الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
المشرف
المؤلفات
الديوانية
الصوتيات
مقال الموقع
فتاوى الموقع
تراجم علمائنا
ملتقـيات الخير
شبـهات و ردود
مقـالات مخـتارة
المـعهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
من فتاوى العلماء
ســيــر الصـــحـابة
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة د. عبدالعزيز الحميدي المتقون المتقون : العدد الثالث والعشرون

المتقون : العدد الثالث والعشرون

تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :

1 – قبسات من القرآن الكريم .

2 – قبسات من السنة النبوية .

3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .

4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .

- قبسات من القرآن الكريم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله تعالى (وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ{37} وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ{38}) [الأنعام : 37 – 38] .

 

[37] لقد أنزل الله سبحانه على رسوله صلى الله عليه وسلم آية هي أعظم الآيات الدالة على صدقه ، وذلك في إنزال هذا القرآن الكريم الذي يظل آية متجددة إلى قيام الساعة ، ولكن المشركين – لاستكبارهم وتعنُّتهم – يقولون: هلاَّ أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم آية خارقة للعادة كما أنزل على الرسل من قبله ، تدل على صدقه في رسالته ، وقد أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يخبرهم بأنه تعالى قادر على أن ينـزل آية عظيمة ، ولكن أكثرهم لايعلمون العواقب الوخيمة عليهم فيما لو لم يؤمنوا ، كما حدث في بعض الأمم السابقة ، فأولئك الكفار يجهلون حكمة الله جل وعلا في عدم إنزال تلك الآية التي طلبوها ، ويجهلون رحمته بهم حيث أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة ، ليؤمن من شاء الله له الهداية منهم ، وليُخرج الله من أصلابهم من يؤمن به ويوحده .

 

[38] ثم يوجه الله سبحانه أولئك المشركين المتعنتين الذين يطلبون آية خارقة للعادة إلى أن يتوجهوا بأفكارهم إلى بعض مخلوقات الله العظيمة التي فيها أكبر شاهد على وحدانية الله جل وعلا في الربوبية والألوهية ، حيث يقرر بأنه ليس في الأرض حيوان يدب على الأرض كبر أو صغر ، ولا طائر يطير في السماء بجناحيه كبر أو صغر إلا وهي جماعات متجانسة في الخلق مثل بني آدم ، وأنه عز وجل ماترك في اللوح المحفوظ شيئا إلا أثبته ، ثم إن تلك الأمم كلها تحشر إلى ربها يوم القيامة ، فيقضي في كل أمة بما يناسبها .

 

وفي تفسير هذه الآية يقول الإمام العلامة محمد بن جرير الطبري رحمه الله : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهؤلاء المُعرضين عنك ، المكذبين بآيات الله : أيها القوم ، لاتحسبن الله غافلا عما تعملون ، أو أنه غير مُجازيكم على ما تكسبون ، وكيف يغفلُ عن أعمالكم ، أو يتركُ مُجازاتكم عليها ، وهو غيرُ غافل عن عمل شيء دب على الأرض صغير أو كبير ، ولا عمل طائر طار بجناحيه في الهواء ، بل جعل ذلك كله أجناسًا مجنسة ، وأصنافا مصنفة ، تعرف كما تعرفون ، وتتصرف فيما سُخرت له كما تتصرفون ، ومحفوظ عليها ما عملت من عمل لها وعليها ، ومُثبت كل ذلك من أعمالها في أم الكتاب ثم إنه تعالى ذكره مميتُها ثم مُنشرها ومُجازيها يوم القيامة جزاء أعمالها ، يقول : فالرب الذي لم يُضيع حفظ أعمال البهائم والدواب في الأرض، والطير في الهواء ، حتى حفظ عليها حركاتها وأفعالها ، وأثبت ذلك منها في أم الكتاب ،وحشرها ثم جازاها على ما سلف منها في دار البلاء ، أحرى ألا يضيع أعمالكم ، ولا يُفرط في حفظ أفعالكم التي تجترحونها أيها الناس ، حتى يحشركم فيجازيكم على جميعها إن خيرًا فخيرا ، وإن شرا فشرا ، إذ كان قد خصكم من نعمه ، وبسط عليكم من فضله ، ما لم يعم به غيركم في الدنيا ، وكنتم بشكره أحق ، وبمعرفة واجبه عليكم أولى ، لما أعطاكم من العقل الذي به بين الأشياء تميزون ، والفهم الذي لم يعطه البهائم والطير ، الذي به بيْن مصالحكم ومضاركم تفرقون. ( تفسير الطبري 9/232).

