الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
سيرة المشرف
مؤلفات المشرف
ديـوانية المشـرف
الصـوتـيــــات
مقال الموقع
فتاوى الموقع
ملتقيات الخير
شبهات و ردود
مـقـالات مـخـتارة
المـعـهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
من فتاوى العلماء
ســيــر الصــحـابة
تراجم من علمائنا
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة د. عبدالعزيز الحميدي المتقون المتقون - العدد التاسع عشر

المتقون - العدد التاسع عشر

تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :

1 – قبسات من القرآن الكريم .

2 – قبسات من السنة النبوية .

3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .

4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .

- قبسات من القرآن الكريم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله تعالى (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ{10} قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ{11} قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ{12}) [الأنعام : 10 – 12] .

 

[10] يبين الله تعالى في هذه الآية أن أولئك الكفار الذين استهزؤوا بالرسول  صلى الله عليه وسلم قد سبقهم أقوام استهزؤوا برسلهم فأحاط بهم العذاب الذي كانوا ينكرونه ويسخرون من رسلهم إذا حدثوهم عنه ، وفي هذا تذكرة لهؤلاء المستهزئين من كفار العرب بما ينتظرهم من الهلاك والدمار كالذي أصاب المستهزئين من قبلهم ، كما أن فيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ببيان أنه ليس الوحيد في الميدان ، فقد سبقه رسل كرام تعرضوا للسخرية من أعدائهم .

 

[11] فقل ياأيها الرسول لهؤلاء الكفار المستهزئين : سيروا في الأرض معتبرين مستبصرين ، وادرسوا أحوال الأمم من قبلكم ، ثم انظروا كيف كانت عاقبة المكذبين من الهلاك والدمار ، فاحذروا أن تتعرضوا لمثل مصارعهم فيما إذا بقيتم على تكذيبكم واستهزائكم .

 

[12] وفي  هذه الآية يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يخاطب المشركين ويسألهم عن ملكية السموات والأرض ومافيهن لمن هي ؟ فهي لله جل وعلا وحده كما يعلم المشركون ويقرون به ، فإذا كان الأمر كذلك فليعبدوه وحده ولا يشركون مالا يملك شيئا من ذلك ، وإذا كانوا يصرون على شركهم فإن رحمة الله واسعة (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) أنه لا يعاجل عباده بالعقوبة ، بل يمهلهم ليتوبوا ، وليجمعنهم ليوم القيامة الذي لاشك فيه للحساب والجزاء .

 

(الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ) فضيعوا الفطرة الحنيفية التي فطرهم الله عليها وعطلوا عقولهم السليمة فأوردوا أنفسهم موارد الهلاك حيث لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بما دعاهم إليه من الإيمان بالله تعالى وتوحيده .

 

ويقول الله تعالى (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{13} قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ{14} قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ{15} مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ{16}) [ الأنعام 13 – 16] .

 

[13] في هذه الآية يقرر الله سبحانه سعة ملكه ، فله جل وعلا ملك كل شيء في السموات والأرض، وقد ضرب المثل بما سكن وخفي في هذه الأرض التي تتعرض للَّيل والنهار ، ومن باب أولى ماتحرك وظهر ، سواء في ذلك الأحياء أو الجمادات ، فالكل ملكه وتحت إرادته وتدبيره ، وهو السميع لكل شيء ، ومن ذلك أقوال عباده ، العليم بكل شيء ، ومن ذلك حركاتهم وسكناتهم .

 

[14] ثم يأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لأولئك المشركين مع الله عز وجل آلهة أخرى : أغير الله سبحانه أتخذ وليا أخضع له وألجأ إليه وأستنصره ؟ والحال أنه وحده جل وعلا خالق السموات والأرض ومافيهن ، وهو الذي يرزق خلقه ولايرزقه أحد ، قل إني أمرني الله أن أكون أول من خضع له عز وجل بالعبودية وانقاد لأمره وشرعه في كل أمور حياته وهو الذي نهاني عن أكون من المشركين معه غيره سواء في مجال العبادة أو في مجال الطاعة .

