الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
سيرة المشرف
مؤلفات المشرف
ديـوانية المشـرف
الصـوتـيــــات
مقال الموقع
فتاوى الموقع
ملتقيات الخير
شبهات و ردود
مـقـالات مـخـتارة
المـعـهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
من فتاوى العلماء
ســيــر الصــحـابة
تراجم من علمائنا
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة د. عبدالعزيز الحميدي المتقون المتقون - العدد العشرين

المتقون - العدد العشرين

تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :

1 – قبسات من القرآن الكريم .

2 – قبسات من السنة النبوية .

3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .

4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .

-قبسات من القرآن الكريم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله تعالى (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ{17} وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ{18} قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ{19}) [ الأنعام : 17 – 19] .

 

[17] يبين الله تعالى أنه هو وحده الذي بيده الضر والنفع ، وأنه هو وحده الذي يكشف الضر عن عباده إذا أصابهم ، وما عَمَلُ الناس في إزالة الضرر إلا مَثَلٌ من جريان الأسباب التي خلقها الله تعالى وجعلها موصلة لمقاصدها ، فهو سبحانه الذي وهب الإنسان العقل الذي به يتعلم كيف يزيل الضرر عن الآخرين، والله سبحانه هو يُقدِّر الخير والنعمة للإنسان وماقضاه تعالى وقدر فلا راد لقضائه فهو القادر على كل شيء.

 

وفي هذا تأكيد على أن الله تعالى هو ولي عباده ، وهو وحده الذي بيده جلب الخير ودفع الضرر ، وأن غيره ممن يتوجه الناس إليهم في تحقيق مالا يقدر عليه إلا الله سبحانه لا يستحقون ذلك ، وطلب أي شيء من غير الله عز وجل فيما لا يقدر عليه إلا هو كفر به تعالى إن اعتقد الطالب أن ذلك المدعو مستقل بجلب النفع ودفع الضرر ، ومشرك مع الله غيره إن اعتقد أن لذلك المدعو تأثير في حصول المقصود مع الله سبحانه .

 

[18] وهو سبحانه القاهر فوق عباده الذي استسلم العباد لقوته وخضع له الجبابرة ، وهو الحكيم يضع الأشياء مواضعها ، الخبير الذي دقَّ علمه فلا يخفى عليه شيء ، ومن كانت هذه صفاته فهو وحده المستحق للعبادة .

 

[19] ثم يأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يناقش المشركين المعاندين الذين يشككون في رسالته ودينه ، وأن يسائلهم مساءلة إنكار وإفحام عن أكبر شهادة في هذا الكون ، ثم يجيبهم بأنه الله جل جلاله الذي يؤمنون بوجوده ويعترفون بعظمته ، ولا يستطيعون أن يقولوا بأن شهادة غيره أكبر من شهادته ، فالله عز وجل هو الشهيد بينه وبينهم ، وإذا كان الأمر كذلك فإن هذا القرآن العظيم الذي أوحاه الله سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم قد تضمن هذه الشهادة بأساليب متنوعة وبيانات متعددة ، وقد أنذرهم عذاب الله تعالى وأنذر كل من بلغه هذا القرآن من الأمم ، ومع هذا البيان الواضح فإنكم أيها المشركون ماتزالون تعتقدون بأن مع الله معبودات أخرى تشركونها معه في العبادة ، فقل لهم أيها الرسول : إني لا أشهد على ماقررتموه من الشرك ، وإنما أشهد بأن الله جل وعلا إله واحد لاشريك له ، وإني برئ من كل معبوداتكم التي تشركونها معه .

 

ويقول الله تعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ{20} وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ{21}) [الأنعام :20 – 21] .

 

[20] يخبرنا الله سبحانه عن اليهود والنصارى الذين أنزل عليهم التوراة والإنجيل بأنهم يعرفون محمدًا صلى الله عليه وسلم بصفاته الواردة في كتبهم بوضوح لا لبس فيه ولا غموض ، وقد بين هذا الوضوح التام بتشبيه ذلك بمعرفتهم لأبنائهم ، فالإنسان يعرف أبناءه بوضوح تام في الكثير من صفاتهم ، ولايمكن أن يلتبس عليه أمرهم ، وقد كان علماؤهم المخلصون يخبرون عن وقت ومكان بعثة النبي صلى الله عليه وسلم والبلد التي سيهاجر إليها ، ولكن أكثر علماء أهل الكتاب كفروا به عن علم حسدًا منهم للعرب أن كان خاتم المرسلين منهم ، فخسروا أنفسهم حيث أوردوها موارد الهلاك، ولم ينظروا إلى الظفر بنعيم الآخرة والنجاة من عذابها ، وإذا كان الأمر كذلك فهلاَّ اعتبر مشركو مكة فسارعوا إلى الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم والحال أنه منهم وشرفه شرفٌ لهم !!

 

[21] فهذا الشرك الذي وقع فيه اليهود والنصارى ومشركو العرب وغيرهم ظلم عظيم للحق ، حيث صرفوا العبادة بأنواعها للمخلوقين ولم يوحدوا الخالق جل وعلا ، وظلم للنفس حيث أوردوا أنفسهم موارد الهلاك وخسروا آخرتهم ، وظلم للآخرين حيث صدُّوهم عن معرفة الحق والإيمان به ، فلا أحد أشد ظلما ممن انحرف عن طريق الحق فأعطى خصائص الخالق جل وعلا للمخلوق وانحط في وصف الله سبحانه حتى جعله كالمخلوق ، ولن يفلح الظالمون لأنهم خسروا السعادة الروحية في الدنيا التي يتمتع بها المؤمنون الموحدون ولأنهم سيخسرون السعادة في الآخرة ويبوؤون بالشقاء حيث سيحرمون من نعيم الجنة ويخلدون في عذاب النار .

