الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
المشرف
المؤلفات
الديوانية
الصوتيات
الفــتاوى
تراجم علمائنا
ملتقـيات الخير
شبـهات و ردود
مقـالات مخـتارة
المـعهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
ســيــر الصـــحـابة
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة د. عبدالعزيز الحميدي المصلحون المصلحون : العدد الأول

المصلحون:العدد الأول

تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :

1 – أضواء من هدي القرآن الكريم .

2 – أضواء من الهدي النبوي .

3 – توجيهات ومواقف سلوكية .

4 – مواقف جهادية من السيرة النبوية .

 

- أضواء من هدي القرآن الكريم (1)

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله تعالى [ الم {1} ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ {2} الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ {3} والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ {4} أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {5}‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ {6} خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ {7} ] [ البقرة : 1 – 7] .

 

[1] [ الم ] هذه الآية من الحروف المقطعة التي يفتتح الله عز وجل بها بعض سور القرآن ، والله أعلم بمراده بها ، وأوضح ماقيل فيها أنها إشارة إلى أن هذا القرآن العظيم الذي تحدَّى الله سبحانه العرب أن يأتوا بسورة من مثله مكوَّن من هذه الحروف التي ينطق بها العرب .

 

افتتح الله جل وعلا ثاني سور القرآن وأطول سورة ببيان ملامح أقسام الناس الثلاثة : المؤمنين والكافرين والمنافقين .

 

[2] وقد بدأ عز وجل بالإشارة إلى القرآن الكريم تعظيمًا له مبينًا أنه لاشك في أنه من عنده جل وعلا ، وأنه يهدي المتقين إلى الصراط المستقيم الموصل إلى رضوان الله سبحانه والسعادة الأخروية ، والمتقون هم الذين اتقوا سخط الله تعالى وعذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه ، ولقد تكرر ذكر التقوى في القرآن الكريم أكثر من مائتي مرة ، مما يدل على أهميتها في حياة المسلم .

 

[3] ثم ذكر سبحانه بعض صفات المؤمنين المتقين ، فوصفهم جل وعلا بالإيمان بالغيب، والإيمان بالغيب صفة عظيمة يتميز بها الإنسان عن الحيوان ، وهي تعني الإيمان بجميع ما أخبر الله تعالى به من الأمور الغيبية كالجنة والنار والملائكة ، وجميع ما أخبر الله تعالى به عن المستقبل الدنيوي والأخروي ، وقد بدأ الله جل وعلا بهذه الصفة لأنها تميز أصحاب العقول السليمة الذين استخدموا عقولهم فيما خلقها الله سبحانه من أجله، إن الإيمان بالغيب يجعل أصحابه جديرين بالحصول على الثواب العظيم في الجنة والنجاة من النار، لأنهم آمنوا بشيء لم يحسوه بحواسهم ، فأما حينما يكون الإيمان بالمشاهدة الحسية فإنه لاينفع أصحابه ، وذلك كالإيمان عند خروج الروح ، والإيمان عند طلوع الشمس من مغربها ، والإيمان بالغيب يكون في الحياة الدنيا لأنها دار عمل ، أما الآخرة فالإيمان فيها يكون بالمشاهدة ، فلذلك لاينفع الكفار إيمانهم حينئذ ، إن الإيمان بالغيب يعني وضع الثقة التامة بالرسل عليهم الصلاة والسلام الذين أخبروا عن الله تعالى بالغيب ، فالمؤمنون بالغيب يثابون على الإيمان بالله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام ، ويعاقبون على أعمالهم السيئة المترتبة على هذا الشك والكفر .

 

ووصف الله تعالى المؤمنين بأنهم يقيمون الصلاة ، وإقامة الصلاة ليست مجرد أدائها على أي صورة ، بل إقامتها كاملة بشروطها ، وأركانها وواجباتها وسننها .

 

ووصفهم تعالى بالإنفاق من أموالهم التي رزقهم إياها ، وذلك يكون بأداء حقوق المال الواجبة وعلى رأسها الزكاة ، ويكون بصدقة التطوع ، مع التقيد بالإخلاص لله تعالى والإنفاق من طيب المال .

 

[4] ووصفهم جل وعلا بالإيمان بما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم والسنة المطهرة التي هي مبينة للقرآن ، وبالكتب السماوية التي أنزلها الله عز وجل من قبل كالتوراة والإنجيل ، وهذا مما امتاز به المسلمون على أهل الكتاب ، حيث إن إيمان المسلمين لايقتصر على كتابهم ، بل يؤمنون بما أخبرهم الله به من كتب الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام .

 

ووصفهم سبحانه بالإيقان بالآخرة ، وهو الإيمان الجازم الذي يغلب على القلب ولايتطرق الشك إليه فيه ، والذي يصل إيمانه بالآخرة إلى حد اليقين فإنه يسخِّر من أجلها الدنيا ويجعل اعتبار الآخرة محكَّما في سلوكه ، فالمستقبل الحقيقي عنده هو المستقبل الأخروي ، أما الذي ينظر إلى الدنيا على أنها غاية بنفسها ويعدُّ مستقبله الدنيوي هو المستقبل الحقيقي فإن يقينه بالآخرة ضعيف.

