الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
سيرة المشرف
مؤلفات المشرف
ديـوانية المشـرف
الصـوتـيــــات
مقال الموقع
فتاوى الموقع
ملتقيات الخير
شبهات و ردود
مـقـالات مـخـتارة
المـعـهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
من فتاوى العلماء
ســيــر الصــحـابة
تراجم من علمائنا
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة د. عبدالعزيز الحميدي المتقون المتقون : العدد الخامس والعشرين

المتقون : العدد الخامس والعشرين

تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :

1 – قبسات من القرآن الكريم .

2 – قبسات من السنة النبوية .

3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .

4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .

- قبسات من القرآن الكريم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله تعالى (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ{56} قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ{57} قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ{58}) [الأنعام : 56 : 58] .

 

[56] يأمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بمفاصلة المشركين في أمر العبادة , فقد كانوا يريدون منه أن يعبد آلهتهم في مقابل أن يعبدوا إلهه , فأمره الله تعالى بأن يقول لهم : إن الله نهاني أن أعبد الآلهة الذين تعبدون من دونه تعالى , سواء في ذلك الأصنام في مجال الشعائر التعبدية , أو طغاة البشر في مجال الطاعة في معصية الله وتشريع ما لم يأذن بالله تعالى , فإن عبادة غير الله عز وجل في المجالين اتباع لأهواء البشر , وأنا لا أتبع أهواءكم المنحرفة , فإني لو فعلت ذلك أكون قد ضللت عن الصراط المستقيم , وما أنا من المهتدين إلى الرشد والفلاح .

 

[57] ثم يأمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لأولئك المشركين : إنني على بصيرة واضحة من شريعة الله التي أوحاها إلي , وذلك بإفراده وحده بالعبادة والطاعة , وأنتم قد كذَّبتم بهذا  مع أنه وحي من عند الله خالقكم ، فكيف تريدون مني أن أتحوَّل من هذه البصيرة الواضحة من ربي وربكم جل وعلا إلى اتباع أهوائكم المنحرفة وتقاليدكم البالية ؟! وليس في مقدرتي إنزال العذاب الذي تستعجلون به فإن الحكم في ذلك إلى الله عز وجل وحده , يقول الحق وهو خير من يفصل بين الحق والباطل ببيانه وحكمه .

 

[58] وقل لهم – أيها الرسول - : لو أن أمر إنزال العذاب الذي تستعجلون نزوله راجع إلي لأنزلته بكم , ولقُضي الأمر بيني وبينكم , ولكن هذا الأمر راجع إلى الله جل وعلا , وهو أعلم بالظالمين الذين تجاوزوا حدودهم فأشركوا معه غيره ورفضوا شريعته , فكما أن الله سبحانه هو الذي يفصل بين الحق والباطل فإنه هو الذي يقضي بنـزول العذاب أو عدم نزوله , وفي هذا تأكيد لوحدانية الله تعالى في العبادة والطاعة والخلق والتدبير .

 

ويقول الله تعالى (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ{59} وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ{60}) [الأنعام : 59 –60].

 

[59] يخبرنا الله جل وعلا أن عنده خزائن الغيب لايعلمها إلا هو , فمن ادعى شيئًا من علم الغيب فقد زعم لنفسه الاتصاف بشيء من خصائص الله تعالى , وقد كان أهل الجاهلية يعتقدون بقداسة الكهان لكونهم يخبرون بشيء من علم الغيب , ولقد كانت تلك المعلومات الغيبية التي يخبرون بها من وحي الجن الذين كانوا يستخدمونهم , وهي بالنسبة للجن ليست غيبا وإنما هي مما علموه بالسماع أو المشاهدة ولم يطلع عليه الإنس , فالله عز وجل يخبرنا بأن أمور الغيب الحقيقي لايعلمها الإنس ولا الجن ولا الملائكة إلا فيما يطلعهم الله سبحانه عليه .

 

وهو سبحانه من سعة علمه يعلم كل مافي البر والبحر من المخلوقات كبيرها وصغيرها , دقيقها وجليلها , حتى أوراق الشجر التي تسقط يعلمها جميعها , ويعلم كل حبة منـزوية في خفايا الأرض , ويعلم سبحانه كل الموجودات رطبها ويابسها , وكل ذلك مثبت في كتاب واضح لا لبس فيه , وهو اللوح المحفوظ .

 

[60] وهو سبحانه الذي يقبض أرواح عباده بالليل بالنوم الذي يشبه قبضها عند الموت , ويعلم ما اكتسبوا في النهار من الأعمال , وهو الذي يعيد أرواحهم إلى أجسامهم عند اليقظة من النوم بما يشبه الإحياء بعد الموت , ليقضوا آجالهم المحددة لهم في الدنيا , ثم إلى الله تعالى معادهم بعد بعثهم من قبورهم أحياء , ثم يخبرهم بما كانوا يعملون في حياتهم الدنيا ويحاسبهم على ذلك ثم يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته , وهذا يبين أن العباد في قبضة الله سبحانه في كل أحوالهم، في حال نومهم وفي حال يقظتهم , وفي حال عملهم , وفي تحديد آجالهم , ثم في تقدير مصائرهم بعد الموت .