 

ويقول الله تعالى (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ{22} ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ{23} انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ{24}) [ الأنعام : 22 – 24] .

 

[22] يبين الله تعالى أنه سيجمع المشركين وشركاءهم الذين عبدوهم من دونه جل وعلا يوم القيامة ، سواء الذين أشركوهم معه سبحانه بالعبادة كالأصنام أو الذين أشركوهم معه بالطاعة كطواغيت البشر الذين يشرعون للناس الأنظمة والقوانين التي تخالف شريعة الله تعالى ، ثم يقول عز وجل للمشركين : أين آلهتكم الذين تزعمون أنهم شركاء مع الله سبحانه في العبادة أو الطاعة لينقذوكم من تلك الأهوال التي تواجهونها .

 

[23] ولكن هل يستطيعون في الآخرة أن يكابروا أو أن يجادلوا كما كانوا يفعلون في الدنيا ؟ إنه ليس لديهم إجابة حينما امتحنوا بالسؤال عن شركائهم إلا أنهم تبرؤوا منهم ، وأقسموا بالله ربهم أنهم ماكانوا في الدنيا مشركين مع الله غيره ، إنهم لن يستطيعوا أن يكابروا ولا أن يجادلوا  لأن الذي كانوا يُدعَون إلى الإيمان به في الغيب أصبحوا يرونه بالمشاهدة فليس هناك أي مجال للمكابرة بالدفاع عن عقيدتهم الباطلة .

 

[24] انظر _ أيها الرسول – كيف كذب هؤلاء المشركون على أنفسهم بادعاء التوحيد الذي كانوا يجحدونه في الدنيا ، وغاب عنهم ماكانوا يسوِّغون به دينهم الباطل من دعوى أن آلهتهم تشفع لهم عند الله يوم القيامة وغير ذلك من الافتراءات التي يسوغون بها شركهم .

 

ويقول الله تعالى (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ{25} وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ{26}) [الأنعام : 25 – 26] .

 

[25] يبين الله سبحانه صورة من واقع المشركين في الدنيا حيث يستمعون القرآن فلا يصل إلى قلوبهم ، لأنهم بسبب عنادهم واتباعهم أهواءهم في الاستكبار عن قبول الحق بعد ماتبين لهم جعل الله عز وجل على قلوبهم أغطية تمنعهم من فهم القرآن ، وجعل في آذانهم ثقلا يمنعها من السماع بالوعي والتدبر ، وهم لفرط عنادهم وشدة استكبارهم لو رأوا الآيات الكثيرة الدالة على الحق الذي دعاهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم فإنهم لايصدقون بها ، حتى إذا جاؤوك – أيها الرسول – بعد رؤية وسماع المعجزات التي لايمكن أن تكون لبشر عادي فإنهم لشدة عنادهم واعتدادهم بأنفسهم يجادلونك ، حيث يقول أولئك الذين جحدوا آيات الله : ماهذا الذي نسمع ونرى إلا ماتناقله الأولون من حكايات لاحقيقة لها .

 

[26] وتجد أولئك المشركين لشدة كفرهم بالحق وتمسكهم بالباطل ينهون الناس عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم والاستماع إليه ، ويبتعدون بأنفسهم عنه حتى لايتيحوا الفرصة لأتباعهم المغلوبين على أمرهم كي يبصروا الحق ويؤمنوا به ، وهم بهذا قد خدعوا أنفسهم وضللوا أتباعهم ، لأنهم إنما يهلكون أنفسهم لخسرانهم الكبير في الآخرة حيث حرموا أنفسهم من نعيم الجنة وأوردوها شقاء جهنم ، والحال أنهم لايحسُّون – لغرورهم واعتدادهم برأيهم – بأنهم يعملون لهلاك أنفسهم .

*         *          *

- قبسات من السنة النبوية –

-الحث على الحب في الله –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : فقد تبين لنا من عرض قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان" الكلامُ على الخصلة الأولى وهي أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وبقي الكلام على الخصلة الثانية وهي أن يحب المرء لايحبه إلا لله .

 

فأما المحبة في الله فإن أمرها عظيم ، لأنها الرابطة الإيمانية التي تجعل قلوب المسلمين يلتحم بعضها مع بعض ، فتتكون بذلك الأخوة الإسلامية .

 

وحينما ينحرف الناس عن الطريق المستقيم يتخذون لأنفسهم روابط اجتماعية مختلفة ، ويكيِّفون معاملاتهم على ضوء تلك الروابط .

 

فأحيانا تكون المصالح المالية هي محورَ علاقاتهم ، يحبون من أجلها ويبغضون ، ويصادقون من أجلها ويعادون .

 

وأحيانًا يجعلون اللغة الواحدة وسيلة للربط بين من ينطق بها فيحبونه وينصرونه ، ويكرهون من لايتكلم بها ويعادونه وأحيانًا يتخذون من النَّسب قاعدة للولاء والبراء فيحبون أبناء قبيلتهم ويناصرونهم ويكرهون أبناء القبائل الأخرى ويعادونهم .

 

وأحيانًا يعدُّون الوطن الواحد وسيلة للترابط والاتفاق فيتعصبون لأبناء بلدهم ضد أبناء البلاد الأخرى .