 

[5] أولئك الموصوفون بهذه الصفات هم الذين وفقهم الله جل وعلا لسلوك الطريق المستقيم والثبات عليه ، وأولئك هم الفائزون بالنعيم المقيم والنجاة من العذاب الأليم .

 

[6 – 7] أما القسم الثاني من أقسام الناس فهم الكفار المعاندون الذين بلغتْهم دعوة الإسلام واقتنعوا بأنه الدين الحق ، ولكنهم أصروا على باطلهم اتباعا لأهوائهم المنحرفة ، فهؤلاء يستوي معهم الإنذار من العذاب في الآخرة وعدم الإنذار ، لأنهم قد خططوا لحاضرهم ورسموا مستقبلهم الدنيوي على أن الدنيا هي غايتهم التي يعملون من أجلها، فهم لن يؤمنوا بالآخرة حتى مع الإنذار مما فيها من الأهوال والشقاء الدائم للكافرين ، ولقد عاقبهم الله تعالى على الإصرار على الكفر بعدما تبين لهم الحق بأن طبع على قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غطاء ، فلا ينفذ إليها نور ولايصل إليها هدى ، والعاقبة السيئة التي سيبوؤون بها هي أن الله تعالى قد أعدَّ لهم عذابًا عظيمًا في النار.

* * * * *  - أضواء من الهدي النبوي (1) - الأعمال الصالحة الدائمة -

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : فإن هذه الحياة الدنيا دارُ عمل وابتلاء , وإن الآخرة هي دار الجزاء , فالعامل في هذه الحياة الدنيا أشبهُ شيء بالزارع الذي يزرع الحب ثم يحصده بعد ذلك , فإذا هو اعتنى به عناية كبيرة ولم يستهلكه قبل أوان نضجه فإنه يحصد حبّا جيدًا .

 

وإن أوان حصاد الثمرة من الأعمال الطيبة إنما يكون في الآخرة , فالذي يستهلك ثمرة أعماله في الدنيا لايحصد في الآخرة إلا الندامة , فبعض الناس يقومون بأعمال البر والخير سواء منها اللازم لهم أو المتعدي إلى غيرهم , لكنهم لايريدون بها وجه الله تعالى , وإنما يريدون بها السمعة والجاه بين الناس , وقد يخلطون عملا صالحا وآخر سيئا , فيريدون وجه الله ويريدون أيضا ثناء الناس عليهم , فعلى قدر إخلاص الإنسان لله تعالى يحصد ثمرة عمله في الآخرة .

 

وإذا كان في معلوم المسلم أن الحياة الآخرة هي دار الخلود , وأن مستقبله في هذه الحياة يتحدد على ضوء مايقدَّم في الدنيا من عمل فإن العقل كلَّ العقل أن يكون أكبر همه تقديمُ العمل الصالح الذي يرفع الله جل وعلا به رصيده من الحسنات , ولكن مادامت الفرصة محدودة في الحياة الدنيا , خاصة وأن أعمار هذه الأمة مابين الستين والسبعين غالبا لمن وصلوا إلى سن الشيخوخة فماذا يعمل من يود أن يستمر في العمل الصالح لتستمر حسناته في النماء والزيادة وترتفع درجاته في الجنة ؟!

 

يجيب على هذا التساؤل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثٌ إلا من صدقة جارية , أو علم ينتفع به , أو ولد صالح يدعو له" أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (صحيح مسلم , رقم 1631 , الوصية (ص 1255)  ) فإن هذا الحديث الشريف يبين لنا السُّبُل التي يستمر بها رفع أعمالنا الصالحة بعد مفارقة هذه الحياة .

 

إن الإنسان المسلم بحاجة إلى حسنة ترفع من رصيده يوم القيامة , فقد يقع في سيئات لايحسب لها حسابا فينفعُه الله برصيده الكبير من الحسنات التي يمحو الله بها السيئات , فإذا توافر للإنسان عمل صالح لاينقطع بموته فهذا هو المعدن الكريم والمورد الدائم الذي ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون .

 

إن الناس جميعا يموتون وتموت معهم أعمالهم إلا المؤمنين الذين رتبوا لأنفسهم أعمالا يستمر عطاؤها لهم بعد مماتهم , وإنه لخير عظيم وفضل عميم .

 

لقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ثلاثة أعمال يستمر نفعها للإنسان بعد موته ويُرفع له بها عمل صالح .

