|
المصلحون : العدد الثاني
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .
2 – أضواء من الهدي النبوي .
3 – توجيهات ومواقف سلوكية .
4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .
- أضواء من هدي القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى [{8} يُخَادِعُونَ اللّهَ
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ {9}
فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا
كَانُوا يَكْذِبُونَ {10} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ
قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ {11} أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ
وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ {12} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ
النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ
السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ {13}][البقرة : 8 – 13] .
[8 – 9] يبين الله سبحانه في هذه الآيات حال القسم الثالث من أقسام الناس ، وهم
المنافقون الذين يظهرون الإيمان بالله ورسوله وماهم بمؤمنين حقا ، بل يتظاهرون بذلك
أمام المؤمنين لمصالح دنيوية .
فهؤلاء المنافقون يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر محاولين بذلك أن يخدعوا الله جل
وعلا والذين آمنوا ، حتى يتمتعوا بما يتمتع به المسلم من عصمة الدم والمال ،
والحصول على المنافع المادية والمعنوية التي يحصل عليها المسلم ، وليتمكنوا من
الكيد للمسلمين في الخفاء وإلحاق الضرر بهم وهم آمنون من نقمتهم بهم ، لكنهم إن
استطاعوا أن يحصلوا على تلك المقاصد الدنيئة أو بعضها فإنهم قد خسروا ماهو أكبر من
ذلك ، حيث خسروا سعادة الدنيا والآخرة .. خسروا سعادة الدنيا لأنهم عاشوا في قلق
نفسي ورعب دائم، فقد كانوا يتوقعون في كل يوم أن ينكشف أمرهم فيبطش بهم المؤمنون ،
وخسروا سعادة الآخرة لأن الله تعالى قد أعدَّ لهم العذاب الأليم في الدرك الأسفل من
النار، وهذه هي الخسارة الكبرى التي لاتعادلُها خسارة .
وإذا كان الأمر كذلك فإن المنافقين في الحقيقة لم يخدعوا الله عز وجل ولم يخدعوا
المؤمنين، وإنما خدعوا أنفسهم لأنهم هم الذين وقع عليهم الضرر في هذه المخادعة،
ولكنهم لايدركون ذلك لأنهم سادرون في غيهم غافلون عن مستقبل أمرهم .
[10] ثم بين سبحانه البواعث التي دفعتهم إلى الكفر والنفاق بقوله
[فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ] أي مرض معنوي وهو
اعتلال القلب بما يخرجه عن الاستقامة كالشك والحيرة ، والغل والحسد ، والجبن والضعف
، فماذا كان مرض المنافقين ؟
الواقع أن أغلب المنافقين لم يكونوا في شك من أن هذا القرآن منـزل من عند الله
تعالى، ولا أن ما أمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي يجب اتباعه ،
ولكنهم لضعف إرادتهم لم يستطيعوا السيطرة على أهوائهم المنحرفة ولا التحكم في
غرائزهم الجامحة ، فاتبعوا أهواءهم التي زينت لهم التمسك بما ضاع عنهم من بروز
اجتماعي يرون أن الإسلام قد سلبه منهم ، واستجابوا لنداء غرائزهم التي زينت لهم
الاستمتاع بمباهج الحياة الدنيا بلا قيد ولاشرط ، فزادهم الله ضعفا في إرادتهم
عقوبة لهم ، إما لتفريطهم في طلب الحق والانشغال عنه بمعتقداتهم الباطلة ، وإما
لابتعادهم عن الحق بعد معرفته .
[11] ثم بين عز وجل أن الدوافع التي جعلتهم يتمسكون بما هم عليه من الغي والضلال هي
ما يتصفون به من اختلال الموازين وانقلاب المفاهيم في العقول والأفكار ، حيث يصفون
أنفسهم بأنهم مصلحون في الأرض بذلك النفاق الذي التزموا به ، فالإصلاح في نظرهم هو
التمتع بنعيم الحياة وملذاتها بلا حدود ولاقيود ، وذلك لأن الذي يؤمن بالله واليوم
الآخر يكون هدفه طلب رضوان الله تعالى وابتغاء السعادة في الآخرة ، وهذا قد يضر
بدنياه ، أما الذي لايؤمن بالله واليوم الآخر فإن هدفه إشباع شهواته وتحقيق رغباته
في هذه الحياة الدنيا ، وهذا يضر بآخرته ، وما الأعمال التي يقوم بها في حرب
الإسلام إلا محاولة منه لتحقيق هذه الغاية ، فالعمل للدنيا وترك الآخرة هو إصلاح في
نظر المنافق، ولكنه إفساد في نظر المؤمن ، والعمل للآخرة هو إصلاح في نظر المؤمن
وإن أضر بدنياه، ولكنه إفساد في نظر المنافق ، ومن هذا وقع الاختلاف بين المؤمنين
والمنافقين في الحكم على عمل كلٍّ منهم .