 

وهذه الروابط المنحرفة جميعها تفرق ولاتجمع ، وتورث العداوة والبغضاء بين البشر ، وبسببها تقوم الحروب الطاحنة التي تُهلك الأمم وتفسد العمران مع أنها لا تورث المحبة ، ولاتؤلف بين قلوبهم ، لأنها لاتشدهم إلى هدف أعلى يؤْثر بعضهم بعضًا من أجله ، وإنما تفصلهم عن أبناء جنسهم وتجعلهم هدفا لعداوتهم .

 

ولقد كان مما يهدف إليه الإسلام أن يسخِّر هذه الروابط كلَّها لرابطة العقيدة الصحيحة المبنية على المحبة في الله تعالى ، وأن يجمع البشر جميعا تحت هذه الرابطة ، حتى يصبحوا جميعا إخوانا متحابين ، ويسودَ السلام في الأرض ، فشرع الله سبحانه لهم رابطة الأخوة الإيمانية القائمة على الحب في الله جل وعلا ، وهذه الرابطة السامية باستطاعة أي فرد أن ينالها ، وأن يظفر بنتائجها السعيدة لأنها أمر معنوي رفيع ، لايحول دون الظفر به حائل ، ولاتمتهنه النفوس الرفيعة ، فبمجرد دخول الإنسان في هذا الدين والتزامه بأحكامه يكون أخًا للمؤمنين به جميعا ، ويكون أهلا لمحبتهم ونصرتهم ، بخلاف الروابط الأخرى ، فإن منها مايقتصر على طائفة من البشر فلا يستطيع الآخرون بلوغه، لأنه لايرتبط بالكفاءة الذاتية والإنتاج العقلي ، وذلك كشرف النسب ، ومنها ما قد يستطيع الآخرون بلوغه ولكنهم لايريدون ذلك غالبا لامتهانهم إياه وتفضيلهم ماهم فيه من الروابط عليه كرابطة اللغة والوطن ، أما الحب والبغض من أجل المادة فإنه داء قاتل يسْرى ضرره بين الأفراد والأمم ويفسد الأخلاق الفاضلة فمن أجل المال يَذِلُّ الفقراء للأغنياء وإن كانوا من سفهاء الناس أحيانًا ، ويتكبر الأغنياء على الفقراء ، وبهذه الروابط المنحرفة لايمكن أن يتفق البشر جميعا تحت لواء واحد ، لأن طبيعة هذه الروابط لاتساعد على اتحاد الهدف واجتماع الكلمة، بخلاف الأخوة الإيمانية التي جاء بها الإسلام ، فإن هدفها الأعلى يستلزم جمع البشر جميعا تحت لواء واحد .

 

ولعظمة المحبة في الله وآثارها الجليلة في الدنيا والآخرة جاءت الأحاديث النبوية ببيان مايترتب عليها من الثواب الجزيل والعاقبة الحسنة ، فمن ذلك ما أخرجه الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يقول الله تعالى يوم القيامة : أين المتحابُّون لجلالي ؟ اليوم أظلهم في ظلي ، لاظل إلا ظلي ".( صحيح مسلم ، رقم 2566 ، كتاب البر ، باب 12( 1988)).

 

وما أخرجه الإمامان مالك وأحمد رحمهما الله من حديث أبي إدريس الخولاني رحمه الله قال: "دخلت مسجد دمشق فإذا فتًى شابٌّ بَرَّاقُ الثنايا ، والناس حوله ، فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه وصدروا عن رأيه ، فسألت عنه فقالوا : هذا معاذ بن جبل ، فلما كان الغد هجَّرت إليه، فوجدته قد سبقني بالتهجير ووجدته يصلي ، فانتظرته حتى قضى صلاته ، ثم جئته من قبَل وجهه فسلمت عليه ، ثم قلت : والله إني لأحبك في الله ، فقال : آلله ؟ فقلت : آلله ، فقال : آلله ؟ فقلت: آلله ، فأخذ بحبوة ردائي فجبذني إليه وقال : أبشر فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله تعالى : وجبَتْ محبتي للمتحابين في ، والمتزاورين في ، والمتباذلين في".( الموطأ ، كتاب الشعر ، باب 5 رقم 16 . مسند أحمد 5/229)

 

وهكذا استخدم معاذ رضي الله عنه أسلوبًا تربويًّا في إبلاغ هذا الحديث ذلك الرجل الذي أعلن محبته له في الله ، حيث استحلفه بالله مرتين ، ولايُحلف إلا على أمر كبير ، ثم جبذه من ردائه ليلفت انتباهه ويوجِّه تركيزه إلى معرفة عظمة المحبة في الله جل وعلا ، حيث تَرَتَّبَتْ عليها محبة الله تعالى للمتحابين فيه ، وكذلك المتزاورين من أجله ، والباذلين من أموالهم للمسلمين من أجله عز وجل .

 

ومن ذلك ما أخرجه أبو عبد الله الحاكم رحمه الله من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولاشهداء ، يغبطهم الشهداء والنبيون يوم القيامة لقربهم من الله تعالى ومجلسهم منه ، قال  : فجثا أعرابي على ركبتيه فقال: يارسول الله صفْهم لنا وحَلِّهم لنا ، قال : قوم من أفناء الناس ، من نُزَّاع القبائل ، تصادقوا في الله وتحابوا فيه، يضع الله عزَّ وجل لهم يوم القيامة منابر من نور ، يخاف الناس ولايخافون ، هم أولياء الله عز وجل الذين لاخوف عليهم ولاهم يحزنون " .

 

وقد صححه الحاكم وأقره الذهبي . (المستدرك 4/170 .)

