الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
سيرة المشرف
مؤلفات المشرف
ديـوانية المشـرف
الصـوتـيــــات
مقال الموقع
فتاوى الموقع
ملتقيات الخير
شبهات و ردود
مـقـالات مـخـتارة
المـعـهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
من فتاوى العلماء
ســيــر الصــحـابة
تراجم من علمائنا
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة د. عبدالعزيز الحميدي المتقون المتقون - العدد الثاني والعشرون

المتقون : العدد الثاني والعشرون

تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :

1 – قبسات من القرآن الكريم .

2 – قبسات من السنة النبوية .

3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .

4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .

- قبسات من القرآن الكريم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله . .

وبعد : يقول الله تعالى (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ{33} وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ{34}) [ الأنعام: 33 – 34].

 

[33] يوجه الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الصبر على مايسمعه من كلام المشركين ومايراه من أفعالهم في تكذيبه والصد عن دعوته ، ويبين له أنه يعلم مايعانيه من الحزن بسبب معاملة قومه ، ثم يسليه ببيان أن المشركين لا يكذبونه فيما دعاهم إليه ، بل يعلمون أنه رسول الله حقا ، ومما يبين ذلك المحاورة التي جرت بين أبي جهل والأخنس بن شريق ، حيث قال الأخنس لأبي جهل : يا أبا الحكم أخبرني عن محمد : أصادق أم كاذب، فإنه ليس ها هنا من قريش غيري وغيرك يسمع كلامنا ، فقال أبو جهل : ويحك والله إن محمدا لصادق ، وما كذب محمد قط ، ولكن إذا ذهَبتْ بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش ؟ فذلك قوله تعالى (فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ)  ، ذكره الإمام ابن جرير الطبري ، فالمشركون لايكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم في قرارة أنفسهم ولكنهم لظلمهم وحسدهم يظهرون تكذيبه جحودا منهم للدلالات الواضحة على صدقه .

 

[34] ثم يبين تعالى أن هذا التكذيب ليس خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن قد كذب الكفار رسلا من قبله فصبروا على ذلك التكذيب ومضوا في دعوتهم وتعرضوا للأذى حتى أتاهم نصر الله على أعدائهم ، وسيتم ماوعد الله به رسوله صلى الله عليه وسلم من النصر على أعدائه فإنه لامبدل لكلماته ، ولقد قص سبحانه على نبيه من قصص المرسلين ما يبين تحقق وعد الله سبحانه بنصر رسله وخذلان أعدائهم ونزول نقمته بهم ، وإن في أولئك الرسل عليهم السلام لقدوة حسنة .

 

ويقول الله تعالى (وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ{35} إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ{36}) [ الأنعام : 35 – 36] .

 

[35] يبين الله سبحانه شيئا من الخواطر التي كانت تخطر على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث كان يشق عليه ويعظم في تصوره إعراض قومه عن الهداية (وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ) أي شق عليك إعراضهم عن الإيمان بك وبما دعوتهم إليه من توحيد الله تعالى (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ) أي إن كنت تود في قرارة نفسك لو قدَّر الله تعالى وقوع آية كبيرة خارقة تجعل قومك يؤمنون بك فإن استطعت أن تأتيهم بآية من السماء أو من باطن الأرض فائْتهم بذلك ، ولو قدَّر الله تعالى وقوع ذلك لم يؤمنوا كما حدث لأسلافهم (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى) ولو شاء الله عز وجل – بإرادته الكونية – لجمعهم على الهدى لأنه ليس في الوجود أمر خارج عن إرادته ، لكنه جل وعلا لم يرد ذلك كونًا وقدرًا ، وإنما أراد شرعا هداية الناس جميعًا ، ووهب الإنسان عقلا يدرك به سبيل الخير وسُبُل الشر وهداه بالدلالة على سبيل الخير عن طريق بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام ، فإن هو حكَّم عقله السليم فإنه يتَّبع الهدى الذي دعا إليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وإن هو حكَّم عاطفته وهواه فإنه يظل معرضا عن قبول الحق ، وحينما يتحلَّى المؤمنون بالهداية يتبين أن لديهم استعدادًا ذاتيا للتجرد من الهوى والإيمان بالحق إذا تبين لهم وأن الذين يتلبسون بالضلالة لديهم استعداد ذاتي للخضوع للهوى وعدم الإيمان بالحق وإن تبين لهم .

 

ولم يُرد الله تعالى – كونًا وقدرا – هداية الناس جميعا لأن حكمته اقتضت أن تكون هذه الحياة الدنيا موطن ابتلاء واختبار ليؤمن من آمن عن إرادته واختياره وليكفر من كفر عن إرادته واختياره ، وجعل الآخرة جزاء للمؤمنين بالنعيم المقيم وجزاء للكافرين بالعذاب الخالد الأليم ، فلو أراد الله تعالى – كونًا وقدرا – أن يؤمن الناس جميعا لم يكن هناك فرق بين من يختار الإيمان ومن يختار الكفر ، فالله سبحانه أراد بإرادته الكونية أن يؤمن المؤمنون وأن يكفر الكافرون ، ولكنه أراد بإرادته الشرعية المتعلقة بمحبته أن يؤمن الناس جميعا ، ولذلك هداهم هداية دلالة وإرشاد إلى الطريق المستقيم ، وهدى المؤمنين هداية توفيق إلى الإيمان والاستقامة لتجرد قلوبهم من الهوى المنحرف واستعدادهم للهدى ولم يوفق  الكفار إلى ذلك لخضوعهم لأهوائهم المنحرفة وعواطفهم الجامحة .