1 – صدقة جارية : وهي التي يبقى أصلها ثابتا ويُتصدق بما ينتج عنها من ريعها كالأوقاف , ولقد أدرك المسلمون قيمة الأوقاف لما يترتب عليها من استمرار العمل الصالح, فكان من نتيجة ذلك قيام مرافق اجتماعية مهمة على هذه الأوقاف كالمساجد والمدارس والمكتبات ودور الأيتام والعجزة , وكان الدافع للمسلمين في ذلك البذل هو الاستجابة لتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث , وهذا يُعدُّ من مقاييس صلاح المجتمع ووعيه الصحيح لمفاهيم دينه .

 

2 – أو علم ينتفع به : والمقصود بذلك العلمُ الذي يستمر انتفاع طلاب العلم منه بعد موت صاحبه , وإنَّ من أبرز مايدخل في ذلك الكتب الإسلامية , ولقد أدرك ذلك العلماء رحمهم الله تعالى فأثروا المكتبة الإسلامية بمؤلفاتهم التي خلَّدت ذكرهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها, وكم من دعوات صالحة نالها هؤلاء العلماء من المنتفعين بكتبهم من طلاب العلم على مر العصور.

 

وإن ما يخلِّفه العالم من طلاب العلم الذين يُعدُّون امتدادا لمدرسته ممَّا يدخل في مفهوم هذا الحديث , لأن هؤلاء الطلاب يحملون علمه إلى الناس المعاصرين لهم ويورثونه من يأتي بعدهم .

 

ومن هنا يتبين لنا أن تربية التلاميذ وتعليمهم حتى يصبحوا قادرين على حمل مسؤولية العلم أمرٌ مهم لايقل عن تأليف الكتب أهمية , بل كلاهما مصدر لبث العلم النافع .

 

ولقد اكتُشفتْ في هذا العصر وسائل نافعة لحمل العلم مدة طويلة وأدائه بصوت صاحبه أو بصوته وصورته معا بعد موته وكأنه لايزال على قيد الحياة .

 

ومن قوله صلى الله عليه وسلم "أو علم ينتفع به" نفهم أن هذا الخير الكبير الذي هو استمرار العمل الصالح بعد الموت إنما يكون بالجمع بين كون ما يُؤدَّى علما وكونه نافعا , فإذا لم يكن علما أو كان غير نافع فإنه لايترتب عليه رفع عمل صالح .

 

3 – أو ولد صالح يدعو له : والولد يعني المولود فهو يشمل الذكر والأنثى , وهذا العنصر الثالث يلزم لتحقق الانتفاع به ثلاثة أشياء : وجود الأولاد من بنين وبنات , وكونهم صالحين, واهتمامهم بالدعاء لوالديهم , فإذا تحقق ذلك فإن الإنسان يستمر عمله الصالح بعد موته , وهو بهذا يجني ثمرات جهده الطويل واهتمامه الكبير بتربية أولاده حتى أصبحوا صالحين .

 

وفي هذه الجملة لفتة كريمة نحو التركيز على تربية الأولاد وتوجيههم الوجهة الصالحة, مهما كلف ذلك الأباء والأمهات من جهد وعناء , فالإنسان حينما يهتم بتربية أولاده التربية الصالحة يكتسب عدة مكاسب , فهو أولا يثاب على جهده في تلك التربية لأن ذلك عمل صالح, وهو ثانيًا يُسهم في تكوين المجتمع الصالح , لأن المجتمع مكوَّن من أفراد , فإذا بذل كل صاحب أسرة جهده في تربية أولاده على الصلاح تعدد وجود الأفراد الصالحين الذين يقوم بهم المجتمع الصالح , وهو ثالثًا يستفيد من دعائهم الصالح له بعد موته , فيكون بوجودهم كأنه مايزال على قيد الحياة ويقدم الأعمال الصالحة .

 

ولنا عود على العنصر الأول وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "صدقة جارية" فإن بإمكان كل مسلم يملك شيئا من المال أن يوقف من ماله ولو شيئا يسيرا بينما قد لايكون بإمكان الإنسان أن يخلِّف علما ينتفع به , لكونه ليس من أهل العلم , وقد لايكون له أولاد أو لايكونون صالحين حتى يدعوا له , فيظل الوقف الإسلامي مجالا واسعا يستطيع كل مسلم أن يستفيد منه بعد موته .

*   *   *

- توجيهات ومواقف سلوكية (1)

مواقف في الورع والعفة والزهد (1)

نماذج من ورع النبي صلى الله عليه وسلم وزهده وخشيته :

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام المسلمين في الورع والزهد وخشية الله تعالى وفي غير ذلك من أمور الدين , وقد ضرب من نفسه مثلا أعلى في تطبيق مادعا المسلمين إليه, فمن ذلك ما أخرجه الإمام البخاري من حديث عقبة بن الحارث النوفلي قال : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر, فلما سلم قام سريعا , دخل على بعض نسائه , ثم خرج ورأى مافي وجوه القوم من تعجبهم لسرعته, فقال: ذكرت وأنا فـي الصلاة – تِبْرا عندنا فكرهت أن يمسى – أو يبيت– عندنا , فأمرت بقسمته. (صحيح البخاري , رقم 1221 , العمل في الصلاة (3/89) , والتبر هو الذهب )

 

وإن هذا التصرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعدُّ مثالا عاليا للشعور بالمسؤولية , والتحري الدقيق في القضايا المالية , والمبادرة إلى تنفيذ التكاليف الشرعية وإن لم يكن وقت تنفيذها محددا خشية النسيان أو حضور الأجل .