[12] وقد حكم الله سبحانه على مبدأ المنافقين هذا بأنه هو الإفساد بعينه ، فهم
المفسدون البالغون الغاية في الإفساد ، وذلك لأن الحياة الدنيا ليست محل موازنة مع
الحياة الآخرة، فالدنيا دار تكليف ، والآخرة دار جزاء ، والدنيا دار فناء والآخرة
دار خلود وبقاء، ونعيم الدنيا لايقاس بنعيم الآخرة ، وما رغب به هؤلاء المنافقون من
نعيم الدنيا قد حظي المؤمنون بمثله أو أكثر في حدود المنهج الإسلامي ، لأن الأرض
لله تعالى يورثها من يشاء من عباده ، وإذا كان المنافقون قد عاشوا في قلق ورعب فإن
المؤمنين يعيشون في طمأنينه وراحة نفسية لايتمتع بها غيرهم ، ولكن المنافقين
لايدركون ذلك لأنهم لايؤمنون بالآخرة فلم يحسبوا لها حسابا في منهج أعمالهم .
[13] ثم يبين الله عز وجل أن المنافقين إذا عُرض عليهم الإيمان بالإسلام الذي آمن
به ذوو العقول الراجحة والأفكار الصائبة من الناس أعرضوا عن الإيمان ، واتهموا
المؤمنين بخفة العقل وضعف الرأي ، لأنهم على حد زعمهم قد ضيعوا دنياهم وعرَّضوا
حياتهم للخطر في سبيل خدمة دينهم .
ولما كان العقل السليم يهدي إلى الإيمان بالله تعالى والاستقامة على دينه حكم الله
جل وعلا عليهم بأنهم هم السفهاء الذين بلغوا في خفة العقول وضعف الآراء حدا لايبلغه
غيرهم، حيث اشتغلوا بدنياهم وضيعوا آخرتهم ، ولكنهم لضعف أفكارهم وانحراف أهوائهم
لايدركون أنهم هم السفهاء .
* *
*
- أضواء من الهدي النبوي -
-من آداب الكلام –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
- توجيهات ومواقف سلوكية -
-مواقف في الورع والعفة والزهد –
من مواقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه :
اشتهر الصحابة رضي الله عنهم بالورع والزهد , ومن أخبار أبي بكر الصديق في ذلك
مارواه الإمام أحمد بإسناده عن قيس بن أبي حازم قال: كان لأبي بكر غلام فكان إذا
جاء بغلَّته لم يأكل من غلته حتى يسأله , فإن كان شيئًا مما يحب أكل , وإن كان
شيئًا يكره لم يأكل, قال: فنسي ليلةً فأكل ولم يسأله , ثم سأله فأخبره أنه من شيء
كرهه, فأدخل يده فتقيأ حتى لم يترك شيئًا.[الزهد / 110 ]
وفي رواية أنه لم يستطع إخراج تلك اللقمة فقال له من حوله : إنها لاتخرج إلا بالماء
, فشرب فخرجت , فقيل له : رحمك الله , كلُّ هذا من أجل هذه اللقمة , فقال : لو لم
تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها , سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "كل جسم نبت
من حرام فالنار أولى به " .