 

ويقول الله تعالى (وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ{39} قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{40} بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ{41}) [الأنعام: 39-41] .

 

[39] يخبرنا الله سبحانه عن صفات أولئك الكفار الذين كذبوا بآياته الكونية المشاهدة وآياته القرآنية المسموعة .. يخبرنا عنهم بأنهم صُمٌّ لايسمعون وبُكم لاينطقون ، وهم مع ذلك في الظلمات لايبصرون ، فهم كذلك مع اكتمال آلات السمع والكلام والبصر عندهم ، ولكن عقولهم الضالة لاتسخِّر هذه الآلات لسماع ورؤية الآيات السامية الدالة على قدرة الله تعالى ووحدانيته ولا التفوه بها  وإذا كانت هذه الحواس لاتدرك أهم شيء خُلق الإنسان من أجله فإنها تكون كأنها معطلة ، وإن كانت في أمور الحياة الدنيا قد بلغت درجات عالية .

 

(مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ) يعني : من يرد الله عز وجل – بإرادته الكونية القدرية – له الضلال لكونه لم يُحكِّم عقله السليم في معرفة الحق والاهتداء به (يُضْلِلْهُ) يكتب عليه الضلال (وَمَن يَشَأْ) الله له الهداية لكونه حكَّم عقله السليم في معرفة الحق (يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) يوفقه لمعرفة الحق والإيمان به والثبات على الصراط المستقيم .

 

[40-41] فقل – يامحمد – لهؤلاء المكذبين بآيات الله تعالى : أخبروني إن جاءكم عذاب الله في الدنيا أو جاءتكم الساعة التي ستواجهون أهوالها : أغير الله تدعون لكشف البلاء عنكم إن كنتم صادقين في دعوى أن أوثانكم التي تعبدونها من دون الله تجلب لكم النعماء وتنقذكم من البلاء ؟!

 

بل إنما تدعون – في تلك الحال – ربكم الذي خلقكم لاغيره وتستغيثون به وحده ، فيفرج عنكم البلاء الذي سألتموه تفريجه إن شاء كشفه وإزالته ، وتتركون – في تلك الحال – أوثانكم التي كنتم تشركونها مع الله جل وعلا سواء في العبادة أو في الطاعة ، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا تعبدون الأوثان مع الله تعالى أو من دونه ؟ سواء أكانت عبادتكم إياها مباشرة أم باتخاذها وسائط بينكم وبين الله تعالى أم بطاعتها في تحليل ما حرم الله جل وعلا أو تحريم ما أحل .

 

ويقول الله تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ{42} فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ{43} فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ{44} فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ{45}) [ الأنعام : 42 – 43 – 44 – 45] .

 

[42] يخبرنا الله سبحانه عن سنة من سننه في دعوة الأمم إلى الاستقامة , فحينما لايجدي معهم التذكير والتبشير والإنذار فإنه تعالى يصيبهم بالمصائب في أجسامهم وأموالهم , من أمثال الجدب والجوائح التي تصيب الثمار وتسليط الأعداء , لعلهم يتذكرون بأنهم إنما أصيبوا لابتعادهم عن طاعة الله سبحانه ووقوعهم في معصيته , فيكون ذلك دافعا لهم إلى الخضوع له وإخلاص العبادة له والاستقامة على شريعته .

 

[43] فهلاَّ إذ جاء البلاء تلك الأمم المنحرفة عن طريق الاستقامة تذللوا وخضعوا لله وحده واستقاموا على شريعته , فكان نزول البلاء واعظا لهم ودرسًا عمليًّا يحذرهم من بلاء أكبر !! إنهم لم يفعلوا ذلك ولكن تلك المصائب زادتهم قسوة في قلوبهم لاعتدادهم بأنفسهم واعتمادهم على الأسباب المادية وحدها , واغتنم الشيطان فرصة ذلك الصدود وقسوة القلوب ليحسِّن لهم ماوقعوا فيه من الشرك والمعاصي .

 

[44] فلما أعرضوا عن التذكر والاعتبار وظلوا على شركهم ومعاصيهم فتح الله تعالى عليهم أبواب كل شيء من الصحة والرزق , استدراجًا منه لهم , حتى إذا فرحوا فرح البطر , وأُعجبوا بما أعطاهم الله من النعم أخذهم بالعذاب فجأة فإذا هم آيسون قد قطعوا رجاءهم من كل خير.

