|
المتقون : العدد الرابع والعشرون
تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :
1 – قبسات من القرآن الكريم .
2 – قبسات من السنة النبوية .
3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .
4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .
- قبسات من القرآن الكريم –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : يقول الله تعالى (قُلْ
أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى
قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ
الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ{46} قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ
اللّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ{47}
وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ
وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{48} وَالَّذِينَ
كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ{49})
[ الأنعام : 46 – 49] .
[46] يُذكِّر الله تعالى المشركين بنعمه عليهم بالسمع والبصر والعقل , ويأمر سبحانه
رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم: أخبروني إن أخذ الله سمعكم فأصمكم , وأخذ
أبصاركم فأعماكم وطبع على قلوبكم فأصبحتم لاتفقهون شيئًا فأيُّ إله غير الله عز وجل
يقدر على رد ذلك إليكم ؟! فانظر – أيها الرسول – كيف نُنوِّع لهم الدلائل على قدرة
الله جل وعلا ووحدانيته ثم هم بعد ذلك يُعرضون عن التذكر واتباع الحق .
[47] ثم يذكِّرهم الله سبحانه بعذابه الذي يصيب به المكذبين ويأمر رسوله صلى الله
عليه وسلم بأن يقول لهم: أخبروني إن حلَّ بكم عذاب الله فجأة وأنتم لاتشعرون به ,
أو ظاهرًا لكم بمقدماته وأنتم تشاهدونه , فمن هم الذين سيحل بهم؟ إنما هم الظالمو
أنفسهم بالشرك والمعاصي , ولن يستطيعوا دفع العذاب عنهم لأنهم أعجز من ذلك , ولن
يستطيع ذلك أولياؤهم الذين أشركوهم مع الله تعالى لأنهم مثلهم مخلوقون ضعفاء .
[48] والله سبحانه يرسل المرسلين عليهم الصلاة والسلام مبشرين أهل الإيمان
والاستقامة بالنعيم المقيم في الجنة , ومنذرين أهل الشرك والمعاصي بالعذاب الأليم
في النار , فمن جمع بين الإيمان الصادق والعمل الصالح فأولئك لهم الأمن يوم الفزع
الأكبر , ولايحزنون على مافاتهم من حظوظ الدنيا .
[49] والذين كذبوا بآيات الله المسطورة في كتابه , والمشاهدة في خلقه , والمعجزات
التي أظهرها على يد رسله عليهم الصلاة والسلام فأولئك يصيبهم العذاب يوم القيامة
بسبب خروجهم عن طاعة الله تعالى .
ويقول الله تعالى (قُل
لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ
لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ
يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ{50} وَأَنذِرْ بِهِ
الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ
وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ{51})
[الأنعام : 50 – 51] .
[50] يوجه الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم إلى أن يبين لأولئك المشركين
الجاهلين بحقيقة النبوة بأن النبي لايملك خزائن الله تعالى في الأرض حتى يحوِّل
أتباعه إلى أغنياء بعد الفقر وحتى يستجيب لمطالب الكفار بتحويل الجبال إلى ذهب,
وأنه ليس من صفاته ادعاء الغيب -كما يفعل الكهان والسحرة والمتنبئون وكما يفعل بعض
المسلمين من دعوة الأولياء لجلب النفع لهم أو دفع الضرر عنهم لاعتقادهم بأنهم
يعلمون الغيب - وأنه بشر مثلهم ليس ملكا , وإنما هو رسول من عند الله تعالى يتَّبع
مايوحى إليه , ويبلغ هذا الوحي للناس , ويطبق شريعة الله عز وجل في الأرض , كما
يوجه رسوله صلى الله عليه وسلم إلى أن يقول لأولئك الكفار الجاهلين : هل يستوي
الكافر أعمى البصيرة الذي لم يبصر حقيقة النبوة وظل يعيش في أوهامه ولم يؤمن بالله
تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم .. هل يستوي هو والمؤمن الذي أبصر حقيقة النبوة
فآمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم واستقام على شريعته , أفلا تتفكرون
أيها الناس فتبصرون الحق وتؤمنون به ؟!
[51] ثم يأمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يخوف بهذا القرآن الذين
يعلمون أنهم سيحشرون إلى ربهم جل وعلا يوم القيامة , فهم مصدقون بوعد ربهم ووعيده
لايعتقدون بولي غير الله ينصرهم ولاشفيع يشفع لهم عند الله تعالى فيخلصهم من عذابه
, لعلهم بسماع هذا التخويف يستقيمون على شريعته بفعل أوامره واجتناب نواهيه ، وهذا
إنذار خاص بعد إنذار جميع الناس .
ويقول الله تعالى (وَلاَ
تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ
وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم
مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ{52} وَكَذَلِكَ فَتَنَّا
بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا
أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ{53})
[الأنعام :52-53] .
[52] يبين الله سبحانه مقياس الكرامة في الإسلام وميزان الرفعة , فالناس لايرتفعون
في الإسلام بشرفهم الدنيوي ولا بأموالهم , وإنما يرتفعون بإيمانهم وعملهم الصالح ,
فالمشركون من أهل مكة تكبروا أن يتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم وعنده المستضعفون
من أمثال بلال وصهيب وعمار وخباب , وطلبوا منه أن يطردهم من أجل أن يتبعوه فنهاه
الله سبحانه عن أن يطرد أولئك العُبَّاد الذين يعبدون ربهم أول النهار وآخره , وهم
إنما يريدون بأعمالهم الصالحة وجه الله تعالى , ويبين الله سبحانه لنبيه صلى الله
عليه وسلم أنه ليس عليه شيء من حساب أولئك المؤمنين المستضعفين وما من حسابه عليهم
من شيء بل يرجع ذلك كله إلى الله تعالى , وأن طردهم ظلم لهم وتجاوز لحدود العدالة .
