الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
سيرة المشرف
مؤلفات المشرف
ديـوانية المشـرف
الصـوتـيــــات
مقال الموقع
فتاوى الموقع
ملتقيات الخير
شبهات و ردود
مـقـالات مـخـتارة
المـعـهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
من فتاوى العلماء
ســيــر الصــحـابة
تراجم من علمائنا
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة د. عبدالعزيز الحميدي المتقون المتقون - العدد الواحد والعشرين

المتقون : العدد الواحد والعشرين

تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :

1 – قبسات من القرآن الكريم .

2 – قبسات من السنة النبوية .

3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .

4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .

- قبسات من القرآن الكريم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله تعالى (وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ{27} بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ{28})[الأنعام [27- 28] .

 

[27] يبين الله سبحانه مشهدا من مشاهد الكفار يوم القيامة حينما يشاهدون الأهوال فيُحبَسون على النار ويرون مافيها من السلاسل والأغلال والحرارة الشديدة ، فعند ذلك يقولون: ياليتنا نعاد إلى الحياة الدنيا فلا نكذب بآيات ربنا كما فعلنا في حياتنا الأولى ، بل نصدق بها ونعمل بمقتضاها ، وهكذا تظهر من المشركين حالة من الندم والحسرة مضادة لما كان منهم في الدنيا من الكبرياء والإصرار على معاداة الحق ومناصرة الباطل .

 

[28] فهل هم صادقون في طلب العودة إلى الدنيا ليعبدوا الله تعالى وحده ويعملوا بطاعته واجتناب معصيته ؟ لا ليس الأمر كذلك ، بل ظهر لهم يوم القيامة ماكانوا يخفونه في الدنيا مما يتعلق بمواجهة دعوة الإسلام ، ومن ذلك ماكانوا يعلمون في الدنيا من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما دعاهم إليه ، مما كانوا يخفونه عن أتباعهم حتى لايؤمنوا به ، ولو فرض أنهم أعيدوا إلى الحياة الدنيا فأمهلوا للعمل لرجعوا إلى ماسبق نهيهم عنه من الشرك والمعاصي ، لأنهم مغلوبون على أمرهم بأنفسهم الأمارة بالسوء، والخضوع لوساوس شياطين الإنس والجن ، وإنهم لكاذبون في قولهم : لو رددنا إلى الحياة الدنيا مرة أخرى فلن نكذب بآيات ربنا وسنكون من أهل الإيمان والاستقامة .

 

ويقول الله تعالى (وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ{29} وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ{30}) [الأنعام :29-30] .

 

[29] يذكر الله سبحانه صورة من جهل المشركين بسننه التي فطر الناس عليها، فهو –جل وعلا- الذي أوجد الحياة الدنيا والآخرة ، وجعل الدنيا دار عمل ، ومحدودة الأجل ، وجعل الآخرة دار جزاء وخلود ، وجعل ذلك الجزاء من نعيم أو عذاب هو الذي يميز المؤمنين بالغيب الموحدين لربهم المستقيمين على شريعته من الذين لايؤمنون إلا بالمشاهدة المشركين مع الله غيره من خلقه ، فهؤلاء المشركون لايؤمنون إلا بالحياة الدنيا، وينكرون البعث بعد الموت ، وهذا الجحود للجزاء الأخروي يقصر أنظار الناس على الحياة الدنيا ، فيتعلقون بعبادة المخلوقين ، ويأكل القوي منهم الضعيف ، ويبعث على انتشار الفساد في الأرض .

 

[30] ثم يخاطب الله – جل وعلا – رسوله صلى الله عليه وسلم ببيان أحوال المشركين الذين أنكروا البعث حينما يُحبَسون بين يدي الله – عز وجل – لحسابهم على كفرهم وأعمالهم السيئة فيسائلهم – سبحانه - : أليس هذا البعث الذي كنتم تنكرونه في الدنيا حقا ؟ (قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا) إنه لحق (قَالَ فَذُوقُواْ العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ)  أي فذوقوا العذاب الذي كنتم تكذبون به في الدنيا بسبب جحودكم بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ودينه .

 

ويقول الله تعالى (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ{31} وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ{32}) [الأنعام : 31 – 32].

 

[31] يخبرنا الله سبحانه عن الخسارة الفادحة التي وقع فيها الكفار الذين أنكروا البعث بعد الموت ، لقد غامروا بأنفسهم بهذا التكذيب ، فكانت النتيجة أنهم خسروا الآخرة حيث حرموا من نعيمها وباؤوا بجحيمها، وهم مستمرون في غيهم وانخداعهم بالدنيا حتى إذا قامت الساعة فوجئوا بأن ما أنكروه في الدنيا هو حق وواقع ، فندموا ونادوا على أنفسهم بالحسرة على ماضيعوه في حياتهم الدنيا ، وهم يحملون آثامهم على ظهورهم كما تحمل الدواب الأثقال ، ولكن الدواب توضَع عنها الأثقال فتستريح ،  أما أولئك الكفار فإن مصيرهم إلى النار ومكابدة عذابها الدائم ، ألا ما أسوء الأحمال الثقيلة التي حملوها .

 

[32] وما الحياة الدنيا إلا غرور وباطل بالنسبة لمن اغتر بها فجعلها غاية في نفسها وسخَّر عقله وفكره لتضخيم الثروة وكسب الجاه الدنيوي ، أما الذي يجعل الدنيا وسيلة إلى كسب السعادة في الآخرة ويعمرها بالعمل الصالح فإنها خير له وسعادة ، فإن العمل من أجل السعادة في الآخرة خير للذين يخشون ربهم فيتقون عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه ، وإذا كان الأمر كذلك أفلا تعقلون أيها الكفار المخدوعون بمظاهر الحياة الدنيا ، الجاعلوها غاية تسعون إليها ، اللاهون بها عن مصيركم الأبدي في الآخرة .. أفلا تدركون مصلحة أنفسكم فتقدِّمون مايبقى أثره في حياة الخلود على ما ينتهي أثره في حياة الفناء !!

 

ووصفُ الدنيا باللعب واللهو ليس توجيهًا إلى اطِّراح الدنيا وإهمالها ، بل إن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية توجه المسلمين إلى لزوم عمران الأرض بمختلف الوسائل والأسباب حتى تكون أمة الإسلام هي أعلى أمة في الأرض ، وإنما المقصود من الآية التحذير من الاغترار بالدنيا والاندفاع في العمل فيها من غير الالتزام بالتوازن بينها وبين الحياة الآخرة. ( ينظر كتاب " شمول العبادة " للمؤلف).

