|
المتقون : العدد السادس والعشرون
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – قبسات من القرآن الكريم .
2 – قبسات من السنة النبوية .
3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .
4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .
- قبسات من القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى (وَإِذَا
رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى
يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ
تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ{68} وَمَا عَلَى
الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ
يَتَّقُونَ{69})
[ الأنعام : 68 – 69] .
[68] يوجه الله سبحانه المسلم إلى نوع من معاملة المشركين والمنافقين فيما يتعلق
بمجالستهم والحديث معهم ، وذلك فيما إذا انحط أولئك الكفار في حديثهم فأصبحوا
يتكلمون في آيات القرآن الكريم بالباطل ، حيث جاء التوجيه في الآية إلى اجتناب
مجالستهم ماداموا في ذلك الحديث، لأنه إذا سكت عن باطلهم كان ذلك إقرارا لهم .
والشيطان حريص على أن ينسي المؤمن هذا السلوك ، فربما استمر في الجلوس مع القوم
الذين تجاوزوا حدهم وتكلموا في آيات الله تعالى بالباطل ، وقد جاء التوجيه في هذه
الآية من الله تعالى بعدم الاستمرار في الجلوس مع أولئك القوم المعتدين بعد تذكُّر
ما أمر الله عز وجل به من الإعراض عنهم .
[69] وحينما يقع اللغط والخوض بالباطل من المعتدين في آيات الله تعالى ويكون معهم
في المجالس مؤمنون متقون فإنه ليس على المتقين الذين استقاموا على شريعة الله تعالى
مسؤولية فيما سيحاسب عنه أولئك المعتدون إذا قام المتقون بواجبهم في هذا الأمر
فقاموا بوعظهم ليمسكوا عن باطلهم لعل أولئك المعتدين يتقون عذاب الله تعالى وسخطه
فيستقيموا على الحق , أو يجتنب هؤلاء المتقون مجالسهم فيما إذا أصروا على خوضهم
بالباطل .
ويقول الله تعالى (وَذَرِ
الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن
دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ
مِنْهَا أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ
حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ{70})
[الأنعام : 70] .
[70] يأمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يترك المشركين الذين جعلوا من
دين الإسلام لعبًا ولهوًا باستهزائهم بآيات الله تعالى , هذا الدين الذي هو دينهم
الذي يجب أن يؤمنوا به , لأنه الدين الحق, وكذلك المنافقون الذين أظهروا الإيمان
بهذا الدين وخاضوا فيه بالاستهزاء , أو طبقوا بعضه وتجاهلوا بعضه الآخر , والأمر
بترك هؤلاء يعني عدم الاعتداد بهم في الحياة العقلية القائمة على التفكير المتَّزن
والتصور الصحيح , فهؤلاء وإن برزوا في علوم الحياة الدنيا لايُعدُّون من جملة
العقلاء , لأنهم قد خدعتهم الحياة الدنيا وزينتها فسخَّروا عقولهم لخدمتها , ولم
يستعملوا عقولهم فيما خلقهم الله تعالى من أجله , وهو معرفة الحق والاستقامة عليه ,
ومع هذا الأمر بترك هؤلاء فإن الله تعالى يوجه رسوله صلى الله عليه وسلم إلى أن
يُذكِّر أولئك المشركين وغيرهم بالقرآن الكريم من أجل أن لا تُؤخذ نفس بما عملت من
الكفر والمعاصي , فإنه ليس لها غير الله سبحانه ناصر ينصرها فينقذها من عذابه
ولاشافع يشفع لها عنده يوم تواجه الحساب والعذاب , في ذلك اليوم فإنها لو افتدتْ
نفسها بأي فداء فإنه لايقبل منها , فأولئك الكفار هم الذين ارتُهنوا وأُخذوا بما
كسبوا لأنفسهم في الدنيا من الآثام , فجزاؤهم في الآخرة أن لهم في النار شرابًا
شديد الحرارة وعذابًا موجعًا بسبب كفرهم بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم ,
وهذا الحكم يشمل كل الذين يتلاعبون بالدين فيفسرونه بأهوائهم المنحرفة, على حسب
ماتقتضيه مصالحهم الدنيوية , ومن هؤلاء الذين يؤمنون بالإسلام على أنه نسك وعبادة
ولايؤمنون به على أنه نظام حياة ، وهم الذين أصبحوا يسمَّون في هذا العصر
بالعلمانيين ، وكذلك الذين يتوصلون بالدين إلى الدنيا ، فهؤلاء جميعا قد اتخذوا
الدين لعبًا ولهْوًا .
ويقول الله تعالى (قُلْ
أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى
أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ
فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ
إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ
الْعَالَمِينَ{71} وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيَ
إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ{72})
[ الأنعام : 71 – 72 ].
