكبرى
- منـزل الجيشين ببدر –
قال ابن إسحاق : ومضت قريش حتى
نزلوا بالعُدوة القُصوى من الوادي , خَلف العَقَنْقل [اسم لكثيب الرمل الذي كانت
قريش خلفه], وبطنُ الوادي وهو يَليَل بين بدر وبين العقنقل , الكثيب الذي خلفه
قُريش , والقُلُب ببدر في العُدوة الدنيا من بطن يليل إلى المدينة.(سيرة ابن هشام
2/302)
وهكذا نزل المشركون والمسلمون
متجاورين لايفصل بينهم إلا وادي يليل وكثيب العقنقل , وقد كان أبو سفيان أراد أن
يرد ذلك الوادي ولكنه شعر بإقبال المسلمين فغيَّر اتجاه العير كما سبق .
وقد ذكر الله سبحانه مكان
الطوائف الثلاث بقوله : (إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ
الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ
تَوَاعَدتَّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَـكِن لِّيَقْضِيَ اللّهُ
أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ
حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ {42}) [الأنفال : 42] .
فالمسلمون قد نزلوا بجانب
الوادي الشمالي الأقرب إلى المدينة , والمشركون قد نزلوا بجانبه الجنوبي الأبعد من
المدينة , ولايفصل بينهم في ليلة المعركة إلا ذلك الكثيب الرملي الذي انحدروا منه
في الصباح إلى ساحة المعركة , وأبو سفيان والركب معه خلف سلسلة الجبال الغربية ,
وقد سلك طريق الساحل حينما علم بقرب المسلمين منه .
ولقد شاء الله تعالى أن يصل
الجيشان إلى ذلك الوادي في وقت واحد , ولو أنهم تواعدوا في ذلك المكان حينما فصلوا
من بلادهم لم يستطيعوا الوصول إليه في وقت واحد كما ذكر الله تعالى في هذه الآية .
وهكذا ذكر الله سبحانه أن نزول
الجيشين كان تقديرًا إلهيًّا ليتم التحامهما فيعلو الحق وينتصر أهله , وينخفض
الباطل ويُسحق أهله .
ولقد كان من تقدير الله تعالى
أن تنجو العير التجارية التي كانت مقصد المسلمين الأول , مع أنها لاتبعد كثيرًا عن
جيش المسلمين لتتم تلك المعركة العظمى التي فرق الله تعالى بها بين الحق والباطل .
- مثلان من إكرام الله
تعالى أولياءه –
(التأمين بالنعاس / إنزال
المطر )
قال الله تعالى
(إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن
السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ
وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ {11}) [ الأنفال :11]
.
قال الحافظ ابن كثير : يذكِّرهم
الله تعالى بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم أمانًا أمَّنهم الله به من
خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم وقلة عددهم .
ثم ذكر الحديث الذي أخرجه
الحافظ أبو يعلى بإسناده عن علي رضي الله عنه قال: ماكان فينا فارس يوم بدر غيرَ
المقداد , ولقد رأيتنا ومافينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت
شجرة ويبكي حتى أصبح. (تفسير ابن كثير 2/212)
وأخرجه الإمام الطبري من طريق
أبي رزين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: النعاس في القتال أمنة من الله عز
وجل , وفي الصلاة من الشيطان.(تفسير الطبري 9/193)
فالنعاس في الحرب نعمة من الله
تعالى , وذلك لأن من اعتراه الخوف يزول عنه النوم عادة, والحرب مهما كان الاستعداد
المادي فيها فهي مظنة الخوف , وكلما كان الاستعداد أقل والعدو أكثر وأقوى كان ذلك
أدعى إلى القلق وزوال النوم , والنوم ضروري للجسم حتى يستعيد الجسم بعده قوته
ونشاطه .
ولما كان جيش الكفار في بدر
يبلغ ثلاثة أضعاف المسلمين ويفوقهم كثيرًا في الاستعداد الحربي كان المتوقع من
المسلمين أن يعتريهم ليلة المعركة شيء من الخوف والقلق , فمنَّ الله تعالى عليهم
بإنزال النعاس عليهم حتى ناموا تلك الليلة وأخذوا قسطا كافيا من الراحة استعدادًا
لخوض تلك المعركة المخيفة .