 

ويقول الله تعالى (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ{61} ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ{62} قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ{63} قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ{64}) [الأنعام : 61 – 64] .

 

[61] يبين الله سبحانه أن له الربوبية الكاملة على عباده , فهو الرب القوي القاهر فوق عباده, وهم جميعا تحت سيطرته وقهره , سواء اعترفوا بذلك أم جحدوا به , وهو الذي يرسل على عباده حفظة من الملائكة يحصون جميع أعمالهم , فلا يظن الذين جحدوا حقوق الله تعالى واستكبروا عن تطبيق شريعته أنهم في أمن من الرقابة والحساب والجزاء , حتى إذا حان أجل الواحد منهم ونزل به الموت قبض روحه ملك الموت وأعوانه , وهو في حال غفلة وعدم استعداد, وذلك يُشعر بضرورة تذكُّر الموت دائمًا وأنه قد ينـزل في أي لحظة , والحال أن هؤلاء الملائكة في غاية الدقة والإتقان ولا يضيعون شيئًا مما أمرهم الله تعالى به.

 

[62] ثم يعاد هؤلاء المتوفون إلى الله تعالى مولاهم الحق ولن يجدوا آنذاك الذين اتخذوهم أولياء من دونه بالباطل , ثم يحاسبهم جل وعلا على أعمالهم ويقضي فيهم بالحق , ألا له وحده سبحانه القضاء والفصل يوم القيامة وهو أسرع الحاسبين , فلن يمهل العباد لحظة واحدة .

 

[63] فقل – أيها الرسول – لهؤلاء المكذبين : مَن الذي ينقذكم من مخاوف ظلمات البر والبحر ؟ وهذه مخاوف يعايشونها ويشاهدونها في الدنيا , فإن كانوا يتشككون في مخاوف الآخرة فهذه مخاوف قد مرت بهم وتسامعوا بها, فهل هم يرجعون في طلب النجاة من تلك المخاوف إلى آلهتهم التي عبدوها من دون الله تعالى ؟ بل إنهم لايدْعون إلا الله تعالى وحده متذللين له سرًّا وجهرًا , يقولون : لئن أنجانا ربنا من هذه المخاوف لنكونن له من الشاكرين الذين يخلصون له العبادة وحده .

 

[64] قل : الله وحده هو الذي ينجيكم من تلك المخاوف ومن كل شدة تواجهونها , ثم أنتم بعد ذلك تشركون معه في العباده غيره .

 

ويقول الله تعالى (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ{65} وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ{66} لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ{67}) [الأنعام : 65 – 67] .

 

[65] يأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول للمشركين : الله عز وجل وحده هو القادر على أن يرسل عليكم عذابا من فوقكم كالرجم والطوفان , أو من تحت أرجلكم كالزلازل والخسف , وإن مجرد تصور عذاب يأتي من فوق أو من تحت ليزلزل كيان الإنسان , فكيف إذا وقع ؟! وهو سبحانه القادر على أن يخلط أمركم عليكم فتختلفوا ثم تكونوا فرقا متناحرة يقتل بعضكم بعضا , فانظر – أيها الرسول – كيف ننوِّع البراهين والحجج الواضحة لهؤلاء المشركين لعلهم يفهمون الصراط المستقيم فيتبعونه ويبتعدون عن الطرق المعوجة .

 

هذا وقد أخرج الإمام البخاري في تفسير هذه الآية من حديث جابر رضي الله عنه قال : "لما نزلت هذه الآية (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعوذ بوجهك ، قال (أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) قال : أعوذ بوجهك (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا أهون – أو هذا أيسر – ". (صحيح البخاري ، رقم 4628 (8/291)).

 

فالعذاب الذي من فوق الناس ومن تحتهم أشد لأنه عذاب الاستئصال ، أما العذاب الأخير الذي يكون في القتل المترتب على التفرق فإنه أخف ولكنه قد يمتد ويطول ويفقد معه الناس حياة الأمن والسعادة .

 

[66] ثم يخاطب الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم ببيان أن الكفار من قومه حينما كذبوا بالقرآن فإن ذلك لايقلل من عظمته ولا من صدقه في كل ما أخبر به وأنه وحي من عند الله تعالى , فإنه الحق الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه , فقل لهم – أيها الرسول – إنه ليس من شأني هداية قلوبكم فإن ذلك إلى الله عز وجل وحده , لست عليكم بحفيظ ولا رقيب , وإنما مهمتي هي أن أبلغكم ما أرسلت به إليكم .

 

[67] ولكل خبر قرار يستقر عنده ونهاية ينتهي إليها , وبعد ذلك يتبين الحق من الباطل بالمعاينة حينما يتحقق موعود الله فيكم , وسوف تعلمون ذلك علم اليقين بالمشاهدة حينما لاينفع العلم آنذاك صاحبه , لأن العلم الذي ينفع هو ماكان قائما على الإيمان بالغيب .