 

ففي هذا الحديث بيان لسمو مقام المتحابين في الله ورفعة شأنهم في الآخرة ، حيث يغبطهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والشهداء لما وصلوا إليه من مكانة ورفعة عند الله عز وجل ، وليس معنى هذا أنهم أفضل من الأنبياء ، فإن من المقطوع به أن الأنبياء يفوقونهم في الدين ، ومن ذلك هذه الصفة التي حازوا بها تلك المكانة ، حيث إن محبة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما هي في الله جل وعلا ، وإنما غبطوهم وغبطهم الشهداء لأنهم وصلوا إلى تلك المكانة العالية مع أنهم ليسوا بأنبياء ولم يُقدِّموا نفوسهم في سبيل الله تعالى .

 

وقد ذكر صلى الله عليه وسلم من صفات هؤلاء في الآخرة أن وجوههم نور وأنهم على نور ، فالنور فيهم وقد أضاء ماحولهم ، وهو الأثر الزكي والعاقبة الحميدة لتلك الرابطة السامية التي ربطت بينهم في الدنيا.

*          *          *

- توجيهات ومواقف أخلاقية –

- مواقف في الصبر –

- نماذج من صبر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم –

مما يصور ماكان فيه المسلمون في العهد النبوي من شدة العيش ماجاء في حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت لعروة بن الزبير : ابْنَ أختي إن كنا لننتظر الهلال ثلاثة أهلة في شهرين ، وماأُوقِدَتْ في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار ، فقلت: ماكان يُعيشكم ؟ قالت : الأسودان ، التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار كان لهم منائح ، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبياتهم فيسقيناه".( صحيح البخاري رقم 6459 ، كتاب الرقاق (11/283 ))

 

ويصور ذلك ماجاء في قول أبي هريرة رضي الله عنه : لقد رأيتني وإني لأخِرُّ فيما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجرة عائشة مغشيا عليَّ ، فيجئ الجائي فيضع رجله على عنقي ويُرى أني مجنون ومابي من جنون ومابي إلا الجوع ".( صحيح البخاري رقم 7324 ، كتاب الاعتصام (13/303 ))

 

هذا أبو هريرة الذي كان مثلا من أمثلة المهاجرين الذين كانوا في يسار من العيش في بلادهم، فهاجروا بدينهم وصبروا على مانالهم من البلاء .

 

ومن هؤلاء علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ، وقد ذكر صورة مما ناله من شدة العيش والجوع حيث يقول : خرجت في يوم شاتٍ من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وقد أخذت إهابًا معطونًا [يعني جلدا منتن الرائحة] فجوَّبت وسطه [أي خرقته فجعلته جيبا] فأدخلته في عنقي وشددت وسطي فحزمته بخوص النخل وإني لشديد الجوع، ولو كان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم طعام لطعمت منه ، فخرجت ألتمس شيئا ، فمررت بيهودي في مال له وهو يسقي ببكرة له ، فاطَّلعت عليه من ثلمة في الحائط ، فقال : مالك يا أعرابي ، هل لك في دلو بتمرة ؟ فقلت : نعم ، فافتح الباب حتى أدخل ، ففتح فدخلت فأعطاني دلوه ، فكلما نزعت دلوا أعطاني تمرة ، حتى إذا امتلأت كفِّي أرسلت دلوه وقلت: حسبي فأكلتها ، ثم جرعت من الماء فشربت ، ثم جئت المسجد فوجدت النبي صلى الله عليه وسلم فيه " أخرجه الإمام الترمذي وقال: حسن غريب . ( تحفة الأحوذي بشرح الترمذي ، رقم 2591 كتاب صفة القيامة (7/171)).

 

ولقد كان لهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم أسوة حسنة برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول " لقد أُخِفْتُ في الله وما يَخاف أحد ولقد أوذيت في الله ومايُؤذى أحد ، ولقد أَتت عليَّ ثلاثون من بين يوم وليلة ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال" أخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح.( تحفة الأحوذي ، رقم 2590 (7/170) ، سنن ابن ماجه رقم 151 ، المقدمة (1/54)).

 

وإن هذه النماذج لتدلنا على مبلغ ماكان يعاني منه المسلمون من شدة العيش في ذلك العهد، ولقد قابلوا ذلك بالرضى والتسليم والصبر الجميل ، ولم يرو التاريخ أن أحدًا من المهاجرين الصادقين ترك المدينة ورجع إلى بلده من أجل ضعف احتماله وقلة صبره ، وهذا دليل ظاهر على قوة إيمانهم ومبلغ تضحيتهم .

 

وهؤلاء الصابرون على البلاء حينما تحوَّلَتْ حالهم إلى الرخاء لم يتكبروا ولم يبطروا بل كانوا من الشاكرين للنعماء ،فكانوا بحق مؤمنين متصفين بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له " أخرجه الإمام مسلم.( صحيح مسلم ، الزهد ، رقم 2999 ، ( ص 2295))

 

ومما يصور ماكان يعاني منه الصحابة رضي الله عنهم من الشدة وماعلَّمهم النبي صلى الله عليه وسلم من الصبر والزهد ما أخرجه الإمام البخاري من حديث عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه " أن فاطمة عليها السلام شكَتْ ماتَلْقَى من أثر الرَّحَى ، فأُتِيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بسَبْي ، فانطلقتْ فلم تجده، فوجدت عائشة فأخبرتها ، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته عائشة بمجيء فاطمة ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلينا وقد أخذْنا مضاجعنا، فذهبتُ لأقوم فقال : على مكانكما ، فقعد بيننا حتى وجدتُ بَرْدَ قدمَيه على صدري، وقال: ألا أعَلِّمكما خيرا مما سألتماني ؟ إذا أخذتما مضاجعكما تكبِّران اربعا وثلاثين ، وتسبحان ثلاثا وثلاثين ، وتحمدان ثلاثا وثلاثين ، فهو خير لكما من خادم".( صحيح البخاري ، رقم 3705 ، فضائل الصحابة (7/71))

 

وهكذا كانت هذه الأسرة الكريمة تعيش في شظف من العيش ، فعليّ رضي الله عنه كان لابدَّ له من أجل الحصول على الطعام من أن يؤَجِّر نفسه في إخراج الماء من الآبار ، وكان لابد لفاطمة رضي الله عنها من أن تطحن بالرحى .