فهذا مثال على ورع أبي بكر رضي الله عنه حيث كان يتحرى الحلال في مطعمه ومشربه,
ويجتنب الشبهات , وهذه الخصلة تدل على بلوغه درجات عُليا في التقوى , ولايَخْفَى
أهمية طيب المطعم والمشرب والملبس في الدين , وعلاقة ذلك بإجابة الدعاء , كما في
حديث الأشعث الأغبر وفيه "يمدُّ يديه إلى السماء : يارب يارب , ومطعمه حرام ,
ومشربه حرام , وملبسه حرام, وغُذِىَ بالحرام , فَأَنَّى يستجاب لذلك.[صحيح مسلم ,
الزكاة , رقم 1015 (2/703) ]
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن أبي مليكة قال قالت عائشة رضي
الله عنها : لما حُضِر أبي رحمه الله دعاني فقال : يابُنَيَّة إني كنت أعطيتك تمر
خيبر ولم تكوني أخذتيها وإني أحب أن ترديها علي , قالت : فبكيت , ثم قلت : غفر الله
لك يا أَبةِ والله لو كانت خيبر ذهبا جميعا لرددتها عليك , فقال: هي على كتاب الله
عز وجل , يابُنَيَّة إني كنت أتْجَر قريش (لعلها : من أتجر قريش) وأكثرهم مالا ,
فلما شَغَلَتْنِىَ الإمارة رأيت أن أصيب من المال بقدر ما شغلني , يابُنيَّة هذه
العباءة القطوانية وحِلابٌ (أي ناقة حلوب) وعبدٌ , فإذا مت فأسرعي به إلى ابن
الخطاب , يابُنيَّة ثيابي هذه فكفنوني بها , قالت : فبكيت وقلت : يا أبة نحن [في
غِنًى] من ذلك , فقال: غفر الله لك وهل ذلك إلا للمَهَل (أي لمدة قصيرة ثم يبلى) ؟
وفي رواية أنه قال: الحيُّ أولى بالجديد من الميت .
قالت : فلما مات بعثت بذلك إلى ابن الخطاب فقال : يرحم الله أباك لقد أحب أن لايترك
لقائل مقالا. (الزهد / 111)
فهذا مثل آخر من ورع أبي بكر الصديق رضي الله عنه , فقد أراد أن يخرج من الدنيا وهو
نَقِيٌّ خالص من الكدر أو مايشبهه , وقد كان يأخذ من بيت مال المسلمين مايكفيه للحد
الضروري من المعيشة مقابل تفرغه لأمور المسلمين وترك التجارة , فلما حضرتْه الوفاة
رأى أن ذمته لاتبرأ إلا بردِّ ماكان عنده من ذلك وإن كان يسيرا لتوقف عمله لصالح
المسلمين بالوفاة , وذلك مبالغة منه رضي الله عنه في براءة الذمة .
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث ربيعة بن كعب الأسلمي قال : كنت أخدم النبي
صلى الله عليه وسلم ... وذكر حديثًا ثم قال : إن رسول الله , أعطاني بعد ذلك أرضا
وأعطى أبا بكر أرضًا وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلة , فقلت أنا : هي في حدِّي ,
وقال أبو بكر , هي في حدي , فكان بيني وبين أبي بكر كلام , فقال أبو بكر كلمة كرهها
وندم فقال لي : ياربيعة رد عليها مثلها حتى تكون قصاصا , قال : قلت : لا أفعل ,
فقال أبو بكر , لتقولن أو لأستعدين عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم ,فقلت : ما
أنا بفاعل , قال: ورفض الأرض (أي فارق أبو بكر الأرض) وانطلق أبو بكر رضي الله عنه
إلى النبي صلى الله عليه وسلم , وانطلقت أتلوه , فجاء ناس من أسلم فقالوا لي : رحم
الله أبا بكر , في أي شيء يستعدي عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قال لك
ماقال , فقلت : أتدرون من هذا ؟ هذا أبو بكر الصديق , هذا ثاني اثنين , وهذا ذو
شيبة المسلمين , إياكم لايلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب, فيأتي رسول الله صلى
الله عليه وسلم فيغضب لغضبه فيغضب الله عز وجل لغضبهما فيهلك ربيعة , قالوا:
ماتأمرنا ؟ قال: ارجعوا, قال : فانطلق أبو بكر رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فتبعته وحدي حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه الحديث كما كان ,
فرفع إلي رأسه فقال: ياربيعة مالك وللصديق ؟ ! قلت : يارسول الله كان كذا كان كذا ,
قال لي كلمة كرهها فقال : قل لي كما قلت حتى يكون قصاصا فأبيت , فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم : أجل فلا ترد عليه , ولكن قل : غفر الله لك يا أبا بكر , فقلت: غفر
الله لك يا أبا بكر .
قال : قال الحسن [ البصري ] : فولَّى أبو بكر رضي الله عنه وهو يبكي مسند أحمد 4/58
– 59.