 

[45] فكانت نهاية هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي الاستئصال والهلاك حتى لم يبق منهم أحد , فليعتبر المكذبون والعصاة من هذه الأمة بما جرى من ذلك للأمم السابقة , وليشكروا الله وحده , فإن الشكر والثناء له تعالى وحده خالق كل شيء ومالكه .

*          *          *

- قبسات من السنة النبوية –

- توجيه نحو الشكر والثناء –

هذه توجيهات سلوكية في مجال الشكر والثناء ، فمن الأحاديث الواردة في شكر النعمة ما أخرجه أبو عيسى الترمذي وأبو داود رحمهما الله من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه المهاجرون فقالوا : يارسول الله ما رأينا قوما أبذل من كثير ، ولا أحسن مواساة من قليل من قوم نزلنا بين أظهرهم ، لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنإ ، حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا ، مادعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم. (سنن الترمذي ، رقم 2487 ، صفة القيامة (4/653) . سنن أبي داود ، رقم 4812 ، الأدب (5/158)).

 

فهؤلاء المهاجرون يشعرون بفضل الأنصار عليهم رضي الله عنهم جميعا ، فيشكرونهم ويثنون عليهم أمام النبي صلى الله عليه وسلم ، ومِنْ شدة شعورهم بفضلهم عليهم خافوا أن يذهب الأنصار بالأجر كله، ويبقوا هم بدون أجر ، وهذا يبين لنا اهتمام الصحابة رضي الله عنهم بالثواب الأخروي ، فهم قد بذلوا مافي استطاعتهم من مساعدتهم والثناء عليهم وشكرهم ، ولكنهم يخشون أنه مع ذلك ينقص أجرهم الأخروي ، فأبان لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن أجرهم لاينقص ماقاموا بأمرين : الدعاء للمحسنين والثناء عليهم .

 

ومن ذلك ما أخرجه أبو عيسى الترمذي رحمه الله من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرا صابرا، ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله شاكرا ولاصابرا ، من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به ، ومن نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله تعالى على مافضله به عليه كتبه الله شاكرا صابرا، ومن نظر في دينه إلى من هو دونه ، ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على مافاته لم يكتبه الله شاكرا ولاصابرا ". (سنن الترمذي ، رقم 2512 ، صفة القيامة (4/665 )).

 

ففي هذا الحديث وضع النبي صلى الله عليه وسلم علامة مميزة للشاكر والصابر ، وهي أن ينظر في أمور دينه إلى من هو فوقه ، وأن ينظر في أمور دنياه إلى من هو دونه ، فالإنسان إذا نظر إلى من هو فوقه حرص على أن يلحق به ، وإذا نظر إلى من هو دونه قنع بما عنده ، فليكن النظر إلى الأعلى في أمور الدين ليكون ذلك حافزا على السباق في العمل الصالح ، وليكن النظر إلى الأسفل في أمور الدنيا لتحصل القناعة ، وشكرُ المنعم جل وعلا على نعمه العظيمة .

 

ومن ذلك ما أخرجه أبو عيسى الترمذي وحسنه وأبو داود السجستاني رحمهما الله تعالى من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أُعطي عطاءً فوجد فلْيَجْز به ، ومن لم يجد فليُثْن ، فإن من أثنى فقد شكر ، ومن كتم فقد كفر ". (سنن الترمذي ، رقم 2034 ، البر (4/379) . سنن أبي داود ، رقم 4813 ، الأدب (5/158)).

 

فهذا توجيه من النبي صلى الله عليه وسلم إلى شكر صاحب المعروف بالعطاء بالمال ، فإن لم يجد فبالثناء بالمقال، فصاحب المعروف قد خطا ببذله وإحسانه خطوات جيدة نحو بناء المجتمع الصالح ، فإذا قوبل معروفه بالشكر الفعلي أو القولي فإنه يرى أثر معروفه في عالم الواقع ، وهذا يعطيه دفعات قوية نحو المزيد من بذل المعروف والإحسان ، فأما حين يقابل معروفه بالجمود والصمت والسلبية فإن وساوس الشيطان قد تعمل عملها في فكره ، فربما قال : إن معروفي لم يوافق اهتماما ولا ارتياحا، وإن عملي لا أثر له في المجتمع ، وربما يكون ذلك سببا في توقفه عن بذل المعروف ، وهو وإن كان يعمل لله تعالى فإنه يحب أن يرى أثر عمله في حياة الناس ، فلذلك جاء في هذا الحديث التوجيه إلى الثناء على المحسنين ، ووصفُ أهل الثناء بالشاكرين ، كما جاء وصف كاتمي المعروف بالكفر ، والمراد كفر النعمة ، لأن كتمان النعمة وعدمَ الثناء على المنعم بها كفران لها .