*         *         *

- قبسات من السنة النبوية –

- من مقتضيات الأخوة الإسلامية –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : فمعنا اليوم حديث عظيم من الأحاديث الجامعة ، بيَّن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأخوة الإيمانية بين المسلمين ، ومايترتب على هذه الأخوة من الأعمال الصالحة ، حيث يقول " المسلم أخو المسلم لايظلمه ولايسلمه ، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة " أخرجه البخاري ومسلم والترمذي من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. (جامع الأصول رقم 4792).

 

فالمسلمون جميعا إخوة كما قال الله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات :10] ولاتتحقق هذه الأخوة إلا بتحقيق مقتضياتها، والعمل على اجتناب مايناقضها ويضعفها ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث عن ارتكاب بعض مايناقضها ، وأمر بفعل بعض مقتضياتها التي تحفظها وتقويها .

 

وقد يتوقع الظالمون أنهم هم الرابحون في هذه الحياة ، حيث استطاعوا أن يضمُّوا حقوق غيرهم إلى حقوقهم ، فاتسعت لهم بذلك المجالات المادية والمعنوية ، ولكنهم مخطئون في حساباتهم، لأنهم قد بنوا هذه الحسابات على الحياة الدنيا فقط ، وهذه الحياة فانية ، ولايدري الظالمون مامدة بقائهم فيها ، وهم قد ظلموا أنفسهم حينما لم يحسبوا حسابا للحياة الآخرة التي هي الباقية الخالدة، حيث يوافون الحساب فيَخرجون برصيدٍ هالك ، ويتمنون ساعتئذ أنهم كانوا قد تورعوا عن الظلم في الدنيا ، حينما يرون مصير المؤمنين المتقين ، ومصير العصاة من المسلمين .

 

فمما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث مما يناقض الأخوة الإسلامية ظلم المسلمين  حيث يقول في صفة المؤمن الحق تجاه أخيه المؤمن " لايظلمه" ، والظلم نمو غير طبيعي في حياة الإنسان ، لأن الظالم يأخذ لنفسه حيِّزًا كبيرًا في الحقوق والمصالح على حساب الإضرار بإخوانه المسلمين .

 

فالأخ المسلم لايعتدي على أخيه المسلم بالظلم ، لأنه حينما يفعل ذلك يكون قد ظلم نفسه، فإن حق المسلم على أخيه كحق نفسه ، كما جاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه " ، وحينما تغْلب الإنسان نفسه الأمارة بالسوء فيقْدم على ظلم أخيه فإن مجرد تذكره للأخوة الإيمانية التي عقدها الله عز وجل بينهما لأكبر رادع له عن ظلمه .

 

ويخطئ المظلومون أيضًا إذا ظنوا أنهم خاسرون وأن الظالمين رابحون ، فإن الذي يظن هذا الظن لايتصور إلا الحياة الدنيا ، فيموت كمدا وحسرة على مانال منه الظالمون ، حيث لم يستطع الانتصار منهم .

 

لكن الذي يؤمن بالحساب والجزاء حقا في الآخرة يعلم أن ذلك اليوم قادم لامحالة ، وأنه سيتم فيه انتصاف المظلومين من ظالميهم في يوم لايكون فيه التقاضي بالأموال ، وإنما يكون بالحسنات والسيئات ، فإذا تصور المظلوم أنه سيُقتصُّ له من ظالمه بالأخذ من حسناته ثم في طرح سيئات المظلوم على ظالمه إذا فنيت حسناته فإنه يصبر على الظلم عن طيب خاطر ، بل ربما يتمنى بقاء هذا الظلم ليستفيد منه في آخرته ، وإن كان المسلم مطلوب منه أن ينظر إلى ظالمه بعين الإشفاق والرحمة ، فالظالمون هو الخاسرون ، وهم – إن كانوا مسلمين – يستحقون الرحمة والدعاء من المسلمين ، لأنهم سيكونون بؤساء يوم القيامة .

 

ومما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث القيام بنصرة المسلمين المظلومين حيث يقول" ولايسلمه" أي لايسلم أخاه المسلم للظالمين ، بل يقوم بنصرته ، وحينما يرى أخاه المسلم قد وقع في شدائد ومحن فإنه لايسلمه لمن يسومه الذل والهوان ، ولايتخلى عنه في المواقف الحرجة ، بل يضع يده في يده ويسير معه جنبا إلى جنب حتى تزول كربته ، وتنجلي محنته .

 

إن المظلومين يكونون – وهم يعانون مرارة الظلم وقسوة الظالمين – في حالة ضعف شديدة، ويكون همهم الكبير أن يتخلصوا من هذا الظلم ، ولذلك فإنهم بسبيل هذا الخلاص قد ينسون مبادئهم السامية فيمدون أيديهم إلى من حاول إنقاذهم ولو كانوا من أعدائهم في الدين .