 

وكانا صابرين على هذه الحياة الشاقة ، ولكن حينما آنَسَا بابًا من أبواب الفرج طلبا من النبي صلى الله عليه وسلم خادما ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم الذي يدرك من أحوال أصحابه مالا يدركان قد أدرك بأن هناك من هم أشد منهما فقرا وأحوج منهما إلى المعونة ، وهم أهل الصفة الذين لامال لهم ولا أهل ، فقرر أن يبيع ذلك السبي وأن يرد قيمته على أولئك الفقراء كي ينقذ حياتهم من المسغبة [جاء ذلك في رواية ذكرها ابن الجوزي – صفة الصفوة 2/10 -] ، وهذه نظرة عالية من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المستضعفين من أصحابه ، ودرس بليغ لمن ولاه الله تعالى أمر الأمة أن لايحابِيَ أقاربه على حساب من هم أشد حاجة وأبلغ استحقاقا .

 

وفي هذا الخبر درس آخر في غاية الأهمية حيث جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمه علي وابنته فاطمة رضي الله عنهما فزودَّهما بما هو خير لهما مما سألاه ، فقد زودهما بذكر الله تعالى الذي هو زاد القلوب وحياتها .

 

وقد يتعجب الإنسان كيف يطلبان خادما فيرشدهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذكر الله تعالى ، ولكن حينما يعرف المتأمل مالذكر الله جل وعلا من أثر عظيم في تقوية النفوس فإنه يزول ذلك العجب، فإن القلوب إذا عُمِرتْ بذكر الله سبحانه هانت عليها المصائب ، وسَمَتْ في أفكارها المطالب ، وأصبح أصحابها يستعذبون الشدائد في سبيل الله تعالى ، ويرون أنها أبواب خير لرفع رصيدهم من الحسنات ، وخفض رصيدهم من السيئات .

 

موقف لأبي طلحة وأم سليم رضي الله عنهما (أبو طلحة هو زيد بن سهل النجاري الأنصاري)

أخرج الإمام مسلم من حديث أنس بن  مالك رضي الله عنه قال : مات ابن لأبي طلحة من أم سليم . فقالت لأهلها : لاتحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه . قال فجاء فقربت إليه عشاءً . فأكل وشرب . فقال ثم تَصَنَّعتْ له أحسن ماكان تَصَنَّع قبل ذلك . فوقع بها . فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها ، قالت : يا أبا طلحة ! أرأيت لو أن قوما أعارُوا عاريتهم أهل بيتٍ ، فطلبوا عاريتهم ، ألهم أن يمنعوهم ؟ قال : لا . قالت : فاحتسب ابنك . قال فغضب وقال: تركتني حتى تلطخت ثم أخبرتني بابني ! فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بماكان . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بارك الله لكما في غابر ليلتكما " قال: فحملتْ . قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وهي معهُ . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى المدينة من سفر ، لايطرُقُها طرُوقًا [أي لايدخلها في الليل] . فدنوا من المدينة فضربها المخاض.[ هو الطلق ووجع الولادة] فاحتبس عليها أبو طلحة . وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال يقول أبو طلحة : إنك لتعلم ، يارب ! إنه يُعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج ، وأدخل معه إذا دخل ، وقد احتبست بما ترى . قال تقول أم سليم : يا أبا طلحة ! ما أجد الذي كنتُ أجد [تريد أن الطلق انجلى عنها ، وتأخرت الولادة]. انطلق . فانطلقنا . قال وضربها المخاضُ حين قدما . فولدت غلاما . فقالت لي أمي : يا أنسُ لايُرضعه أحدٌ حتى تغدو به على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما أصبح احتملتهُ . فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال فصادفتهُ ومعهُ ميسمٌ [هو الآلة التي يكوى بها الحيوان . من الوسم . وهو العلامة] فلما رآني قال " لعلَّ أم سليم ولدت؟ " قلتُ : نعم . فوضع الميسَمَ . قال وجئتُ به فوضعتهُ في حجره . ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعجوة من عجوة المدينة ، فلاكها في فيه حتى ذابت ، ثم قذفها في في الصبي ، فجعل الصبي يتلمظها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : انظروا إلى حب الأنصار التمر ، قال: فمسح على وجهه وسماه عبد الله .( صحيح مسلم ، رقم 2144 ، فضائل الصحابة (ص1909)).

 

وجاء في رواية عباية بن رفاعة الأنصاري " فلقد رأيت لذلك الغلام سبعة بنين كلهم قد ختم القرآن".( فتح الباري 3/171)

وهكذا كان أبو طلحة وأم سليم رضي الله عنهما مثلا عليا في الصبر على البلاء ، فلقد كانا يحبان ابنهما حبّا شديدًا فأراد الله عز وجل أن يبتليهما بفقد هذا الولد حتى ينالا أجر الصابرين، ولقد ظهر في هذا المثل العالي نموذج من البَشر يقدم محبة الله جل وعلا على محبة أحب شيء إليهم.