 

(فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) أي من الجاهلين بسنن الله تعالى ، وإن من أفضل ما قرأت في تفسير هذه الجملة من الآية ماذكره العلامة السيد محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى حيث يقول : فلا تكونن من القوم الجاهلين بسنن الله تعالى في خلقه ، الذين يتمنون ما يرونه حسنا ونافعا ، وإن كان حصوله ممتنعًا ، لكونه مخالفا لتلك السنن التي اقتضتها الحكمة الإلهية . فالجهل هنا ضد العلم لا ضد الحلم . وليس كل جهل بهذا المعنى عيبًا . لأن المخلوق لا يحيط بكل شيء علمًا ، وإنما يذم الإنسان بجهل ما يجب عليه ثم بجهل ما ينبغي له ويعدُّ كمالا في حقه ، إذا لم يكن معذورًا في جهله . قـال تعالى في الفقراء المتعففين (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ) [البقرة: 273] فوصف الجاهل هنا غير ذم ، وكان عدم علم خاتم الرسل بالكتابة من أركان آياته، وعدم علمه بالشعر من أدلة الوحي وبيناته ، وكل ما يتوقف علمه على الوحي الإلهي لا يكون جهل الرسول إياه قبل نزوله عليه عيبًا يذم به ، إذ لا يذم الإنسان إلا بما يقصر في تحصيله وكسبه ، وقد أمر الله تعالى رسوله بأن يسأله زيادة العلم ، وكان يزيده كل يوم علما وكمالا بتنـزيل القرآن وبفهمه ، وبغير ذلك من العلم والحكمة ، ولا يقتضي ذلك الذم قبل هذه الزيادة وإنما الذي يذم مطلقا هو الجهل المرادف للسفه وهو ضد الحلم. ( تفسير المنار 7/382 – 383).

 

[36] ثم يبين سبحانه أن الذين يستجيبون لدعوة الحق هم الذين يسمعون الكلام الذي يلقى عليهم سماع من يريد معرفة الحق واتباعه إذا تبين له ، أما الذين يسمعون الكلام وهم قد وطنوا أنفسهم على رفض الحق وإن تبين لهم فهؤلاء في عداد الأموات ، لأنهم قد عطلوا عقولهم التي وهبهم الله إياها ، وهؤلاء الموتى في إحساسهم وشعورهم لاحيلة في هدايتهم ، وإنما موعدهم البعث حينما يخرجهم الله تعالى من قبورهم أحياء ، ثم يعودون إليه ليحاسبهم على أعمالهم وليجزيهم على سيئاتهم .

*         *         *

-قبسات من السنة النبوية –

- من شُعَب الإيمان –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : فحديثنا اليوم عن بعض شُعَب الإيمان ومايترتب على ذلك من الجوانب السلوكية، وذلك من خلال قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الإيمان بضع وسبعون شعبة – أو بضع وستون شعبة – فأفضلها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان " أخرجه الشيخان رحمهما الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (صحيح مسلم ، رقم 35/58 ، كتاب الإيمان (ص63) . صحيح البخاري ، رقم 9 ، كتاب الإيمان (1/51)).

 

وقوله " بضع وسبعون " البضع بكسر الباء عدد مبهم مقيَّد بما بين الثلاث إلى التسع [فتح الباري 1/51]، وقوله " أو بضع وستون" شك من أحد الرواة .

 

وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أعلى شعب الإيمان وأدناها ، ومثَّل لمجموعها بواحدة منها .

 

فأما الشعبة الأولى وهي كلمة التوحيد فإن الإيمان بهذه الكلمة يستلزم الشعور بعظمة الله تعالى وحده ، وأن يكون الإيمان به في قلب من نطق بها كاملا ، بحيث يؤثر وجود هذا الإيمان في قلب المؤمن به في جميع مشاعره وتصرفاته في هذه الحياة ، وأن لايفتح لقوى الأرض مجالا كي تتسرب إلى قلبه فتسلبَ بعض مشاعره ويصرف لها شيئًا من التعظيم ، وتهيمنَ على بعض سلوكه في هذه الحياة ، فإذا أخلص التعظيم لله تعالى ومايتبعه من تجريد المشاعر والسلوك فيما يُرضي الله جل وعلا كان محقِّقًا لهذه الكلمة .

 

ولابد لمن نطق بكلمة التوحيد من ثلاثة أمور :

الأول : فهم معناها ، فلابد أن يفهم من شهد أن لا إله إلا الله أن هذه الشهادة تنفي عبادة غير الله تعالى بأي نوع من أنواع العبادة ، وتُثبت العبادة لله سبحانه وحده على المنهج الذي بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

الثاني : العمل بمقتضاها ، وهو الالتزام الكامل بالتكاليف الشرعية والاستقامة على ذلك، وبهذا نعلم أن هذه الكلمة تتضمن الدين كله ، ولذلك جاءت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوعد من قالها مخلصا بدخول الجنة والنجاة من النار ، مثل قوله " من قال لا إله إلا الله يبتغي  بذلك وجه الله دخل الجنة ".

 

الثالث : اجتناب مايناقضها ، وذلك باجتناب الوقوع في الشرك ، سواء في ذلك الشرك الأكبر أو الأصغر ، الخفيُّ أو الظاهر وكذلك المعاصي كبيرُها وصغيرها .