 

وهذا لون من ألوان التربية النبوية المؤثرة حيث إن خروج النبي صلى الله عليه وسلم من المسجد بهذه الصورة أثار عجب الصحابة وتساؤلهم فتهيأت نفوسهم لاستقبال هذا التوجيه العملي نحو الاهتمام بحقوق المسلمين والإسراع في إيصالها إلى مستحقيها .

 

ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد تحت جنبه تمرة من الليل فأكلها فلم يَنَمْ تلك الليلة , فقال بعض نسائه : يارسول الله أَرِقْتَ الليلة ؟ قال : "إني وجدت تحت جنبي تمرة فأكلتها وكان عندنا تمر من تمر الصدقة فخشيت أن تكون منه" .(شمائل الرسول لابن كثير /113 – 114  )

 

فهذا مثال على شدة ورع النبي صلى الله عليه وسلم وعِظَم خشيته من الله تعالى , فقد أرق ليلة كاملة من أكل تلك التمرة على قلتها خشية أن تكون من الصدقة , وقد حرَّم الله تعالى الصدقة على بني هاشم, وبهذا الورع الشديد والخشية البالغة كان صلى الله عليه وسلم قدوة عليا لأمته في ذلك .

 

وأخرج الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وماترك دينارًا ولادرهما ولاعبدا ولا وليدة ,وتـرك درعه رهنًا عند يهودي بثلاثين صاعا من طعام".( الزهد للإمام أحمد / 4 ، والوليدة هي الجارية وهي المملوكة)

 

وهذا مثل أعلى في الزهد في الدنيا والتقلل من متاعها , فلقد كان بإمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون أغنى رجل في العرب وربما في العالم , فلقد أفاء الله تعالى عليه في الغزوات أموالا عظيمة, ويكفي مثالا على ذلك غزوة حنين حيث كان يعطي الرجل الواحد مابين جبلين من الغنم والإبل, وأعطى عددا من زعماء العرب وأكابرهم كل واحد مائة من الإبل ولم يدخر لنفسه من ذلك شيئا, والْتَحق صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى وهو على تلك الصفة المذكورة من التقشُّف والزهد البالغ .

 

وأخرج الإمام أحمد بإسناده عن عائشة رضي الله عنها قالت : دخلَتْ عليَّ امرأة من الأنصار فرأَتْ فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم عباءة مثنية , فرجعَتْ إلى منزلها , فبعثت إليَّ بفراش حَشوُه الصوف, فدخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ماهذا ؟ فقلت : فلانة الأنصارية دخلت عليَّ فرأَتْ فراشك فبعثَتْ إليَّ بهذا , فقال : رُدِّيه , فلم أردَّه وأعجبني أن يكون في بيتي , حتى قال لي ذلك ثلاث مرات, فقال: ياعائشة رُدِّيه فو الله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة , فرددته.(الزهد / 14  )

 

وهذا أعظم مايتصور من الزهد أن يكون بالإمكان أن تتحول الجبال ذهبا وفضة لرسول الله صلى الله عليه وسلم - بإذن الله تعالى – ثم يزهد في ذلك كله وينام على عباءة , ويُلحُّ على عائشة رضي الله عنها في ردِّ ذلك الفراش !

 

وأخرج الإمام أحمد بإسناده من حديث أبي عبد الرحمن سفينة رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن رجلا ضَافَ عليّا رضي الله عنه , فصنع طعاما , فقالت فاطمة رضي الله عنها : لو دعونا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل معنا , فدعوه , فجاء فوضع يديه على عُضَادَتَى الباب فرأى قِرامًا في ناحية البيت عليه صورة فرجع , فقالت فاطمة : الْحقه فاسألْه , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إنه ليس لي – أو لنبي – أن يدخل بيتًا مُزَوَّقا".(الزهد / 7 ، والقرام هو الكساء )

 

وهكذا فزع النبي صلى الله عليه وسلم من رؤية ذلك القماش الذي عُلِّق في ناحية من البيت ورجع ولم يدخل حتى أزيل ذلك القماش لكونه من مظاهر الدنيا .