 

ولهذا نجد دعاة الضلال يستغلون هذا الجانب من حاجة هؤلاء المظلومين فيحشرون دعوتهم في قالب نصر المظلومين ومواساة المحرومين ، مع أنهم لايرجون في نصر مبادئهم مقاما عاليا في الجنة ولانجاة من النار ، وإنما تقتصر أهدافهم على نيل الجاه والمال والسيطرة في هذه الحياة الدنيا ، فهل يكون هؤلاء القاصرون أسرع إلى نجدة المظلومين والمحرومين ممن يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر حقا ويرجو ماعند الله من نعيم ويخشى مما عنده من عذاب مقيم ؟!

 

ومن الأمثلة الرائعة لعظمة التوجيهات النبوية أنه عَدَّ من قام بنصرة المظلومين قد قام أيضًا بنصرة الظالمين من المسلمين حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " انصر أخاك ظالما أو مظلوما" ثم فسر نصر الظالم بمنعه من الظلم ، فالذي يسارع إلى نصرة المسلمين يكون قد أدى حق الأخوَّة الإسلامية بالنسبة للفريقين معا فأما بالنسبة لنصرة المظلومين فالأمر ظاهر ، وأما بالنسبة لنصرة الظالمين فإن منعهم من الظلم يُعدُّ نصرا لهم على أنفسهم الأمارة بالسوء وعلى الشيطان وجنوده .

 

أما قوله صلى الله عليه وسلم " من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته" إلى آخر الحديث فإنه بيان لعظيم لطف الله تعالى ورحمته ومنِّه وكرمه ، فقد فتح الله سبحانه لك أيها المسلم أبوابًا لبلوغ رضوانه، وجعل مما يُبْلغك رضوانه أن تهتم بأخيك المسلم ، فإذا قضيت حاجته من أجل الله قضى الله حاجتك ، وما أحوجك لرب العالمين جل وعلا !

 

ما أهون العمل وما أبلغ الجزاء !! وإذا فرجت عن أخيك كربة من كرب الدنيا فرج الله عنك كربة من كرب يوم القيامة ، وإذا سترت أخاك في الدنيا سترك الله يوم القيامة ، وما أهون الدنيا عند الآخرة ! ذلك اليوم الذي يتمنى الإنسان أن يفتدي منه بجميع مايملك فلا ينفعه إلا عمله الصالح . 

فما أحوجك أيها المسلم في ذلك اليوم إلى ستر الله جل وعلا ولطفه وكرمه !!

 

وما أسهل الوسائل الموصلة إلى رضوان الله تعالى وما أقربها إليك !

 

فما عليك إلا أن تدرك هَوان الثمن الذي تدفعه في مقابل البيع الذي ستربح فيه ربحا لايتصوره عقلك ولايخطر لك على بال .

*          *         *

- توجيهات ومواقف أخلاقية –

- مواقف في الكرم –

من أخبار علي بن أبي طالب رضي الله عنه :

من ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير من خبر الأصبغ بن نباتة : أن رجلا جاء عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : يا أمير المؤمنين إن لي إليك حاجة فرفعتها إلى الله تعالى قبل أن أرفعها إليك ، فإن قضيتها حمدتُ الله وشكرتك ، وإن لم تقضها حمدت الله وعذرتك ، فقال علي : اكتب حاجتك على الأرض فإني أكره أن أرى ذُلَّ السؤال في وجهك ، فكتب : إني محتاج ، فقال علي : عليَّ بِحُلَّة ، فأُتِي بها ، فأخذها الرجل فلبسها ، ثم أنشأ يقول :

كسـوتني حـلة تبلَى محاسـنها           فسوف أكسوك من حسن الثَّنا حُلَلا

إن نلتَ حسن ثنائي نلتَ مكرمة             ولسـت أبغي بما قـد قلته بـدلا

إن الثناء ليحيي ذكـر صـاحبه                      كالغيث يحيي نـداه السهل والجبلا

لاتزهد الدهـر في خـير تواقعه                      فكـل عبد سيُجْزَى بالـذي عملا

فقال علي : عليَّ بالدنانير فأُتِيَ بمائة دينار فدفعها إليه ، فقال الأصبغ : يا أمير المؤمنين ، حلة ومائة دينار ! قال : نعم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أنزلوا الناس منازلهم ، وهذه منـزلة هذا الرجل عندي. ( البداية والنهاية 8/9).

 

فهذا موقف جليل من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الوقوف عند حاجات المحتاجين والاهتمام بأمورهم ورعاية مشاعرهم ، وإن أروع مافي هذا الخبر قوله " اكتب حاجتك على الأرض فإني أكره أن أرى ذل السؤال على وجهك " ، فكم يعاني المحتاجون من الذل بين يدي من يعرضون عليهم حوائجهم ، وقد يتلعثمون فلا يستطيعون النطق ، وتختلف مواقف المسؤولين تجاه مشاهد الذل في وجوه السائلين ، فبعضهم يطرب لرؤيتها وتتعاظم لديه نفسه حينما يرى الناس يذلون بين يديه ، وبعضهم يتألمون لرؤية هذه المشاهد ويودون معرفة حاجة السائل دون أن يتعرض للمذلَّة،فهؤلاء قد زكت نفوسهم وخلصت نياتهم،وآثروا رفع معنويات إخوانهم المحتاجين على التمتع برؤية انكسار نفوسهم وجرح مشاعرهم ، فهؤلاء مربُّون قبل أن يكونوا منفقين ، ومصلحون قبل أن يكون باذلين .