 

وقد تكون هذه المخالفات مناقضة لأصل كلمة التوحيد ، وذلك بالوقوع في الشرك الأكبر المخرج من الملة ، وقد تكون مناقضة لكمال التوحيد الواجب وذلك بارتكاب مادون الشرك الأكبر.

 

وبهذا نعلم أن مجرد النطق بهذه الكلمة لاينفع إلا إذا قارنه فهم معناها والعمل بمقتضاها واجتناب مايناقضها ، وعلى قدر تطبيق المسلم لهذه الأمور تكون استفادته من النطق بها .

 

إن الاستفادة من النطق بهذه الكلمة أو عدم الاستفادة أشبهُ شيء باستفادة المريض من الطبيب المعالج أو عدم استفادته منه ، فإذا أعطاه الطبيب تعليمات يسير عليها في أخذ العلاج وحذَّره من المحاذير التي تناقض هذا العلاج فإنْ هو أخذ بذلك استفاد من الدواء ، وإن قصر في أخذ هذه التعليمات أو وقع في المحاذير التي حذره الطبيب منها فقد لايستفيد من العلاج أصلا، وقد لايستفيد الفائدة الكاملة ، وقد يحصل عليه ضرر حسب مخالفته التي وقع فيها .

 

فكذلك من ينطق بهذه الكلمة ولايعمل بمقتضاها أو يرتكب مايناقضها فإنه لايستفيد من النطق بها أصلا أو لا يستفيد الفائدة الكاملة على قدر مخالفته .

 

إن فهم معنى "لا إله إلا الله " يستلزم الاستسلام الكامل لله تعالى ، والخضوعَ التام لأمره ونهيهه ، والرضا بقضائه ، وأن لايكون لهوى نفس المسلم أي تأثير على سلوكه ، فإن استجاب لهواه وتخيَّر من الإسلام مايريد فإنه لم يفهم بعدُ معنى كلمة التوحيد التي نطق بها ولم يؤمن بها حقا.

 

أما الاهتمام بالنظافة العامة فإنها تكون بإزالة الأذى عن الطرق المشتركة بين المسلمين ، ويشمل ذلك إزالة الأذى الناتج عن تقصير بعض المسلمين بوضع الأذى في طرق المسلمين ، وغير ذلك كبروز أغصان الشجر بشكل يؤذي المارة . ومما جاء في الترغيب في إزالة هذا الأذى ما أخرجه الشيخان رحمهما الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخَّره فشكر الله له فغفر له " .

 

وفي رواية لمسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن شجرة كانت تؤذي المسلمين فجاء رجل فقطعها فدخل الجنة " .

 

وفي رواية أخرى لمسلم من حديث أبي برزة رضي الله عنه قال : قلت: يانبي الله علمني شيئا انتفع به ، قال : " اعزل الأذى عن طريق المسلمين". (صحيح البخاري ، رقم 652 ، كتاب الأذان (2/139) ، صحيح مسلم ، رقم 2617/127 ، 2618/131 ، كتاب البر ، (ص2021)).

 

ومن هذه الأحاديث يتبين لنا أهمية القيام بخدمة المسلمين بوجه عام ، التي تتمثل بتنظيف طرق المسلمين وإزالة الأذى منها ، حيث اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من شُعَب الإيمان ، وأنه سبب لمغفرة الذنوب والظفر بنعيم الجنة .

 

وعلى هذا فإن المجتمع المطبِّق لتوجيهات الإسلام تكون دياره نظيفة طيبة المنظر من غير أن تخصِّص الدولة هيئة لتنظيف الطرق العامة ، ومهما بلغت الهيئة المخصصة من الإخلاص والمقدرة فلن تبلغ مقدرة أفراد الأمة بكاملها إذا تطوع العدد الكافي منهم لأداء هذه المهمة ، لأن هؤلاء المتطوعين سيكونون أكثر بكثير من أي هيئة مكلفة ، ولأن العمل الذي يتم نتيجة استجابة لنداء الإيمان ابتغاء ما عند الله تعالى يكون أكثر إخلاصا وأعظم بذلا من العمل الذي يخضع لرقابة البشر، ولأن الذين يجعلون من أنفسهم مصدرًا لوجود الأذى في طرق المسلمين سيرتدعون عن ذلك إذا علموا أن طائفة من المسلمين قد تطوعوا لتصحيح أخطائهم .

 

إن المؤمن الحق المأمور بتنظيف بلاده لايتصور منه أن يكون مصدرا لقذارتها ، ولكن ليس جميع المسلمين مطبقين لإسلامهم في هذا المجال ، فيبقى من مسؤولية المستقيمين على دينهم من أقوياء الإيمان أن يرتُقوا عيوب إخوانهم الذين لم يصلوا إلى درجتهم في الاستقامة والإيمان .

 

وإن أي دولة في العالم مهما كانت إمكاناتها لاتستطيع أن تجند جميع شعبها في تنظيف بلادها، لكن الإسلام يجند معتنقيه جميعا ليسهموا في تنظيف بلادهم بأجر يتقاضونه في الآخرة، وهو أعظم من الدنيا ومافيها .