*         *         *

- قبسات من السنة النبوية –

الحث على الحب في الله –

لقد سبق لنا الكلام على خصلتين من الخصال الثلاث المذكورة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان " ، والآن نكمل الكلام على الخصلة الثانية وهي الحب في الله تعالى ونتحدث عن الخصلة الثالثة وهي أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار .

 

فمما جاء في فضل الحب في الله ما أخرجه الإمام أحمد رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم " أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله على مدرجته مَلكًا فقال له : أين تذهب ؟ قال : أزور أخًا لي في الله في قرية كذا وكذا ،قال:هل له عليك من نعمة تَربُّها؟ قال: لا ولكنني أحببته في الله عز وجل،قال:فإني رسول الله إليك أن الله قد أحبك كما أحببته فيه".( مسند أحمد 2/462).

 

فهذا الحديث يبين لنا عظمة المحبة في الله عنده تعالى ، وأنها سبب في تنـزُّل محبة الله جل وعلا لعباده .

 

فهذا الذي خرج من قريته لزيارة أخ له في قرية أخرى ولم يُخرجه إلا الحب في الله أرسل الله إليه مَلكًا يبشِّره بمحبة الله سبحانه له .

 

وإنها لبشارة عظيمة أن يظفر هذا العبد الضعيف بمحبة الله تعالى ، فما أقلَّ العمل وما أبلغ الجزاء !!

 

وكم تكون فرحة هذا الرجل غامرة وهو يتلقى هذه الرسالة من رب العالمين جل جلاله ! وأيُّ حَظوةٍ هذه التي نالها ! ولكن هل هي خاصة به ؟

 

لا إنها عامة لجميع المؤمنين الذين يقومون بزيارات لإخوانهم من أجل محبتهم في الله لا لأي غرض آخر ، ولذلك قص النبي صلى الله عليه وسلم هذه القصة ليعتبر بها المسلمون .

 

وفي فضل الزيارة في الله أخرج الحافظان البزار وأبو يعلى رحمهما الله من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما مِنْ عبدٍ مسلِم أتى أخاه يزوره في الله إلا ناداه منادٍ من السماء : أنْ طبتَ وطابت لك الجنة ، وإلا قال الله في ملكوت عرشه : عبدي زار فيَّ وعليَّ قِراه ، فلم يرض له بثواب دون الجنة " .

 

ذكره الحافظ الهيثمي وقال : رواه البزار وأبو يعلى ورجال أبي يعلى رجال الصحيح غير ميمون بن عجلان وهو ثقة. ( مجمع الزوائد 8/173).

 

ففي هذا الحديث ترغيب بالغ في تزاور المسلمين في الله تعالى ومن أجله ، فالذي يزور أخاه المسلم تستبشر به الملائكة عليهم السلام ، ويحكمون له بالطيبة والفلاح والمآل الكريم في الجنة، وهو وإن لم يسمع كلام الملائكة فإن في خبر المعصوم صلى الله عليه وسلم مايعطيه الطمأنينة والثقة بحصول ذلك.

 

وإضافةً إلى ذلك التكريم فإن الله جل جلاله يشكر لعبده ماقام به من هذا العمل الصالح ويَعدُه على ذلك بالظفر بالجنة ، وإنَّ المسلم حينما يتصور أن عملا صالحا يَعْقُبه رضوان الله تعالى وجنته واستبشار ملائكته فإنه يسارع إلى تنفيذه ويتحمس إلى المداومة عليه .

 

وفي فضل الحب في الله أخرج الحافظ أبو داود السجستاني رحمه الله من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أفضل الأعمال الحب في الله والبغض في الله". (سنن أبي داود ، رقم 4599 ، كتاب السنة ، باب 2(5/6)).

 

وقد عَدَّ النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الحب والبغض أعمالا لأنهما من أعمال القلوب .

 

وفي حديث آخر عَدَّ النبي صلى الله عليه وسلم المتحابين في الله من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لاظل إلا ظله ، وقد سبق الكلام على هذا الحديث .

 

وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الحب في الله والبغض في الله من دعائم الإيمان ، كما أخرج الحافظ أبو داود السجستاني رحمه الله من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أحب لله وأبغض لله ، وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان". ( سنن أبي داود ، رقم 4681 ، كتاب السنة ، باب 6(5/60)).

 

وأخرجه الحافظان أحمد والترمذي رحمهما الله من حديث معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه. ( مسند أحمد 3/440 ، سنن الترمذي ، رقم 2521 ، باب 60 (4/670)).

 

ولكن هل يكفي أن يحب المسلم أخاه المسلم في الله بقلبه أم أن هذا الحب لايكمل إلا بالشعور المتبادل بينهما في ذلك ؟ في هذا المعنى يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره أنه يحبه " أخرجه الحفاظ أحمد وأبو داود والترمذي رحمهم الله من حديث المقدام بن مَعْدِ يكَرِب رضي الله عنه. ( مسند أحمد 4/130 ، سنن أبي داود ، رقم 5124 ، كتاب الأدب ، باب 122(5/343) ، سنن الترمذي ، رقم 2502 ، كتاب الزهد ، باب 42 ، ( تحفة الأحوذي 7/71)).

 

وأخرج أيضًا الحافظ أبو داود السجستاني رحمه الله من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن رجلا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فمرَّ به رجل فقال : يارسول الله إني لأحب هذا ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أعْلَمْتَه ؟ قال : لا ، قال : أَعْلمه ، قال : فلحقه فقال : إني أحبك في الله ، فقال: أحبك الله الذي أحببتني له ". ( سنن أبي داود ، رقم 5125 ، كتاب الأدب ، باب 122 (5/344)).

 

فالحب القلبي يترتب عليه الأجر الأخروي ، ولكنه إذا لم يكن هناك إعلام به فإنه لاتترتب عليه النتائج السلوكية من الترابط والتآخي والموالاة والتكافل ، وبالتالي يكون ثواب الحب المُعْلَم به المتبادل بين المتحابين أعظمَ لما يترتب عليه من الأعمال الصالحة الأخرى .

 

أما الخصلة الثالثة فهي أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُلقَى في النار و وهذا يعني الخلاص التامَّ من أوضار الجاهلية ، وذلك بتجريد القلب من محبة مناهج الكفر وتقاليد أهله ، فإن من دخل في الإسلام واستسلم لأحكامه وآدابه ولكن بقي في قلبه شيء من الميل إلى الجاهلية فإنه لايجد حلاوة الإيمان في قلبه لأن قلبه لايزال متعلقا برواسب الجاهلية التي تَحوْلُ دون تمتُّعه بحلاوة الإيمان ، وكذلك من نشأ في الإسلام ولكنه لايجد في قلبه كراهية الكفر وأهله .