 

وأخرج ابن سعد بإسناده عن جندب بن سفيان قال : أصابت النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَشاءَةُ نخلة فأدمت إصبعه , فقال: ماهي إلا إصبع دُمِيَت‘ وفي سبيل الله مالَقِيَتْ , قال: فحُمِل فوُضِع على سرير مرمول بِشُرُط [أي منسوج بحبال من ليف ], ووضِع تحت رأسه مِرفَقة من أدَم [أي وسادة من جلد ]محشوة بليف , فدخل عليه عمر وقد أثَّر الشريط بجنبه فبكى عمر فقال: ما يبكيك ؟ قال: يارسول الله ذكرت كسرى وقيصر يجلسون على سُرُر الذهب ويلبسون السندس والإستبرق – أو قال الحرير والإستبرق – فقال: أما ترضون أن تكون لكم الآخرة ولهم الدنيا ؟.(طبقات ابن سعد 1/466  )

 

وهكذا كان سرير النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصلابة والخشونة حتى أثر على جنبه , وقد أثار هذا المنظر شفقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه , وتذكر ماعليه ملوك فارس والروم , من الترف والنعيم, فقارن بين المشهدين فبكى , وقد بين له النبي صلى الله عليه وسلم أن هدف أولئك الدنيا , وقد نهلوا منها بأوفر نصيب , ولكن لاحظَّ لهم في الآخرة , وأن هدف المسلمين الحصول على السعادة الأخروية, فلذلك أضْعَفوا من نصيبهم في الدنيا .

 

ومن أمثلة ورع النبي صلى الله عليه وسلم ما أخرجه الإمام أبو داود من حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فرأيته صلى الله عليه وسلم وهو على القبر يوصي الحافر يقول : أوْسِعْ من قبَل رجليه , أوسع من قبَل رأسه , فلما رجع استقبله داعي امرأة فأجاب ونحن معه فجيء بالطعام فوضع يده , ثم وضع القوم فأكلوا , ففطن آباؤنا والنبي صلى الله عليه وسلم يلوك لقمة في فيه- يعني فطنوا لتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم - , ثم قال: أجد لحم شاة أُخِذَتْ بغير إذن أهلها , فأرسلت المرأة تقول : يارسول الله إني أرسلت إلى البقيع – وهو موضع تباع فيه الغنم – لتُشتَرى لي شاة فلم توجد , فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن يرسل بها إليَّ بثمنها , فلم يوجد , فأرسلت إلى امرأته فأرسلتْ بها إليَّ فقال صلى الله عليه وسلم : أطعميه الأسارى".(سنن أبي داود رقم 3232 , البيوع 3/627  )

 

وفي هذا الحديث نجد حماية الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من الشبهات حيث أعلمه بأن تلك الشاة أُخذت بغير إذن مالكها , كما نجد مثالا لورعه العظيم حيث رفع يده ولم يستمر في الأكل من تلك الشاة .

 

كما نجد مثالا للحزم في تطبيق الشريعة وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يداري أحدًا في ذلك .

 

ونجد في هذا الخبر لونا من ألوان التربية النبوية حيث أمسك عن الأكل حالاً , وأمر المرأة بأن تطعم ذلك الطعام أسرى المشركين وفي ذلك أمر للصحابة بعدم الأكل منه , وهذه الحادثة وأمثالها تبقَى ماثلة في أذهانهم فيحميهم تذكُّرُها من مقارفة الشبهات .

 

ونجد مع ذلك عظمة التشريع الإسلامي في حماية حقوق الناس , فإنه بعد هذا لن يتجرأ أحد على الأخذ من أموال الناس بغير إذنهم وسيتوقف الطرف الآخر عن الاستفادة حتى يتأكد له أن المال مأذون به من مالكه .

 

وأخرج البلاذري من خبر محمد بن شهاب الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليًّا إلى بني جذيمة الذين قتل خالد بن الوليد منهم من قتل , بدُرج فيه ذهب فأعطاهم ديات من قتل منهم وما أصيب من أموالهم , وفضُل في الدرج شيء من الذهب فقال لهم علي : هل لكم في أن أعطيكم هذا الفضل على أن تُبرئوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أصيب لكم مما لاتعلمونه ولايعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا:نعم ,فأعطاهم ذلك الفضل,فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم مافعل قال:"لَهذا أحب إلي من حمْر النعم".(أنساب الأشراف 2/354)

 

وهكذا كانت فرحة رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيمة حينما أبرأ علي رضي الله عنه ذمته بذلك المال حيث ذكر بأن محبته لذلك أعظم من محبته لحمْر النعم , وحمر النعم هي الإبل وهي أنفس الأموال عند العرب , وهذا مثال على ورع النبي صلى الله عليه وسلم واهتمامه ببراءة الذمة من مسؤولية الناس .

 

كما أن هذا الخبر يدل على علم علي رضي الله عنه العميق واهتمامه بالورع .