[53] وكذلك فتن الله جل وعلا أولئك الكفار المستكبرين بأن مَنَّ على أولئك
المستضعفين بالهداية إلى الإسلام , فسبقوا بذلك المستكبرين , فكان ذلك عاملا من
عوامل صدودهم عن الإسلام لمَا جبلوا عليه من الكبرياء , حيث أصبحوا يقولون : أهؤلاء
الضعفاء الذين كنا نستخدمهم مَنَّ الله عليهم بالهداية إلى الإسلام من بيننا ؟!
أليس الله تعالى أعلم بالعناصر الزكية من البشر الذين يشكرون الله عز وجل على
نعمائه , فيوفقهم إلى الهداية لدينه ؟!
هذا وقد جاء في سبب نزول هاتين الآيتين ما أخرجه الإمام الطبري من حديث عبد الله بن
مسعود رضي الله عنه قال : مرَّ الملأُ من قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم وعنده
صُهيب وعمار وبلال وخباب، ونحوهم من ضعفاء المسلمين ، فقالوا : يا محمد ، رضيت
بهؤلاء من قومك ، أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا ؟ أنحن نكون تبعًا لهؤلاء ؟
اطرُدهم عنك ، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك . فنـزلت هذه الآية (وَلاَ
تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ
وَجْهَهُ)
(وَكَذَلِكَ
فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ)
إلى آخر الآية. ( تفسير الطبري 9/258 – 259).
ويقول الله تعالى (وَإِذَا
جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ
رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً
بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{54}
وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ{55})
[الأنعام : 54 – 55] .
[54] يوجِّه الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم إلى إكرام المؤمنين الصادقين
لإيمانهم واستقامتهم على الإسلام , فهذا هو المبدأ السامي الذي يرفع الإنسان في هذه
الحياة بغضِّ النظر عن نسبه ولونه ومستواه الاجتماعي , لقد كانت الأعراف الجاهلية
تقوم على الطبقية والتميز القائم على موروثات لايمكن أن يصل إليها الإنسان بجده
واجتهاده , وإنما هي حِكرٌ على طائفة من الناس , بينما الطوائف الدنيا في نظر
المجتمع تبقى جامدة على مستواها الذي وصلت إليه , فليس بإمكان المولى أن يكون سيدا
ولا وضيع النسب أن يكون شريفا , ولا من امتُهِن للون بشرته أن يغير من ذلك , ولكن
الإسلام جاء بميزان التقوى فرفع الأمة إلى مستوى الإيمان الصادق والعمل الصالح ,
وهذا مبدأ سامي بإمكان كل إنسان أن يصل إليه وأن ينافس في الرقي فيه , ثم يبين
تعالى أنه كتب على نفسه الرحمة بعباده – تفضلا منه وكرما- وذلك بمغفرة ذنب من ارتكب
منهم ذنبا بجهالة منه لعاقبة تلك السيئة , إذا تاب إلى ربه عز وجل توبة نصوحا ،
وأتى بالأعمال الصالحة التي تطهر نفسه من آثار المعاصي فإن الله تعالى ساتر ذنوب
عباده التائبين رحيم بهم حيث لم يؤاخذهم على جهالتهم.
[55] وبمثل هذا البيان الواضح الذي بينه الله جل وعلا لعباده يبين الحجج الواضحة
التي تظهر الحق من الباطل وتكشف طريق أهل الباطل المكذبين للرسل عليهم الصلاة
والسلام , ليكون معروفًا عند أهل الحق فيحذروه , وليكون معروفا عند المنخدعين به
فيجتنبوه .
* * *
- قبسات من السنة النبوية –
- الحث على خشية الله تعالى –
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..
وبعد : فإن تقوى الله تعالى مترتبة على الخوف منه وخشيته ، فمن خاف منه جل وعلا
اتقى عذابه ورجا ثوابه ، ، ومما جاء في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما
أخرجه أبو عيسى الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول : " من خاف أدلج ، ومن أدلج بلغ المنـزل ، ألا إن سلعة
الله غالية ، ألا إن سلعة الله الجنة ". (سنن الترمذي ، رقم 2452 ، في صفة القيامة
، باب من خاف أدلج).
وقوله " أدلج" قال الحافظ ابن الأثير : الإْدلاج – مخفَّفًا – السير من أول الليل ،
والإدِّلاج – مثقَّلا – السير من آخره ، والمراد بالإدْلاج ههنا : التشميرُ في أول
الأمر ، فإن من سار من أول الليل كان جديرا ببلوغ المنـزل. (جامع الأصول 4/9).
ففي هذا الحديث حث على الخوف من الله تعالى وما أعده للعصاة من العذاب الأليم في
الآخرة ، وقد رتب النبي صلى الله عليه وسلم التشمير في العمل الصالح والتقوى على
الخوف من الله جل وعلا ، فمن خاف أسرع في العمل ، ومن أسرع في العمل الصالح بلغ
الهدف الذي هو رضوان الله تعالى والجنة .
وفي بيان أهمية التقوى يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث " ألا إن
سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله الجنة " فالمتقون يشترون الجنة بعملهم الصالح ،
الذي هو سبب لدخول الجنة ، وإنما يدخلونها برحمة من الله وفضل كما جاء في قول رسول
الله صلى الله عليه وسلم : " لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا : ولا أنت يارسول
الله ، قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل " .
ومن ذلك ما أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي رحمهم الله من حديث عائشة رضي الله
عنهما قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال : اللهم إني
أسألك خيرها وخير مافيها وخير ما أُرسلت به ، وأعوذ بك من شرها وشر مافيها وشر ما
أرسلت به ، وإذا تخيَّلت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر ، فإذا مطرت
سُرِّي عنه ، فعرفَتْ ذلك عائشة فسألته ؟ فقال : لعله ياعائشة كما قال قوم عاد (فَلَمَّا
رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ
مُّمْطِرُنَا)
[صحيح البخاري ، تفسير سورة الأحقاف ، صحيح مسلم رقم 899 في الاستسقاء ، سنن أبي
داود رقم 5098 و 5099 ، في الأدب ، سنن الترمذي رقم 3254 تفسير سورة الأحقاف] [الأحقاف
:24] فالسحاب والريح يُعدَّان شيئا معتادا عند الناس ، ولكنهما مصدر خوف عند رسول
الله صلى الله عليه وسلم من الله جل وعلا ، خشية أن يكونا نذير عذاب يُنـزله الله
تعالى على عباده كما أهلك بذلك بعض الأمم الكافرة السابقة ، وهذا يدل على كمال
معرفته صلى الله عليه وسلم بربه وتمام خشيته منه، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم
إمام المتقين .
إن من قساوة القلب عدمَ تذكُّر عظمة الله تعالى وقوته وسعة ملكه ، ولقد أخبرنا الله
سبحانه عن مصائر الأمم السابقة لنتعظ ونعتبر ، فنخشاه تعالى لنتقي عذابه ونرجوا
ثوابه .
ومن أمثلة ماكان يتصف به الصحابة رضي الله عنهم من الخوف والخشية ما أخرجه أبو عبد
الله البخاري رحمه الله من حديث أبي بردة عامر بن أبي موسى الأشعري قال : قال لي
عبد الله بن عمر : " هل تدري ما قال أبي لأبيك ؟ قال : قلت : لا ، قال : فإن أبي
قال لأبيك : يا أبا موسى هل يسرك أن إسلامنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهجرتنا معه وجهادنا معه وعملنا كله معه بَرَدَ لنا ، وأن كل عمل عملناه بعده نجونا
منه كفافا ، رأسا برأس ؟ فقال أبوك لأبي : لا والله ، قد جاهدنا مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم وصلينا وصمنا ، وعملنا خيرا كثيرا ، وأسلم على أيدينا بشر كثير ،
وإنا لنرجوا ذاك، قال أبي : لكني أنا والذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك بَرَد لنا ،
وأن كل شيء عملناه بعده نجونا منه كفافًا رأسا برأس ، فقلت: والله إن أباك كان خيرا
من أبي " . (صحيح البخاري ، فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب هجرة النبي
صلى الله عليه وسلم وأصحابه ).
فهذا مثل جليل في خشية الله تعالى يقدمه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه
، وهو الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وأثنى عليه كثيرا ، ولكن من
كان بالله أعرف كان من الله أخوف كما قيل .
كما أن هذا الخبر مثال على لزوم التوازن بين مقامي الخوف والرجاء مع تغليب مقام
الخوف، لأن تغليب الخوف أقوى في العصمة من الزلل والتفريط ، وقد كان هذا هو اعتقاد
أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ، أما أبو موسى الأشعري رضي الله عنه فإنه أيضا قد
جمع بين الخوف والرجاء ، ولكنه غلَّب جانب الرجاء ، ولاشك أن عمر أعلم من أبي موسى
وأفضل ، وقد أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من المحَدَّثين أي الملهمين .
ويوافق ماجاء في قول عمر هذا مارُوي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه حيث قال قُبيل
موته: اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك ، يعني أنه كان حال حياته وصحته يجمع
بين الخوف والرجاء ولكنه كان يغلب جانب الخوف ، فلما حضره الموت غلَّب جانب الرجاء
، وهذا قول سديد من رجل أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يبعث يوم القيامة
أمام العلماء .
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أبو عبد الله البخاري من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله
عنه : أنه أُتِي بطعام وكان صائما فقال: قُتل مصعب بن عمير وهو خير مني ، فلم يوجد
مايكفَّن به إلا بردة ، إن غُطي رأسه بدت رجلاه ، وإن غطي رجلاه بدا رأسه ، وقتل
حمزة وهو خير مني، فلم يوجد مايكفن به إلا بردة ، ثم بُسط لنا من الدنيا مابسط ، -
أو قال : أعطينا من الدنيا ما أعطينا – وقد خشيت أن يكون قد عُجِّلت لنا طيباتنا في
حياتنا الدنيا ، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام ". (جمع الفوائد رقم 7972).
فهذا موقف جليل من مواقف الخشية من الله جل وعلا ، فمع أن عبد الرحمن بن عوف رضي
اللهه عنه من المبشرين بالجنة فإنه يبكي من خشية الله تعالى ، حتى ترك طعام الإفطار
من شدة تأثره وخشيته ، مع أنه قد اشتهر بالورع الشديد عن المحرمات والشبهات ، ومع
أنه من كبار المحسنين المنفقين في سبيل الله تعالى .
وهذه الحساسية الإيمانية مبعثها قوة استحضار عظمة الله تعالى والدار الآخرة ،
وضآلةُ النظر إلى الدنيا ، وإدراكُ مابين الدارين من تزاحم .