 

وإذا كانت هذه الآية وأمثالها قد نزلت في المشركين الذين يعبدون الأوثان ويزعمون أنهم إنما عبدوها لتقربهم من الله تعالى كما ذكر الله سبحانه عنهم بقوله (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) [ الزمر :3] إذا كان هذا هو شأن هؤلاء المشركين فإن الذين يَدْعون من يعتقدون فيهم الصلاح من الأحياء أو الأموات بأن يجلبوا لهم نفعا أو يدفعوا عنهم ضررا بغير الأسباب التي خلقها الله تعالى وجعلها موصلة لنتائجها .. إن الذين يفعلون ذلك بحجة أنهم يتخذون هؤلاء الصالحين وسائط بينهم وبين الله تعالى لصلاحهم قد أشركوهم مع الله عز وجل ، لأنهم رتبوا حصول المقاصد على مجموع الإرادتين إرادة هؤلاء الصالحين وإرادة الله عز وجل ، ولا يُبَرِّئهم من الشرك ادِّعاؤهم بأنهم لا يعتقدون استقلال هؤلاء الصالحين بجلب النفع أو دفع الضرر ، لأن هذا إنما ينفعهم في نفي الكفر عنهم ولا ينفعهم في نفي الشرك ، وكونهم ينفون استقلال أوليائهم بتحقيق المطالب دليل على أنهم يعتقدون مشاركتهم لله تعالى في ذلك ، والذين يجعلون هذا الدعاء من باب التوسل الذي أجازه بعض العلماء قد وهموا كثيرا ، لأنهم قد صرحوا بدعاء الصالحين فجعلوهم المطلب الأول ، وقد يخطر بقلوبهم تذكر الله تعالى وقد يغيب عنهم ذلك مع إلف النفوس للتوجه نحو الصالحين عند حلول الشدائد .

 

أما في قضية التوسل بالصالحين فإنهم قد جعلوا المطلوب هو الله تعالى حيث وجهوا له الدعاء، وإنما جعلوا الصالحين وسيلة للفوز بإجابة الله تعالى ، وإذا كان المحققون يَعدُّون التوسل بالصالحين من مواطن الريبة ومجالات الشبهة التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله " دَعْ ما يريبك إلى مالا يريبك " (أخرجه الإمام أحمد 3/152 ، والترمذي وصححه ، رقم 2518).

 

وقوله " فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه "( أخرجه الشيخان ، صحيح البخاري ، رقم 52 ، صحيح مسلم رقم 1599).

 

وإذا كان المسلم مأمورًا بأن لا يجعل بينه وبين الله تعالى واسطة بالتوسل لأن ذلك من الوقوع في الريبة والشبهة فإن توجيه الدعاء للصالحين بحجة التوسط بهم عند الله يُعدُّ دخولا في المحرم الصريح على قول من يُعتدُّ بقولهم من العلماء .

 

وإذا كان هذا الحكم في تولي غير الله تعالى في جلب النفع ودفع الضرر عن طريق الدعاء فإن هذا الحكم ينطبق على الخضوع لغير الله تعالى والطاعة في مجالي التشريع والحكم ، فالذين يدعون غير الله تعالى بحجة أنهم وسائط بينهم وبين الله عز وجل يشبهون مشركي العرب من هذا الجانب، والذين يطيعون غير الله تعالى في معصيته ويجعلون من حق الحكام أن يشرعوا من دون الله جل وعلا وأن يحكموا بغير ما أنزل يشبهون شعوب فارس والروم ونحوهم من شعوب الدول التي كانت في العهد النبوي ، فالمسلمون جاهدوا مشركي العرب لأنهم اتخذوا أصنامهم أولياء من دون الله تعالى ، فكانت غاية دعوتهم إخراج العباد من عبادة الأصنام إلى عبادة الله وحده كما هو واضح من أخبار السيرة النبوية ، ثم جاهدوا فارس والروم ونحوهم لإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده كما جاء على لسان وفود المسلمين من أمثال معاذ بن جبل وخالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم وزهرة بن الحيوية وربعي بن عامر رحمهما الله كما في أخبار معركتي اليرموك والقادسية .