[71] يأمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقول للمشركين – على سبيل
الإنكار عليهم - : هل نعبد من دون الله تعالى أوثانًا لاتنفعنا فنرجوها ولاتضرنا
فنخافها ؟ وإنما يُعبد الإله إذا كان مستقلا بنفع الطائعين وعقوبة العاصين وتقدير
الخير والشر , وهل نرضى لأنفسنا لو فعلنا ذلك بأن نرجع إلى الكفر بعد إذ هدانا الله
تعالى إلى الإسلام , فنشبه في هذه الحال من فسد عقله باستهواء الشياطين له فظل في
الأرض متحيرًا بين ما أقدم عليه من الغواية وماتخلى عنه من الهداية ؟ والحال أن له
أصحابا عقلاء ثابتين على الهداية والاستقامة وهم يدعونه إلى العودة إلى الطريق
المستقيم فيأبى عليهم, لتمكُّن جواذب الغواية في نفسه , فقُلْ أيها الرسول لهؤلاء
المشركين : إن هدى الله الذي بعثني به إلى الناس هو الهدى الحق , وماعداه فهو ضلال
مبين , وقد أُمرنا جميعا بأن نُسلِم لله تعالى رب العالمين بالإيمان به وحده ,
وعبادته وحده , والخضوع له في كل تصوراتنا وسلوكنا في هذه الحياة , فهو سبحانه رب
كل شيء ومالكه .
[72] وكذلك أُمرْنا بأن نقيم الصلاة كاملة بمظهرها الذي يتمثل بشروطها وأركانها
وواجباتها وسننها , وبمخبرها الذي يتمثل بالخشوع وذلك بفعل جميع أوامر الله واجتناب
جميع نواهيه , وهو جل وعلا وحده الذي تُحشر إليه جميع المخلوقات يوم القيامة ,
فيجزي المحسنين بإحسانهم ويعاقب المسيئين بإساءتهم .
* * *
- قبسات من السنة النبوية –
- الحث على السماحة في المعاملات –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : فحديثنا اليوم عن السماحة في المعاملات التجارية بين المسلمين .
ومن ذلك ما أخرجه أبو عبد الله البخاري رحمه الله من حديث جابر بن عبد الله رضي
الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" رحم الله رجلا سمحا إذا باع
وإذا اشترى وإذا اقتضى ". (صحيح البخاري ،رقم 2076،كتاب البيوع ،باب السهولة
والسماحة (4/306)).
وأخرج أبو عيسى الترمذي رحمه الله من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم :"غفر الله لرجل كان قبلكم ،كان سهلا إذا باع ،سهلا
إذا اشترى ،سهلا إذا اقتضى "وقال :حديث صحيح حسن. (سنن الترمذي ،رقم 1320،كتاب
البيوع ،باب 74 (03/610 )).
ففي هذين الحديثين يحثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السماحة في البيع
والشراء والمطالبة بالحقوق .
وهكذا يظفر المسلم السمح في معاملاته مع إخوانه المسلمين بهذا الدعاء الكريم من
رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فالسعيد حقا هو من ظفر برحمة الله تعالى ومغفرته
والمحروم حقا من حرم ذلك ،فليسارع المسلمون إلى السماحة في معاملاتهم كي يظفروا
بهذا الثواب الجزيل .
ومما جاء في فضل السماحة في المعاملات ماأخرجه الشيخان رحمهما الله من حديث حذيفة
رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"تلقَّت الملائكة روح رجل ممن
كان قبلكم فقالوا :أعَملتَ من الخير شيئا ؟قال :لا ،قالوا :تذكَّر ،قال كنت أداين
الناس فآمر فتياني أن يُنظروا المعسر ويتجوزوا عن الموسر ،قال قال الله عزوجل :
تجوزوا عنه ". (صحيح مسلم ،رقم 1560 ،كتاب المسافاة ،باب فضل إنظار المعسر ،(ص 1194
)، صحيح البخاري ،رقم 2077 ،كتاب البيوع ،باب من أنظر معسرا (4/ 307 )).
وهكذا ظفر هذا العبد المتسامح بتجاوز الله جل وعلا عنه يوم القيامة جزاء له على
تجاوزه في الدنيا عن الموسرين وإنظار المعسرين .
وفي حديث آخر نجد أبا قتادة الأنصاري رضي الله عنه يطبق هذا التسامح ويذكر في ذلك
حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التنفيس عن المعسرين ،وذلك فيما أخرجه
مسلم رحمه الله من حديث عبد الله بن أبي قتادة :أن أبا قتادة طلب غريما له فتوارى
عنه ،ثم وجده فقال :إني معسر ،فقال : آللهِ ؟قال :ألله ، قال :فإني سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول :"من سره أن ينجيه الله من كُرَب يوم القيامة فلينفس عن
معسر أو يضعْ عنه ". (صحيح مسلم ،رقم 1593 ،كتاب المسافاة ،باب فضل إنظار المعسر (ص
1196)).