 

ولقد كانت أم سليم امرأة عظيمة ، حيث صبرت هذا الصبر القوي ، وظهرت أمام زوجها وكأنها تخلو من أي مصيبة ، إن هذه المرأة التقية الصابرة كانت تتمتع بإيمان راسخ قد خالط شغاف قلبها فاستطاعت أن تكتم مشاعر الحزن على ابنها رغبة فيما عند الله تعالى من الأجر .

 

وكان للتوجيهات الإسلامية أثر كبير في نفس تلك المرأة المؤمنة ، فقامت بدور فعال في تهدئة زوجها حتى نام ليلته في راحة وطمأنينة ، وكانت ترجو من الله عز وجل أن يكافئها على صبرها بولد صالح يعوضها عن ابنها الذي فقدته .

 

وظفر هذان الزوجان الكريمان بدعوة مباركة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد استجاب الله تعالى لهذه الدعوة فحملت أم سليم وظهرت تباشير إجابة الدعوة بما شعرت به من خفة الحمل وعدم التعرض لما كانت تتعرض له من آلام ، ثم ظهرت بركة هذه الدعوة بما أنعم الله تعالى به على ولدهما من البنين الذين حفظوا القرآن الكريم .

*          *          *

- مواقف دعوية من السيرة النبوية –

- إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه –

أخرج أبو نعيم رحمه الله خبر إسلام عمر رضي الله عنه من طريق آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما وذكر نحو خبر ابن إسحاق ، وفيه أنه لما قرأ الآيات الأولى من سورة طه قال: فتعظَّمْت في صدري وقلت : مِنْ هذا فرَّت قريش ، ثم شرح الله صدري للإسلام فقلت : لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى ، قال: فما في الأرض نسمة أحب إليّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلت : أين رسول الله ؟ قالت – يعني أخته فاطمة - : عليك عهد الله وميثاقه أن لاتجبهه بشيء يكرهه ، قلت : نعم ، قالت: فإنه في دار الأرقم بن أبي الأرقم.( دلائل النبوة لأبي نعيم /79)

 

ومن هذه السرعة في تحول عمر واستجابته للإسلام حينما سمع القرآن نفهم مدى الضغط الرهيب الذي كان زعماء قريش آنذاك يمارسونه على الناس حتى طوقوهم بذلك الحجر الفكري الذي حَرَمَ هذا العبقري الألمعي من سماع القرآن طيلة تلك السنوات ، فما أن لامست روعة القرآن الكريم حسه المرهف حتى اهتز كيانه ، وانتعش وجدانه ، فأعلن كلمة الحق مدوِّية في الفضاء بكل عزة وإباء ، وهاجم الباطل بكل شجاعة وإقدام واستفز رؤوس الطغيان واستهان بهم، لأنه يعلم يقينا أنهم كانوا وراء بقائه سابقًا على الضلال ، وبقاء كل من تجرد من الهوى المنحرف على ضلاله بما يقومون به من الإعلام المضلل والإرهاب الفكري المنظم .

 

كما نلحظ في هذا الخبر دقة التربية التي تلقاها الصحابة رجالاً ونساءً ، فحينما سأل عمر رضي الله عنه أخته عن مكان النبي صلى الله عليه وسلم كانت مخيلتها تدور بين أمرين : الأول : وجوب حماية النبي صلى الله عليه وسلم وعدم جواز إفشاء أسرار المؤمنين ، والأمر الآخر : رغبتها الملحة في هداية أخيها إلى الإسلام بعدما قرأتْ في وجهه وفي سلوكه علامات الهداية والإقبال ، فكان أن جمعت بين الأمرين بإخباره عن مقر النبي صلى الله عليه وسلم بعد أخذ العهد عليه بأن لايجبهه بشيء يكرهه .

 

كما نلحظ مثالاً لما كان يتصف به العرب آنذاك من التحلي ببعض مكارم الأخلاق كالصدق والوفاء والأمانة مما جعلهم أهلاً لحمل هذه الرسالة العظيمة ، وقد استقر في ذهن فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها اتصاف أخيها بهذه المعاني فإنها قد وثقت في أنه لن ينقض عهده ذلك فأقدمت على ما أقدمت عليه من إفشاء السر لتلك المصلحة العظيمة .

 

هذا ولماأسلم عمر سعى في إعلان إسلامه ليغيظ الكفار ولينال من الأذى على أيديهم مثل ما ناله إخوانه المسلمون من قبل ، ويصور ذلك ما أخرجه ابن إسحاق قال : حدثني عبد الرحمن بن الحارث عن بعض آل عمر أو بعض أهله قال : قال عمر : لما أسلمتُ تلك الليلة تذكرت أيَّ أهل مكة أشد لرسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة حتى آتيه فأخبره أني قد أسلمت ، قال قلت: أبو جهل ، - وكان عمر لحنتمة بنت هشام ابن المغيرة [يعني أن حنتمة أمه وهي أخت أبي جهل] – قال فأقبلت حين أصبحت حتى ضربت عليه بابه ، قال: فخرج إليّ أبو جهل فقال : مرحبا وأهلاً يا ابن أختي ما جاء بك ؟ قال : جئت لأخبرك أني قد آمنت بالله ورسوله محمد وصدقت بما جاء به ، قال: فضرب الباب في وجهي وقال : قبحك الله وقبح ماجئت به.( سيرة ابن هشام 1/364)

 

وهكذا بلغ من قوة إيمان عمر أن تحدى بإسلامه أقوى رجل في قريش وأشدهم عداوة للإسلام، وكان بإمكانه لو أراد السلامة لنفسه أن يستخفي بإسلامه ، أو على الأقل أن يترك الأمر حتى يعلم الكفار عن ذلك بالتدريج .