 

[15] قل – أيها الرسول – للمشركين إنني أخاف إن عصيت ربي فخالفت أمره إياي بالتوحيد بالعبادة والطاعة - على سبيل الفرض – أن ينـزل بي عذاب يوم عظيم هائل وهو يوم القيامة .

 

[16] من يَصرف الله تعالى عنه العذاب في ذلك اليوم العظيم بما فيه من حساب عسير وعذاب أليم فقد رحمه وأنقذه من الهلاك ، وذلك هو الظفر البيِّن بالنجاة من ذلك العذاب الشديد الهائل ، في الوقت الذي يرتكس فيه المشركون .

 

*         *        *

- قبسات من السنة النبوية –

- الحث على الحب في الله –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : فقد تحدثنا في الحلقة الماضية عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان ، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لايحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار " وتبين لنا الموضوع الأول وهو حب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ونكمل في هذه الحلقة الكلام على هذا الموضوع .

 

ولقد تبين لنا أهمية محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وإذا كانت هذه المحبة بهذه الأهمية العظمى وعلِمْنا الأساس الذي بُنيت عليه فأي عاقل يمكن أن يُسوِّي غيرهما بهما في المحبة ؟! فضلا عن أن يحب غيرهما أكثر من محبتهما ، بل الحقيقة أن كل محبة في الوجود يجب أن تخضع لما يحبه الله جل وعلا ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وإذا تعارضت مع ذلك يجب أن تُمحَى من القلوب .

 

ومما جاء في بيان عظمة محبة الله جل وعلا ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ{24}) [التوبة :24] .

 

فقد بين جل وعلا أن محبته ومحبة رسوله يجب أن تكون هي الأعلى من كل شيء عند الموازنة ، وأن لايزاحم وجودها في قلب المؤمن حبُّ الأقارب وحب مظاهر الحياة الدنيا ، بل تكون محبة الله ورسوله هي الأعلى وتكون محبة الأشياء الأخرى التي لاتناقض هذه المحبة دون ذلك ومترتبة على هذه المحبة ، فإن كان الأمر بضد ذلك وأصبحت محبة الأقارب والمظاهر الدنيوية أعلى من محبة الله ورسوله فإن الأمر خطير جدا ، ومن وقع في ذلك فلينتظر عذاب الله تعالى ونكاله فإنه سبحانه لايهدي القوم الخارجين عن طاعته إلى مافيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.

 

وفي بيان أسباب محبة الله تعالى يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى : الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها وهي عشرة :

 

أحدها : قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد منه ، كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه ليتفهم مراد صاحبه منه .

 

الثاني : التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض ، فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة .

 

الثالث : دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب ، والعمل والحال ، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر .

 

الرابع : إيثار مَحابِّه على محابك عن غلبات الهوى ، والتسنُّمُ إلى محابه وإن صعب المرتقى .

 

الخامس : مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتُها ومعرفتها ، وتقلبُه في رياض هذه المعرفة ومباديها ، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة .

 

السادس : مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة فإنها داعية إلى محبته .

 

السابع : وهو من أعجبها – انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى ، وليس في التعبير عن هذا المعنى غيرُ الأسماء والعبارات .

 

الثامن : الخلوة به وقت النـزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه ، والوقوفُ بالقلب والتأدبُ بأدب العبودية بين يديه ، ثم ختمُ ذلك بالاستغفار والتوبة .

 

التاسع : مجالسة المحبين الصادقين ، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما يُنتقى أطايب الثمر ، ولاتتكلمْ إلا إذا ترجحتْ مصلحة الكلام ، وعلمت أن فيه مزيدًا لحالك ومنفعةً لغيرك .