 

ولقد كانت مشاعر ذلك الرجل المحتاج عظيمة حينما واجهه أمير المؤمنين علي بهذه المعاملة السامية ، ولقد صاغ هذه المشاعر بالأبيات المذكورة .

 

ولقد زاده أمير المؤمنين مبلغا من المال حينما عرف من تلك الأبيات منـزلته الاجتماعية ، واستشهد بالحديث المذكور على سلوكه هذا ، لأن مايكون عظيما عند إنسان قد يكون شيئا معتادًا عند إنسان آخر .

 

من أخبار أبي طلحة رضي الله عنه :

من ذلك ماجاء في خبر أبي طلحة زيد بن سهل رضي الله عنه الذي أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان أبو طلحة أكثر الأنصار مالاً بالمدينة من نخل، وكان أحبَّ أمواله إليه "بيْرُحَاء" وكانت مستقبلة المسجد ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ، قال أنس : فلما نزلت هذه الآية (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ{92}) [آل عمران : 92] قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يارسول الله إن الله تبارك وتعالى يقول (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ{92}) وإن أحب مالي إليَّ بيرحاء وإنها صدقة لله أرجو بِرَّها وذخرها عند الله ، فضعها يارسول الله حيث أراك الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بخ [بخ ، كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء – النهاية في غريب الحديث -]، ذلك مال رابح ذلك مال رابح ، وقد سمعت ماقلت ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين ، فقال أبو طلحة : أفعَلُ يارسول الله ، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. (صحيح البخاري كتاب الزكاة رقم 1461 (3/325 ) . صحيح مسلم كتاب الزكاة رقم 998).

 

وفي هذا الحديث نجد مثالا واضحا لانتصار المؤمن الحق على رغبات نفسه وميلها نحو الدنيا، فحينما يصل إلى مسامع المسلم أن فعل الخير الذي ينال به رضى الله تعالى والسعادة الأخروية لايكون إلا بالتنازل عن محبوبه من ماله لله تعالى ، فإنه قد يسمو حالاً إلى العلو فيتنازل عن ذلك، وقد لايفكر في ذلك لغلبة الدنيا عليه ، وقد يقع في شيء من الصراع النفسي نحو الصعود في درجات الإيمان أو البقاء على المستوى الذي وصل إليه ، فإن حالفه التوفيق قطع ذلك الصراع بالسمو نحو الآفاق العالية ، فتنازل عما يحب في الدنيا من أجل أن ينال مايحب في الآخرة .

 

ومن أخبار أبي طلحة رضي الله عنه في الكرم والإيثار ما أخرجه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يارسول الله أصابني الجَهد (الجَهد المشقة الناتجة عن الجوع)، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ألا رجل يضيف هذا الليلة رحمه الله ! فقام رجل من الأنصار فقال : أنا يارسول الله ، فذهب إلى أهله فقال لامرأته : هذا ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتدخريه شيئًا ، فقالت : والله ماعندي إلا قوت الصِّبْية ، قال : فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالي فأطفئي السراج ، ونطوي بطوننا الليلة ، ففعلتْ ، ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لقد عجب الله عز وجل – أو ضحك – من فلان وفلانة ، وأنزل الله تعالى (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{9}) [ الحشر : 9]. (صحيح البخاري ، التفسير ، رقم 4889 ، (8/631)).

 

وقد جاء في رواية للإمام مسلم أن هذا الرجل هو أبو طلحة رضي الله عنه. (صحيح مسلم ، الأشربة ، رقم 2054  (ص1625)).

 

إن خلق الإيثار مبني على الكرم وسخاء النفوس ، وإن الوصول إلى التخلق بهذا الخلق الكريم قد يحتاج إلى جهاد نفسي لمقاومة نزعات النفس المتعلقة بحب إمساك المال .

 

ولكن حينما يؤمن الإنسان بالله جل وعلا إيمانا حقا فإن جواذب الإيمان القوي ترفعه من الالتفات إلى الدنيا على أنها مقصد وغاية وتقصره على اعتبار أنها بُلْغَة ووسيلة .

 

ولكنه في سبيل الوصول إلى هذا المستوى قد يحتاج إلى قدر كبير من جهاد النفس حتى يترك مايحب في العاجل من أجل ماينتظر من المحبوب في الآجل ، ثم لا يلبث كثيرًا حتى يتقوى إيمانه فيجد في نفسه من المتعة واللذة في إنفاق المال أضعاف مايجد من ذلك في إمساكه ، ثم نجده يشعر بالراحة والطمأنينة حينما يحس بأنه فرج بماله عن معسر أو أنقذ أسرة منكوبة .