 

ولقد شبَّه النبي صلى الله عليه وسلم كراهية المؤمن للكفر بكراهية الإنسان أن يُلقَى في النار ، وفي هذا تشبيه للأمر المعنوي بالأمر الحسي لتقريب الموضوع إلى الأفهام ، فلابد من أجل أن يجد المسلم حلاوة الإيمان أن يشعر بكراهية الكفر والنفور منه كما يشعر بكراهية الوقوع في النار والنفور من ذلك .

 

وإذا بلغ الشعور إلى هذا الحد من القوة والحيوية فإنه يُؤّثِّر على سلوك صاحبه في هذه الحياة فيكون شديد النفور والاشمئزاز من المعاصي ، وعظيم الإقبال على الطاعات ومحبتها .

 

وفي الخصال الثلاث الواردة في الحديث إشارةٌ إلى وجوب تفريغ القلب لمحبة الله سبحانه ومحبة أوليائه ومحبة دينه ، فإنه لايمكن أن يجتمع في قلب واحد حب الله عز وجل وحب الأوثان، ولاحب المؤمنين وحب الكفار ، ولاحب دين الله تعالى وحب مناهج الكفار وتقاليدهم ، فإنْ خلَط المسلم بين هذه المتناقضات ولو بنسبة يسيرة فإنه لن يجد حلاوة الإيمان .

*          *         *

- توجيهات ومواقف أخلاقية –

- مواقف في الصبر –

من مواقف سلمان الفارسي رضي الله عنه :

ومن أمثلة الصبر على الشدائد ماجاء في خبر إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه ، وقد أخرج الإمام أحمد بن حنبل هذا الخبر من رواية محمود بن لبيد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني سلمان الفارسي حديثه من فيه قال: كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من أهل قرية منها يقال لها جَيّ وكان أبي دهقان قريته وكنت أحب خلق الله إليه فلم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيته- أي ملازم النار- كما تحبس الجارية ، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قاطن النار الذي يوقدها لايتركها تخبو ساعة ، قال : وكانت لأبي ضيعة عظيمة ، قال: فشغل في بنيان له يوما فقال لي : يابني إني قد شغلت في بنيان هذا اليوم عن ضيعتي فاذهب فاطلعها وأمرني فيها ببعض مايريد ، فخرجت أريد ضيعته فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته ، فلما مررت بهم وسمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر مايصنعون ، قال: فلما رأيتهم أعجبني صلاتهم ورغبت في أمرهم وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه فو الله ماتركتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي ولم آتها ، فقلت لهم : اين أصْل هذا الدين ؟ قالوا : بالشام .

 

قال : ثم رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله قال: فلما جئته قال: أي بني أين كنت ألم أكن عهدت إليك ماعهدت ؟ قال قلت: يا أبت مررت بناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني مارأيت من دينهم فو الله مازلت عندهم حتى غربت الشمس ، قال: أي بني ليس في ذلك الدين خير ، دينك ودين آبائك خير منه قال قلت : كلا والله إنه خير من ديننا قال: فخافني فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيته .

 

قال : وبعثتُ إلى النصارى فقلت لهم : إذا قدم عليكم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم قال: فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النصارى ، قال: فأخبروني بهم قال فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني بهم ، قال: فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم فألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام ، فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين ؟ قالوا : الأسقف في الكنيسة ، قال: فجئته فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأصلي معك ، قال: فادخل فدخلت معه قال : فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا إليه منها أشياء اكتنـزه لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورِق [الورق بكسر الراء الفضة]، قال : وأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع ، ثم مات فاجتمعتْ إليه النصارى ليدفنوه فقلت لهم : إنَّ هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها اكتنـزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا ، قالوا : وماعلمك بذلك ؟ قال قلت : أنا أدلكم على كنـزه قالوا : فدلنا عليه ، قال: فأريتهم موضعه قال : فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وورِقا ، قال: فلما رأوها قالوا: والله لاندفنه أبدا فصلبوه ثم رجموه بالحجارة ثم جاؤوا برجل آخر فجعلوه بمكانه .

 

قال يقول سلمان فما رأيت رجلا لايصلي الخمس أرى أنه أفضل منه ولا أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلا ونهارا منه [قوله " لايصلي الخمس " أي ليس من المسلمين]. قال : فأحببته حبا لم أحبه مَنْ قبله وأقمت معه زمانا ثم حضرتْه الوفاة فقلت له يافلان إني كنت معك وأحببتك حبا لم أحبه من قبلك وقد حضرك ماترى من أمر الله فإلى من توصي بي وما تأمرني ؟ قال أي بني والله ما أعلم أحدا اليوم على ماكنت عليه ، لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ماكانوا عليه إلا رجلا بالموصل وهو فلان فهو على ماكنت عليه فالْحق به .

 

قال: فلما مات وغيِّب لحقت بصاحب الموصل فقلت له : يافلان إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك وأخبرني أنك على أمره ، قال فقال لي : أقم عندي فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث أن مات فلما حضرته الوفاة قلت له : يافلان إن فلانًا أوصى بي إليك وأمرني باللحوق بك وقد حضرك من الله عز وجل ماترى فإلى من توصي بي وما تأمرني ؟ قال: أي بني والله ما أعلم رجلا على مثل ماكنا إلا رجلا بنصيبين وهو فلان فالْحق به .

 

قال : فلما مات وغُيِّب لحقت بصاحب نصيبين فجئته فأخبرته بخبري وما أمرني به صاحب، قال: فأقم عندي فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه فأقمت مع خير رجل فو الله مالبثت أن نزل به الموت ، فلما حُضِر قلت له : يافلان إن فلانًا كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي وماتأمرني ؟ قال: أي بني والله مانعلم أحدًا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلاً بعمورية فإنه بمثل مانحن عليه فإن أحببت فأته قال: فإنه على أمرنا .