 

وحينما لم يصنع أبو جهل معه شيئًا ولم يعلن هذا الخبر بحث عن رجل آخر ليقوم بإعلان هذا الخبر .

 

قال ابن إسحاق : وحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن ابن عمر قال : لما أسلم أبي عمر قال: أي قريش أنقل للحديث ؟ فقيل له : جميل بن معمر الجمحي ، قال : فغدا عليه ، قال عبد الله بن عمر : فغدوت أتبع أثره وأنظر مايفعل ، وأنا غلام أعقل كل ما رأيت حتى جاءه فقال له: أعلمت ياجميل أني قد أسلمت ودخلت في دين محمد ؟ فو الله ماراجعه حتى قام يجر رداءه ، واتبعه عمر واتبعت أبي ، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته : يامعشر قريش – وهم في أنديتهم حول الكعبة - : ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ .

 

قال : ويقول عمر من خلفه : كذب ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ، وثاروا إليه ، فما برح يقاتلهم ويقاتلونه ، حتى قامت الشمس على رؤوسهم ، قال وطَلحَ [يعني تعب] فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول : افعلوا مابدا لكم فأحلف بالله أن لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا .

 

قال : فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حَبرة وقميص موشَّى ، حتى وقف عليهم ، فقال : ماشأنكم ؟ قالوا : صبأ عمر ، قال: فمه ؟ رجل اختار لنفسه أمرًا فماذا تريدون؟ أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم هكذا  ؟ خلوا عن الرجل،قال : فوالله لكأنما كانوا ثوبًا كشط عنه .

 

قال : قلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة : يا أبت من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك ؟ قال : ذلك أي بني العاص بن وائل السهمي.( سيرة ابن هشام 1/362 . وقد أخرج الإمام البخاري هذا الخبر مختصرًا – صحيح البخاري رقم 3865 ، كتاب مناقب الأنصار (الفتح 7/177)- . وذكره الهيثمي من رواية الطبراني في الأوسط وقال : ورجاله ثقات – مجمع الزوائد 9/65 -).

 

وهكذا نجده رضي الله عنه يعلن إسلامه أمام الملأ من قريش وهو يعلم أنهم سيجتمعون على ضربه وربما قتلوه لكثرتهم ولم يكن في توقعه أن يأتي خاله العاص بن وائل السهمي لينقذه ، وذلك لأن إيمانه كان قويًّا فهانت عليه نفسه من أجل إظهار عزة الإسلام وإرهاب الكافرين .

 

هذا وقد جاء في بعض الروايات أن عمر رضي الله عنه طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهور الجماعي بدعوة الإسلام إعزازًا لهذا الدين وتحديًا للمشركين .

 

ومما جاء في ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير من رواية الحافظ أبي الحسين خيثمة بن سليمان الأطرابلسي من حديث عائشة رضي الله عنها قالت بعد أن ذكرت حادثة هجوم الكفار على المسلمين وعلى أبيها خاصة : وأقاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدار شهرًا وهم تسعة وثلاثون رجلاً ، وقد كان حمزة أسلم يوم ضُرب أبو بكر ، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب أو لأبي جهل ابن هشام ، فأصبح عمر وكانت الدعوة يوم الأربعاء فأسلم عمر يوم الخميس ، فكبرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل البيت تكبيرة سُمعت بأعلى مكة ، وخرج أبو الأرقم – وهو أعمى كافر – وهو يقول : اللهم اغفر لبَنِيَّ غير الأرقم فإنه كفر .

 

فقام عمر فقال : يارسول الله علام نخفي ديننا ونحن على الحق ويظهر دينهم وهم على الباطل ؟ قال : ياعمر إنا قليل وقد رأيت مالقينا ، فقال عمر : فو الذي بعثك بالحق لايبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإيمان .

 

ثم خرج فطاف بالبيت ثم مر بقريش وهي تنتظره فقال أبو جهل ابن هشام : يزعم فلان أنك صبوت ؟ فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ، وأن محمدًا عبده ورسوله ، فوثب المشركون إليه ، ووثب على عتبة فبرك عليه وجعل يضربه وأدخل إصبعه في عينيه فجعل عتبة يصيح فتنحى الناس ، فقام عمر فجعل لايدنو منه أحد إلا أخذ بشريف ممن دنا منه حتى أعجز الناس ، واتبع المجالس التي كان يجلس فيها فيظهر الإيمان .

 

ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر عليهم ، قال: ماعليك بأبي وأمي والله مابقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإيمان غير هائب ولاخائف .

 

فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج عمر أمامه وحمزة بن عبد المطلب حتى طاف بالبيت وصلى الظهر مؤمَّنا،ثم انصرف إلى دار الأرقم ومعه عمر،ثم انصرف عمر وحده،ثم انصرف النبي صلى الله عليه وسلم.(البداية والنهاية 3/30)

 

هذا وماجرى من عمر من تخصيص مزيد من الهجوم على عتبة بن ربيعة يعدُّ انتقامًا منه لما صنعه عتبة قبل ذلك بأبي بكر .