*   *   *

- مواقف جهادية من السيرة النبوية (1)

المغازي والسرايا بعد الهجرة :

تبين لنا أنه لما هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة سلبهم المشركون أكثر أموالهم, ومع كون المشركين قد ظلموا المسلمين بذلك فإنهم قد فقدوا الوعي السياسي لمصالحهم, لأن قوافل تجارة قريش إلى الشام تمر بالمدينة وضواحيها , والتجارة إلى الشام هي أكبر مصادر الثروة عندهم , وقد فاتهم التفكير السليم والتقدير الصحيح لمصالحهم التجارية , حينما أقدموا على ذلك العمل الشنيع, من سَلْبِ المسلمين أموالهم .

 

فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة , واستقرَّ به المقام , ووطَّد الأمور داخل المدينة بتقوية المجتمع الإسلامي , وعقد المعاهدات بينه وبين يهود المدينة فكَّر في إنصاف المسلمين من أعدائهم من أهل مكة , فصار يبعث السرايا لرَصْد قوافل قريش التجارية ومصادرتها .

 

ولو لم يكن من أهداف الإغارة على قوافل قريش التجارية إلا هذا المقصد لكان كافيا في تسويغها شرعا وعقلا , لأنها من باب إنصاف المظلومين الذين لايمكن استرداد حقوقهم إلا من هذا الطريق , فكيف ولهذا المسلك الحربي أهدافٌ عالية , من أبرزها محاولة إضعاف أكبر عدو للإسلام قد بدأ معركة الصراع مع المسلمين , وقد كان العامل القويَّ في استكبار زعماء قريش وتطاولِهم على المسلمين مايتمتعون به من مال كثير قد تنامَى مع الزمن , بسبب حياة الأمن التي يعيشونها في ظلال قدسية الحرم , وما وُفِّقوا إليه من الرحلات التجارية الضخمة التي يشترك فيها عادة كثير من أهل مكة . ولقد كانت خطورة هذا المال الضخم تتمثل في مقدرة أهل مكة على تمويل المعارك الكبرى مع أعدائهم , فكان من الحكمة لمن دخل معهم في عداء حربي أن يقص من أجنحتهم التي تمكِّنهم من التحليق في أجواء العدوان والظلم .

 

ومن السذاجة والتخلف في الوعي السياسي أن يفوِّت عدوُّهم هذه الفرصة وهو يقدر عليها.

 

ومما يدل على عزم قريش على حرب المسلمين ما أخرجه الإمام أبو داود السجستاني من حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك رضي الله عنهما عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم "أن كفار قريش كتبوا إلى ابن أُبَيّ وإلى جميع من كان عنده من عبدة الأوثان بالمدينة من الأوس والخزرج ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر – يقولون : إنكم آوَيْتُمْ الصبَاةَ – وفي رواية: صاحِبَنَا – وإنا نُقسمُ باللات والعُزى : لتقْتُلُنَّه , أو لتُخْرِجُنَّه , أو لنسيرن إليكم بأجمعنا, حتى نقتُل مقاتلتكم , ونستبيح ذراريكم – وفي رواية نساءَكم – فلما بلغ ذلك عبد الله وكُلَّ من كان لم يسلم من الأوس والخزرج أجمعوا على قتال من أسلم منهم , وعلى قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان معه , وأجمع المسلمون منهم لقتالهم , فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : قد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ , ماكانت قريش تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم , تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم , فلما سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرَّقوا , فبلغ ذلك كفار قريش , ثم كانت وقعةُ بدر , فكتبت كفار قريش إلى اليهود : إنكم أهلُ الحلقَةِ والحصون , فلتُقاتلنَّ صاحبنا, أو ليكونن بيننا وبينكم أمرٌ , فلما بلغ كتابُهم إليهم اجتمعت بنو النَّضير على الغدر, فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن اخرج إلينا في ثلاثين من أصحابك , ويخرج منا ثلاثون حَبْرًا , فنلتقي بمكان مَنْصف , فيسمعون منك , فإن صدقوك وآمنوا بك , آمنَّا أجمعون , فأعلمه جبريل بكيدهم , فغدا عليهم بالكتائب فحصرهم , فقال : إنكم والله لاتأمنون عندي إلا بعهد تُعاهدونني عليه, فأبوا أن يعطوه عهدًا , فقاتلهم يومهم ذلك , ثم غدا من الغد على بني قُريظة بالكتائب, وترك بني النضير , ودعاهم إلى أن يعاهدوه , فعاهدوه , فانصرف عنهم , وغدا على بني النضير بالكتائب , فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء , فجَلَتْ بنو النضير "  .( سنن أبي داود , رقم 3004 , كتاب الخراج (3/404) , وقد ذكره الحافظ ابن الأثير في جامع الأصول , 8/218 رقم 6053 , وصححه المحقق الشيخ عبد القادر الأرناؤوط )

*   *   *

- مواقف جهادية من غزوة بدر الكبرى –

أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالخروج للعير (يعني قافلة قريش التجارية القادمة من الشام )

قال ابن إسحاق : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع بأبي سفيان بن حرب مُقبلاً من الشام في عير لقُريش عظيمة , فيها أموال لقريش , وتجارةٌ من تجاراتهم , وفيها ثلاثون رجلاً من قريش أو أربعون منهم مَخْرمة بن نوفل بن أُهيب بن عبد مناف بن زُهْرة , وعمرو بن العاص بن وائل بن هشام.