 

قال: فلما مات وغُيِّب لحقت بصاحب عمورية وأخبرته خبري فقال: أقم عندي فأقمت مع رجل على هدي أصحابه وأمرهم ، قال: واكتسبت حتى كان لي بقرات وغُنَيمة ، قال: ثم نزل به أمر الله فلما حُضِر قلت له : يافلان إني كنت مع فلان فأوصى بي فلان إلى فلان وأوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي وماتأمرني ؟ قال: أي بني والله ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه ولكنه قد أظلَّك زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجرا إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لاتخفى، يأكل الهدية ولايأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوّة فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل .

 

قال : ثم مات وغُيِّب فمكثت بعمورية ماشاء الله أن أمكث ، ثم مر بي نفر من كلب تجارا فقلت لهم تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه ؟ قالوا : نعم فأعطيتهموها وحملوني حتى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل من يهود عبدا فكنت عنده ورأيت النخل ورجوت أن تكون البلد الذي وصف لي صاحبي ، ولم يخف لي في نفسي ، فبينما أنا عنده قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة فوالله  ماهو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي ، فأقمت بها وبعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق ، ثم هاجر إلى المدينة فو الله إني لفي رأس عذق لسيدي أعمل فيه بعض العمل وسيدي جالس إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال: يافلان قاتل الله بني قيلة والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي ، قال: فلما سمعتها أخذتني العرواء [أي الرعدة الشديدة] حتى ظننت سأسقط على سيدي ، قال: ونزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك ماذا تقول ماذا تقول ؟ قال: فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة ثم قال : مالك ولهذا أقبل على عملك ، قال قلت : لاشيء إنما أردت أن استثبت عن ما قال .

 

وقد كان عندي شيء قد جمعته فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء فدخلت عليه فقلت له : إني قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة هذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم ، قال: فقربته إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : كلوا وأمسك يده فلم يأكل ، قال فقلت في نفسي : هذه واحدة .

 

ثم انصرفت عنه فجمعت شيئًا وتحوّل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم جئت به فقلت : إني رأيتك لاتأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها قال: فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال فقلت في نفسي : هاتان اثنتان .

 

قال : ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد ، وقد تبع جنازة من أصحابه عليه شملتان له وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ، ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي ، قال: فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فانكببت عليه أقبِّله وأبكي ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : تحوَّل فتحوّلت فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس ، قال : فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمع ذلك أصحابه .

 

ثم شغل سلمانَ الرقُّ حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد ، قال ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : كاتبْ ياسلمان فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أُحييها له بالفقير [الفقير الحفرة التي تحفر للنخلة كي تغرس فيها] وبأربعين أوقية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أعينوا أخاكم فأعانوني بالنخل ، الرجل بثلاثين وَديَّة [الوديَّة الفسيلة] والرجل بعشرين والرجل بخمس عشرة والرجل بعشر ، يعين الرجل بقدر ماعنده حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : اذهب ياسلمان ففقِّر لها [أي احفر لها في الأرض] فإذا فرغت فائتني فأكون أنا أضعها بيدي، ففقَّرت لها وأعانني أصحابي حتى إذا فرغت منها جئته فأخبرته ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معي إليها فجعلنا نقرب لـه الوديَّ ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فو الذي نفس سلمان بيده ماماتت منها ودية واحدة ، فأدَّيت النخل وبقي عليَّ المال فأُتِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المغازي ، فقال : مافعل الفارسي المكاتَب ؟ قال: فدُعيت له فقال: خذ هذه فأدِّ بها ماعليك ياسلمان ، فقلت : وأين تقع هذه يارسول الله مما عليّ ؟ قال: خذها فإن الله عز وجل سيؤدِّي بها عنك ، قال: فأخذتها فوزنت لهم منها والذي نفس سلمان بيده اربعين أوقية ، فأوفيتهم حقهم وعتقت وشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق ثم لم يفتني معه مشهد . (مسند أحمد 5/441 – 444 . وذكره الحافظ الهيثمي وقال : رواه أحمد كله والطبراني في الكبير بنحوه بأسانيد ، وإسناد الرواية الأولى عند أحمد والطبراني رجالها رجال الصحيح غير محمد بن إسحاق وقد صرح بالسماع ، والرواية الثانية انفرد بها أحمد ورجالها رجال الصحيح غير عمرو بن أبي قرة وهو ثقة – مجمع الزوائد 9/336 - .).

 

وهذه القصة تبين لنا ماكان يتصف به سلمان رضي الله عنه من الصبر الطويل على المشاقِّ الجَمَّة والصعاب المتواصلة من أجل الوصول إلى الدين الحق ، وإن في قصته لعبرة لأولي الألباب الذين ينظرون بعين الاعتبار لمستقبلهم الأخروي فيسخِّرون له حياتهم الدنيا ، فقد صبر على حبس أبيه وقيْده أوَّلاً ، ثم صبر على السفر والتنقل من عابد إلى عابد حتى دلَّه العابد الأخير على الطريق الثابت الذي لايزول بزوال عبَّاده وعلمائه .

 

فلما عرف أن الطريق المستقيم في أن يبحث عن هذا النبي المنتظر فيؤمن به ويتبعه ، ضحى بماله وراحته من أجل الوصول إليه ، وتحمل الرِّقَّ صابرا محتسبا مادام أنه سيبلغه إلى هدفه المنشود.

 

ونجد في هذه القصة عناية الله تعالى بسلمان حيث قاده توفيق الله تعالى من مرحلة إلى أخرى حتى بلغ أرض الهجرة النبوية ، فاطمأن بها منتظرًا قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

ومن خلال هذا الخبر يتبين لنا شيء من علامات النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة في الكتب السابقة وهي أنه يأكل الهدية ولايأكل الصدقة ، وأن بين كتفيه خاتم النبوة ، وأنه يبعث في مكة ويهاجر إلى المدينة ، وأن أهل الكتاب كانوا يعرفون زمن بعثته على التقريب لما جاء في الخبر من قول الراهب لسلمان " قد أظلَّك زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم " .

 

وقد كان ذلك كافيا لدفع اليهود والنصارى إلى أن يكونوا أول من يؤمن به ، ولكنهم مع ذلك عادوه اتباعا للهوى وقاتلوه ، إلا القليل ممن دخل في الإسلام منهم كسلمان الفارسي وعبدالله بن سلام رضي الله عنهما.

*          *         *

- مواقف دعوية من السيرة النبوية –

- مثل من الصبر على الشدائد –

( حصار الشعب )

لقد غاظ المشركين إسلام بعض أشراف مكة وزعمائها خاصة حينما أسلم حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما حيث امتنع بهم المسلمون وعز بهم الإسلام ، فأقدم المشركون على أسوء وأخطر محاولة فكروا فيها وهي القضاء على حياة النبي صلى الله عليه وسلم واجتمع أمرهم على ذلك.