فهذه نعمة مَنَّ الله تعالى بها
على أوليائه المؤمنين ليلة بدر , والنعمة الأخرى نزول المطر عليهم تلك الليلة , وفي
بيان هذه النعمة يقول الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى:
وأما قوله عز وجل
(وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء
لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ) فإن ذلك مطر أنزله الله من السماء يوم بدر , ليطهر به
المؤمنين لصلاتهم , لأنهم كانوا أصبحوا يومئذ مُجنبين على غير ماء [أي أصبح بعضهم على جنابة بسبب الاحتلام] , فلما أنزل الله عليهم
الماء , اغتسلوا وتطهروا , وكان الشيطان وسوس لهم بما حزَّنهم به, من إصباحهم
مجنبين على غير ماء , فأذهب الله ذلك من قلوبهم بالمطر , فذلك ربطُه على قلوبهم,
وتقويته أسبابهم , وتثبيته بذلك المطر أقدامهم , لأنهم كانوا التقوا مع عدوهم على
رملة هشاء , فلبدها المطر , حتى صارت الأقدام عليها ثابتة لاتسوخ فيها , توطئة من
الله عز وجل لنبيه عليه السلام وأوليائه أسباب التمكن من عدوهم , والظفر بهم .
ثم ذكر الآثار في ذلك عن
الصحابة والتابعين , ومن ذلك مارواه بإسناده عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي
الله عنهما قال: نزل النبي صلى الله عليه وسلم , يعني حين سار إلى بدر , والمسلمون
بينهم وبين الماء رملة دعْصة [أي هشة لينة], فأصاب المسلمين ضعف شديد , وألقى
الشيطان في قلوبهم الغيظ, فوسوس بينهم : تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله , وقد
غلبكم المشركون على الماء, وأنتم تصلون مُجْنبين , فأمطر الله عليهم مطرا شديدا ,
فشرب المسلمون وتطهروا , وأذهب الله عنهم رجز الشيطان , وثبت الرمل حين أصابه المطر
, ومشى الناس عليه والدواب , فساروا إلى القوم , وأمد الله نبيه بألف من الملائكة ,
فكان جبريل عليه السلام في خمس مئة من الملائكة مُجنِّبة , وميكائيل في خمس مئة
مجَنِّبة .(تفسير الطبري 9/195 , والمجنِّبة بكسر النون وتشديدها هي الكتيبة التي
تأخذ إحدى جانبي الجيش)
وهكذا امتن الله تعالى على أوليائه المؤمنين بإنزال ذلك المطر لهذه
النعم العظيمة التي ذكرها وهي :
1- أن يجدوا ماء يتطهرون به
لصلاتهم , حيث إنهم نزلوا قبيل آبار بدر على غير ماء ولم يكن معهم ماء .
2- إزالة وساوس الشيطان عنهم
حيث وسوس لهم بإثارة القلق في نفوسهم من الإقدام على الصلاة بغير طهارة .
3- تسكين قلوبهم وطمأنتها بأن
الله تعالى معهم بجوده وإنعامه ومن كان معهم في ذلك فإنهم جديرون بأن يكون معهم
بنصره وتأييده وهو المطلب المهم عندهم .
4- تثبيت الرمل الذي كان بينهم
وبين بدر حتى استطاعوا أن يسيروا عليه هم ودوابهم بسهولة وسرعة , مما مكنهم من
الوصول إلى آبار بدر واختيار المكان المناسب للحرب قبل أعدائهم .
وفي بيان هذه النعمة يقول محمد
بن إسحاق رحمه الله تعالى : وبعث الله السماء , وكان الوادي دَهْسا [أي لينًا فيه
رمل ناعم] فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ما لبَّدلهم الأرض ولم
يمنعهم عن السير, وأصاب قريشًا منها مالم يَقْدروا على أن يرتحلوا معه , فخرج رسول
الله صلى الله عليه وسلم يُبادرهم إلى الماء , حتى إذا جاء أدنى ماء بدر نزل
به.(سيرة ابن هشام 2/302)
وهذا من إكرام الله
تعالى لأوليائه المؤمنين , حيث كان المطر رحمة وتيسيرًا على المؤمنين , وكان مشقة
وتعويقا للكافرين .