 

العاشر : مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل .

 

قال : فمن هذه الأسباب العشرة وصل المحبون إلى منازل المحبة ودخلوا على الحبيب ، وملاك ذلك كلِّه أمران : استعداد الروح لهذا الشأن وانفتاحُ عين البصيرة ، وبالله التوفيق.( مدارج السالكين 3/17 – 18).

 

هذا وقد بين الله تعالى أن هذه المحبة هي أبرز صفات المؤمنين الذين يستحقون وراثة الأرض وذلك في قوله جل وعلا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ{54}) [المائدة :54] فبين سبحانه أن القوم الذين يستحقون أن يُستخلَفوا في الأرض هم الذين يحبهم الله ويحبونه ، ثم بين تعالى بعض مقتضيات هذه المحبة بقوله (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) فالذين يحبون الله تعالى لا يتكبرون على إخوانهم المؤمنين، ولايخضعون للكافرين ، بل يتواضعون لإخوانهم ، ويُظهرون عزة الإسلام أمام الكافرين، كما قال تعالى في وصف الصحابة رضي الله عنهم (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ) .

 

ثم قال تعالى في بيان بعض هذه المقتضيات (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ) فهؤلاء الذين يحبهم الله جل وعلا ويحبونه يجاهدون في سبيله أعداءه وأعداء دينه ، ولايخافون في قول كلمة الحق والعمل به لومة لائم ولاعذل عاذل لأن محبة الله سبحانه قد عمرت قلوبهم فهيمنت على مشاعرهم وحكمت سلوكهم .

 

وقد أخرج الإمام أحمد في هذا المعنى من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: "أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع ، أمرني بحب المساكين والدُّنو منهم ، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي ، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرتْ ، وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئًا ، وأمرني أن أقول بالحق وإن كان مرَّا ، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم ، وأمرني أن أُكثر من قول لاحول ولا قوة إلا بالله ، فإنهن من كنـز تحت العرش ".( مسند أحمد 5/159).

 

فهذه الوصايا تشتمل على أخلاق عالية : من التواضع ، وذلك بحب المساكين والاعتبار بحال الفقراء وعدم الاغترار بحال الأغنياء ، وكذلك الوفاء وذلك بصلة الرحم ، والعدل وذلك بقول الحق على كل حال وعدم النظر إلى المثبطين والمائلين نحو الظلم والنكول عن قول الحق ، وأخيرا التوكل على الله تعالى وحده وذلك باليقين بأنه لاقوة للإنسان ولامقدرة له على التحوُّل من حال الشدة إلى حال الرخاء إلا بالله وحده عز وجل .