 

وقد جاء في حديث آخر بيان الشكر بالقول ، وذلك بالدعاء لصاحب المعروف ، وذلك في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من صُنع إليه معروف فقال لفاعله : جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء " أخرجه أبو عيسى الترمذي رحمه الله تعالى من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما. (سنن الترمذي ، رقم 2035 ، البر (4/380)).

 

فصاحب المعروف إنما يريد الجزاء عند الله تعالى ، فإذا صاحب معروفه دعاءٌ من صاحب الحاجة الذي استفاد منه فإن ذلك أرجى في قبول عمله الصالح .

*          *         *

- توجيهات ومواقف أخلاقية –

- مواقف في الصبر –

من مواقف عروة بن الزبير رحمه الله :

أخرج الحافظ أبو نعيم الأصبهاني من خبر هشام بن عروة بن الزبير قال : خرج أبي إلى الوليد بن عبد الملك فوقع في رجله الآكلة ، فقال له الوليد : يا أبا عبد الله أرى لك قطعها ، قال: فقطع وإنه لصائم فما تضوَّر وجهه .

 

قال: ودخل ابن له أكبر ولده إصطبل الدواب فرفستْه دابة فقتلته ، فما سُمِع من أبي في ذلك شيء حتى قدم المدينة ، فقال: اللهم إنه كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدا وأبقيت لي ثلاثة فلك الحمد ، وكان لي بنون أربعة فأخذت واحدا وأبقيت لي ثلاثة فلك الحمد ، وايْمُ الله لئن أخذتَ لقد أبقيت ، ولئن أبليتَ طالما عافيت .

وأخرجه أيضًا من عدة طرق ، وقد جاء في إحداها أنه تمثل بأبيات معن بن أوس :

لعمرك ما أهويت يوما لريبة              ولاحملَتْني نـحو فـاحشة رجلي

ولاقادني سمعي ولابصري لها             ولادلَّـني رأيـي عليها ولاعقـلي

وأَعـلم أن لم تُصبني مصيبة             من الدهر إلا قد أصابت فتًى قبلي

(حلية الأولياء 2/178 – 179)

 

وأخرج الحافظ ابن عساكر هذا الخبر من عدة طرق وجاء في رواية له : أنه لما وقعت الآكلة في رجله قيل له : ألا ندعو لك طبيبا ؟ قال: إن شئتم ، فجاء الطبيب فقال : أسقيك شرابا يزول فيه عقلك، فقال امض لشأنك ماظننت أن خلقًا يشرب شرابا يزول فيه عقله حتى لايعرف ربه .

 

وذكر في رواية أنه أبى أن يشرب المخدر وأن الطبيب قطع رجله من نصف ساقه ، فما زاد على أن يقول : حَسّ ، حس [كلمة حَسّ تعبير عن الإحساس بالألم]، فقال الوليد : مارأيت شيخًا أصبر من هذا. ( تاريخ دمشق 40/261 – 262).

 

فهذا مثل جليل في الإيمان القوي الذي تمثل في الصبر على المكاره والرضى بقضاء الله تعالى وقدره، والمستوى العالي من الذكر القلبي وحضور القلب مع الله تعالى ، حيث لم يقبل أن يفقد عقله حتى عند الضرورة وفي ذلك الوقت القليل ، وذلك كله ناتج من العلم الراسخ بقضاء الله تعالى وقدره وما أعده لعباده الصابرين من الثواب الجزيل .