 

من أخبار عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه :

أما أخبار عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في البذل والسخاء فإنها كثيرة نُمثِّل لها بما أخرجه ابن المبارك عن الزهري قال : تصدَّق ابن عوف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشطر ماله أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألف دينار ، وحمل على خمسمائة فرس في سبيل الله ، ثم حمل على خمسمائة راحلة في سبيل الله وكان عامة ماله من التجارة. (سير أعلام النبلاء 1/81).

*          *         *

- مواقف دعوية من السيرة النبوية –

- مواقف وعبر في دعوة أهل الطائف –

تقدم لنا خبر عداس النصراني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وماقام به من احترامه وتبجيله وأبلغ من ذلك أن الله جل وعلا صرف نفرًا من الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في وادي نخلة مرجعه من الطائف فسمعوا قراءته فأسلموا ، كما جاء في رواية ابن إسحاق أنه قال : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعًا إلى مكة حين يئس من خير ثقيف ، حتى إذا كان بنخلة [هو واد بين مكة والطائف ، قال البكري : موضع على ليلة من مكة وهي التي ينسب إليها بطن نخلة وهي التي ورد فيها الحديث ليلة الجن – معجم معالم الحجاز 9/42 -] قام من جوف الليل يصلي ، فمر به النفر من الجن الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى وهم – فيما ذكر لي – سبعة نفر من جنِّ أهل نصيبين [نصيبين بفتح النون وكسر الباء مدينة في شمال العراق الذي كان يسمى الجزيرة وتقع على الطريق بين الموصل والشام – معجم البلدان 5/288 – وهي الآن في سوريا]، فاستمعوا له فلما فرغ من صلاته وَلَّوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ماسمعوا ، فقص الله تعالى خبرهم عليه صلى الله عليه وسلم ، قال الله عز وجل (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ{29} قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ{30} يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ{31}) [ الأحقاف : 29 – 31] .

 

وقال تبارك وتعالى (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً{1}) [ الجن : 1] إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة. (السيرة النبوية لابن هشام 2/36).

 

وأخرجه الإمام  الطبري من طريق ابن حميد عن سلمة بن الفضل الأبرش عن ابن إسحاق به وذكر مثله.(تاريخ الطبري 2/344).

 

وأخرج نحوه الإمام البيهقي من حديث الإمام الزهري مرسلاً. (دلائل النبوة 2/414).

 

وأخرج الإمام أحمد خبر خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف مختصرا من حديث خالد العدواني رضي الله عنه. (المسند 4/335).

 

وأخرجه الطبراني مختصرا من حديث عبد الله بن جعفر وذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم كاملاً ، ذكره الهيثمي وقال : وفيه ابن إسحاق مدلس ثقة وبقية رجاله ثقات. (مجمع الزوائد 6/35).

 

وماجاء في آخر هذا الخبر من سماع الجن يعدُّ تبكيتا لقساة القلوب من الإنس الذين يتكرر عليهم سماع كلام الله تعالى ولايتأثرون به ، بينما سمعه الجن مرة واحدة فأسلموا .

 

هذا ومن العرض السابق في رواية ابن إسحاق تبين لنا كيف عانى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشاقِّ في رحلة الطائف الدعوية ، إضافة إلى أن خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ماشيًا على قدميه ذهابًا وإيابًا يعدُّ بحد ذاته مجهودًا ضخمًا وتضحية كبيرة ، حتى لو قوبل مقابلة حسنة ، فكيف إذا اجتمع مع هذا الجهد الكبير والعناء البالغ سوء المقابلة والتعرض للأذى ؟‍

 

ومما يصور هذه المعاناة ما أخرجه الإمام البخاري من حديث عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟

 

قال : لقد لقيت من قومك مالقيت وكان أشدَّ مالقيت منهم يوم العَقَبة إذ عرضْتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب [هو قرن المنازل ميقات أهل نجد ( المواهب اللدنيه 1/299) ويسمى الآن " السيل الكبير"] ، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك وماردُّوا عليك ، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت ، فناداني ملك الجبال ، فسلَّم عليَّ ثم قال : يامحمد فقال : ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين .

 

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لايشرك به شيئًا. (صحيح البخاري رقم 3231 ، كتاب بدء الخلق (6/312 )).

 

وقوله صلى الله عليه وسلم " وكان أشدَّ مالقيت منهم يومَ العقبة " يعني أن إصابته على يد أعدائه يوم الطائف أشد من إصابته يوم أحد .

 

وإننا إذا نظرنا إلى الموضوع من ناحية الإصابة الجسمية فإن إصابته في أحد أبلغ ، ولكننا إذا نظرنا من الناحية النفسية فإن إصابته يوم الطائف أبلغ وأشد لأن فيها إرهاقًا كبيرًا لنفسه ومعاناةً فكرية شديدة جعلته يستغرق في التفكير من الطائف إلى السيل الكبير كما جاء في الرواية ، ولاشك أن المعاناة النفسية أشدُّ وأقسى من الإصابة الجسمية .