وهذه المقارنة من عبد الرحمن بن عوف بينه وبين الذين ماتوا على عهد النبي صلى الله
عليه وسلم على شظف العيش وقلة الدنيا دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا
يخشون من انفتاح الدنيا ، مع ماكانوا عليه من الحذر الشديد والورع البليغ .
فرضي الله عنهم ، ما أسمى عقولهم ! وما أبلغ إدراكهم ! وما أقوى إيمانهم !
* * *
- توجيهات ومواقف أخلاقية –
- مواقف في الكرم –
حيث إن المال هو عصب الحياة وقوامها ، وقد جُبلت النفوس على حبه والتمسك به ، فإنَّ
بذله في سبيل الله تعالى دليل على قوة الدافع الذي دفع إلى مقاومة رغبات النفوس
وأهوائها .. ألا وهو الإيمان بالله تعالى والرغبة فيما عنده من الجزاء .
مثل من كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم :
حيث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو إمام الأمة في مكارم الأخلاق فسنذكر مثالا
لكرمه العظيم الذي كان من أهم عوامل استجابة الناس لدعوته ، وذلك ما أخرجه الإمام
مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : " ماسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم
على الإسلام شيئًا إلا أعطاه ، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين ، فرجع إلى
قومه فقال: ياقوم أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء لايخشى الفاقه- يعني الفقر - .
وفي رواية لـه قال أنس : إنْ كان الرجل ليسلم مايريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون
الإسلام أحب إليه من الدنيا وماعليها ". (صحيح مسلم ، الفضائل رقم 2312 ( ص 1806)).
وهكذا رأينا نتائج هذا الكرم العظيم حيث أسلم ذلك الرجل وذهب يدعو قومه إلى
الإسلام، وقد مرت بنا أمثلة كثيرة من كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إن السخاء بالدنيا مظهر من مظاهر التحرر من الشهوات التي يتنافس الناس فيها ،
وحينما يكون الإنسان كذلك فإنه يكون متميزًا وعظيمًا عند الناس ، لأنه استطاع أن
يخرج من إسار العاطفة والهوى ، وبالتالي فإن النفوس تتشوق إلى معرفة المبدإ العظيم
الذي كان وراء هذا السلوك العالي، ثم تسارع إلى الإيمان به .
وإذا كان بعض الناس ينقاد إلى الإسلام من أجل الدنيا في مثل هذه الحال فإنه لايلبث
إلا قليلا في الغالب حتى تزول الغشاوة عن عقله فيفهم حقيقة دعوة الإسلام إذا فكر
بعقله السليم المتجرد من اتباع الهوى والخضوع للضغوط الخارجية ، فيدرك عظمة الإسلام
ويدخل في صف أهل الإيمان كما جاء في قول أنس " فما يُسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه
من الدنيا وماعليها".
إن أصحاب المبادئ الأرضية يستطيعون أن يجذبوا الناس بأموالهم ، وقد فعلوا ذلك على
مدار التاريخ ، ولكن الناس يظلون مرتبطين بأموالهم ، وقلما يقتنعون بشيء مما
يدعونهم إليه ، حتى إذا انقطع المورد المالي والآمال الدنيوية المرتقبة عادوا أعداء
ألداء لمن كان استغفلهم فحاول إلقاءهم في المهالك مستغلا بذلك حاجتهم الدنيوية ،
أما دعاة الإسلام فإنما يتألفون الناس بالدنيا حتى تزول الغشاوة عن عقولهم فإذا
أدركوا عظمة الإسلام آمنوا به حقا وبذلوا من أموالهم أضعاف مابذل الدعاة في تأليفهم
.
ومن هنا ندرك الفرق الكبير بين السلوكين : سلوك دعاة الإسلام وهم يبذلون من أموالهم
لتأليف الناس وهدايتهم إلى الحق ، وسلوك أعداء الإسلام وهم يبذلون من أموالهم
لتضليل الناس عن الحق، وهدايتهم إلى الباطل ، فكلهم دعاة ، وكلهم يستخدمون هذه
الوسيلة ، ولكن شتان بين هدف هؤلاء وهدف هؤلاء .
من أخبار طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه :
لقد كان للصحابة رضي الله عنهم مواقف خالدة في البذل والعطاء وكرم النفوس والسخاء
تدل على قوة إيمانهم بالله جل وعلا وتَمثُّل الحياة الآخرة بوضوح في تفكيرهم
وسلوكهم ، وقد مرت بنا أمثلة لكرم بعضهم ، وسأذكر بعض مالم يتقدم ذكره في العرض
التاريخي ، ومن ذلك ماذكره الإمام الذهبي من طريق موسى بن طلحة عن أبيه طلحة بن
عبيد الله رضي الله عنه أنه أتاه ماله من حضرموت سبعُمائة ألف ، فبات ليلته يتململ
، فقالت له زوجته : مالك ؟ قال: تفكرت منذ الليلة ، فقلت : ماظنُّ رجل بربه يبيت
هذا المال في بيته ؟ قالت : فأين أنت من بعض أخلاَّئك؟ فإذا أصبحت فادع بِجِفان
وقِصَاع فقسِّمه ، فقال لها : رحمك الله ، إنك موفقة بنت موفق ، وهي أم كلثوم بنت
الصدِّيق ، فلما أصبح دعا بجفان فقسمها بين المهاجرين والأنصار ، فبعث إلى علي منها
بجفنة ، فقالت له زوجته – يعني زوجة طلحة - : أبا محمد ! أما كان لنا في هذا المال
من نصيب ؟ قال : فأين كنت منذ اليوم ؟ فشأنك بما بقي ، قالت : فكانت صرة فيها نحو
ألف درهم. (سيرة أعلام النبلاء 1/30).