 

من مواقف إبراهيم بن إسحاق الحربي رحمه الله :

من ذلك ما أخرجه الخطيب البغدادي من حديث أبي الحسين بن سمعون قال قال أحمد بن سلمان القطيعى : ضِقت إِضاقةً فمضيت إلى إبراهيم الحربي لأبثه ماأنا فيه ، فقال لي : لايَضِقْ صدرك فإن الله من وراء المعونة ، وإني ضِقتُ مرة حتى انتهى أمري في الإضاقة إلى أن عدم عيالي قوتهم ، فقالت لي الزوجة : هب أني وإياك نصبر ، فكيف نصنع بهاتين الصبيتين ؟ فهات شيئا من كتبك حتى نبيعه أو نرهنه، فَضَنِنْت بذلك وقلت : اقترضي لهما شيئا وأنظريني بقية اليوم والليلة ، وكان لي بيت في دهليز داري فيه كتبي ، فكنت أجلس فيه للنسخ وللنظر ، فلما كان في تلك الليلة إذا داقٌّ يدق الباب فقلت: من هذا ؟ فقال : رجل من الجيران ، فقلت : ادخل ، فقال : اطفئ السراج حتى أدخل ، فكببت على السراج شيئا وقلت : ادخل ، فدخل وترك إلى جانبي شيئا وانصرف ، فكشفت عن السراج ونظرت فإذا منديل لـه قيمة وفيه أنواع من الطعام ، وكاغد [الكاغد هو الورق] فيه خمس مئة درهم ، فدعوت الزوجة وقلت : أنبهي الصبيان حتى يأكلوا، ولما كان من الغد قضينا ديناكان علينا من تلك الدراهم ،وكان وقت مجيء الحاج من خراسان ،فجلست على بابي من غد تلك الليلة ،وإذا جمّال يقود جملين عليهما حملان ورقا ، فحط الجملين وقال:هذان الحملان أنفذهما لك رجل من أهل خراسان ، فقلت : من هو ؟ فقال: قد استحلفني أن لا أقول من هو. ( تاريخ بغداد 6/31 – 32).

 

ففي هذا الخبر مثل عال في الصبر على البلاء والرِّضَى بمُرِّ القضاء وقوة الرجاء ، وماذاك إلا نتيجة للتربية القويمة التي كان يتلقاها أهل العلم منذ المراحل الأولى للطلب ، والنية الخالصة التي كانت ترافق طلبهم للعلم ، حيث كانوا يطلبونه للعمل به لا لمجرد التزود منه ، وقد كان الإمام أبو إسحاق إبراهيم الحربي من الأئمة في هذا الشأن .

 

كما أن فيه مثلا من عناية الله تعالى بأوليائه المؤمنين ، وذلك بتسخير عباده لقضاء حوائجهم ، فحينما ادْلهمَّت الخطوب بهذا الإمام ، وكان المخرج منها منحصرا ببيع شيء من كتبه أو رهنها لم تطب نفسه بذلك ، وعلم الله جل وعلا بإخلاصه وصدق توجهه فيسَّر أمره وأزال عسره .

 

من مواقف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

قال الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب رحمه الله تعالى : قال شيخنا أبو عبد الله ابن القيم: شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ، ونور ضريحه ، يقول : إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة . قال : وقال لي مرة : ما يصنع أعدائي بي ؟ أنا جنتي وبستاني في صدري ، أين رحت فهي معي ، لاتفارقني ، أنا حبسي خلوة . وقتلي شهادة ، وإخراجي من بلدي سياحة .

 

وكان في حبسه في القلعة يقول : لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبا ماعدل عندي شكر هذه النعمة- أو قال : ماجزيتهم على ماتسببوا لي فيه من الخير – ونحو هذا .

 

وقال مرة : المحبوس من حُبس قلبه عن ربه ، والمأسور من أسره هواه .

 

قال شيخنا : وعلم الله مارأيت أحدًا أطيب عيشا منه قط ، مع ماكان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف ، وهو مع ذلك أطيب الناس عيشا ، وأشرحهم صدرا ، وأقواهم قلبا ، وأسرُّهم نفسا ، تلوح نضرة النعيم على وجهه وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون ، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ، ونسمع كلامه ، فيذهب عنا ذلك كله ، وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه ، وفتح لهم أبوابها في دار العمل ، فأتاهم من رَوحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قُواهم لطلبها ، والمسابقة إليها. (ذيل طبقات الحنابلة 4/402 – 403).

 

فهذا الكلام المروي عن شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الذي يتحدث به عن نفسه والذي يصفه به تلميذه شمس الدين أبو عبد الله ابن القيم فيه وصف بليغ لما كان يتصف به ابن تيمية من الإيمان الراسخ واليقين الصادق ، والصبر على المكاره والرضا بقضاء الله وقدره ، والزهد في الدنيا ، فهو لايبالي بما يدبره له أعداؤه ، فالسجن الذي يخشاه الناس عادة هو عنده خلوة بربه ، فهو فرصة كبيرة لعبادة الله جل وعلا ، حيث العزلة وفراغ الفكر ، أما القتل الذي يفزع الناس منه فهو عنده شهادة ، وطالما تمنى الصالحون الاستشهاد في سبيل الله تعالى ، وأما نفيه من بلده فهو عنده سياحة ، والسياحة مرغوب فيها عند الناس عادة لما فيها من الترويح عن النفس واكتساب المعرفة والخبرات المتعددة .