فهذا الخبر يدل على ورع أبي بكر الصديق رضي الله عنه وخشيته من الله تعالى,فحينما
قال –في ساعة غضب–تلك الكلمة لربيعة بن كعب رضي الله عنه ندم على ذلك ,وخشى أن
يحاسب عليها يوم القيامة,فأهمه ذلك الأمر وطلب من ربيعة أن يرد عليه بمثلها ليطهر
صحيفته منها, فلما أبي اشتكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليضمن النجاة من مغبة
تلك الكلمة,وهذا أمر عجيب فإنَّ أبابكر قد نسى أرضه ونسي قضية الخلاف,وشغل باله أمر
تلك الكلمة لأن حقوق العباد لابد فيها من عفو صاحب الحق.
وقد استنكر قوم ربيعة أن يذهب أبو بكر يشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
الذي قال ماقال , ولم يعلموا ماعلمه أبو بكر من لزوم إنهاء قضايا الخصومات , وإزالة
ماقد يعلق في القلوب من الموجدة في الدنيا قبل أن يكتب ذلك في الصحف ويترتب عليه
الحساب يوم القيامة .
وعلى الرغم مما ظهر من رضى ربيعة وتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عدم الرد على
أبي بكر فإن أبا بكر قد بكى من خشية الله تعالى , وهذا دليل على قوة إيمانه ورسوخ
يقينه .
وأخيرًا موقف يذكر لربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه , حيث قام بإجلال أبي بكر
رضي الله عنه , وأبى أن يرد عليه بالمثل , وهذا من تقدير أهل الفضل والتقدم
والمعرفة بحقهم , وهو دليل على قوة الدين ورجاحة العقل .
ومن ذلك ما أخرجه محمد بن سعد من حديث عائشة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم وغيرهم
أنهم قالوا: بويع أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوم قبض رسول الله صلى الله عليه
وسلم يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من مهاجر
رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكان منزله بالسُّنح عند زوجته حبيبة بنت خارجة بن
زيد بن أبي زهير من بني الحارث بن الخزرج , وكان قد حجَّر عليه حجرة من شعر فما زاد
على ذلك حتى تحول إلى منزله بالمدينة , فأقام هناك بالسنح بعدما بويع له ستة أشهر
يغدو على رجليه إلى المدينة , وربما ركب على فرس له , وعليه إزار ورداء ممشق ,
فيوافي المدينة فيصلي الصلوات بالناس , فإذا صلى العشاء رجع إلى أهله بالسنح , فكان
إذا حضر صلى بالناس , وإذا لم يحضر صلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
قالوا : وكان يقيم يوم الجمعة في صدر النهار بالسنح يصبغ رأسه ولحيته , ثم يروح
لقدر الجمعة فيجمع بالناس , وكان رجلا تاجرا , فكان يغدو كل يوم إلى السوق فيبيع
ويبتاع , وكانت له قطعة غنم تروح عليه , وربما خرج هو نفسه فيها , وربما كُفِيها
فرُعيت له , وكان يحلب للحي أغنامهم, فلما بويع له بالخلافة قالت جارية من الحي :
الآن لاتُحلب لنا منائح دارنا , فسمعها أبو بكر فقال: بلى لعمري لأحلبنها لكم ,
وإني لأرجو أن لايغيرني مادخلت فيه عن خلق كنت عليه, فكان يحلب لهم فربما قال
للجارية من الحي:ياجارية أتحبين أن أرغي لك أو أصرح (أي أجعل للحليب رغوة أو اجعله
خالصا منها)؟ فربما قالت: أرغ , وربما قالت : صرح , فأي ذلك قالت فعل .
قالوا : فمكث كذلك بالسنح ستة أشهر , ثم نزل إلى المدينة فأقام بها , ونظر في أمره
فقال: لا والله مايُصلح أمر الناس التجارة , ومايصلح لهم إلا التفرغ والنظر في
شأنهم, ومابُدٌّ لعيالي مما يصلحهم , فترك التجارة واستنفق من مال المسلمين مايصلحه
ويصلح عياله يوما بيوم , ويحج ويعتمر , وكان الذي فرضوا له كل سنة ستة آلاف درهم
(لكن الظاهر أنه لم يقبل ذلك لأن المشهور أنه كان ينفق درهمين كل يوم), فلما حضرته
الوفاة قال: ردوا ماعندنا من مال المسلمين , فإني لا أصيب من هذا المال شيئا ,
وإنَّ أرْضي التي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم ,فدُفِع ذلك إلى عمر
رضي الله عنه ولَقُوح (أي ناقة صغيرة)وعبد صَيْقل(أي يصقل السيوف ويحدُّها)وقطيفة
ماتساوي خمسة دراهم , فقال عمر : لقد أتعب من بعده (طبقات ابن سعد 3/185 – 187).