وفي حديث آخر أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذي حلف على التمسك بكامل حقه
وعدم التسامح ،وذلك فيما أخرجه الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها قالت :"سمع
رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت خصوم بالباب عالية أصواتهم ،وإذا أحدهما يستوضع
الآخر ويسترفقه في شئ [يعني يطلب منه أن يضع عنه بعض الطلب وأن يرفق به] وهو يقول
:والله لا أفعل ،فخرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أين المتألِّي
على الله لايفعل المعروف ؟ فقال : أنا يا رسول الله فله أي ذلك أحب ". (صحيح
البخاري ، رقم 2705 ، كتاب الصلح ، باب هل يشير الإمام بالصلح (5/307) ، صحيح مسلم
، رقم 1557 ، كتاب المساقاة ، باب استحباب الوضع من الدين (ص 1191)).
وقد استفاد هذا الصحابي من هذه الموعظة التي جاءت على سبيل الإنكار عليه ، فتدارك
نفسه وتنازل لصاحبه فأدرك خيرًا كثيرًا في الآخرة .
وفي حديث آخر سعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلح بين اثنين متخاصمين في حقٍّ
لأحدهما عند الآخر، حيث دعا صاحب الحق إلى التسامح عن بعض حقه ، وذلك فيما أخرجه
الشيخان رحمهما الله من حديث عبد الله بن كعب رحمه الله عن كعب بن مالك رضي الله
عنه : أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي رضي الله عنه مال ، فلقيه فلزمه
حتى ارتفعت أصواتهما ، فمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ياكعب – فأشار
بيده كأنه يقول النصف- فأخذ نصف ماله وترك نصفا. (صحيح البخاري ، رقم 2706 ، كتاب
الصلح ، باب هل يشير الإمام بالصلح ( 5/307) ، صحيح مسلم ، رقم 1558 ، كتاب
المساقاة ، باب استحباب الوضع من الدين ( ص 1192)).
وكون النبي صلى الله عليه وسلم دعا كعبا إلى التسامح عن نصف دَينه إشارةٌ إلى أن
عمل الآخرة أزكى وأنفعُ لصاحبه ، فهو إن فقد شيئًا من ماله في الدنيا فإنه سيعوَّض
عنه في الآخرة بأضعاف مضاعفة، فليس طلب التنازل عن نصف الدين بالأمر الكبير إلا عند
من يعظمون الدنيا ويعطونها من الأهمية أكبر من حجمها .
وفي ماقام به كعب من التنازل عن نصف دينه مثال على صلاح الصحابة رضي الله عنهم
ومسارعتهم في سبل الخير والأعمال الصالحة .
ومما جاء في السماحة في البيع والشراء ما أخرجه الشيخان رحمهما الله من حديث عامر
الشعبي رحمه الله قال : حدثني جابر رضي الله عنه أنه كان يسير على جمل له قد أعيا ،
فمر النبي صلى الله عليه وسلم فضربه فسار سيرًا ليس يسير مثله ، ثم قال : بعنيه
بأوقية ، فبعته فاستثنيت حُملانه إلى أهلي، فلما قدمنا أتيته بالجمل ونقدني ثمنه ،
ثم انصرفت فأرسل على أَثَري قال : ماكنت لآخذ جملك، فخذ جملك ذلك فهو مالك " وفي
رواية مسلم أنه قال : " خذ جملك ودراهمك فهو لك" ، وفي أخرى له " فأعطاني أوقية
وزادني قيراطا ، قال : قلت : لا تفارقني زيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال:
فكان في كيس لي ، فأخذه أهل الشام يوم الحَرَّة. ( صحيح البخاري ، رقم 2718 ، كتاب
الشروط ، باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة ( 5/314) ، صحيح مسلم ، رقم 1600 ، كتاب
المساقاة ، باب بيع البعير واستثناء ركوبه ( ص 1221) ، وقوله " يوم الحَرة " يعني
المعركة التي دارت بين جيش يزيد بن معاوية وأهل المدينة ، وذلك سنة ثلاث وستين).
ففي هذا الحديث مثل من سماحة النبي صلى الله عليه وسلم البالغة ، حيث قضى جابرا ثمن
الجمل وزاده في ذلك، ثم تَوَّج صلى الله عليه وسلم سماحته الرقيقة بتنازله عن الجمل
لصاحبه جابر ، وهذا منتهى مايتصوره الإنسان من السماحة في المعاملة .
وفي الحديث مثل من بركة النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث تحول الجمل العاجز البطيء
لمَّا مسَّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى جمل قوي سريع يسبق الجمال .
وأخرج أبو داود السجستاني رحمه الله من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال
: سيأتي على الناس زمان عَضوض [أي شديد فيه ظلم وعسف] يعَضُّ الموسر على مافي يديه
، ولم يؤمر بذلك ، قال الله تعالى (وَلاَ
تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)
[البقرة : 237] ، ويبايَع المضطرون ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع
المضطر وبيع الغرر وبيع الثمرة قبل أن تدرِك. (سنن أبي داود ، كتاب البيوع ، باب
بيع المضطر ( 3/676)).