 

وقولـه صلى الله عليه وسلم " فانطلقت وأنا مهموم فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب" يدل على مبلغ الهمِّ الذي أخذ بفكر النبي صلى الله عليه وسلم وهو نازل من الطائف ، وإذا نظرنا إلى المسافة بين الطائف وبين قرن الثعالب نجد أنها مسافة طويلة نسبيّا خاصة وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي على قدميه كما جاء في رواية الطبراني. (انظر إلى مجمع الزوائد 6/35).

 

فبأي شيء كان يفكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وعلام يدل هذا الاستغراق الطويل في التفكير ؟

 

لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفكر في أمر الدعوة إلى هذا الدين .

 

كيف مر عليه عشر سنوات ولم يستطع نشر الإسلام في مكة بالحجم الذي يتمناه ، ولم يستطع نقل الإسلام إلى القبائل الأخرى رغم ماحاول من عرض هذا الدين في المواسم ‍‍‍!

 

وكيف كانت مواجهة أهل الطائف له بهذا الأسلوب من الجفاء !

 

وكيف سيدخل مكة وقد خرج منها وهي تغلي حقدًا عليه وتربصًا به ! فهو بين عدوين: عدوّ قد خلفه وراء ظهره قد أساء معاملته ولم يسمح له بالدعوة في بلده ، وعدو مقبل عليه ينتظره ليوقع به الأذى ، ولقد عبر عن ذلك بقوله في دعائه المشهور " إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهَّمني أم إلى قريب ملَّكته أمري " .

 

هذا التفكير المتواصل يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يعيش قضيته بكل مشاعره وأحاسيسه ، والذي يعيش قضيته بهذه القوة من الحماس والاهتمام لابد أن يصل إلى النجاح بتوفيق الله تعالى ، وهو إن أخفق مرات فسينجح مرات أخرى ، ولذلك نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم نجح بتسديد من الله تعالى في اجتذاب أفضل العناصر البشرية في مكة المكرمة .

 

وإذا كان لم ينجح هذه المرة مع أهل الطائف فقد نجح بعدها في موسم ذلك العام في اجتذاب نفر من الخزرج اعتنقوا الإسلام لما عرضه عليهم ، ثم كانوا سببا في انتشار الإسلام في المدينة كما سيأتي .

 

هذا وإن للمسلمين أسوةً حسنة برسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يجعلوا الإسلام هو قضيتهم الكبرى في الحياة ، يطبقونه كما جاء من عند الله تعالى ، ويدعون إليه باهتمام وحماس ، ويدافعون عنه بقوة وحكمة ، ويجاهدون في سبيله بجد وإخلاص .

 

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما بقومه إذ عرض عليه ملك الجبال أن يُطْبق عليهم الأخشبين وهما جبلا مكة أبو قبيس وقعيقعان فلم يستجب لذلك على الرغم من المعاملة القاسية التي عاملوه بها، بل رجا الله تعالى أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله جل وعلا ولايشرك به شيئًا ، وقد استجاب دعاءه فأسلم قليل منهم قبل فتح مكة وأسلم بقيتهم بعد الفتح .

 

كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم الأمل في هداية قومه وإن قَدَّر الله تعالى أن تحقيقة بعيدُ الأجل، فهو قد رجا أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله تعالى إن كان في قدر الله تعالى أن أولئك لن يدخلوا في الإسلام ، وإن هذا الأفق البعيد في الأمل يدلنا على مقدار اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته حتى أصبح الأمل في هداية الناس يفوق في إحساسه الشعور بالرغبة في الانتقام من أعدائه واغتنام ذلك العرض الكبير للتشفي من قومه الذين أنزلوا به وبأتباعه صنوف الأذى وأحاطوا دعوته بالأغلال والقيود .

 

هذا وقد ذكر الأموي في مغازيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث "أريقطَ " إلى الأخنس بن شريق فطلب منه أن يجيره بمكة فقال : إن حليف قريش لايجير على صميمها ، ثم بعثه إلى سهيل بن عمرو ليجيره فقال : إني بني عامر بن لؤي لاتجير على بني كعب بن لؤي ، فبعثه إلى المطعم بن عدي ليجيره فقال : نعم قل له فليأت ، فذهب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبات عنده تلك الليلة ، فلما  أصبح خرج معه هو وبنوه ستة – أو سبعة – مُتَقَلِّدي السيوف جميعًا ، فدخلوا المسجد ، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : طف ، واحَتَبَوا بحمائل سيوفهم في المطاف .

 

فأقبل أبو سفيان إلى مطعم فقال : أمجير أو تابع ؟ قال : لا بل مجير ، قال : إذًا لاتُخْفَر ، فجلس معه حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم طوافه ، فلما انصرف انصرفوا معه ، وذهب أبو سفيان إلى مجلسه .