ففي هذا الخبر بيان شيء من أخلاق أبي بكر الصديق رضي الله عنه وزهده وورعه , فمن
ذلك أنه كان يحلب لأهل حيِّه أغنامهم , وهذا تواضع كبير من رجل كبير .. كبير في سنه
, وكبير في منزلته وجاهه , حيث كان خليفة المسلمين , وكان حريصا على أن لاتغير
الخلافة شيئا من معاملته للناس وإن كان ذلك سيأخذ عليه وقتا هو بحاجة إليه , كما أن
هذا العمل يدلنا على مقدار تقدير الصحابة رضي الله عنهم لأعمال البر والإحسان وإن
كلَّفتهم الجهد والوقت .
ومن ذلك أنه اكتفى بذلك المبلغ البسيط الذي كان يأخذه من بيت المال مقابل تفرغه
للولاية, وهذا مثل على زهده في الحياة الدنيا واكتفائه منها بما يبلغه للحياة
الآخرة .
ومن ذلك تورعه عما بقي عنده من المال العام حينما حضرته الوفاة , وهو مبلغ زهيد
لايلفت النظر, ولكن لدقة إحساسه تنبَّه له , وكذلك ماقام به من الوصية بتعويض بيت
مال المسلمين بأرضه المذكورة مقابل ما أنفق على نفسه وعياله منه , وهكذا رغب في أن
يكون عمله في الولاية تطوعا تعففا منه وورعًا رضي الله عنه , ولقد أثنى عليه عمر
رضي الله عنه ببيان أن العمل الذي قام به لايستطيع أحد أن يقوم به إلا بصعوبة بالغة
.
* * *
- مواقف جهادية من السيرة النبوية -
مواقف من غزوة بدر الكبرى
خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لتلقي العير :
قال ابن إسحاق : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال مضت من شهر رمضان في
أصحابه(قال ابن هشام : خرج يوم الاثنين لثمان ليال خلون من شهر رمضان) واستعمل عمرو
بن أم مكتوم – ويقال اسمه : عبد الله ابن أم مكتوم أخا بني عامر بن لؤي – على
الصلاة بالناس , ثم رد أبا لُبابة من الرَّوحاء (الروحاء قرية على ليلتين من
المدينة في طريق مكة), واستعمله على المدينة (كما جاء في ترجمته عند الحاكم من حديث
عروة بن الزبير أن أبا لبابة بشير بن عبد المنذر والحارث بن حاطب خرجا إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم وخرجا معه إلى بدر فرجّعهما وأمَّر أبا لبابة على المدينة
, وضرب لهما بسهمين مع أصحاب بدر – المستدرك 3/632 -).
قال ابن إسحاق :ودفع اللواء إلى مُصْعب بن عُمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبدالدار
(قال ابن هشام : وكان أبيض).
وكان أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سْوداوان إحداهما مع عليّ بن أبي
طالب , يقال لها: العُقاب, والأخرى مع بعض الأنصار.(وقد ذكر ابن هشام أنها كانت مع
سعد بن معاذ)
قال ابن إسحاق : وكانت إبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سبعين بعيرًا
, فاعتقبوها , فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم , وعلي بن أبي طالب , ومَرْثَد
ابن أبي مَرْثَد الغّنويّ يَعْتَقبون بعيرًا , وكان حمزة بن عبد المطلب , وزيد بن
حارثة , وأبو كَبْشَة وأنَسة , موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقبون بعيرًا,
وكان أبو بكر , وعمر , وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرًا.(سيرة ابن هشام 2/292 –
293)
- أمثلة من مكام الأخلاق –
(خبر النبي صلى الله عليه وسلم مع زميليه في الدَّابّه )
أخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود قال : "كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير,
كان أبو لبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال: وكانت
عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: نحن نمشي عنك , فقال: ما أنتما بأقوى مني
ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما.(مسند أحمد بتحقيق الشيخ أحمد شاكر وقد صحح إسناده
6/3 رقم 3901)
وفي هذا موقفان لرسول الله صلى الله عليه وسلم : الأول
في تواضعه الجمّ , حيث عدَّ نفسه كفرد من أفراد المسلمين , فلم يجعل لنفسه راحلة
مستقلة , بل أشرك معه اثنين كبقية الجيش , وهو بهذا يقرر مبدأً عاليًا من مباديء
العدالة والمساواة في الحقوق المشتركة , ويعطي بذلك مثلا عاليا للقائد القدوة في
الكمال الإنساني , حيث أفاد بسلوكه هذا بأن الكمال في الإسلام لايكون بالترفع
والأبَّهة والتميز , وإنما يكون بالتواضع والمساواة في الحقوق العامة .