الله أكبر ! ما أعظم هذا التفكير ، وماأبلغ هذه المشورة ، وما أصدق هذا السلوك !!
إذا كان أهل الدنيا يتململون ويأخذ بهم التفكير المضني في كيفية تصريف المال في
وجوه التجارة، لتتضخم الثروة وتحصل السعادة الوهمية بتزايد المال فإن طلحة بن عبيد
الله الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم طلحة الفياض لجوده يتململ من تكاثر المال
عنده خشية أن يحاسب عنه يوم القيامة ، مع أنه لورعه وتقواه لايكتسب إلا من حلال .
ونجد زوجته التقية البارة بنت الصديق رضي الله عنه تخرجه من حيرته وتململه بمشورة
الخير والبر، فتذكره بأحبابه الذين هم بحاجة إلى هذا المال ، ولقد أيقظت في نفسه
دوافع الخير التي يملك منها رصيدًا كبيرًا فأثنى عليها وعلى أبيها بالتوفيق ، وسارع
إلى تطبيق مشورتها المباركة .
وهكذا تكون الزوجة الصالحة أكبر عون لزوجها على فعل الخير ، لأن المألوف من حياة
الناس أن تحاول الزوجة منع زوجها من الإنفاق في سبيل الله تعالى ، لتتوسع هي
وذَوُوها بذلك المال ، فإذا وُجدت الزوجة الصالحة التي تكسر هذا المألوف وتشير على
زوجها بالإنفاق فإنها في غاية التوفيق والرشاد .
وإن الذي ينفق في يوم واحد سبعمائة ألف لايُنتظر منه بإذن الله تعالى أن يكتسب ماله
من طريق فيه شبهة ، فضلا عن أن يكتسبه من طريق حرام .
ونجد طلحة رضي الله عنه يخلِّد لنا مثلا عاليا من أمثلة السخاء المبني على صلة
الرحم ، فقد جاء إليه أعرابي يسأله فتقرب إليه بِرَحم ، فقال طلحة : إن هذه لرحم ما
سألني بها أحد قبلك ، إن لي أرضًا قد أعطاني بها عثمان ثلاثمائة ألف فاقبضها ، وإن
شئت بعتها من عثمان ودفعت إليك الثمن، فقال : الثمن ، فأعطاه. (سيرة أعلام النبلاء
1/31).
ومافعله طلحة في هذا الخبر لون من ألوان الكرم الرفيع ، وإنما يدل إنفاق هذا المبلغ
الكبير على براءة قلبه تماما من الشح والبخل والتعلق بالدنيا ، وأنه كان يرى المال
وسيلة إلى العمل الصالح ، وإشاعة المعاني السامية ، فهو رجل متجرد لعبادة الله
تعالى ، ومن أجل ذلك استعبد المال، ولم يستعبده المال .
من أخبار عثمان بن عفان رضي الله عنه :
أما عثمان بن عفان رضي الله عنه فأمثلة كرمه كثيرة مر ذكر شيء منها ومن أمثلة كرمه
مارُوي عن بشر بن بشير الأسلمي عن أبيه قال : لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا
الماء ، وكانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة ، وكان يبيع منها القربة بمُدّ
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تبيعها بعين في الجنة ، فقال : ليس لي
يارسول الله عين غيرها ، لا أستطيع ذلك ، فبلغ ذلك عثمان فاشتراها بخمسة وثلاثين
ألف درهم ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أتجعل لي مثل الذي جعلت له عينا
في الجنة إن اشتريتها ؟ قال : نعم ، قال : قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين. (تاريخ
الإسلام للذهبي ( عهد الراشدين /471)).
وهكذا نجد تنافس أفراد ذلك الجيل الراشد على فعل الخير والرغبة فيما عند الله تعالى
من الثواب.
ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل من خبر عطاء بن فروخ مولى القرشيين : أن
عثمان رضي الله عنه اشترى من رجل أرضا فأبطأ عليه ، فلقيه فقال: مامنعك من قبض مالك
؟ قال: إنك غبنتني فما ألقى من الناس أحدا إلا وهو يلومني ، فقال: أو ذلك يمنعك ؟
قال: نعم ، قال: فاختر بين أرضك ومالك ، ثم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: " أدخل الله الجنة رجلا كان سهلا مشتريا وبائعًا ، وقاضيا ومقتضيا". (مسند أحمد
1/411 رقم 410).
فهذا مثل رفيع في السماحة في البيع والشراء ، وهو يدل على ماجُبل عليه عثمان رضي
الله عنه من الكرم وعدم التعلق بالدنيا ، فهو يستعبد الدنيا لخدمة مكارم الأخلاق
التي من أهمها الإيثار، ولاتستعبده الدنيا فتجعل منه أنانيًّا يؤثر مصالحه الخاصة
وإن أضر بالناس .
* * *
- مواقف دعوية من السيرة النبوية –
مواقف وعبر في دعوة أهل الطائف –
بعدما نصر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على أعدائهم من زعماء مكة
، واضطر هؤلاء الأعداء إلى فك الحصار الاقتصادي والاجتماعي الذي فرضوه على المسلمين
في حصار الشِّعب حصل شيء من الانفراج للدعوة حيث كسب المسلمون أنصارًا من الكفار
غير بني هاشم وبني المطلب ، ولكن ما أن تم ذلك حتى قدر الله تعالى وقوع مصيبتين
كبيرتين على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وهما وفاة عمه أبي طالب
وخديجة أم المؤمنين رضي الله عنها ، وذلك في العام العاشر من البعثة ، فقوي بذلك
موقف الأعداء من المشركين ، وبدؤوا في تدبير المكائد والتخطيط للقضاء على وجود
الإسلام في مكة .