قال الحافظ ابن الأثير : بيع المضطر على وجهين :
أحدِهما أن يضطر إلى العقد عن طريق الإكراه ، وهذا فاسد .
والآخر أن يضطر إلى البيع لدَين ركبه أو مؤونه ترهقه فيبيعَ ما في يده بالوكس ،
وهذا سبيله من جهة المروءة والدين أن لايبايع على هذا الوجه ويعان ويقرضَ ويمهل إلى
الميسرة ، فإن عُقد البيع على هذا الوجه جاز ولم يفسخ .
أقول : وفي مثل هذه الحال إذا اضطر الإنسان إلى بيع ملكه لسداد دين ونحوه فإنه
ينبغي للمشتري من باب التسامح والتراحم أن لايبخس المبيع ثمنه ، بل ينبغي له أن
يشتريه بقيمة المثل حتى لايضر أخاه المسلم .
* * *
- توجيهات ومواقف أخلاقية –
- مواقف في الكرم –
من أخبار الزبير بن العوام رضي الله عنه :
أما الزبير بن العوام رضي الله عنه فقد رُوي عن عروة بن الزبير أنه قال : أوصى إلى
الزبير سبعة من الصحابة منهم عثمان وابن مسعود وعبد الرحمن ، فكان ينفق على الورثة
من ماله ويحفظ أموالهم. (سير أعلام النبلاء 1/ 55).
وهذا مثل رفيع من أمثلة الكرم والوفاء ، وهو يجسِّم المعاني السامية في النفس حتى
تبقى هي الماثلة في الضمير الحي ، وتبعًا لذلك يُسخِّر هذا الضمير الحي كل مايملك
من أجل سيادة هذه المعاني .
وقد تجود النفس مرة ومرة ثم يعترضها شيء من الفتور ، فأما أن يتكفَّل مثل هذا الشهم
السخي بالنفقة على ورثة عدد من الصحابة ويحفظ لهم أموالهم فهو نموذج فريد في عالم
الواقع، ومؤشر مهم من مؤشرات الرقي الأخلاقي لدى الصحابة رضي الله عنهم .
من أخبار عمرو بن العاص رضي الله عنه :
من ذلك ما رُوي عن علقمة بن رمثة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن
العاص إلى البحرين، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وخرجنا معه ، فنعس
وقال: يرحم الله عمرًا ، فتذاكرنا كل من اسمه عمرو .
قال : فنعس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : " رحم الله عمرًا " ثم نعس
الثالثة فاستيقظ فقال: " رحم الله عمرا " قلنا يارسول الله من عمرو هذا ؟ قال: عمرو
بن العاص ، قلنا : وما شأنه ؟ قال: كنت إذا ندبت الناس إلى الصدقة جاء فأجزل منها ،
فأقول : عمرو أَنَّى لك هذا ؟ فقال: من عند الله ، قال: وصدق عمرو إن عند الله
خيرًا كثيرًا. (سير أعلام النبلاء 3/65).
وهكذا فاز عمرو بن العاص بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لكونه من المسارعين إلى
الإنفاق في سبيل الله تعالى .
والإنفاق إذا كان كذلك فهو دليل على قوة إيمان صاحبه حيث سخت نفسه بالمال الذي هو
من أعز المحبوبات لدى الإنسان من أجل الله تعالى والدار الآخرة ، فهو دليل على أنه
يفضل الأجر الأخروي على الاحتفاظ بالمال ، ومن ثَمَّ استحق رحمة الله عز وجل .
من أخبار عائشة رضي الله عنها :
من ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير من خبر هشام بن عروة عن أبيه قال: بعث معاوية إلى أم
المؤمنين عائشة بمائة ألف ففرقتها من يومها ، فلم يبق منها درهم ، فقالت لها
خادمتها : هلا أبقيت لنا درهما نشتري به لحما تفطري عليه ! فقالت : لو ذكرتيني
لفعلت. (البداية والنهاية 8/136 – 137).
فهذا من لطائف أخبار الكرم ، فعائشة رضي الله عنها حينما ورد عليها ذلك المال لم
يكن عندها شيء ، ومع ذلك تصدقت به كله ، فقد تصدقت بكل ماتملك من النقود ، وقد ذكرت
حاجات المحتاجين ونسيت حاجة بيتها ، وهذا يدل على تخلقها بخلق الإيثار وبراءتها من
الأنانية والأثرة ، والذي يدفع لذلك السلوك القويم هو تضاؤل النظر إلى الدنيا
وضخامة النظر إلى الآخرة.
إن الكرم خلق إسلامي رفيع ، يدل على كثافة النظرة الروحانية ، وضآلة النظرة المادية
عند من تخلق بهذا الخلق السامي ، فالكرماء هم عشاق المثل العليا ، وإن أعلى المثل
وأسمى القيم الطموح إلى نعيم الآخرة ، ولقد كان هذا الهدف السامي دافعا قويا لأصحاب
المعادن الزكية نحو الترفع عن قيود المادة ، وتسخير المال للفعال الحميدة ، وإشاعة
الأخلاق الكريمة .