والموقف الثاني :
في رفضه عرض زميليه علي بن أبي طالب وأبي لبابة بن عبد المنذر في التنازل له عن
الراحلة , حيث أفاد بأن الذي له حق التَّمَيُّز في مثل هذه الحال هو ضعيف الجسم
الذي لايقوى على المشي , فهو معذور في تخصيصه بزيادة المنفعة " ما أنتما بأقوى
مني", كما أفاد بأن المشي في سبيل الله فيه ثواب عند الله تعالى , ولايزهد بهذا
الثواب إلا من لايقدِّر الثواب الأخروي , والرسول صلى الله عليه وسلم أسبق الناس
إلى العمل لرضوان الله تعالى والسعادة الأخروية " وما أنا بأغنى عن الأجر منكما " .
وموقف للصحابيين الجليلين علي بن أبي طالب وأبي لبابة حيث تنازلا للنبي صلى الله
عليه وسلم عن حقهما في البعير ليركبه وحده , وهذا من خلق الإيثار الذي يعدُّ من
أعلى مكارم الأخلاق , وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يؤْثر بعضهم بعضا بمتاع الدنيا
ووسائل الراحة فيها, فلا غرابة أن آثر هذان الصحابيان رسول الله صلى الله عليه وسلم
.
هذا وسبق أن ذكر ابن إسحاق أن زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم هما علي ابن أبي
طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنوي , فهذا محمول على ماكان عليه الأمر بعد أن أعاد
الرسول صلى الله عليه وسلم أبا لبابة إلى المدينة, فذكر ابن إسحاق اللَّذين زاملاه
أكثر الطريق .
- مثل من التنافس على العمل الصالح -
( خبر سعد بن خيثمة وأبيه )
قال الحافظ ابن حجر : قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب : استَهَم يوم بدر سعد بن خيثمة
وأبوه فخرج سهم سعد فقال له أبوه : يابني آثرني اليوم , فقال سعد : يا أبت لو كان
غير الجنة فعلت : فخرج سعد إلى بدر فقتل بها , وقتل أبوه خيثمة يوم أحد.(الإصابة
2/23 – 24 , رقم 3118)
وهذا مثل من تسابق الصحابة رضي الله عنهم على الجهاد في سبيل الله تعالى الذي
يعدُّونه سبيلا للشهادة التي هي أسرع طريق إلى الجنة وإلى علو الدرجات فيها.
فهذا سعد بن خيثمة وأبوه رضي الله عنهما كل واحد منهما يريد الخروج مع النبي صلى
الله عليه وسلم إلى بدر, ولايستطيعان الخروج معًا لاحتياج أسرتهما وعملهما الزراعي
إلى بقاء أحدهما , فلم يتنازل أحدهما عن الخروج رغبة في الشهادة حتى اضطرا إلى
الاقتراع بينهما , فكان الخروج من نصيب الابن سعد .
ومع ذلك فإن نفس أبيه خيثمة ظلت تنازعه الرغبة في الخروج فطلب من ابنه أن يؤثره
بنصيبه من ذلك , وكان ابنه في غاية الأدب مع أبيه ولكنه في غاية الشوق إلى الجنة
حيث أجابه بهذا الجواب البليغ "يا أبت لو كان غير الجنة فعلت" .
ولما كان الله تعالى يعلم صدق نيتهما في طلب الشهادة وهبها لهما , فحينما فاتت
خيثمة في بدر نالها في أحد .