عند ذلك فكر النبي صلى الله عليه وسلم في البحث عن قبيلة قوية تقوم بحمايته وأتباعه
حتى يبلغ رسالة ربه جل وعلا ، ووقع اختياره على قبيلة ثقيف في الطائف .
قال ابن إسحاق رحمه الله : ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه
وسلم من الأذى مالم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب ، فخرج رسول الله صلى الله
عليه وسلم إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف ، والمنعة بهم من قومه ، ورجا أن يقبلوا
منه ماجاءهم به من الله عز وجل ، فخرج إليهم وحده. (يعني لم يكن في جماعة من أصحابه
ولكن ثبت في روايات أخرى أنه كان معه مولاه زيد بن حارثة ، (وكان ذلك في ليال بقين
من شوال سنة عشر من البعثة – طبقات ابن سعد 1/211) -).
قال : فحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: لما انتهى رسول الله صلى
الله عليه وسلم إلى الطائف عَمَدَ إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافُهم
وهم إخوة ثلاثة : عبد ياليلْ ابن عمرو بن عمير ، وحبيب بن عمرو بن عمير ، وذكر نسبه
.
ولم يذكر الثالث وهو مسعود بن عمرو كما جاء في روايات أخرى. (دلائل النبوة للبيهقي
2/415).
قال : فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم إلى الله تعالى وكلمهم بما
جاءهم له من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه ، فقال أحدهم : هو
يمرط [يعني يمزق] ثياب الكعبة إن كان الله قد أرسلك .
وقال آخر : أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك !
وقال الثالث : والله لا أكلمك أبدًا ، لئن كنت رسولاً من الله كما تقول لأنت أعظم
خطرًا من أن أرد عليك الكلام ، ولئن كنت تكذب على الله ماينبغي لي أن أكلمك .
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف ، وقد قال لهم –
فيما ذُكر لي - : إذ فعلتم مافعلتم فاكتموا عني ، وكره رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن يبلغ قومه عنه فَيُذْئرهم [يعني يهيجهم] ذلك عليه ، فلم يفعلوا ، بل أغروا
به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به ، حتى اجتمع عليه الناس ، وألجؤوه إلى حائط
لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ، وهما فيه .
ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه ، فعمد إلى ظل حبلة من عنب ، فجلس فيه، وابنا
ربيعة ينظران إليه ، ويريان مالقي من سفهاء أهل الطائف. (سيرة ابن هشام 2/33).
وقد جاء في بعض الروايات أن زيد بن حارثة كان معه ، وكان يصد بعض الحجارة عنه حتى
أصيب ببعض الشجاج رضي الله عنه. (طبقات ابن سعد 1/211).
في هذا الخبر بيان واضح لاهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بأمر دعوته فهو لم يقتصر
على الدعوة داخل مكة وإنما خرج بها خارج حدودها .
وقد جاء في هذه الرواية أن خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف كان بعد موت
عمه أبي طالب واشتداد أذى الكفار عليه وعلى أتباعه ، فكان يرجو بذلك أن يجد متنفسًا
للدعوة فتقوى وتنتشر.
ولكن زعماء ثقيف ردوا عليه ردّا سيئًا كما جاء في الخبر وآذَوه في بدنه حتى احتمى
بأحد البساتين وكان لعتبة وشيبة ابني ربيعة وهما من زعماء المشركين في مكة .
وكون رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعرض لمثل هذا النوع من البلاء دليل على علو
مكانته عند الله تعالى كما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : " قلت
يارسول الله أي الناس أشد بلاء ؟ قال : الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى الرجل
على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رقة ابتلي على
حسب دينه ". (سنن ابن ماجه رقم 4023 كتاب الفتن ، سنن الدارمي رقم 2783 ، كتاب
الرقائق).
والرسول صلى الله عليه وسلم هو القدوة العليا لهذه الأمة ، فإذا تصور الدعاة إلى
الله تعالى ماأصابه من الأذى وقوة صبره وتصميمه على مواصلة الدعوة فإنه يهون عليهم
مايصيبهم من الأذى والمكروه في هذه الحياة .
وكون زيد بن حارثة يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه من الحجارة حتى أصيب
ببعض الشجاج يدل على أنه قد بذل جهدًا كبيرًا في حماية رسول الله صلى الله عليه
وسلم حيث كان يتلقى الحجارة ببدنه ولم يصل منها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلا التي وجهوها إلى قدميه ، وهذا موقف من مواقف زيد الكثيرة التي كان جُلُّها في
خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمايته ، فلا غرابة بعد ذلك في أن يكون هو
وابنه أسامةُ من أحب الناس إليه صلى الله عليه وسلم وآثرهم عنده .
وكون هؤلاء الزعماء الثلاثة يردون بهذه الردود القاسية دليل على قسوة قلوب الكفار ،
واعتزازهم بما يعتقدون من الباطل ، وتكبرهم عن سماع الحق ، ومايحدثه الكفر في قلب
صاحبه من إغلاق الفكر عن النظر فيما يدعو إليه الآخرون بعقل رشيد وفكر سديد .
كما أن هذا دليل على ما يتصف به الكفار من الإسفاف في القول في تعاملهم مع دعاة
الحق، وتعمد المبالغة في التحدث لتحطيم معنوية هؤلاء الدعاة ، وإذا كان هذا شأن
السادة الذين كانوا في الجاهلية يختارهم قومهم لكمال صفاتهم التي تؤهلهم للسيادة ،
فكيف يكون شأن عامة الناس في مجتمعات الجاهلية ؟!