 

وكان من أثر ذلك أن قام أبو طالب بتأكيد حماية النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمر بني عبد المطلب بالقيام بذلك داخل شعبهم المسمى شعب أبي طالب ، ودخل معهم في هذه الحماية بقية بني هاشم وبني المطلب مسلمهم وكافرهم ، فلما رأى المشركون ذلك قاموا بمقاطعتهم اقتصاديًّا واجتماعيًّا .

 

وقد أخرج الخبر في تفاصيل ذلك الإمام البيهقي من طريقين عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري قال : " ثم إن المشركين اشتدوا على المسلمين كأشد ما كانوا حتى بلغ المسلمين الجهدُ ، واشتد عليهم البلاء ، واجتمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علانية .

 

فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بني عبد المطلب وأمرهم أن يُدْخلوا رسول الله شعْبَهم ، ويمنعوه ممن أراد قتله ، فاجتمعوا على ذلك مسلمهم وكافرهم ، فمنهم من فعله حمية ، ومنهم من فعله إيمانًا ويقينًا .

 

فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمعوا على ذلك ، اجتمع المشركون من قريش فأجمعوا أمرهم أن لايجالسوهم ولايبايعوهم ولايَدخُلوا بيوتهم حتى يُسلِموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل ، وكتبوا في مكرهم صحيفة وعهودًا ومواثيق أن لايقبلوا من بني هاشم أبدًا صلحًا ولاتأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل .

 

فلبث بنو هاشم في شعبهم يعني ثلاث سنين [وكان خروجهم من الشعب في السنة العاشرة كما جاء في إحدى روايات ابن سعد – طبقات ابن سعد 1/210فيكون دخولهم في العام السابع] واشتد عليهم البلاء والجهد وقطعوا عنهم الأسواق فلا يتركون طعامًا يَقْدمُ مكة ولابيعًا إلا بادروهم إليه فاشتروه يريدون بذلك أن يدركوا سفكَ دمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

وكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد مكرًا به واغتياله ، فإذا نوّم الناس أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه .

 

فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بني عبد مناف ومن بني قصي ، ورجال سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من بني هاشم ، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم واستخفوا بالحق ، واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ماتعاهدوا عليه من الغدر والبراءة منه ، وبعث الله عز وجل على صحيفتهم التي المكْرُ فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم الأَرَضَة فلحست كل ماكان فيها من عهد وميثاق .

 

ويقال كانت معلقة في سقف البيت ، ولم تترك اسمًا لله عز وجل فيها إلا لحسته ، وبقي ماكان فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم ، وأطلع الله – عز وجل – رسوله على الذي صنع بصحيفتهم ، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب .

 

فقال أبو طالب : لا والثواقب ماكذبني ، فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطلب حتى أتى المسجد ، وهو حافل من قريش فلما رأوهم عامدين لجماعتهم أنكروا ذلك ، وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء فأتوا ليعطوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

فتكلم أبو طالب فقال : قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم فأتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح ، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها ، فأتوا بصحيفتهم معجبين بها لايشكُّون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفوع إليهم ، فوضعوها بينهم وقالوا : قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم ، فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد جعلتموه خطرًا لهلكة قومكم وعشيرتكم وفسادهم .

 

فقال أبو طالب : إنما أتيتكم لأعطيكم أمرًا لكم فيه نَصَفٌ ، إن ابن أخي قد أخبرني ولم يكذبني : أن الله عز وجل بَرئَ من هذه الصحيفة التي في أيديكم ومحا كلَّ اسم هو له فيها ، وترك فيها غدركم وقطيعتكم إيانا وتظاهركم علينا بالظلم [ورد في رواية ابن هشام عكس ذلك وهو أن الأرضة أكلت الصحيفة ماعدا " باسمك اللهم " سيرة ابن هشام 1/395 – ولكن ذكر الإمام الزرقاني أن الرواية الأولى أثبت وهي رواية موسى بن عقبة وعروة بن الزبير – شرح المواهب اللدنية 1/290 - .]، فإن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فأفيقوا ، فو الله لا نسلمه أبدًا حتى نموت من عند آخرنا ، وإن كان الذي قال باطلاً دفعناه إليكم فقتلتم أو استحييتم .

 

قالوا : قد رضينا بالذي يقول ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب قالوا : والله إن كان هذا قط إلا سحرًا من صاحبكم ! فارتكسوا وعادوا بشرِّ ماكانوا عليه من كفرهم والشدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين رهطه ، والقيام بما تعاهدوا عليه .

 

فقال أولئك النفر من بني عبد المطلب : إن أَوْلَى بالكذب والسحر غيرنا فكيف ترون؟ فإنا نعلم أن الذي أجمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت والسحر من أمرنا ، ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم وهي في أيديكم ، طمس الله ماكان فيها له من اسم [يعني من أسماء الله تعالى]، وماكان من بغي تركه ، أفنحن السحرة أم أنتم ؟

 

فقال عند ذلك النفر من بني عبد مناف وبني قصي ورجال من قريش ولدتهم نساء من بني هاشم ، منهم أبو البَخْتَري والمطعم بن عدي وزهير بن أبي أمية بن المغيرة وزمعة بن الأسود وهشام بن عمرو ، وكانت الصحيفة عنده ، وهو من بني عامر بن لؤي في رجال من أشرافهم ووجوههم : نحن براء مما في هذه الصحيفة ، فقال : أبو جهل : هذا أمر قُضي بليل. ( دلائل النبوة للبيهقي 2/311 – 314).

 

وقال الإمام البيهقي بعد رواية هذا الخبر : وهكذا ذكر شيخنا أبو عبد الله الحافظ رحمه الله هذه القصة عن أبي جعفر البغدادي عن محمد بن عمرو بن خالد عن أبيه عن ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير.( دلائل النبوة للبيهقي 2/314).

 

وقد ذكر البيهقي هذه الرواية لتقوية الرواية السابقة حيث إنها مرسلة لأن الزهري لم يذكر من روى عنهم من الصحابة .