- مواقف جهادية عالية لبعض الصحابة -
( استشارة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في القتال )
قال ابن إسحاق : وأتاه – يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - الخبرُ عن قُريش
بمسيرهم ليمنعوا عيرهم, فاستشار الناس , وأخبرهم عن قريش , فقام أبو بكر الصديق ,
فقال وأحسن , ثم قام عمر بن الخطاب , فقال وأحسن , ثم قام المقداد بن عمرو فقال :
يارسول الله , امض لما أراك الله فنحن معك , والله لانقول لك كما قالت بنو إسرائيل
لموسى :[ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا
هَاهُنَا قَاعِدُونَ {24} ] [ المائدة :24] , ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا
معكما مقاتلون, فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه
حتى تبلغه , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير. (وقد أخرج
قول المقداد رضي الله عنه الإمام البخاري من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
قال : شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به .. ثم
ذكر نحوه – صحيح البخاري , المغازي , رقم 3952(7/287) . وأخرجه كذلك الحاكم من حديث
عبد الله بن مسعود وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي – المستدرك 3/349.
والمقداد بن الأسود هو المقداد بن عمرو البهراني , وإنما اشتهر بابن الأسود لأن
الأسود بن عبد يغوث الزهري كان قد تبناه في الجاهلية فنسب إليه على عادة أهل
الجاهلية إلى أن جاء الإسلام بإبطال عادة التبني فنسب إلى أبيه عمرو . وقال الواقدي
في برك الغماد : وبرك الغماد من وراء مكة بخمس ليال من وراء الساحل مما يلي البحر
وهو على ثمان ليال من مكة – المغازي 1/48 -)
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشيروا علي أيها الناس وإنما يريد الأنصار
وذلك أنهم عَدَد الناس (أي أكثر الحاضرين), وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا :
يارسول الله إنا براَء من ذمامك (أي من معاهدتنا إياك)حتى تصل إلى ديارنا , فإذا
وصلت إلينا فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا . فكان رسول الله صلى
الله عليه وسلم يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من
عدوّه , وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوّ من بلادهم .
فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال له سعدُ بن مُعاذ , والله لكأنك
تريدنا يارسول الله ؟ قال: أجل , قال : فقد آمنا بك وصدقناك , وشهدنا أن ماجئت به
هو الحق , وأعطيناك على ذلك عُهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة [ فَصلْ حبال من
شئت واقطع حبال من شئت , وسالم من شئت وعاد من شئت , وخذ من أموالنا ما شئت وأعطنا
ما شئت , وماأخذت منا أحب إلينا مما تركت , وما أمرت به من أمر فأمرنا تبع لأمرك ]
(مابين القوسين زيادة من رواية ابن عائد من مرسل عروة , وابن أبي شيبة من مرسل
علقمة بن وقاص – شرح المواهب 1/413 _ 414 - .), فامض يارسول الله لما أردت فنحن معك
, فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ماتخلف منا رجل
واحد , ومانكره أن تلقى بنا عدوَّنا غدا إنا لصُبُرٌ في الحرب صُدُقٌ عند اللقاء ,
ولعل الله يُريك منّا ما تقرُّ به عينُك , فسرْ بنا على بركة الله .
فُسرَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد , ونشطه ذلك , ثم قال : سيرُوا
وأبشروا , فإن الله تعالى وَعدني إحدى الطائفتين (يعني القافلة التجارية أو جيش
قريش), والله لكأني الآن أنظرُ إلى مصارع القوم (سيرة ابن هشام 2/295 – 296 .
وأخرجه الواقدي وذكر نحوه – مغازي الواقدي 1/48 – 49 - , وذكره الهيثمي وقال: رواه
الطبراني وإسناده حسن – مجمع الزوائد – 73 – 74 - .).
إنها كلمات معدودات صدرت من سعد والمقداد ومنْ قبلهما من أبي بكر وعمر ولكنها في
المقاييس المعنوية للحروب دفعات قوية من الإيمان نبهت الغافل ودفعت المتردد إلى
الإقدام , وأيقظت المشاعر نحو التجرد من حظ النفس والاندفاع بقوة نحو نصرة دين الله
تعالى وإن كان الثمن هو النفوس .
لقد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم " امض يارسول الله فنحن معك " ولسان حالهم
يقول فما نحن إلا قبسات من ضوئك وومضات من شعاعك وإنه لمن المستحيل أن يتخلف القبس
عن ضوئه .