على أنه مما يجب التنويه به أن تلك القبيلة التي كانت متصلبة في الكفر حتى تأخر
إسلامها بعد فتح مكة كانت بعد ذلك من أشد القبائل التزامًا بالإسلام والدفاع عنه ،
فقد كانوا من القلائل الذين ثبتوا على إسلامهم وولائهم لدولة الإسلام يوم الردة ،
وأمدوا الجهاد الإسلامي بقادة وجنود أكفاء ، ولعل تصلُّبهم في التمسك بعقيدتهم
الباطلة في الجاهلية تحوَّل إلى تصلب في التمسك بعقيدة الإسلام بعدما هداهم الله
تعالى .
قال ابن إسحاق في سياق هذا الخبر : فلما اطمأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
– فيما ذُكر لي - : اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ، يا
أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تكلني ، إلى بعيد يتجهمني أم
إلى عدو ملَّكته أمري ؟ إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي
، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنـزل
بي غضبك أو يَحلَّ عليَّ سخطك ، لك العُتْبَى حتى ترضى ولا حول ولاقوة إلا بك.
(سيرة ابن هشام 2/34).
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحزن على واقع أمته عظيم الأسى على واقع
خلَّفه وراء ظهره في الطائف وواقع أليم ينتظره وهو قادم إلى مكة ، ولقد أخذ به
الهمُّ المتكاثف من ذلك الصدود المتواصل من قومه ومن القبائل التي عرض عليها
الإسلام ، وإنا لنلمح ذلك في هذا الدعاء المشهور الذي دعا الله به مُنْصرفه من
الطائف ، حيث اشتكى إلى ربه جل وعلا ضعف قوته ، فهو لايملك القوة التي يجابه بها
المعاندين ويزيل بها الطغاة الذين فرضوا الحجر الفكري على الناس وضيقوا مجال
الاستجابة للدعوة .
" اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي " حيث لايستطيع الخروج بواقع الدعوة من
المأزق الذي وضعها فيه أعداؤه .
" وهواني على الناس " حيث يتجرأ أعداء الله على السخرية منه والاعتداء على جسده
الشريف، وإنه لعجب أن يوجد في وقت واحد من يسيل دمه ومن يتبرك بدمه ، فليس على وجه
الأرض من يعظمه أتباعه ويتبركون به مثله ، ومع ذلك ينتهك أعداؤه من حرماته ما
لايُقْدمون عليه مع خدمهم ومماليكهم .
ثم يستجدي رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء ويعلن ضعفه واضطراره إلى ربه جل وعلا
الذي يملك أمره وأمر كل شيء : " يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي" ،
فهو سبحانه سند أوليائه المؤمنين ، وتكرار ذكر ربوبية الله تعالى بالتخصيص بعد
التعميم لتأكيد أمر اللجوء إلى الله جل وعلا .
ثم يسأل ربه أن يكون معه وأن لايتخلى عنه وأن لايكل أمره إلى بعيد يعبس بوجهه له
ويترفع عليه كما حصل من أهل الطائف ولا إلى قريب له السيطرة والنفوذ في بلده كالملأ
من أهل مكة : " إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى قريب ملَّكته أمري" .
ثم يبين صلى الله عليه وسلم أن الشيء الذي امتلك عليه لبَّه وأخذ عليه مشاعره هو أن
يحوز على رضوان الله تعالى ، وأن يكون بعيدًا عن سخطه وغضبه .. إذا تم له ذلك
فلْيُعَاده من شاء أن يعاديه من البشر، وليعملوا ماشاؤوا في أذيته والكيد له .
غير أن الجمع بين الظفر برضوان الله تعالى والتمتع بعافيته من أذى الناس هو أرفق
بالعباد الذين من شأنهم الضعف والافتقار : " إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي ،
غير أن عافيتك هي أوسع لي " .
وفي هذه الفقرة يتبين عمق توحيد النبي صلى الله عليه وسلم ، ومبلغُ تجرده لله جل
وعلا ، فهو لم يشعر بهذا الحزن المضني والهمِّ المتواصل ليدرأ عن نفسه الأذى أو
ليجلب لنفسه شيئًا من حياة الهدوء والنعيم، بل هو يستعذب كل هذا الأذى من أجل الله
تعالى ، غير أنه مشفق من غضب ربه سبحانه أن يكون قصَّر في أمر من أمور الدعوة من
غير أن يشعر فيتعرض لشيء من غضب مولاه جل وعلا ، فإذا لم يكن صدود الناس وأذيتهم
إياه بسبب تقصير حصل منه فإنه لايبالي بما حصل له من الأذى على يد أعدائه لأنه إنما
يحتسب ذلك عند ربه جل وعلا .
ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم رجاءه بنيل البراءة من سخط الله تعالى وغضبه بهذا
التوسل العظيم والالتجاء البليغ " أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه
أمر الدنيا والآخرة أن تُنـزل بي غضبك ، أو يَحلَّ عليَّ سخطك لك العتبى حتى ترضى "
.
فرضوان الله تعالى إذًا هو الهدف الأعلى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو
المطلوب الأعظم الذي تُسَخَّر له كل المطالب ، وإذا كان البلاء من الله تعالى من
أجل أن يحل رضاه وينجلي سخطه فحيهلاً بالبلاء ، وهو ساعتئذٍ نعمة ورخاء .