من أخبار أبي هريرة رضي الله عنه :
من ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير من خبر أبي الزعيزعة كاتب مروان قال: بعث مروان إلى
أبي هريرة بمائة دينار ، فلما كان الغد بعث إليه : إني غلطت ولم أردك بها وإنما
أردت غيرك، فقال أبو هريرة : قد أخرجتها فإذا خرج عطائي فخذها منه – وكان قد تصدق
بها – وإنما أراد مروان اختباره. (البداية والنهاية 8/114).
وهكذا نجح أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله عنه في الاختبار ، وماكان
بحاجة إلى ذلك فإنه صحابي جليل وإن رصيده السابق من الإحسان والكرم يكفي في معرفة
حاله، وهل كان ينبغي لأحد تلاميذ النبي صلى الله عليه وسلم الملازمين له أن يكون
إلا زاهدًا في الدنيا سباقا إلى الخيرات ؟!
من أخبار عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما :
كان عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه من المنفقين في سبيل الله تعالى ، ومن
أمثلة ذلك ما رُوي عن سليمان بن الربيع قال : انطلقت في رهط من نُسَّاك أهل البصرة
إلى مكة ، فقلنا : لو نظرنا رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فدُلِلْنا على عبد الله بن عمرو ، فأتينا منـزله، فإذا قريب من ثلاثمائة راحلة ،
فقلنا : على كل هؤلاء حج عبد الله بن عمرو ؟ قالوا : نعم ، هو ومواليه وأحباؤه ،
قال : فانطلقنا إلى البيت فإذا نحن برجل أبيض الرأس واللحية ، بين بردين قِطْرييَّن
، عليه عمامه وليس عليه قميص. (سير أعلام النبلاء 3/93).
فهذا دليل على كرم عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ، وحبِّه لفعل الخير ، حيث قام
بنفقة هذا العدد الكبير من الحجاج .
والنفقة في هذا المجال لها مزية خاصة ، وهي أنها تسهيل لأمر الحج ، الذي هو الركن
الخامس من أركان الإسلام ، فقد يوجد من لايستطيع الحج لفقره ، فالذي يتحمل نفقات حج
هؤلاء له أجر الصدقة ، وأجر تيسير هذه العبادة العظيمة .
وفي الخبر دلالة على اهتمام طلاب العلم بزيارة العلماء والتعرف عليهم ، وهذا المقصد
من أهم فوائد الحج حيث يتم اللقاء والتعارف بين أهل العلم من سائر بلاد المسلمين .
من أخبار عبد الله بن عمر رضي الله عنهما :
من أخبار اتصاف عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بالكرم والإنفاق في سبيل الله تعالى
مارُوي عن عبد الله بن دينار قال: خرجت مع ابن عمر إلى مكة ، فعرَّسنا [أي نزلنا]
فانحدر علينا راعٍ من جبل ، فقال له ابن عمر : أراعٍ ؟ قال : نعم ، قال: بعني شاة
من الغنم ، قال: إني مملوك ، قال: قل لسيدك أكلها الذئب ، قال فأين الله عز وجل ؟
قال ابن عمر : فأين الله !! ثم بكى ، ثم اشتراه بعدُ ، فأعتقه .
وفي رواية ابن أبي رواد عن نافع " فأعتقه واشترى له الغنم ". (سير أعلام النبلاء
3/216).
فهذا الخبر يدلنا أولاً على اهتمام عبد الله بن عمر بمعرفة أهل التقوى فقد قام
باختبار ذلك الراعي ليعرف مدى ورعه وتقواه حيث طلب منه بيع تلك الشاة وأن يقول
لسيده إن الذئب قد أكلها،فلما عرف ورعه وتقواه اشتراه من سيده واشترى معه الغنم ثم
أعتقه ووهب له تلك الغنم.
وهذا مثال لكرم ابن عمر وبذله في سبيل الله تعالى حيث نال ذلك المملوك الراعي حريته
على يديه وأصبح له من تلك الغنم مال يعيش عليه .
من أخبار الحسن بن علي رضي الله عنهما :
من ذلك مارُوي عن القاسم بن الفضل الحُدَّاني قال : حدثنا أبو هارون قال : انطلقنا
حجاجا فدخلنا المدينة ، فدخلنا على الحسن – يعني ابن علي رضي الله عنهما – فحدثناه
بمسيرنا وحالنا، فلما خرجنا بعث إلى كل رجل منا بأربعمائة ، فرجعنا فأخبرناه
بيسارنا ، فقال: لاتردوا عليَّ معروفي ، فلو كنت على غير هذه الحال كان هذا لكم
يسيرا ، أما إني مزوِّدكم : إن الله تعالى يباهي ملائكته بعباده يوم عرفة. (سير
أعلام النبلاء 3/261).