 

ومن هنا نعلم أن المجتمع الإسلامي لايوازيه ولايقاربه أي مجتمع آخر في جميع الفضائل ، ومن ذلك القيام بالخدمات العامة ، وإن بقاء المجتمع الإسلامي مشابهًا للمجتمعات العالمية في هذا المجال دليل على تخلفه في تطبيق الإسلام،فكيف إذا كان أقل من المجتمعات الأخرى في هذا الأمر؟!

*          *         *

- توجيهات ومواقف أخلاقية –

- مواقف في الصبر –

من مواقف عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه :

من ذلك ماذكر الإمام الذهبي من طريق ضرار بن عمرو عن أبي رافع قال : وجَّه عمر جيشًا إلى الروم فأسروا عبد الله بن حذافة فذهبوا به إلى ملكهم ، فقالوا : إن هذا من أصحاب محمد ، فقال: هل لك في أن تتنصَّر وأعطيك نصف ملكي ؟ قال: لو أعطيتني جميع ماتملك وجميع ملك العرب مارجعت عن دين محمد طرفة عين ، قال: إذًا أقتلك ، قال : أنت وذاك ، فأمر به فصُلب، وقال للرماة ، ارموه قريبًا من بدنه ، وهو يعرض عليه ويأبى ، فأنزله ودعا بِقِدْر فصُّبَّ فيه ماء حتى احترقت ، ودعا بأسيرين من المسلمين ، فأمر بأحدهما فأُلقي فيها وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى ، ثم بكى فقيل للملكَ : إنه بكى ، فظن أنه قد جزع ، فقال : ردُّوه ، ما أبكاك ؟ قال قلت : هي نفس واحدة تُلقَى الساعة فتذهب ، فكنت اشتهي أن يكون بعدد شعري أنفس تُلقَى في النار في الله ، فقال له الطاغية : هل لك أن تقبِّل رأسي وأخلِّي عنك ، فقال له عبد الله : وعن جميع الأسارى ؟ قال : نعم ، فقبَّل رأسه ، وقدم بالأسارى على عمر ، فأخبره خبره ، فقال عمر : حقٌّ على كل مسلم أن يقبِّل رأس ابن حذافة ، وأنا أبدأ فقبَّل رأسه .

 

وفي رواية أخرى ذكرها الذهبي من طريق الوليد بن مسلم قال حدثنا أبو عمرو ومالك بن أنس : أن أهل قيسارية أسروا ابن حذافة فأمر به ملكهم ، فَجُرِّب بأشياء صبر عليها ، ثم جعلوا له في بيت معه الخمر ولحم الخنزير ثلاثا لايأكل ، فاطَّلعوا عليه فقالوا للملك : قد انثنى عنقه فإن أخرجته وإلا مات ، فأخرجه وقال : مامنعك أن تأكل وتشرب ؟ قال : أما إن الضرورة كانت قد أحلتها ، ولكن كرهت أن أشمتك بالإسلام. (سير أعلام النبلاء 2/14).

 

وذكر هذا الخبر الحافظ ابن حجر في الإصابة من طريق ضرار بن عمرو عن أبي رافع ونسبه للبيهقي ثم قال : وأخرج ابن عساكر لهذه القصة شاهدًا من حديث ابن عباس موصولا. (الإصابة 2/288 رقم 4622).

 

ونجد في هذا الخبر حرص ملك الروم على أسر رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ليتوصل بطريق الترغيب أو الترهيب إلى تحويله عن دين الإسلام ، ولو حصل له ذلك لكان نصرًا له يعوض به بعض خسارة الروم الكبرى في حروبهم مع المسلمين ، ولكان دافعا لرفع معنوية جيش الروم المنهارة .

 

وهكذا نجد أعداء الإسلام من قديم الزمن يرون أن ظفرهم بتحويل المسلمين عن دينهم يعدُّ أعظم انتصار لهم .

 

ولئن فشلوا في حصولهم على ذلك في عهد الصحابة رضي الله عنهم فلقد نجحوا بعد ذلك كثيرًا في هذا المجال .

 

فلما ظفر الروم بعبد الله بن حذافة جاؤوا يبشرون ملكهم بهذا الظفر على أساس أن ذلك أول مراحل الانتصار .

 

وبدأ ملك الروم مع ابن حذافة في مرحلة الفتنة بالترغيب فقال له : هل لك في أن تنصَّر وأعطيك نصف ملكي ؟

 

وهذا عرض سخي كبير تُصغي إليه النفوس المجبولة على حب المال والجاه ، وقد صدر من رجل يملك التصرف ، وتحت يده ممالك النصف الغربي من الأرض إلى رجل لايملك من الدنيا إلا ما يبلِّغه إلى الآخرة ، فماذا كان جواب ابن حذافة ؟

 

لقد كان جوابَ الرجل الواثق بدينه الذي يؤمن بأن ماعند الله تعالى خير وأبقى حيث قال: لو أعطيتني جميع ماتملك وجميع ملك العرب مارجعت عن دين محمد طرفة عين .

 

وهذا دليل على ما كان يتصف به الصحابة رضي الله عنهم من قوة الإيمان والثبات عند الشدائد ، وهذا الموقف وأمثاله يصور لنا أنهم كانوا يعدُّون الدين أغلى جوهر يملكونه ، فهم لايفرطون فيه ولايبيعونه بأي ثمن .

 

وإنها لمساومة خاسرة يقوم بها ملك الروم لينـزع بها كرامة المسلم وبهاءه في هذه الحياة الدنيا مقابل عَرَضٍ زائل ، وهذا العَرْضُ وإن كان في نظر أبناء الدنيا سخيا فإنه في نظر أبناء الخلود شيء تافه حقير .