 

وبهذه المعركة التي صارع بها عمر وحده مجموعة من المشركين أثبت أن شأن الكفار ضعيف وأنه بإمكان المسلمين أن يُظهروا دينهم في وسط مجامع الكفار .

 

وقد جاء في آخر رواية أبي نعيم السابقة زيادة تفصيل لما جرى من عرض عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج وقيامهم بذلك حيث جاء فيها " قلت : يارسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا ؟ قال: بلى والذي نفسي بيده إنكم لعلى الحق إن متم وإن حييتم ، قال قلت : ففيم الاختفاء ؟ والذي بعثك بالحق لنخرجن ، فأخرجناه في صفين : حمزة في أحدهما وأنا في الآخر ، له كديد ككديد الطحين [الكديد التراب الناعم فإذا وطيء ثار غباره ، أراد أنهم كانوا في جماعة وأن الغبار كان يثور من مشيهم – النهاية 4/155 - .] حتى دخلنا المسجد ، فنظرَتْ إليَّ قريش وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاروق ، وفرق الله بين الحق والباطل. ( دلائل النبوة لأبي نعيم /79).

 

وهكذا تقَوَّى الصحابة بإسلام عمر بعد إسلام حمزة رضي الله عنهم فخرجوا جماعة إلى الحرم، وماكانوا قبل ذلك يخرجون إلا فرادى ، بل كان الكثير منهم لايتمكنون من الصلاة في الحرم كما جاء في قول ابن مسعود رضي الله عنه السابق " ولقد كنا مانصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر" .

 

هذا وإن موافقة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك الخروج الجماعي من أجل إظهار شعائر الإسلام دليل على أنه كان ينتظر ذلك اليوم الذي يتمكن فيه من إظهار عزة الإسلام وقوة المسلمين من غير أن يتعرضوا للأذى ، فلما عرض عليه عمر هذا الأمر وافق على ذلك ، حيث انضم إلى صف المسلمين بَطَلان لكل واحد منهما مكانة كبيرة في مجتمع مكة المكرمة ، وهذا دليل على أن الأصل هو إظهار شعائر الإسلام والاجتماع على ذلك ليكون أبلغ في الدعوة ، وأكثر ارهابًا للأعداء ، وذلك لأن كثيرين في ذلك المجتمع مقتنعون بالإسلام ولكنهم ينتظرون بإسلامهم ظهور قوة المسلمين وانخفاض قوة الكافرين حيث إنهم لم يصلوا من القناعة إلى حد التضحية والبذل في سبيل الله تعالى.

 

ولهذا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَعدَّ عرض عمر هذا تعجلا في الظهور الجماعي لأن أمة المسلمين قد بلغت بانضمام هذين العملاقين إلى صفها حدا يمكِّنها من مقاومة زعماء الباطل لو فكروا في صد ذلك الجمع بالقوة .

 

وهكذا رأينا تأثر المشركين واغتمامهم حينما رأوا المسلمين يخرجون لإظهار دينهم مجتمعين، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج كل يوم إل الحرم ، فيعلن صلاته ويجهر بقراءته ، ولم يكن لخروجه وإعلانه الأثر نفسه الذي كان للجماعة مع أنه رسول الله ، هذا يدلنا على أهمية اجتماع المسلمين لإظهار دينهم وإنكار المنكر ، فإن الأعداء لايبالون بالأفراد الذين ليسوا في جماعة مهما علا ذكرهم واشتهر أمرهم لأنهم لن يغيروا من الأمور المنكرة شيئا يذكر ، ويستطيع الأعداء أن يحتووهم أحيانًا وأن يجابهوهم أحيانًا أخرى حتى يضعفوا وينتهي وجودهم .

 

ومن خروج النبي صلى الله عليه وسلم يقود تلك الجماعة حينما أصبحت جماعة المسلمين قادرة على المجابهة السلمية .. من ذلك نستفيد وجوب اجتماع المسلمين لإظهار وجود الإسلام وإعزاره وإنكار المنكر ، وذلك في المنكرات الظاهرة التي تحميها بعض القوى المهيمنة ولايستطيع الأفراد أن يغيروها.

 

ومما يؤيد ثبوت خروج النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ما أخرجه الحاكم من حديث عثمان بن عبد الله بن الأرقم عن جده الأرقم وكان بدريًّا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوى في داره عند الصفا حتى تكاملوا أربعين رجلاً مسلمين ، وكان أخرهم إسلامًا عمر بن الخطاب رضي الله عنهم ، فلما كانوا أربعين خرجوا إلى المشركين .

 

قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.( المستدرك 3/504).

 

وذكر الحافظ الهيثمي أن الإمام أحمد والطبراني أخرجاه وقال: ورجال الطبراني ثقات.( مجمع الزوائد 4/5).

 

وهكذا تم إسلام عمر رضي الله عنه ، وانطلق من تلك اللحظة في العمل لخدمة الإسلام متفانيًا في الدفاع عنه معليا من شأن المسلمين ، وما زال بعد ذلك مجاهدًا في سبيل الله واهبًا نفسه بكل ما تملك من طاقات لخدمة الإسلام والمسلمين حتى قتل شهيدًا في سبيل الله تعالى في آخر خلافته .

 

وكان كما وصفته عائشة رضي الله عنها : " كان والله أحوذيّا نسيجَ وحْدِه ، كأنما خلق للإسلام ، قد أعدَّ للأمور أقرانها " فرضي الله عنه وأرضاه .

*          *          *

انتهى

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 16:40:03


5 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8310731 عدد زيارات الموقع 64 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com