 

وبهذا فإن الأعداء لن يصلوا منه إلى شيء يسوءه لأنهم لن يستطيعوا تغيير القناعات العلمية والإيمانية التي قد اقتنع بها ، فليس لهم حيلة للإساءة إليه في فكره ووجدانه ، وإنما كل مايستطيعون أن يصلوا إليه هو الإساءة إليه في جسمه ، وهذا لايعدُّ مشكلة أمام أهل الإيمان الراسخ واليقين الصادق، لأن قوة استحضارهم لعظمة الله تعالى وخشيتهم منه ورجاءهم لثوابه تزيل كل الآثار التي تخلفها أنواع الأذى الجسماني ، بحيث تظل في دائرة الأمور المادية ولاتصل إلى التأثير الروحاني ، بل إن الأمر بضد ذلك لدى أقوياء الإيمان ، حيث تسعد نفوسهم بما يصل إليهم من الأذى لشعورهم اليقيني بأن ذلك سيكون سببا في بلوغ رضوان الله تعالى والدرجات العليا في الجنة .

*          *          *

- مواقف دعوية من السيرة النبوية –

1 – تفوق النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة

(شكوى قريش لأبي طالب في مرضه )

إن المبادئ السامية تظل مُثُلاً عالية في عالم الذهن ، حتى يوجد من يمثلها في عالم الواقع، وكم من إنسان يتصور هذه المباديء في ذهنه ويتحمس للدفاع عنها في تخيله ، ويراها هي الحقَّ كلّ الحق حتى إذا تحول إلى عالم الواقع جبن عن الدفاع عنها وضعف عن تمثيلها بنفسه ، وفضَّل مداراة الناس بما هم عليه من باطل على مجابهتهم بما هو عليه من الحق .

 

أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الإمام الأعظم والمثل العالي في تمثيل الحق والدفاع عنه ومجابهة الباطل وأهله وإن اغتروا بكثرتهم وقوتهم المادية .

 

يبين ذلك مارواه الإمام الطبري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : " لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فقالوا : إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول ، فلو بعثت إليه فنهيته " .

 

ومن هذا نعرف تفاني أهل الباطل في الدفاع عن باطلهم واغتنامهم الفرص المناسبة للهجوم على المعتقدات التي يرون أنها تهدد وجود باطلهم ، الذي يتوقف وجودهم عليه ، وتتمثل زعامتهم في علو رايته وقيام أمره ، فقد اغتنم هؤلاء الكفار فرصة مرض أبي طالب الذي كان يقف سدّا منيعًا بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

والإنسان حال المرض يكون ضعيف الجسم فتضعف إرادته وتقل مقاومته ، فأرادوا أن يحصلوا منه على موقف يَهُون فيه عن نصرة ابن أخيه صلى الله عليه وسلم فيعتزَّ جانبهم ويكسبوا الجولة الأخيرة لصالحهم.

 

" قال : فبعث إليه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل ، قال: فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرقَّ له عليه ، فوثب فجلس في ذلك المجلس ، ولم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسًا قرب عمه فجلس عند الباب " .

 

وهكذا يبدو أهل الباطل شَرسين في منافسة أهل الحق ومحادَّتهم ، ومحاولة الحيلولة بينهم وبين منابر الهداية ووسائل البلاغ التي يستطيعون منها أن يبَلِّغوا دعوتهم بشكل مؤثر ، كما أنهم يحاولون جاهدين أن يضعفوا من شخصية أهل الحق بأي صورة من الصور حتى ينـزووا بأنفسهم بعيدًا عن الأنظار ويجبنوا عن تمثيل الحق والدفاع عنه .

 

" قال : فقال له أبو طالب : أي ابن أخي مابال قومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول ؟ قال: فأكثروا عليه القول " .

 

وهذا موقف ماكانوا ليظفروا به من أبي طالب لولا ضعفه حال المرض ، فقد كان قبل ذلك يجابههم ، ولايخفى عليه ماكان يصدر من رسول الله صلى الله عليه وسلم من التنديد بآلهتهم وانتقاد ماهم عليه من مظاهر الشرك المختلفة .