وإنه لتخطيط محكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث لم يقدم بهم على دخول
المعركة وأمر إقدامهم غير واضح إذ أنهم لم يخرجوا أصلا لقتال , فاستشارهم في الأمر
ليتثبت منهم وليدفع أقوياء الإيمان إلى المشاركة في إنهاض الهمم وشحذ العزائم .
وإنها لشجاعة عظيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قاد المؤمنين وواجه بهم
جيشا يفوقهم في العدد ثلاث مرات كما يتميز عليهم بالاستعداد الحربي ليقضي الله
أمرًا كان مفعولا , ليبوء المشركون بالهلاك والعار ويفوز المسلمون بالنصر والفخار .
- مثل من الاهتمام بمعرفة واقع العدو قبل لقائه -
( خبر شيخ من العرب ومولى لقريش )
قال ابن إسحاق : ثم نزل قريبًا من بدر [ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ] ,
فركب هو ورجلٌ من أصحابه. (قال ابن هشام : الرجل هو أبو بكر الصديق)
كما حدثني محمد بن يحيى بن حَبان حتى وقف على شيخ من العرب , فسأله عن قُريش, وعن
محمد وأصحابه , ومابلغه عنهم , فقال الشيخ :لا أُخبركما حتى تُخبراني ممن أنتما ؟
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أخبرتنا أخبرناك . قال: أذاك بذاك ؟
قال : نعم , قال الشيخ : فإنه بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا , فإن
كان صَدَق الذي أخبرني , فهم اليوم بمكان كذا وكذا , للمكان الذي به رسول الله صلى
الله عليه وسلم , وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا, فإن كان الذي أخبرني صدَقني
فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي فيه قريش , فلما فرغ من خبره , قال ممّن
أنتما ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نحن من ماء , ثم انصرف عنه , فقال
الشيخ : ما من ماء ! أمن ماء العراق ؟.(قال ابن هشام : يقال : ذلك الشيخ سفيان
الضمْري)
وهكذا استفاد النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك الأعرابي فأخذ منه خبر قريش , بينما
عمَّى عليه خبر جيش المسلمين فلم يعرف عنه شيئًا .
وفي هذا توجيه منه صلى الله عليه وسلم لقادة أمته كي يستفيدوا من كل من يواجهونه في
طريقهم لرصد أعدائهم مع الاحتفاظ الكامل بأسرار الجيش الإسلامي .
وماقام به النبي صلى الله عليه وسلم من معاملة ذلك الرجل داخل في التوجيه العام
الذي جاء في قوله صلى الله عليه وسلم "الحرب خدعة ".(صحيح البخاري , الجهاد , رقم
3030)
قال ابن إسحاق : ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه , فلما أمسى بعث
علي بن أبي طالب , والزبير بن العوام , وسعد بن أبي وقاص , في نفر من أصحابه , إلى
ماء بدر , يلتمسون الخبر له عليه – كما حدثني يزيدُ بن رومان عن عُروة بن الزبير –
فأصابوا راويةً (أي فرقة من السقاة) لقريش فيها أسلم غلامُ بني الحجاج, وعَريضٌ أبو
يسار غلام بني العاص بن سعيد , فأتوا بهما فسألوهما , ورسول الله صلى الله عليه
وسلم قائم يصلي , فقالا : نحن سُقاة قُريش , بعثونا نَسْقيهم من الماء , فكَره
القوم خبرهما , ورَجَوا أن يكونا لأبي سفيان , فضربوهما فلما أذْلقوهما قالا : نحن
لأبي سفيان , فتركوهما .
وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتيه , ثم سلم , وقال : إذا صدقاكم
ضربتموهما , وإذا كذباكم تركتموهما , صَدَقا والله إنهما لقريش ! أخبراني عن قُريش
؟ قالا : هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعُدوة القُصوى [أي جانب الوادي
الأبعد من المدينة ]-والكثيب: العَقَنْقَل [العَقَنْقَل الكثيب المتداخل الرمل]-
فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم القوم ؟ قالا : كثير , قال : ماعدّتُهم
؟ قالا : لاندري , قال: وكم ينْحرون كل يوم ؟ قالا: يوما تسعًا ,ويومًا عشرًا ,
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : القومُ فيما بين التسعمائة والألف .
|