ثم يختم رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاءه بالكلمة العظيمة التي يقولها وعلَّم
أصحابه أن يقولوها عند حلول المكاره " ولاحول ولاقوة إلا بك " فلا تحوُّل للمؤمن من
حال الشدة إلى حال الرخاء ، ولا من الخوف إلى الأمن إلا بالله تعالى ، ولا قوة لـه
على مواجهة الشدائد وتحمُّل المكاره إلا بالله جل وعلا .
قال ابن إسحاق رحمه الله في سياق روايته : " فلما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة ومالقي
تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيًّا يقال له : عداس ، فقالا له : خذ قطفا
من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكلْ منه .
ففعل عداس ، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال له
: كل ، فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده قال: بسم الله ، ثم أكل ،
فنظر عداس في وجهه ، ثم قال : والله إن هذا الكلام مايقوله أهل هذه البلاد .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ومن أهل أي البلاد أنت ياعداسُ ومادينك ؟ قال
: أنا رجل نصراني وأنا رجل من أهل نينوى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من
قرية الرجل الصالح يونس بن مَتَّى ، فقال له عداس : ومايدريك مايونس بن متى ؟ فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي ، فأكبَّ عداس على رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه .
قال : يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه : أما غلامك فقد أفسده عليك ، فلما جاءهما
عداس قالا لـه : ويلك ياعداس مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه ؟ قال: ياسيدي
مافي الأرض شيء خير من هذا ، لقد أخبرني بأمر مايعلمه إلا نبي ، قالا له : ويحك
لايصرفَنَّك عن دينك فإن دينك خير من دينه . (سيرة ابن هشام 2/35).
هذا وإن تسمية النبي صلى الله عليه وسلم قبل الأكل تطبيق لسنة من سنن الإسلام
الظاهرة ، وقد كان من بركة ذلك انجذاب رجل نصراني إلى الإسلام ، فما أن ذكر رسول
الله صلى الله عليه وسلم اسم الله تعالى قبل الأكل حتى اهتز كيان ذلك المولى
النصراني وجاشت مشاعره فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بعجبه من ذلك حيث لايعرف
أهلُ تلك البلاد ذكرَ اسم الله تعالى .
والتسمية قبل الأكل كسائر السنن الظاهرة من أسباب تميز المسلمين على من حولهم من
الوثنيين ، وهذا التميز يلفت أنظار الكفار ويدفعهم إلى السؤال عن سبب ذلك ، ثم
يقودهم ذلك إلى فهم الدين الإسلامي والانجذاب إليه ، وإن لنا في رسول الله صلى الله
عليه وسلم أسوة حسنة حيث جهر بتطبيق الإسلام بكل تكاليفه ولم يخف في ذلك لومة لائم
، أما محاولة الاندماج في المجتمعات الوثنية والاستخفاء بمعالم الإسلام الظاهرة ،
فإن هذا يحصر انتشار هذا الدين ، إلى جانب أنه يضعف شخصية المسلمين .
وبينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعاني من ذلك الأذى النفسي والجسماني من
صدود الأعداء وإهانتهم إياه إذا به يفاجأ برجل يُقبِّل رأسه ويديه وقدميه ، لقد شاء
الله تعالى أن يحتجب هذا النور الإلهي عن سادة ثقيف وأن يبصره مولى من الموالي كان
محل الاحتقار وموئل الذلة والمهانة لدى عِلْيَتهم.
ولاشك أن عثور النبي صلى الله عليه وسلم على رجل يحفظ له حق النبوة ويعظمه بعدما
واجهه الأعداء بأشد أنواع القسوة والعنف يعدُّ مواسيًا له وباعثًا على الشعور بعدم
خلو البلاد ممن يقدِّرون دعاة الحق ويحفظون لهم كرامتهم .
ولقد كان يقين عداس بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم قويّا ، حيث كان في اعتقاده
أنه سينتصر على أعدائه وأنه لايقف لـه أحد ، يدل على ذلك موقفه من سيِّدَيه عتبة
وشيبة ابني ربيعة لما أرادا الخروج إلى بدر وأمراه بالخروج معهما حيث قال لهما :
قتالَ ذلك الرجل الذي رأيت في حائطكما تريدان ؟ فوالله ماتقوم له الجبال ، فقالا :
ويحك ياعداس قد سحرك بلسانه. (سبل الهدى والرشاد 2/578).
وهكذا كانت شفافية تفكير ذلك الغلام المملوك وعمق إدراكه لكونه على علم بالكتب
السماوية ، في مقابل قساوة قلوب سيديه وأمثالهما من الكفار الذين يحملون كل أثر
للنبي صلى الله عليه وسلم في قلوب الناس على السحر .
وخرج سيداه فما رجعا بل قتلا وسحبا مع من سحب من قتلى الكفار إلى قليب بدر ، وكان
عداس المحتقر عندهما أعلم منهما بالله تعالى وبسنَنه في خلقه ، وأدرى منهما بعوامل
انتصار الأمم وعوامل اندحارها. (هذا الخبر والخبر السابق يدلان على أن عداسا قد
أيقن بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن هل دخل في الإسلام ؟ ذكر الحافظ
ابن حجر في ترجمته أن سليمان التيمي ذكر في سيرته أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم
: " أشهد أنك عبد الله ورسوله " – الإصابة 2/459 – وإن ثبت هذا فإنه لم يعلن
إسلامه قطعا وإلا لحصل له الإيذاء والتعذيب كما تعرض لذلك الموالي في مكة وقد كان
في مكة في العهد المكي ، فربما كان من الأفراد الذين كانوا يكتمون إيمانهم .).
* * *
|