ولقد وُفِّق ابن حذافة حينما أجابه بتحقير دنياه التي يعتز بها ببيان أن مُلْك الدنيا لايعادل الانخلاع من هذا الدين العظيم طرفة عين .

 

ويخرج ابن حذافة من فتنة الترغيب كالذهب الخالص ، ويدخل في فتنة الترهيب حيث يقول له ملك الروم : إذًا أقتلك ، قال : أنت وذاك ، فأمر به فصُلب ، وقال للرماة : ارموه قريبا من بدنه ، وهو يعرض عليه ويأبى .

 

إنه يبيع نفسه رخيصة في سبيل الإبقاء على هذا الدين العظيم .

 

إن الإنسان حينما ينخلع من دين الإسلام يكون كائنًا حيا لاقيمة له في الحياة ، لأنه يكون قد فقد كرامته الإنسانية ، وإنما تكون الكرامة بهذا الجوهر النفيس الذي به يصل إلى الهدف الأعلى الذي خُلق من أجله ، وهو ابتغاء رضوان الله تعالى والسعادة في دار الخلود .

 

ويمعن ملك الروم في تخويفه حيث يُلقِي في القدر الذي يغلي رجلا من المسلمين فإذا هو عظام تلوح كما جاء في بعض الروايات ، ولكن ابن حذافة يمعن في تبكيت ملك الروم والتأكيد على احتقار هذه الدنيا التي من أجلها يتنافس التائهون عن الهداية ، ولقد تشكَّل هذا المعنى السامي بصورة قطرات من الدمع تَهْمِي من عيني ذلك الرجل العظيم .

 

ويظن ملك الروم وقومه ، - لفرط تعلقهم بالدنيا ومتاعها – أن تلك الدموع تحكي نوعا من الانجذاب نحو حب البقاء الذي سيكون ثمنا لخلع ذلك الجوهر السامي ، وإذا بهم يفاجؤون بما يذهلهم ويُذلُّهم .

 

إن ابن حذافة يبكي لأنه لايملك إلا نفسًا واحدة يحوز بها أجر الشهيد عند الله تعالى ، ومن أجل مارسخ في قلبه من تصور ماأعده الله تعالى للشهداء فإنه يبكي على كونه لايملك أنفسا بعدد شعره لينال الشهادة بهذا العدد الكبير .

 

وهنا شعر ملك الروم بتحطُّم معنويته وكبريائه وقلة شأنه أمام هذا العملاق الضخم ، فأراد أن يستردَّ شيئًا من ذلك المجد الوهمي المحطَّم فقال لابن حذافة:هل لك أن تقبِّل رأسي وأخلِّي عنك؟

 

وما أن لامس مسامع ابن حذافة نبأ الفكاك من الأسر حتى تذكَّر إخوانه من أسارى المسلمين حالاً فقال: وعن جميع الأسارى ؟ قال: نعم ، فقبَّل رأسه .

 

إنه من جيل عظيم قد بلغ آفاق السمو الأخلاقي فهو لايعيش لنفسه ، وإنما يعيش لإخوانه، فلذلك تذكَّرهم وشرط فكَّ أسرهم معه .

 

ولكن هل هذه القُبلة تحمل معنى التعظيم والإجلال ؟

 

لا ، إنها جاءت عقب ذلك الانتصار العظيم .. انتصار المبادئ الإلهية السامية التي يمثلها أزكى العناصر البشرية على المبادئ الأرضية الواهية التي يمثلها التائهون الغاوون .

 

إنها قبلة تحمل معنى مداراة أهل الباطل لاستخلاص حق المسلمين منهم من غير مداهنة تتضمن التفريط فيما يجب لله تعالى .

 

ولقد أكبر عمر رضي الله عنه هذا السلوك الرفيع من ابن حذافة فقال هذه المقالة العظيمة "حق على كل مسلم أن يقبِّل راس ابن حذافة وأنا أبدأ " فقبَّل رأسه .

 

وهي إشادة عظيمة من رجل كبير القدر في نفوس المسلمين لعمل جليل يستحق كل عناية واهتمام .

 

وماحدث من أمير المؤمنين عمر يُعدُّ إقرارًا منه ومن علماء الصحابة رضي الله عنهم بما جرى من ابن حذافة من مداراة عظيم الروم أخيرًا لاستنقاذ عدد من أسرى المسلمين .

 

وهو موقف لايحمل أي معنى لِذِّلة بعدما سبقه من المظاهر العالية للتمسك بالإسلام وإظهار عزته وجلاله .

 

ونخلص إلى المشهد الآخر الذي صورته لنا إضافة الرواية الثانية حيث صبر ابن حذافة على الجوع والعطش ثلاثة أيام ولم يمد يده إلى ماحرمه الله تعالى عليه ، رغم علمه بأن ذلك مباح للمضطر ، كراهة أن يُدخل السرور على ملك الروم فيؤدي ذلك إلى شماتته بالإسلام .

 

ونصل من ذلك إلى استهانة أولئك الأفذاذ بأجسامهم في مقابل الحفاظ على المعاني النبيلة التي خلدها في أذهانهم الإسلام .