 

وأخرجه أبو نعيم من طريق أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال: لما أقبل عمرو بن العاص من الحبشة من عند النجاشي إلى مكة قد أهلك الله صاحبه ومنع حاجته اشتد المشركون على المسلمين كأشد ماكانوا ، حتى بلغ [ بالمسلمين ] [مابين القوسين مستدرك من كتاب الخصائص ، أفاده محققا الطبعة الثانية لدلائل النبوة] الجهد ، واشتد عليهم البلاء ، وعمد المشركون من قريش فأجمعوا مكرهم وأمرهم على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علانية فلما رأى ذلك أبو طالب جمع بني عبد المطلب ، فأجمع لهم أمرهم على أن يدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم ، ويمنعوه ممن أراد قتله.. ثم ذكر مثل خبر موسى بن عقبة السابق. ( دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني /92).

 

وأخرج الإمام البيهقي رواية أخرى من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: فلما مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذي بعث به ، وقامت بنو هاشم وبنو المطلب دونه وأبوا أن يسلموه وهم من خلافه على مثل ماقومهم عليه ، إلا أنهم أنفُوا أن يُستَذلُّوا ويسلموا أخاهم لمن فارقه من قومه ، فلما فعلت ذلك بنو هاشم وبنو المطلب وعرفت قريش أن لاسبيل إلى محمد صلى الله عليه وسلم معهم اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني المطلب أن لايُنكحوهم ولاينكحوا إليهم ولايبايعوهم ولايبتاعوا منهم ، وكتبوا صحيفة في ذلك وعلقوها بالكعبة ، ثم عَدَوْا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم واشتد البلاء عليهم ، وعظمت الفتنة وزلزلوا زلزالاً شديدًا .

 

ثم ذكر نحو خبر موسى بن عقبة ، إلا أن فيه من وصف ما تعرض له بنو هاشم وبنو المطلب أن أصوات صبيانهم تسمع من وراء الشعب وهم يتضاغون من الجوع. (دلائل النبوة للبيهقي 2/314 – 315).

 

وأخرجه ابن هشام من روايته عن ابن إسحاق قال : فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلدًا أصابوا به أمنًا وقرارًا وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم ، وأن عمر قد أسلم ، فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وجعل الإسلام يفشو في القبائل ، اجتمعوا بينهم أن يكتبوا كتابًا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب على أن لايُنكحوا إليهم ولايُنكحوهم ولايبيعوهم شيئًا ولايبتاعوا منهم ..

 

ثم ذكر خبر الصحيفة إلى أن قال : فلما اجتمعت على ذلك قريش وصنعوا فيه الذي صنعوا قال أبو طالب :

ألا أبلغا عني عـلى ذات بَيْننا*1           لُؤَيًّا وخُصَّا مـن لـؤيّ بني كعـب

ألم تعلموا أنـا وجدنا محمـدًا              نبيًّا كموسى خُطَّ في أول الـكـتب

وأنّ عـليه في العباد مـحبـةً             ولاخير ممن خصـه الله بالـحـب

وأن الذي ألصقْتُمُ مـن كتابكم               لَكـُم كائـن نحسًا كَراغية السَّقب*2

أفيقُوا أفيقوا قبل أن يُحفر الثَّرى           ويصُبح مَنْ لم يَجْن ذنبا كذي الذَّنب

ولاتَتْبعوا أمـرَ الوُشاة وتَقْطَعوا            أواصـرَنا بعـد الـمودّة والقـرْب

وتَسْتجلبوا حـَرْبًا عَوَانًا ، وربما           أمرّ على مــن ذاقه جَلبُ الحـرب*3

فلسنا وربِّ البيت نُسـَلم أحمدًا             لِعزّاءَ مــن عض الزّمان ولاكَـرْب*4

ولمّا تَبـِنْ منّا ومنكم سَـوالف             وأيدٍ أُثــرّت بالقُسَاسيَّةَ الشُّـهْب*5

بُمعْترك ضَيْق تـُرى كسَر القَنا              به والنسورَ الطُّخم يَعْكفن كالشِّربِ*6

كـأن مَجَال الخيـل في حَجَراته            ومَعْمَعة الأبطال مَعْركـة الحرْب*7

أليس أبـونا هاشـمٌ شـَدَّ أُزْرَه             وأوصى بنيه بالطعان وبالضـرب؟

ولسنا نَـمَلّ الحـربَ حتى تَمَلَّنا            ولانَشْتكى ما قد ينوب من النكب

ولكَّننَا أهـلُ الحَـفائظ والنـُّهى            إذا طار أرواحُ الكماة من الرُّعب*8

1* يعني الخصومة والعدواة.

2* يعني أن تلك الصحيفة ستكون شؤما عليكم كشؤم ناقة صالح وولدها على ثمود حين عقروها ، والراغية هي الناقة والسقب ولدها .

3* عوانا أي مستمرة ، أي لاتتسببوا في وقوع حرب مستمرة ربما كان مذاقها مرّا على من جلبوها .

4* يعني لن نتركه يواجه سنة قاسية من عض الزمان وشدته .

5* "تبن " يعني تنقطع ، والسوالف جمع سالفة وهي صفحة العنق و "أثرت" يعني قطعت، و"القساسية" السيوف منسوبة إلى قاس مكان فيه معدن الحديد ، و" الشهب" الصقيلة اللامعه .

6* الطخم جمع أطخم وهو الذي في لونه سواد ، والشرب جماعة الشاربين .

7* المجال المكان الذي تجول فيه الخيل ، الحجرات النواحي ، والمعمعة صوت الأبطال في المعركة .

8* الحفائظ جمع حفيظة وهي الغضب ، والنهى جمع نهيه  وهي العقل ، والكماة جمع كمى وهو الشجاع الذي يتكمى في سلاحه أي يستتر فيه .

 

فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثًا ، حتى جُهدوا ، لايصل إليهم شيء إلا سرّا مستخفيًا به من أراد صلتهم من قريش .

 

وقد كان أبو جهل بن هشام – فيما يذكرون – لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد، معه غلام يحمل قمحًا يريد به عمته خديجة بنت خويلد ، وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعه في الشعب، فتعلق به وقال : أتذهب بالطعام إلى بني هاشم ؟ والله لاتبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة ، فجاءه أبو البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فقال : مالك وله . فقال: يحمل الطعام إلى بني هاشم ، فقال له أبو البختري : طعامٌ كان لعمته عنده بعثت إليه فيه أفتمنعه أن يأتيها بطعامها ! خَلِّ سبيل الرجل ، فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه ، فأخذ لـه أبو البختري لَحْيَ بعير فضربه به فشجه ، ووطئه وطأ شديدًا ، وحمزةُ بن عبد المطلب قريبٌ يرى ذلك، وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فيشمتوا بهم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك يدعو قومه ليلاً ونهارًا ، وسرّا وجهارًا ، مُباديًا بأمر الله لايتقي فيه أحدًا من الناس. ( سيرة ابن هشام 1/364 – 368).