 

قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن مُسْلم الزُّهري , وعاصم بن عمر بن قتادة, وعبدُ الله بن أبي بكر , ويزيد بن رومان , عن عُروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا, عن ابن عباس, كلٌّ قد حدثني بعض هذا الحديث , فاجتمع حديثهم فيما سُقْت من حديث بدر[يعني أن جميع ماساقه ابن إسحاق من حديث هذه الغزوة فهو بهذا الإسناد إلا إذا ذكر إسنادًا آخر , وقد اختصر ابن هشام ذكر الإسناد فنسب أخبار هذه الغزوة إلى ابن إسحاق نفسه .

 

وقد أخرج الإمام ابن جرير هذا الحديث في تفسيره بهذا الإسناد – 9/185 – وكذلك في تاريخه – 2/427 بهذا الإسناد , وقد تخلله روايات أخرى عن ابن إسحاق بغير هذا الإسناد وروايات عن غير ابن إسحاق , وإذا رجع إلى هذا الحديث يقول : رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق , يعني فيما يحدث به عن شيوخه , وعبارته هذه أدق من صنيع ابن هشام الذي نسب القول إلى ابن إسحاق , فأوهم أنه من قوله بلا سند . ], قالوا : لما سمع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مُقْبلاً من الشام ندب المسلمين إليهم , وقال: هذه عيرُ قُريش , فيها أموالهم, فاخرجُوا إليها لعل الله يُنَفِّلكُموها , فانتدب الناسُ , فخفّ بعضُهم وثقُل بعضُهم وذلك أنهم لم يظنّوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يَلْقَى حَرْبًا , وقد جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ضمن حديثٍ عن غزوة بدر : "قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم , فتكلم فقال: إن لنا طَلبَة فمن كان ظهره حاضرا فليركب معنا , فجعل رجال يستأذنونه في ظُهرانهم في علو المدينة فقال: لا , إلا من كان ظهره حاضرا. (صحيح مسلم رقم 1901 (ص1510) كتاب الإمارة , والظَّهر البعير )

 

قال ابن إسحاق : وكان أبو سفيان – حين دنا من الحجاز – يتحسّس الأخبار, ويسأل مَنْ لَقي من الرُّكْبان , تخوُّفا على أمْر الناس , حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان أنّ محمدًا قد استَنْفر أصحابَه لك ولعيرك فَحذر عند ذلك . فاستأجر ضَمْضم بن عَمْرو الغفَاريَّ , فَبعثه إلى مكة, وأمره أنْ يأتي قُريشًا فيَسْتَنْفرهم إلى أموالهم , ويُخبرهم أنّ محمدًا قد عرض لها في أصحابه, فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة.(سيرة ابن هشام 2/284  )

 

استعداد قريش للحرب :

قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى : فتجهز الناسُ سراعًا , وقالوا : أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحَضْرمي[يعني التي غنمها المسلمون في سرية نخلة ] , كلا والله ليعلمَنّ غير ذلك . فكانوا بين رجلين , إما خارج وإما باعث مكانه رجلاً . وأوْعَبت قريش , فلم يتخلف من أشرافهم أحدٌ , إلا أن أبا لهب بن عبد المطلب قد تخلف , وبعث مكانه العاص بن هشام بن المُغيرة , وكان قد لاط [أي له عليه دين من الربا , قال أبو عبيد , سمي الربا لياطًا لأنه ملصق بالبيع وليس ببيع – سبل الهدى 5/133. ] له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه أفْلس بها , فاستأجره بها , على أن يُجزئ عنه , بَعَثهُ فخرج عنه وتخّلف أبو لهب .

 

قال ابن إسحاق : وحدّثني عبد الله بن أبي نَجيح : أن أُمية بن خلف كان أجمع القُعود, وكان شيخا جليلاً جَسيما ثقيلا , فأتاه عُقبة بن أبي مُعَيط , وهو جالس في المسجد بين ظَهْرانَي قومه, بمجمرة يحملها , فيها نار وَمجْمَر , حتى وضعها بين يديه , ثم قال : يا أبا علي , استَجْمر, فإنما أنت من النساء , قال: قَبَّحك الله وقَبَّح ما جئْتَ به , قال: ثم تجهز فخرج مع الناس .