*          *          *

- مواقف دعوية من السيرة النبوية –

- انتصار رسول الله صلى الله عليه وسلم للمظلومين –

( خبر الإراشى والزبيدي )

لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدرك أهمية إقرار العدالة في الأرض والانتصار للمظلومين ، فإنه كان يسارع إلى نجدة المظلومين وإنصافهم من ظالميهم لأنه يعلم أن ذلك يعدُّ من معالم تطبيق الإسلام  في الأرض ، وأن ذلك من أهم أسباب انجذاب الناس لفهم الإسلام والإيمان به .

 

ومن الأمثلة الرائعة لقيام النبي صلى الله عليه وسلم بإنصاف المظلومين وإن كانوا غير مسلمين ما أخرجه ابن إسحاق رحمه الله قال : حدثني عبد الملك بن عبد الله ابن أبي سفيان الثقفي ، وكان واعية ، قال: قدم رجل من إراش [قال ابن هشام : ويقال : إراشة] بإبل له مكة ، فابتاعها منه أبو جهل ، فمطله بأثمانها .

 

فأقبل الإراشي حتى وقف على ناد من قريش ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ناحية المسجد جالس ، فقال: يامعشر قريش ، من رجل يؤديني [يعينني وينصفني وكأنه مأخوذ من الأداة التي يتوصل بها الإنسان إلى مايريد] على أبي الحكم بن هشام ، فإني رجل غريب ، ابن سبيل ، وقد غلبني على حقي ؟ قال: فقال له أهل ذلك المجلس : أترى ذلك الرجل الجالس – لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يهزؤون به ؛ لما يعلمون بينه وبين أبي جهل من العداوة – اذهب إليه فإنه يؤديك عليه .

 

فأقبل الإراشي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ياعبد الله ، إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حق لي قِبَلَهُ ، وأنا رجل غريب ابن سبيل ، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤديني عليه يأخذ لي حقي منه فأشاروا لي إليك فخذ لي حقي منه يرحمك الله ، قال: انطلق إليه ، وقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم : اتبعه ، فانظر ماذا يصنع .

 

قال : وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فضرب عليه بابه فقال : من هذا ؟ قال: محمد ، فاخرج إليّ ، فخرج إليه ، وما في وجهه من رائحة [قال السهيلي : أي بقية من روح]، قد انتقع لونه ، فقال: أعط هذا الرجل حقه، قال: نعم ، لاتبرح حتى أعطيه الذي له ، قال: فدخل ، فخرج إليه بحقه فدفعه إليه .

 

قال: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال للإراشي : الحق بشأنك ، فأقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال : جزاه الله خيرًا فقد والله أخذ لي حقي .

 

قال : وجاء الرجل الذي بعثوا معه ، فقالوا : ويحك ماذا رأيت ؟ قال: عجبًا من العجب، والله ماهو إلا أن ضرب عليه بابه ، فخرج إليه وما معه روحه ، فقال: أعط هذا حقه ، فقال: نعم لايبرح حتى أخرج إليه حقه ، فدخل فخرج إليه بحقه ، فأعطاه إياه .

 

قال :ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء ، فقالوا له : ويلك ! مالك ؟ والله مارأينا مثل ماصنعت قط ! قال: وَيْحَكُم ! والله ماهو إلا أن ضرب علي بابي ، وسمعت صوته فملئت رعبًا ، ثم خرجت إليه ، وإن فوق رأسه لفحلاً من الإبل ، مارأيت مثل هامته ولاقَصَرته [الهامة : الرأس ، والقصرة : أصل العنق] ولا أنيابه لفحل قط ، والله لو أبيت لأكلني.( سيرة ابن هشام 1/410 ، وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني من طريق ابن إسحاق وذكر نحوه – دلائل النبوة لأبي نعيم /67 – وكذلك أخرجه البيهقي من هذا الطريق – دلائل النبوة للبيهقي 2/193 - .).

 

فهذا الخبر يحكي صورة من سلوك أهل الجاهلية في ظلم المستضعفين ومطلهم حقوقهم ، وهذا السلوك المنحرف ناتج عن خواء العقل من الورع الديني الذي يترتب على الخوف من الله تعالى ورجاء ماعنده .

 

فالكفار خاوية قلوبهم من هذه العقيدة لأنهم لايؤمنون بالله تعالى واليوم الآخر ، وإنما يؤمنون بالحياة الدنيا ، ويعتمدون في سلوكهم على نظرة المجتمع بما فيها من قوة وضعف ، فيخضعون للأقوياء ، ويوفونهم حقوقهم كاملة ، ويهضمون حقوق الضعفاء لعدم مقدرة الضعفاء على الانتقام منهم .

 

ولذلك رأينا في هذا الخبر أبا جهل يشتري الإبل من ذلك الأعرابي ولايوفيه أثمانها ، لعلمه بضعفه وعدم مقدرته على استخلاص حقه منه .

 

ونجد في هذا الخبر صورة أخرى من صور الجاهلية حيث اغتنم أولئك الكفار شكوى ذلك الأعرابي ليتخذوا منها مادة للسخرية من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإحراجه ، حيث أشاروا على الأعرابي بشكوى أبي جهل إليه صلى الله عليه وسلم ، وهم يعلمون عداوة أبي جهل الشديدة لـه ، وما يتصف به أبو جهل من العنف والحقد الدفين ، فأرادوا بهذه المشورة أن يوقعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد حرجين: إما أن يعتذر من الأعرابي وذلك إضعاف لموقفه في دعوته ، حيث لايسارع إلى نصرة المظلومين وهو الذي يدعو إلى ذلك ، وإما أن ينهض مع الأعرابي ثم يتلقى الرد القاسي والمعاملة العنيفة من أبي جهل ، وكلاهما أمر شاق على النفس ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يبالي بما يواجهه في سبيل دعوته، فلذلك نهض مع ذلك الأعرابي وانتصر له .