 

ففي هذه الأخبار تصميم من الكفار على قتل النبي صلى الله عليه وسلم بعدما يئسوا من القضاء على دعوته، وهكذا أهل الباطل لايتورعون عن التصفية الجسدية لدعاة الحق إذا تمكنوا من ذلك ، وذلك لعجزهم الفاضح عن مقاومة أهل الحق بالحجة والمنطق .

 

والقوة إذا لم يصاحبها دعوة حق فهي حماقة ورعونة لأن صاحبها – والحال هذه – ليس أمامه مبدأ سليم يدافع عنه ، ولاضوابطُ محكمة يرجع إليها ، فأما حينما تكون القوة مع أهل الحق فإنهم يستخدمونها عند الضرورة للدفاع عما يدعون إليه من الحق ، وإزالة العوائق التي تحول دون انتشاره ، ويتقيدون بضوابط إلهية لايمكن أن يتطرق إليها شيء من الظلم والعدوان .

 

وهكذا يلجأ أهل الباطل في كل زمن إلى القوة والعنف حينما تكون حجتهم ضعيفة ومهزوزة ، فيبطشون بأهل الحق إن استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ، لأنهم لايستطيعون الوقوف معهم في مجال الحجة والبيان ، وهم يدركون جيدًا أن أي محاولة منهم لطرح القضايا الفكرية على بساط البحث والنقاش سيؤول في النهاية لغير صالحهم ، لأنهم لم يُشغلوا أنفسهم منذ نعومة أظفارهم بالتأمل الجاد والبحث عن حقائق الأمور ، وإنما بحثوا عن أسهل الطرق وأسرعها للسيطرة والتمكن في الأرض فسلكوه ، وكوَّنوا لأنفسهم عقيدة يرون أنها تحمي نظامهم وتكفل لهم سيادتهم .

 

وقد تكون هذه العقيدة مزيجًا من الحق والباطل ، فليس في مقدورهم أن يناقشوا أقوامًا وهبوا أنفسهم لفهم عقيدتهم الحقة وبيانها والدفاع عنها ، فكان الطريق القويم في نظرهم أن يتفادوا الدخول مع دعاة الحق في نقاش علني يعلمون سابقًا نتيجته المروعة لهم ، فلم يبق في نظرهم إلا وأد دعاة الحق مع دعوتهم ماداموا في حال ضعف قبل أن يعلو شأنهم ويعظم خطرهم ، ومادام هؤلاء الطغاة مدعومين في مبادئهم الفاسدة من قوى الباطل .

 

وحينما اعتصم المسلمون بشعب أبي طالب لم يتركهم الكفار وشأنهم بل حاصروهم اقتصاديًّا ، وضيقوا عليهم حتى انقطعت الموارد عنهم ، وهذا سلاح خطير يستعمله أهل الباطل ضد أهل الحق ، حيث يعملون دائمًا على إضعافهم من الناحية المالية ، والحيلولة بينهم وبين الموارد التي ترفع اقتصادهم ، وتمنحهم شيئًا من القوة والمنعة .

 

وإن بقاء المسلمين ثلاث سنوات داخل الشعب مع ذلك الحصار الشديد الذي ألجأهم إلى أكل أوراق الشجر ، ورفع أصوات أبنائهم بالبكاء من الجوع ، وعزلهم تمامًا عن المجتمع .. إن بقاءهم على هذا الوضع دليل على قوة إيمانهم بقضاء الله وقدره ، وتجملهم بالصبر على الأذى .

 

هذا خبر من أسلم من بني هاشم وبني المطلب ، أما بقية المسلمين من قريش فإن منهم من هاجر إلى الحبشة ومنهم من بقي في مكة ، وهؤلاء وقعوا تحت حصار المشركين ورقابتهم وأذاهم كما جاء في الرواية السابقة التي رواها يونس بن بكير  عن ابن إسحاق وفيها " ثم عدوا – يعني المشركين – على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم واشتد البلاء عليهم " .

 

وإنهم بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأعلى مثل يمكن أن يَقتدي به كل من حوصر وسجن من المسلمين من أجل إيمانهم بالله تعالى ودعوتهم إلى سبيله .

 

وإنه لمما يطلب من المسلم في حال النكبات والشدائد أن يرضى بقضاء الله وقدره ، وأن يصبر صبرًا جميلاً ، وأن يكون مستسلمًا لله تعالى بحيث لايقوم أثناء المحنة بأي عمل مخالف للإسلام، كأن يحنى رأسه للطغاة ، أو يتنازل عن شيء من دعوة الحق التي يمثلها ، أو أن يهبط مستواه في مخاطبة ظالميه أو من تقاعسوا عن نصرته .

 

ثم هو مكلف بأن يعمل جهده بالأسباب المشروعة للخروج من المحنة ، وأن يَكل أمره قبل ذلك كله إلى الله تعالى ، مستحضرًا عظمته وجلاله وهيمنته عليه وعلى ظالميه ، وأن يكون دائمًا حسن الظن بالله تعالى عظيم الأمل بقرب الفرج ، شديد الفزع من الذنوب والمخالفات التي تصرف عنه رحمة ربه جل وعلا .

 

فإذا فعل ذلك فإن الله سبحانه بمَنِّه وكرمه يكشف ضره وييسر لـه أمره ، ويخرجه من محنته، كما أخرج نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه من محنة الحصار في الشعب ، وذلك بتسليط الأرضة على صحيفة المشركين ، وإعلام النبي صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب ليخبر المشركين فتكون آية على صدقه ونبوته، ثم بتسخير طائفة من زعماء المشركين ليعلنوا براءتهم من تلك الصحيفة الظالمة ، مما جعل المشركين ينقسمون إلى قسمين : قسم ظل معاديًا للمسلمين متربصًا بهم الدوائر ، وقسم ظل معتدلاً نحوهم يحاول دفع الظلم عنهم وتأنيب الظالمين في مغامراتهم الكبيرة التي تسيء سمعة القبيلة بأسرها .

 

وقد كان ذلك من أهم أسباب خروج المسلمين من المحنة وعدم تكررها بنفس الحجم والمستوى.