 

قال ابن إسحاق : ولما فرغوا من جهازهم , وأجْمعوا المسير , ذكروا ماكان بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب , فقالوا : إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا .. ثم ذكر الحرب القديمة التي كانت بين قريش وبني بكر , إلى أن قال: وحدثني يزيد بن رُومان , عن عُروة بن الزبير, قال: لما أجمعت قريش المسيرَ ذكرت الذي كان بينها وبين بني بكر , فكاد ذلك يَثنيهم , فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جُعْشُم المُدْلجي , وكان من أشراف بني كنانة, فقال لهم : أنا لكم جارٌ من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه , فخرجوا سراعا.(سيرة ابن هشام 2/288 – 291  )

 

وهكذا كان إبليس لعنه الله تعالى مرافقا للمشركين من حين استعدادهم للحرب, فلما أن عرض لهم ماقد يثنيهم عن الاستمرار في عزمهم من خوفهم على الذراري من أعدائهم الأقربين ظهر لهم في صورة سراقة بن مالك الرجل الشجاع الفاتك فأجارهم من جميع بني كنانة , وكانوا يعلمون سلفا أنه إذا قال فعل , وأنه لاتُخْفَر ذمته ولايستطيع أحد من قومه أن يتجاوز حماه , ففرحوا بذلك , وهم لايشكُّون أن الذي خاطبهم هو سراقة نفسه .

 

ولقد رجع مكر إبليس وبالاً عليه وعلى شيعته من الكفار , حيث أصبح خروج قريش الذي شجعهم عليه إبليس نكبة كبرى عليهم كما سيأتي .

 

خبر جزور أبي جهل وموقف لعداس :

أخرج الواقدي من حديث الزهريّ , عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمَة , قال: سمعت حَكيم بن حزام يقول : ماوجّهت وجهًا قطُّ كان أكره لي من مسيري إلى بدر . ولا بان لي في وجه قطُّ مابان لي قبل أن أخرج . ثم يقول : قدم ضَمْضَم فصاح بالنفير , فاستقسمت بالأزلام , كلّ ذلك يخرج الذي أكره , ثم خرجتُ على ذلك حتى نزلنا مَرَّ الظَّهران.(مرَّ الظهران على مرحلة من مكة ( معجم البلدان , ج8 , ص 21) )

 

فنحر ابنُ الحَنْظَليَّة (هو أبو جهل , والعرب تنسب إلى الأم غالبا إذا أرادوا التحقير ) جُزُرًا , فكانت جزور منها بها حياة , فما بقي خباءٌ من أخبية العسكر إلا أصابه من دمها , فكان هذا بيِّنًا . ثم هممتُ بالرجوع , ثم أذكر ابن الحنظلية وشؤمه, فيردني حتى مضيت لوجهي .

 

فكان حكيم يقول : لقد رأيتنا حين بلغنا الثَّنَّيةَ البيضاء – والثنية البيضاء التي تُهبطك على فَخّ وأنت مُقبل من المدينة – إذا عَدّاس جالسٌ عليها والناس يمرّون , إذ مرّ عليه ابنا ربيعة, فوثب إليهما فأخذ بأرجلهما في غّرْزهما ,وهو يقول : بأبي وأُمي أنتما , والله إنه رسول الله , وماتُساقان إلاّ إلى مصارعكما ! وإنّ عينيه لتسيل دموعهما على خدّيه , فأردت أن أرجع أيضًا , ثم مضيتُ , ومرّ به العاص بن مُنَبِّه بن الحجاج , فوقف عليه حين ولَّى عُتبة وشيبة , فقال: مايُبكيك؟ فقال: يُبكيني سيّدايَ وسيّدا أهل الوادي , يخرجان إلى مصارعهما , ويُقاتلان رسول الله . فقال العاص: وإنّ محمدا رسول الله ؟ قال: فانتفض عَداس انتفاضةً , واقشعرّ جلده , ثم بكى وقال : إي والله, إنه لرسول الله إلى الناس كافّةً . قال : فأسلم العاص بن مُنَبِّه , ثم مضى وهو على الشكّ حتى قُتل مع المشركين على شكً وارتياب.(مغازي الواقدي 1/34 – 35  ).

 

وفي هذا الخبر عبرة من تلك الناقة التي نحرها أبو جهل فأصاب دمها جميع خيام جيش الكفار, فقد كان ذلك نذيرًا لهم بأنهم مقبلون على مصيبة دموية كبرى , ولاشك أن ذلك مما كان له أثر في إضعاف معنويتهم حيث يكونون قد أقبلوا على حرب لايتوقعون أن نتائجها تكون لصالحهم .

 

كذلك موقف عداس من سيِّدَيه عتبة وشيبة ابني ربيعة حيث جزم لهما بأنهما إنما يسوقان أنفسهما إلى مصارعهما , وأقسم لهما أن من خرجوا لحربه هو رسول الله حقا , وهذا من الدلائل على إسلامه وأنه كان من الذين يكتمون إيمانهم , وموقفه هذا لكونه أصلا من أهل الكتاب لاشك أنه سيحدث أثرًا في نفوس سيديه ومن سمع هذا الكلام من التشكيك في نجاح قريش في مهمتهم الحربية تلك .

*   *   *

 انتهت

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 50:47:11


6 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8399441 عدد زيارات الموقع 43 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com