 

وفي مقابل ذلك نجد صورتين من السلوك الإسلامي :

الأولى : في اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بتحدي المشركين وتفويت الفرص التي يحاولون بها أن يكيدوا للإسلام ودعاته ، فإن أولئك المشركين قد اغتنموا فرصة شكوى ذلك الأعرابي من أبي جهل لإحراج النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكنه فَوَّت عليهم هذه الفرصة ، وكان إيجابيًّا في مقاومة مكيدتهم حيث سار مع ذلك الأعرابي وقضى له حقه ، ولاشك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم قصدهم من تحويل ذلك الأعرابي إليه ، إذ لو كانوا يريدون الشفاعة له لإنجاز حقه لأحالوه إلى زعماء قريش الذين يقدرهم أبو جهل ويخشى خلافهم .

 

وهكذا ينبغي للدعاة أن يبذلوا جهدهم في معرفة مكائد أعدائهم والحيلولة بينهم وبين تنفيذها حتى لايوهنوا موقفهم ويعزوا موقف أعدائهم .

 

والصورة الثانية : قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصر المظلومين ، حيث قام مع ذلك الرجل انتصارًا له ليأخذ له حقه من ظالمه وهذا دليل على أهمية هذا الموضوع لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام معه وهو رجل كافر، فكيف لو كان مسلمًا ؟ ولأن الذي ظلم ذلك الرجل هو أعدى أعداء الإسلام ، وهو أبو جهل، ومن المنتظر عادة أن يواجه النبي صلى الله عليه وسلم بالعبوس والشتائم ، ومع ذلك قام صلى الله عليه وسلم مع ذلك المظلوم حتى نصره وأخذ له حقه .

 

ويشبه هذا الخبر من ناحية وقوع أبي جهل في الظلم وقيام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالانتصار للمظلومين ما أخرجه أبو نعيم عن أبي يزيد المدني ، وأبي فرعة الباهلي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد معه رجال من أصحابه إذ أقبل رجل من زبيد يقول : يامعشر قريش كيف تدخل عليكم المادَّة أو يُجْلب إليك جَلَبٌ أو يحل تاجر بساحتكم وأنتم تظلمون من دخل عليكم في حرمكم ؟ يقف على الحلَق حَلْقة حَلْقة ، حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ومن ظَلمك ؟ فذكر أنه قد قدم بثلاثة أجمال كانت خير إبله فسامه أبو جهل ثُلثَ أثمانها ، ثم لم يَسُمْه بها لأجل أبي جهل أحد شيئًا ثم قال : فأكسد عليّ سلعتي وظلمني .

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأين جمالك ؟ قال: هي هذه بالحزوَّرة [اسم كان في مكة]، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام أصحابه فنظر إلى الجمال فرأى جِمالاً فُرْهًا فساوم الزبيدي حتى ألحقه برضاه ، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فباع جَملين منها بالثمن وأفضل بعيرًا باعه وأعطى أراملَ بني عبد المطلب ثمنه ، وأبو جهل جالس في ناحية السوق لايتكلم ثم أقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ياعمرو إياك أن تعود لمثل ماصنعت بهذا الإعرابي فترى مني ماتكره فجعل يقول : لا أعود يامحمد لا أعود يامحمد فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

وأقبل أمية بن خلف ومن حضر فقالوا : ذَلَلْت في يدي محمد فإما أن تكون تريد أن تتبعه وإما رُعْب دَخلك منه . فقال : لا أتبعه أبدًا إن الذي رأيت مني لمَا رأيت معه ، قد رأيت رجالاً عن يمينه وشماله معهم رماح يَشْرَعونها إليّ لو خالفته لكانت إياها – أي لأَتوْا على نَفْسي-. (سبل الهدى والرشاد 2/420).

 

فهذا الخبر يبين لنا صورة من الظلم في المعاملات التجارية في حياة العرب في الجاهلية ، حيث يقوم بعض الأكابر بالتسلط على المستضعفين من التجار فيكسِّدون تجارتهم بحكم مالَهم من جاه وسطوة في المجتمع .

 

فهذا الرجل الزبيدي يعرض إبله في سوق مكة فيسومها أبو جهل بثلث أثمانها ، ثم يتوقف الناس عن سومها مراعاة لأبي جهل أو خشية منه ، وهكذا يعمل أمثاله مع التجار الوافدين ، والويل للواحد من هؤلاء الأعراب إذا تعرض أولئك لسوم بضاعته ، فإنه – والحالة هذه – بين أمرين : إما أن يبيعهم بضاعته بثمن بخس ، وإما أن يضطر إلى إعادتها إلى مضارب قبيلته فيكون قد خسر سفرته تلك .

 

وهذا التصرف السيء يترتب عليه ضرر خاص بأصحاب البضائع المعروضة حيث تنـزل أثمانها وضرر عام بسوق ذلك البلد حيث سيحجم التجار عن عرض تجارتهم بذلك السوق ، وبهذا يكون أبو جهل قد ظلم التجار ، كما أنه قد ظلم أهل مكة حيث سيكون سببًا في حرمانهم من رواج البضائع في بلدهم .