- مثل من أخلاق النبي صلى
الله عليه وسلم العالية –
( مشورة الحباب بن المنذر )
وهذا يصور مثلا من حياة الرسول
صلى الله عليه وسلم مع أصحابه حيث كان أي فرد من أفراد ذلك المجتمع يدلي برأيه حتى
في أخطر القضايا , ولايكون في شعوره احتمال غضب القائد الأعلى, ثم حصول مايترتب على
ذلك الغضب من تدني سمعة ذلك المشير الذي أشار بخلاف رأي القائد وتأخره في الرتبة
وتضرره في نفسه أو ماله .
إن هذه الحرية التي ربَّى عليه
رسول الله أصحابه مكَّنت مجتمعهم من الاستفادة من عقول جميع أهل الرأي السديد
والمنطق الرشيد , فالقائد فيهم ينجح نجاحا باهرًا وإن كان حديث السن لأنه لم يكن
يفكر برأيه المجرد أو آراء عصبة مهيمنة عليه قد تنظر لمصالحها الخاصة قبل أن تنظر
لمصلحة المسلمين العامة , وإنما يفكر بآراء جميع أفراد جنده , وقد يحصل له الرأي
السديد من أقلهم سمعة وأبعدهم منزلة من ذلك القائد , لأنه ليس هناك مايحول بين أي
فرد منهم والوصول برأيه إلى قائد جيشه .
قال ابن إسحاق : فحدّثني عبد
الله بن أبي بكر أنه حُدِّث : أن سعد بن معاذ قال: يانبي الله ألا نَبْني لك عريشًا
تكون فيه , ونُعدُّ عندك ركائبك , ثم نَلقى عدوّنا , فإن أعزّنا الله وأظهرنا على
عدونا , كان ذلك ما أحببنا , وإن كانت الأخرى , جلست على ركائبك, فلحقت بمن وراءنا
من قومنا , فقد تخلف عنك أقوامٌ , يانبي الله , مانحن بأشدَّ لك حبّا منهم, ولو
ظنوا أنك تلقى حربًا ماتخلفوا عنك , يمنعك الله بهم , يناصحونك ويجاهدون معك, فأثنى
عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا , ودعا له بخير ثم بُني لرسول الله صلى
الله عليه وسلم عريش , فكان فيه.(سيرة ابن هشام 2/303)
في هذا الخبر موقف جليل لسعد بن
معاذ رضي الله عنه وذلك بالاهتمام بسلامة النبي صلى الله عليه وسلم , والاهتمام
بمستقبل الإسلام الذي يترتب آنذاك على بقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم مع البقية
الباقية من المسلمين فيما لو حصل على ذلك الجيش إصابة كما أن فيه موقفًا آخر له في
ثنائه على إخوانه المؤمنين الذين في المدينة واعتذاره لهم عن تخلفهم بأنهم لم
يكونوا يظنون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا من أعدائه .
وهذا لايعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بقي في ذلك العريش وترك أصحابه
يواجهون المعركة وحدهم , بل كان فيه ليلة المعركة يصلي ويدعو الله تعالى ثم قاد
المعركة في الصباح بنفسه, وشارك فيها – كما سيأتي - .
* * *
- مثل من تسامح النبي صلى الله عليه وسلم مع بعض الكفار -
(نفر من الكفار يشربون من حوض المسلمين )
قال ابن إسحاق : فلما نزل الناس
أقبل نفرٌ من قريش حتى وَردُوا حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم : فيهم حكيم بن
حزام , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوهم : فما شرب منه رجلٌ يومئذ إلا
قتل [يعني في المعركة], إلا ماكان من حكيم بن حزام , فإنه لم يُقتل , ثم أسلم بعد
ذلك , فحسُن إسلامه , فكان إذا اجتهد في يمينه , قال: لا والذي نجاني من يوم
بدر.(سيرة ابن هشام 2/304)
في هذا الخبر مثل من تسامح
النبي صلى الله عليه وسلم مع الأعداء الذين جاؤوا وهم بحاجة إلى الماء ولم يقوموا
بتحدي المسلمين ولم يظهروا غطرسة الكفار وجبروتهم , فغلب على النبي صلى الله عليه
وسلم اعتبار جانب الرحمة فسمح لهم بالشرب من ذلك الحوض , ولم ير مسوغا لمنعهم نكاية
بالأعداء لكونهم جاؤوا بصورة الحاجة والاستعطاف .
وماجاء في الخبر من قول حكيم بن
حزام رضي الله عنه إذا اجتهد في يمينه "لا والذي نجاني يوم بدر" تصوير للنقلة
العظمى التي نقله – وأمثاله – إليها الإسلام .
******
انتهت
|