فهذا الصحابي الجليل قد أعطى أولئك الحجاج ذلك المال مع ظهور يسارهم ، فكيف الحال
لو كانوا محتاجين ، وحينما أظهروا له عدم حاجتهم لم يقبل منهم رد ذلك المال ، وهذا
دليل على قوة الدافع في نفسه نحو السخاء والجود .
ولم ينس أن يزودهم بما هو خير من ذلك حيث ذكَّرهم بفضل يوم عرفة الذي يباهي الله
تعالى به ملائكته عليهم السلام .
ومن ذلك مارواه عبد الله بن عبيد بن عمير قال قال ابن عباس عن الحسن بن علي : ولقد
قاسم اللهَ مالَه ثلاث مرات ، حتى إنه يعطي الخف ويمسك النعل. (سير أعلام النبلاء
3/260).
وهذا مثال عزيز في الكرم ، حيث قسم الحسن بن علي رضي الله عنهما ماله قسمين ثلاث
مرات ، فكان يتصدق بنصف ماله ، ولقد كان دقيقا في محاسبته نفسه وكأنه يؤدي واجبا من
الواجبات ، حيث كان يعطي الخف ويمسك النعل مع أن أحدهما لايغني عن الآخر ، وإنه في
عمله هذا قد جعل من نفسه قدوة للمسلمين في أعمال الخير والإحسان .
من أخبار حارثة بن النعمان الأنصاري رضي الله عنه :
أخرج محمد بن سعد من خبر محمد بن عثمان عن أبيه : أن حارثة بن النعمان كان قد كُفَّ
بصره فجعل خيطا في مصلاه إلى باب حجرته ووضع عنده مكتلا فيه تمر وغير ذلك ، فكان
إذا سلم المسكين أخذ من ذلك التمر ثم أخذ على الخيط حتى يأخذ إلى باب الحجرة
فيناوله المسكين ، فكان أهله يقولون : نحن نكفيك ، فيقول : سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول : " إن مناولة المسكين تقي ميتة السوء ". (طبقات ابن سعد 3/488 ،
وذكر الحافظ ابن حجر أن هذا الخبر رواه الطبراني والحسن بن سفيان – الإصابة 1/298
رقم 1532).
فهذا الصحابي الجليل كان عظيم الاهتمام بالصدقة ومراعاة المساكين ، حيث كان يناولهم
الصدقة بنفسه ، وفي ذلك مافيه من النشوة والفرح في رؤية علامات السرور والغبطة على
وجوه الفقراء ، فلما كف بصره لم يجعل ذلك عائقًا عن القيام بهذه المهمة الجليلة
مكتفيا بسماع أصوات المساكين بالدعاء له الذي يرجو من ورائه الخاتمة السعيدة في
الدنيا والظفر برضوان الله تعالى والسعادة في الجنة .
من أخبار معاذ بن الحارث رضي الله عنهما [هو معاذ بن الحارث بن رفاعة بن الحارث
الأنصاري شهد أبوه بيعتي العقبة وبدرا ، واشتهر معاذ بنسبته إلى أمه عفراء.]:
قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى : وعن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال : كان
ابن عفراء لايدع شيئًا إلا تصدق به ، فلما وُلد له استشفعت إليه امرأته بأخواله ،
فكلموه وقالوا له: إنك قد أعَلْت فلو جمعت لولدك ، قال : أبت نفسي إلا أن أستتر بكل
شيء أجده من النار .
فلما مات ترك أرضا إلى جنب أرض رجل ، قال عبد الرحمن – وعليه ملاءة صفراء ماتساوي
ثلاثة دراهم - : مايسرني الأرض بملاءتي هذه ، فامتنع ولي الصبيان ، فاحتاج إليها
جار الأرض فباعها بثلاثمائة ألف. (صفة الصفوة 1/472).
فهذا معاذ بن الحارث رضي الله عنهما يتصدق بكل ماوقع تحت يده ماعدا القوت الضروري،
وهذا من أعلى أنواع الكرم ، وقد كان الدافع له إلى هذا الكرم النادر طلب مغفرة
الذنوب والعتق من النار .
وهكذا يُخرج الإسلام رجالا يعيشون لمجتمعهم قبل أن يعيشوا لأنفسهم ، لأنهم يعتقدون
أن بذل المعروف والإحسان للمسلمين يرفع من رصيدهم الأخروي ، وهم إنما يعملون
للآخرة، فإذا كان المال مطية للوصول إلى السعادة الأخروية فما أهون بذله على نفس
المؤمن التقي !! وما أسعد المجتمعات البشرية بالمؤمنين السابقين بالخيرات !!
ولما كان معاذ بن عفراء قد وكل أمر أولاده إلى الله عز وجل ولم يمسك ماله من أجلهم
فإن الله تعالى قد عوضهم من بعده بارتفاع قيمة تلك الأرض التي لم تكن تساوي في
حياته إلا القليل .