 

" قال : وتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ياعم إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب ، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية " .

 

وهنا تبدو الحكمة العالية في الدعوة ، والأسلوب البارع في إثارة السامعين للاهتمام ، وذلك في جمع المقاصد العظيمة التي بها قوام الحياة ومابعد الممات في كلمة واحدة ، وترتيب الهيمنة في الأرض على قولها .

 

وهل كان زعماء قريش يحلمون في يوم من الأيام بأن يكونوا سادة العرب وأن تخضع لهم دول العجم بأجمعها فتدفع لهم الجزية ؟

 

إنه لحلم بعيد المنال يفزع الإنسان من مجرد تصوره في الذهن إذا كان خاليًا من الإيمان بالله تعالى واليقين بوعده الذي لايتخلف ، ولذلك فزع زعماء قريش .

 

" قال : ففزعوا لكلمته ولقوله ، فقال القوم : كلمة واحدة ؟ نعم وأبيك عشرا ، فقالوا : وماهي؟ وقال أبو طالب : وأي كلمة هي يا ابن أخي ؟ " .

 

لقد ظن القوم أن حصر النبي صلى الله عليه وسلم دعوته في كلمة واحدة يعني أنه بدأ بالتنازل لهم عن بعض ماكان يدعو إليه وأنه سيوافقهم في بعض مطالبهم ، فاستخفُّوا بطلبه وأبدوا استعدادهم لأكثر مما طلب منهم .

 

" قال : قال صلى الله عليه وسلم : لا إله إلا الله " .

 

إنها كلمة واحدة ، ولكنها تعني مجمل منهج كامل يرسم للمسلم طريق الاستقامة في هذه الحياة، الذي يتضمن التخلي الكامل عن جميع المقدسات التي تعارف عليها البشر على غير هداية الله ومايترتب على ذلك من تشريعات ونظم ، ثم التحلي بعبادة الله تعالى وحده ومايترتب على ذلك من إخضاع جميع شؤون الحياة لهذه العبادة .

 

ولقد كان المشركون يفهمون جيدًا مدلول كلمة التوحيد ، ويقدِّرون مسؤولية النطق بها، ولذلك فزعوا منها .

 

" قال:فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ{5}) قال:ونزلت من هذا الموضع إلى قوله (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ{8}) [يعني قوله تعالى (وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ{6} مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ{7} أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ{8})] [ص:5-8] . (تفسير الطبري 23/125 . وأخرجه الإمام أحمد ، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر – مسند أحمد بتحقيق أحمد شاكر 3/314 رقم 2008. وأخرجه الإمام الترمذي وقال:هذا حديث حسن صحيح – جامع الترمذي،كتاب التفسير(تحفة الأحوذي 8/99) . وأخرجه الحاكم وصححه وأقره الذهبي – المستدرك 2/432-).

 

لقد كان زعماء المشركين يفهمون أن هذه الكلمة هدم لموروثاتهم التي سادوا الناس بها، ولقد كانوا يفهمون أن آلهتهم التي يقدسونها لاتُحل لهم ولاتحرم عليهم شيئًا ، وإنما هم الذين يحلون للناس ويحرمون عليهم بأهوائهم باسم هذه الآلهة . فهذه الكلمة تحول بينهم وبين تقديس ميراث آبائهم ، وتحول بينهم وبين اتباع أهوائهم وتحول بينهم وبين استبعاد المستضعفين من البشر الذين يرونهم دونهم في الحياة .

 

ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم صريحًا معهم قويًّا في مجابهتهم فلم يداهنهم رغم محاولاتهم المتكررة ، ولم تَلنْ له معهم قناة رغم محاولتهم إضعاف موقفه وتكالبهم عليه وهو يحضر ندواتهم وحده ، وإنه صلى الله عليه وسلم ليضرب المثل عاليًا لأمته في معاملة الكافرين في مختلف الأحوال حسب ماتقتضيه مصلحة الدعوة، وإنه لمن الواجب على الدعاة أن يدرسوا سيرته بتعمق وفقه حتى يتأسوا به في تعامله مع الناس ، وفي دعوته حتى لايسيروا في دعوتهم على جهالة وانحراف .