 

والظاهر أن هذا التصرف ليس خاصًا بأبي جهل ، إذ يبعد أن يقره على ذلك كبار أهل مكة لو لم يكن لهم فائدة من السكوت عنه حيث يسكت عنهم إذا وقعوا في ظلم التجار الوافدين .

 

ولعل ذلك يفسر سكوت أهل السوق بمكة آنذاك حيث انساقوا وراء أبي جهل بتجاوزاته الظالمة إما رغبة أو رهبة .

 

ولكن ذلك الأعرابي لم يستسلم لذلك الظالم العنيف فأبى أن يبيعه إبله بذلك الثمن ، ولم يرجع بها ، بل قام باستنهاض همم أهل مكة لعلهم ينكرون ذلك الوضع الظالم ، وذكَّرهم بمصير بلدهم التجاري المشؤوم إذا لم يغيروا ذلك المنكر .

 

ولكنه في نداءاته المتكررة لم يجد قومًا يرتفعون بشهامتهم وشجاعتهم إلى تغيير المنكر ، بل وجد أقوامًا يعلو وجوه بعضهم العبوس والامتعاض من ذلك التصرف السيء مما يوحي بالإنكار الداخلي ، وهؤلاء هم الذين لايستفيدون من تلك التجاوزات التجارية ويخشون من ضررها على السوق ، وأقوامًا لم يرفعوا بذلك رأسًا ولم يبد على وجهوههم شيء من التاثر كما هو المعتاد في مثل ذلك المجتمع ، إما لكونهم مستفيدين من تلك التجاوزات أو لكونهم لايهتمون بأمور المجتمع، ولكن الجميع قد عقرت ألسنتهم وهيمن عليهم شعور ضاغط باحترام إرادة عمرو بن هشام السليط اللسان الذي يستطيع في نظرهم القاصر أن يوصل إليهم شيئًا من الضرر لو تعرضوا له .

 

ولكن هذا الأعرابي لم يخب أمله فواصل عرض الشكاية حتى مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه، فعرض عليه تلك المظلمة الفاقرة ، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم بشجاعته العالية وعدالته البالغة إلا أن هب مع ذلك المظلوم وقام بشراء تلك الإبل بالقيمة التي رضيها صاحبها ، وحذر أبا جهل من القيام باحتكار السوق مرة أخرى .

 

ولقد كان لهذا الموقف الكريم أثر في رفع الظلم عن ذلك الرجل وإنقاذ حقه الخاص ، كما أن له أثرًا في إنقاذ الحق العام ، وذلك بحماية سوق مكة التجاري من التعرض لنقص الموارد من البضائع الذي يترتب على تجاوزات أبي جهل وأمثاله من المحتكرين الظالمين .

 

هذا وإن أمثال أبي جهل يوجدون في بعض المجتمعات الإسلامية حيث يقيمون تجارتهم ومعاملاتهم على احتكار الأسواق واستغلال حاجة البائع والمشتري ، فإذا اشتروا خفضوا الثمن ، وإذا باعوا رفعوه .

 

وتتكرر الصورة نفسها ، حيث يحجم التجار عن الإنكار ويتقاعس أفراد المجتمع عن ذلك رغبة أو رهبة أو من باب عدم المبالاة وعدم الاهتمام بإصلاح المجتمع .

 

وإن انحدار المجتمع الإسلامي في باب التعامل إلى التشبه بأوضاع الجاهلية يعدُّ نذير سوء وبادرة شر .

هذا وإن ماجرى للنبي صلى الله عليه وسلم من معجزة بحماية الله إياه وحياطته بالملائكة عليهم السلام ليس هو المشجع الذي دفعه للقيام بهذا العمل النبيل في الخبرين السابقين ، لأنه لم يكن يعلم بحدوث ذلك إلا بعد وقوعه ، وإنما قام به لأنه عمل صالح يؤجر عليه،وإن ناله شيء من الأذى فإن أجره يضاعف.

 

وإن هذا السلوك العاليَ يعدُّ قدوة حسنة للمسلمين ليدركوا بأن لأخوانهم المسلمين عليهم حقوقًا لابد من أدائها ، ومن ذلك نصرة المظلوم ، ولقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحق في عدد من الأحاديث ، فمن ذلك قوله " المسلم أخو المسلم لايظلمه ولايخذله ولايحقره " أخرجه الإمام مسلم. (صحيح مسلم ، كتاب البر ، رقم 32).

 

فمن حق المسلم على أخيه بمقتضى هذه الأخوة أن لايتعدى عليه بالظلم ، وأن لايدعه فريسة لظالمه ، بل يجب عليه إذا قدر على مساعدته أن ينقذه من الظلم .

 

وما أكثر وقوع المسلمين المستضعفين تحت سطوة الجبارين الذين نهبوهم حقوقهم واعتدوا على أبشارهم وأعراضهم وأموالهم ، وما أقل من ينجد هؤلاء المظلومين ويمد لهم يد العون والنصرة!

 

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد انتصر لرجلين كافرين بحكم أنهما مظلومان فكيف يتخاذل المسلمون عن نصرة إخوانهم في الدين الذين يحاول الجبارون أن يهضموهم حقوقهم ، سواء كان هؤلاء الجبارون من أصحاب السلطة أو ممن وقعوا في الظلم في غياب حكم العدل والإنصاف ؟!

*          *          *

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 16:40:03


5 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8318617 عدد زيارات الموقع 63 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com