 

ثم ذكر أبياتًا لحسان بن ثابت رضي الله عنه في مدح مطعم بن عدي لهذا الموقف حيث قال:

فلو كان مجدٌ مُخْلد اليومَ واحـدا            من الناس نَجَّى مجدُه اليوم مطعما

أجرتَ رسول الله منهم فأصبحـوا عبادك ما لبَّى مُحـلٌّ وأحـَرمَا

فلو سُئلتْ عـنـه مَعَدٌّ بأسـرها            وقحطان أو بـاقي بقية جـرهما

لقالـوا هـو المُوفي بخُفْرة جـاره        وذمته يـوما إذا مـاتـجشّما

وماتطـلع الشمس المنيرة فـوقهم         على مثله فيهم أعـزَّ وأكـرما

إبـاءٌ إذا يـأبى وألـينُ شـيمة            وأنومُ عن جـار إذا الليل أظلما

ذكره الحافظ ابن كثير. (البداية والنهاية 3/135).

 

وذكر الحافظ ابن حجر أن الفاكهي أورد هذه القصة بإسناد حسن مرسل. (فتح الباري 7/324).

 

وأخرج الإمام البخاري من حديث الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أسارى بدر : لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النَّتْنَى لتركتهم له". (صحيح البخاري رقم 4024 ، المغازي ( فتح الباري 7/323 ) . والنتنى جمع نَتن أي كريه الرائحة ، والمقصود الرائحة المعنوية لاتصافهم بالكفر).

 

يعني لتركهم له بغير فداء مكافأة له على ذلك الموقف النبيل .

 

وهكذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي – يدخل مكة في جوار رجل من أشرافها وهو القادر على أن يسأل الله تعالى أن يحميه بملائكته أو بأي أمر آخر خارق للعادة .

 

لقد عرض عليه في هذه الرحلة ملَك الجبال ماهو أكبر من ذلك حيث عرض عليه أن يُطبق على أهل مكة جبليها ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى رجاء أن يُخرج الله تعالى من أصلابهم من يعبد الله جل وعلا .

 

ولقد حماه الله سبحانه قبل ذلك بملائكته ولكن بدون طلب منه ، ونراه يدخل مكة كما يدخل البشر العاديون فيحتاط لنفسه بطلب الجوار .

 

إنه صلى الله عليه وسلم قدوة عليا لأمته ، وإذا كان الله تعالى قد منَّ عليه بالعصمة والحماية فليس ذلك مما يتحقق لأفراد أمته ، وهو قدوتهم في تطبيق شريعة الله تعالى ، فهو لذلك يقوم بالتصرفات المطلوبة من أي مسلم عاديٍّ حيث يعمل بالأسباب الممكنة للوصول للنتائج المطلوبة ، ثم يَدَع مافوق قدرته وطاقته لله تعالى .

 

وكونه صلى الله عليه وسلم دخل في جوار المطعم بن عدي لايتنافى مع التوكل على الله تعالى ، بل إن ذلك من الأسباب التي كان يفعلها تلافيًا لوقوع حرب بينه وبين الكفار ، والله سبحانه لم يأذن له بالقتال في ذلك الوقت .

 

هذا وكون النبي صلى الله عليه وسلم أقرَّ حسان بن ثابت رضي الله عنه في ثنائه البالغ على المطعم بن عدي، وكونه صلى الله عليه وسلم أثنى عليه أيضًا إلى حدِّ أنه أبدى استعداده لأن يتنازل عن الأسرى لو كان المطعم حيّا وكلمه فيهم .. دليل واضح على أن من شريعة الإسلام الاعتراف بفضل أهل الفضل والثناء عليهم بمالَهم من معروف وإن كانوا غير مسلمين .

 

وإن هذا الموقف الكريم من رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدُّ أكبر مشجع لعقلاء الكفار على مناصرة المسلمين وحمايتهم والدفاع عنهم .

 

وكم يحتاج المسلمون إلى مثل هؤلاء ليقفوا في صفهم في مثل العصر الحاضر الذي تكالب فيه الأعداء على المسلمين الصادقين في إسلامهم ، وحاربوهم بالمواجهة أحيانًا ، وبالمكر في الخفاء أحايين كثيرة ، بينما قل وجود المناصرين لهؤلاء الصادقين حتى من إخوانهم المسلمين .

 

هذا ومِنْ طلب النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الحماية والاستفادة منها في حماية الدعوة وتثبيتها نستفيد جواز قبول حماية المعتدلين من الكفار بشرط وجود التمثيل الكامل لدعوة الإسلام من غير نقص ولا انحراف ، وذلك في حال ضعف المسلمين وعدم وجود قوة لهم يستغنون بها عن حماية الكفار أما في حال وجود هذه القوة فيجب على المسلمين أن يقوموا بحماية الدعاة إلى الله تعالى حتى يتمكنوا من القيام بمهمتهم في الدعوة ، وإذا نكل المسلمون عن القيام بحماية الدعاة بالدرجة الكافية أو ضعفوا عن ذلك فإنه يجوز للدعاة أن يبحثوا عن مصادر أخرى للحماية وإن كانت من الكفار المعتدلين في نظرتهم إلى الإسلام والذين يقدِّرون عادةً قيام العدل وينصبون أنفسهم للانتصار للمظلومين.

*          *         *

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 16:40:03


5 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8318371 عدد زيارات الموقع 72 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com