* * *
- مواقف دعوية من السيرة النبوية –
- نماذج من الانطلاق بالدعوة خارج مكة –
بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوة عشيرته الأقربين فاستجاب منهم من استجاب،
وسالمه بعضهم وعاداه آخرون ، ثم دعا قومه فاستجاب بعضهم وعاداه أكثر قومه ، وخاصة
كبراؤهم ، وجرى منهم له ولأتباعه ماسبق بيان بعضه من الأذى والعداء ، ثم قام رسول
الله صلى الله عليه وسلم بدعوة قبائل العرب، وقد مكنه من ذلك كون مكة المكرمة مقصد
العرب في المواسم ، فكان صلى الله عليه وسلم يدور على القبائل يدعوهم إلى الإسلام .
فمن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد رحمه الله من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما
قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالموقف [يعني موقف
الحجاج في عرفة]، فيقول : هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ
كلام ربي عز وجل ، فأتاه رجل من همدان : فقال: ممن أنت ؟ فقال الرجل : من همدان ،
قال : فهل عند قومك من منعة [يعني قوة يمنعون بها من لجأ إليهم]؟ قال: نعم ، ثم إن
الرجل خشي أن يخفره قومه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : آتيهم فأخبرهم
ثم آتيك من عام قابل ، قال: نعم ، فانطلق وجاء وفد الأنصار في رجب. (الفتح الرباني
20/267 ، وذكره الهيثمي وقال : رواه أحمد ورجاله ثقات – مجمع الزوائد 6/35).
ومن أمثلة ذلك ما أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي الزناد عن ربيعة بن عباد الدؤلي
قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بَصَرَ عيني بسوق ذي المجاز يقول : يا أيها
الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ، ويدخل في فجاجها والناس مُتقصِّفون عليه فما
رأيت أحدًا يقول شيئًا ، وهو لايسكت يقول : أيها الناس قولوا لا إله إلا الله
تفلحوا ، إلا أن وراءه رجلاً أحول وضيء الوجه ذا غديرتين يقول: إنه صابيء كاذب ،
فقلت : من هذا ؟ قالوا : محمد بن عبد الله وهو يذكر النبوة ، قلت : من هذا الذي
يكذبه ؟ قالوا : عمه أبو لهب .
وأخرج الحاكم بإسناده عن محمد بن المنكدر سمع ربيعة بن عباد الدؤلي يقول : رأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى في منازلهم قبل أن يهاجر إلى المدينة يقول : يا
أيها الناس إن الله يأمركم أن تعبدوه ولاتشركوا به شيئًا قال : ووراءه رجل يقول :
يا أيها الناس إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم ، فسألت عن هذا الرجل : قيل :
أبو لهب .
قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ورواته عن آخرهم ثقات أثبات وأقره
الذهبي [المستدرك 1/15] ، وأخرجه ابن سيد الناس. (عيون الأثر 1/100).
وأخرج الإمام أحمد وابن حبان والحاكم واللفظ له من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي
صلى الله عليه وسلم لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في الموسم ومجنة وعكاظ
ومنازلهم من منى : من يؤويني ، من ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي فله الجنة ، فلا يجد
أحدًا ينصره ولايؤويه ، حتى إن الرجل ليرحل من مضر أو من اليمن إلى ذي رحمه فيأتيه
قومه فيقولون له : احذر غلام قريش لايفتنك ويمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله عز وجل
، يشيرون إليه بالأصابع. (مسند أحمد 3/322 ، موارد الظمآن /408 رقم 1686 ، المستدرك
2/624).
وأخرج الطبراني من حديث الحارث بن الحارث الغامدي قال : قلت لأبي : ماهذه الجماعة؟
قال : هؤلاء القوم قد اجتمعوا على صابئ لهم ، قال : فنـزلنا فإذا رسول الله صلى
الله عليه وسلم يدعو الناس إلى توحيد الله عز وجل والإيمان به ، وهم يردون عليه
ويؤذونه ، حتى انتصف النهار وانصدع الناس عنه وأقبلت امرأة قد بدا نحرها تحمل قدحًا
ومنديلاً ، فتناول منها وشرب وتوضأ ثم رفع رأسه وقال: يابنية خَمِّري عليك نحرك
ولاتخافي على أبيك ، قلنا : من هذه ؟ قالوا : زينب بنته. ( معجم الطبراني الكبير
3/304 رقم 3373).
ذكره الهيثمي وقال : ورجاله ثقات. (مجمع الزوائد 6/21).
وقال المحقق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي : قال البوصيري : رواه ابن أبي شيبة بسند
صحيح وأبو يعلى وابن حبان والحاكم ، ورواه النسائي وابن ماجه مختصرا .).