 

هذا ومما يدل على أثر هذا الفريق المعتدل ما جاء في رواية الواقدي عند ابن سعد وفيها : وتلاوم رجال من قريش على ماصنعوا ببني هاشم ، فيهم مطعم بن عدي ، وعدي بن قيس ، وزمعة بن الأسود ، وأبو البختري بن هشام وزهير بن أبي أمية ، ولبسوا السلاح ثم خرجوا على بني هاشم وبني المطلب ، فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم ففعلوا ، فلما رأت قريش ذلك سُقط في أيديهم ، وعرفوا أن لن يسلموهم. ( طبقات ابن سعد 1/210).

 

ولقد كان بعض هؤلاء وقف مع المسلمين حتى في أثناء حصارهم في الشعب كما سبق في رواية ابن إسحاق من خبر حكيم بن حزام وإيصاله الطعام إلى عمته خديجة رضي الله عنها، وماكان من صراع بين أبي جهل وأبي البختري بن هشام حول هذا الأمر ، وقد كانت نهاية ذلك الصراع أن غلب أبو البختري في دفاعه عن المسلمين ولم يستطع أبو جهل منع حكيم بن حزام من إيصال ذلك الطعام داخل الشعب .

 

هذا وإن وقوف طائفة من المشركين مع المسلمين مبني على كون المسلمين جميعًا بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يمتازون بمكارم الأخلاق كالصدق والوفاء والأمانة وبذل المعروف ، ومن يتصف بمكارم الأخلاق يكون موضع التكريم عند العقلاء الذين يقدرون مكارم الأخلاق ومن يتصف بها، فكان العقلاء من قريش يكرهون ذلك الحصار ، ولكن الكلمة الأخيرة عند وقوع الخلاف تكون غالبًا للغوغائية الميالين للبطش والانتقام .

 

وقد يسكت المنكرون على مضض ، ويمنعهم من الإنكار الخوف من نقمة الغوغائية وتسلطهم ، فلما حصلت تلك الآية الباهرة حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله تعالى سلط الأرضة على صحيفة قريش وقام أبو طالب بتلك المفاوضة التي تقضي بنقض ميثاق الصحيفة إن كان كما أخبر، أو بتسليم النبي صلى الله عليه وسلم لهم إن كان على غير ما أخبر به ، ثم كان الأمر على ما أخبر به .. لما كان ذلك ونكص زعماء الكفر على أعقابهم واتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بالسحر تشجع أولئك المعتدلون فأعلنوا رأيهم بالبراءة مما جاء في تلك الصحيفة .

 

وهكذا كان تخلُّق المسلمين بمكارم الأخلاق سببًا في انجذاب بعض زعماء المشركين إليهم والوقوف في صفهم لأنه لابد أن يوجد في كل مجتمع من يقدِّرون مكارم الأخلاق وينحازون إلى أصحابها .

 

ولهذا ينبغي للدعاة في كل زمن أن يجتذبوا إلى صفهم من ليسوا معهم في دعوتهم ولكنهم معهم في تمثيل مكارم الأخلاق والدفاع عن المظلومين ، والنقد الهادف للطغيان ومظاهره وسائر مساوئ الأخلاق .

 

ولقد كان تفرق الكفار إلى حزبين مما صنعه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ليكون تمهيدًا لفترة المواجهة الصعبة التي تلت موت أبي طالب حيث كان عَقَبةً تحول بين كفار مكة وتنفيذ كثير مما يعزمون عليه يوم أن كان أمرهم جميعا ، فلما مات أبو طالب أصبح أفراد الحزب المعتدل يتولون التخفيف من حدة الحزب المتشدد المندفع نحو الانتقام.

 

وهكذا كانت مكيدة كفار مكة بذلك الحصار الاقتصادي وبالاً عليهم ،حيث كان انتصار النبي صلى الله عليه وسلم في تلك المفاوضة في أمر الصحيفة سببًا في تفرقهم وضعفهم عن مواجهة المسلمين بالقوة لوجود فريق معتدل من الكفار يمانع في استعمال القوة ضدهم ، فكان وجود هذا الفريق المعتدل تعويضًا للنبي صلى الله عليه وسلم عما فقده من حماية عمه أبي طالب ، إلى أن اجتمع أمرهم بعد ثلاث سنوات يوم أن اتفقوا في دار الندوة على قتل النبي صلى الله عليه وسلم فأنقذه الله عز وجل وأمره بالهجرة إلى المدينة .

 

ولايمكن أن يُظنَّ بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أبدا أن ثناء بعض الكفار عليهم مترتب على تساهلهم ببعض أمور دينهم ، لأن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه تأبى ذلك ، وقد سبقت أمثلة تبين صلابتهم في دعوتهم ، وإنما كان الدافع لأولئك الكفار المعتدلين إلى الوقوف مع المسلمين هو إعجابهم بهم في النواحي الأخلاقية .

 

هذا وإن هذا الموضوع ليذكرني بتحليل إخباري قرأته في مجلة " المجتمع " عدد 1294 وتاريخ 29/12/1420هـ الموافق 4/4/2000م وذلك بمناسبة محاكمة عدد من النقابيين في جمهورية مصر العربية حيث أدلى أحد البارزين من النصارى بشهادته لصالحهم ، وهو "ميلاد حنا" ومما جاء في كلامه : إنني في نهاية العمر وعندما طلب زملائي شهادتي لم أتردد وقد سبق أن اعتقلت عام 1981م ، ومن هنا فإنني أشعر بإحساس أي إنسان مناضل من أجل فكره ، وفي الوقت نفسه فإنني أكره إي إنسان يستخدم العنف ، ولكني أشعر بأن العديد من رجالات الإخوان المسلمين وطنيون وصادقون ، لهم وجهة نظر قد أختلف معها ولكنهم خير من في هذا الوطن ، وإعطاؤهم فرصة المشاركة سيجعل من مصر نموذجًا وقلعة لتبادل الرأي وحرية الفكر مادام فكرا يناقش دون المساس بالمجتمع ، ولو ساد هذا النوع من الفكر والثقافة سيكون لمصر مميزات تتفاخر بها على باقي الدول ، لأن تاريخ مصر العريق سيجعل منا جميعًا إخوانًا مسلمين أ.هـ .

 

فالإخوان المسلمون قد اكتسبوا رصيدًا كبيرًا من الثقة والإعجاب لارتفاع رصيدهم الأخلاقي حتى عند من يختلفون معهم في الدين ، فكان ذلك مفيدا لهم عندما تعرضوا لتلك المحنة .

*          *          *

 

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 16:40:03


6 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8318578 عدد زيارات الموقع 63 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com