 

وهكذا رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد وعد قومه إذا هم أسلموا بالسيادة على العرب والعجم ، إضافة إلى سعادة الآخرة التي تتمثل بالفوز برضوان الله تعالى والظفر بالجنة والنجاة من النار ، ومع ذلك فإنهم ظلوا متمسكين بخرافات وأوهام تتيح لهم السيادة على مكة وحدها ، ولا يضمنون بها سعادة بعد الموت .

 

فما أنقص عقولهم ، وما أضعف تفكيرهم حينما قصروا اهتمامهم على الحياة الدنيا ولم يقبلوا دعوة الإصلاح التي تتيح لهم مجد الدنيا والآخرة !!

 

هذا وإن الذين ورثوا هذا الدين جيلاً عن جيل وأصبحت أنظارهم مقصورة على السيادة على بلدانهم وليس في حسِّهم نقلُ هذا الدين إلى العالم والسيادة به على الأرض ، وليس حاضرًا في وجدانهم مستقبلهم الأخروي ، وقد عُمرت أفكارهم بالحفاظ على المستوى الأعلى من متاع الدنيا ولو في ظل هيمنة الأعداء عليهم .. إن هؤلاء لايختلفون كثيرًا عن الذين حاورهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر وأمثاله من ناحية الاقتصار على الأهداف القريبة التي تشغل بالهم ، وقصور تفكيرهم عن الأهداف السامية التي نقلهم إليها الإسلام ، وإن كانوا يختلفون عنهم بالإيمان بالإسلام ، ومعاداة أولئك لهذا الدين الحنيف .

صبر جميل وعزيمة نافذة

( وفاة الحاميين : خديجة وأبي طالب )

تقدم لنا خبر مرض أبي طالب وما كان من زعماء قريش من محاولة استمالته إلى صفهم ليتخذ موقفًا يوهن فيه من دعوة الإسلام وما كان من موقف النبي صلى الله عليه وسلم في الثبات والحكمة في الدعوة .

 

وقد توفي أبو طالب في مرضه ذلك ، وذلك في العام العاشر للبعثة ففقد النبي صلى الله عليه وسلم بموته ناصرًا مخلصًا وحاميًا قويًّا .

 

ويشاء الله تعالى أن تموت في هذا العام نفسه خديجة بنت خويلد أم المؤمنين الوفية الصابرة رضي الله عنها فيجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم بموتهما مصيبتان كبيرتان ، فلقد كان كل واحد منهما يقدم له جانبًا من الحماية والتأييد ، كان أبو طالب يحميه من الأعادي ، ويهددهم أحيانًا بخوض معامع القتال دونه إذا لزم الأمر ، وكانت خديجة تحوطه بعطفها وحنانها إذا عاد إلى البيت وتَمسح من نفسه آثار الصدام والصراع الذي يجري بينه وبين المناوئين لدعوته ، وتَبُثُّ له سمعة واسعة في مجتمع النساء ، ببيان أخلاقه العالية ومعاملته الكريمة ، وصدق دعوته وسمو أهدافه .

 

ولاشك أن النساء لهن تاثير كبير على الرجال ، فإذا وجد الواحد منهم في بيته من يلومه على عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم ويدافع عنه فإن ذلك يكسر مما في نفسه من تحديه ومحاولة إيذائه .

 

يقول محمد بن إسحاق رحمه الله في بيان وفاة الحاميين ، خديجة وأبي طالب وماحصل على النبي صلى الله عليه وسلم من المصائب بفقدهما :

ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد ، فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب : بهُلْك خديجة ، وكانت له وزير صدق على الإسلام يشكو إليها ، وبُهلْك عمه أبي طالب وكان لـه عضدًا وحرزًا في أمره ، ومنعة وناصرًا على قومه ، وذلك قبل مُهَاجَره إلى المدينة بثلاث سنين . فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش ، فنثر على رأسه ترابًا .

 

قال ابن إسحاق : فحدثني هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير ، قال : لما نثر ذلك السفيه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك التراب ، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها : لاتبكي يابنية فإن الله مانع أباك ، قال: ويقول بين ذلك: مانالت مني قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب. (سيرة ابن هشام 2/29).

 

ولكن مع فقد رُكْنَي الحماية القويين فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضعف أمام أعدائه الذين كشَّروا له عن أنيابهم ، ولم يتراجع عن دعوته قيد أنملة ، بل استمر في دعوته داخل مكة وخارجها .

*          *          *

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 16:40:03


4 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8360733 عدد زيارات الموقع 79 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com