وروى أبو نعيم عن عبد الله بن وابصة العبسي عن أبيه عن جده : جاءنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم بمنى فدعانا فاستجبنا له ، وكان معنا ميسرة بن مسروق العبسي فقال
لنا : أحلفُ بالله لو صدَّقنا هذا الرجل وحملناه حتى نحلَّ به وسط رحالنا لكان
الرأي ، فأحلف بالله ليظهرنَّ أمره حتى يبلغ كل مبلغ فأبى القوم وانصرفوا .
فقال لهم ميسرة : ميلوا بنا إلى فَدك فإن بها يهود نسألهم عن هذا الرجل ، فمالوا
إلى يهود فأخرجوا سفْرَهم [بكسر السين وسكون الفاء أي كتاب دينهم] فوضعوه ثم درسوا
ذِكْر رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي الأمي العربي يركب الحمار ويجتزئ
بالكسْرة ، وليس بالطويل ولا بالقصير ولا بالجعد ولا بالسبط ، في عينيه حمرة مُشرب
اللون ، قالوا : فإن كان هو الذي دعاكم فأجيبوه وادخلوا في دينه فإنا نحسده
ولانتبعه ولنا منه في مواطن بلاء عظيم ، ولايبقى أحد من العرب إلا اتبعه أو قتله ،
فقال ميسرة : ياقوم إن هذا الأمر بيِّن فَأسْلَم ميسرة. (سبل الهدى والرشاد 2/456)
وذكر الإمام الذهبي عن شعبة بن الأشعث بن سليم عن رجل من كنانة قال: رأيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز وهو يقول : " قولوا لا إله إلا الله تفلحوا "
وإذا خلفه رجل يسفي عليه التراب فإذا هو أبو جهل ، ويقول : لايغرنكم هذا عن دينكم
فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى.
قال
الذهبي : إسناده قوي. (تاريخ الإسلام / السيرة / 151).
هذه نماذج من أمثلة كثيرة تدل على اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم البالغ بدعوته ،
حيث لم يجلس في بيته أو في المسجد الحرام فقط ينتظر الناس أن يأتوا إليه ، بل خرج
إلى القبائل في منازلهم ، وغشيهم في مجالسهم ونواديهم يدعوهم إلى الله تعالى .
وفي هذه الأخبار مثل من التسابق القائم بين دعاة الحق ودعاة الباطل ، فرسول الله
صلى الله عليه وسلم الذي هو إمام الدعاة وهاديهم يتنقل بين أحياء العرب يدعوهم إلى
الإسلام ، ولايمنعه صدودهم وجفاؤهم ومنطق بعضهم الساخر من أن يواصل دعوته إياهم كل
عام .
وبينما نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يشيد بهدفه الأعلى في هذه الدعوة فيركز
على توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة نجد المشركين يركزون على الدعوة إلى آلهتهم
التي يقدسونها ويشفقون على رموز باطلهم، فالأصنام عندهم هي معالم دينهم فهم يدافعون
عنها ولو ماتوا في سبيل ذلك ، لأنهم يعدُّون وجودهم من وجود هذه المعالم ، وسيادتهم
منوطة باستمرار هيمنتها على النفوس .
وهكذا أغلب دعاة الباطل يَتَفَانَونَ في الدفاع عن باطلهم ، وقد تكون معالم الباطل
أصنامًا من الأشجار والأحجار ، وقد تكون أوثانًا من البشر الذين طغوا في البلاد إما
بدافع من قوتهم المادية وتمكنهم في الأرض ، أو بدافع من بروزهم في المجال الفكري ،
فيجتمع إليهم كل من قصر همه وطموحه على منافع الحياة الدنيا وغفل عن نعيم الآخرة
وأهوالها ، فقد ينخدع المسؤول بمالَه من سلطة وهيمنة ويرى أنه أعلى ممن هم تحت
إدارته فيطغى ويتجبر ، وقد يوصله طغيانه إلى رد شريعة الله تعالى واختيار القوانين
البشرية التي تلائم هواه .
وقد ينخدع المفكر بفكره إذا لم يحجزه إيمان صادق أو عقل راسخ فيتطاول على خالقه
وخالق كل شيء جل جلاله ، أو على من هم فوق البشر العاديين وهم الأنبياء عليهم
السلام ، أو على مادعوا إليه من الهدى ، فيجتمع على الإعجاب بهؤلاء المفكرين صرعى
الشبهات الذين يتخبطون ههنا وهناك بحثًا عن الحق ، والحق أقرب شيء إليهم ، ولكنهم
يريدون أيَّ فكرة بشرية جديدة ليستغنوا بها عن الدين الإلهي العظيم الذي ورثوه
فأصبح مألوفًا لديهم ، وأصبحوا به في نظرهم مغمورين ، لأنهم لم يكونوا فيه من
الرؤوس ولا من البارزين فهم يضربون في الأرض يبحثون عن كل فكرة تقاوم هذا الدين وإن
كانوا ممن يجهل حقيقتها وأهدافها .
* * *
|