*         *          *

- توجيهات ومواقف أخلاقية –

- مواقف في الصبر –

- نماذج من صبر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم-

تقدم ذكر نماذج من صبر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم على الأذى في "مواقف دعوية من السيرة النبوية " والمقصود هنا بيان نماذج من صبر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم على شظف العيش وشدته ، وقد وردت في ذلك أحاديث منها ما أخرجه الحافظان مسلم والترمذي واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم في ساعة لايخرجُ فيها ولا يَلقَاهُ فيها أحد، فأتاه أبو بكر فقال: ماجاء بك يا أبا بكر ؟ فقال: خرجت ألقى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأنظر في وجهه وأسلِّم عليه ، فلم يلبث أن جاء عمر ، فقال: ماجاء بك ياعمر ؟ قال: الجوع يارسول الله؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :وأنا قد وجدت بعض ذلك،فانطلقوا إلى منـزل أبي الهيثم بن التَّيِّهان الأنصاري وكان رجلاً كثير النخل والشاء ولم يكن له خدمٌ فلم يجدوه فقالوا لامرأته أين صَاحبك ؟ فقالت: انطلقَ يسْتعذبُ لنا الماءَ ، فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعُبُها (يزعبها أي يتدافع بها ويحملها لثقلها) فوضعها ثم جاء يلتزم النبي صلى الله عليه وسلم ويُفديه بأبيه وأمه ، ثم انطلق بهم إلى حديقته فَبَسَط لهم بساطًا ، ثم انطلق إلى نخلة فجاء بقنو فوضعه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ، أفلا تنقيت لنا من رُطبه ؟ فقال: يارسول الله إني أردتُ أن تختاروا ، أو قال تخيروا من رُطبه وبُسْره ، فأكلوا وشربوا من ذلك الماء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة : ظلٌّ باردٌ ، ورُطَبٌ طَيِّبٌ ، وماءٌ باردٌ ، فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعامًا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لاتذبحن ذاتَ دّرَّ ، قال : فَذَبَحَ لهم عنَاقًا أو جَدْيًا فأتاهم بها فأكلوا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هل لك خادمٌ ؟ قال لا ، قال: فإذا أتانا سبيٌ فائتنا فأُتي النبي صلى الله عليه وسلم برأسين ليس معهما ثالثٌ فأتاهُ أبو الهيثم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم اختَرْ منهما ، فقال: يانبي الله اخترْ لي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن المستشارَ مُؤتمنٌ ، خذ هذا فإني رأيته يُصلِّي واستوص به معرُوفًا ، فانطلقَ أبو الهيثم إلى امرأته فأخبرها بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت امرأته : ما أنت ببالغ ما قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن تعتقه ، قال : فهو عتيقٌ ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله لم يبعثْ نبيًا ولاخَليفةً إلا وله بطانتان بطانةٌ تأمُرُهُ بالمعروف وتنهاهُ عن المنكر ، وبطانةٌ لاتألُوهُ خبالاً ، ومن يُوقَ بطانةَ السُّوء فقد وُقِي.( سنن الترمذي ، رقم 2369 ، كتاب الزهد (4/584 – 585) صحيح مسلم رقم 2038 ، كتاب الأشربه ، (ص1609))

 

ولقد كان المهاجرون وهم في مكة قبل الإسلام في رغد من العيش ، فلما جاء الإسلام وعاداه أكثر كبراء مكة ضيقوا على بعض المسلمين في معيشتهم كما سبق بيان ذلك ، ثم لما هاجروا تركوا جميع أموالهم للمشركين وواجهوا حياة الفقر في المدينة ، وقد كانت لهم مواقف في الصبر تُعدُّ نموذجًا يُحتذى لمن بعدهم .

 

ومما يصور بعض ماواجهوه من ذلك ما أخرجه ابن إسحاق رحمه الله من طريق صالح بن كيسان عن سعد بن مالك رضي الله عنه قال: كنا قبل الهجرة يصيبنا ظلف العيش وشدته فلا نصبر عليه، فما هو إلا أن هاجرنا فأصابنا الجوع والشدة فاستضلعنا بهما وقوينا عليهما ، فأما مصعب بن عمير فإنه كان أترف غلام بمكة بين أبويه فيما بيننا ، فلما أصابه ما أصابنا لم يقو على ذلك ، فلقد رأيته وإن جلده ليتطاير عنه تطاير جلد الحية ، ولقد رأيته يُنقطع به فما يستطيع أن يمشي، فنعرض له القِسِيَّ ثم نحمله على عواتقنا ، ولقد رأيتني مرة قمت أبول من الليل فسمعت تحت بولي شيئا يجافيه ، فلمست بيدي فإذا قطعة من جلد بعير ، فأخذتها فغسلتها حتى أنعمتها ثم أحرقتها بالنار، ثم رضضتها فشققت منها ثلاث شقات فاقتويت بها ثلاثًا.( سير أعلام النبلاء 1/148 ، أسد الغابة 4/369).

 

وهذا تصوير واضح لما كان يعاني منه المسلمون في أول الإسلام من شدة العيش وخشونة الحياة، وقوله " كنا قبل الهجرة يصيبنا ظلف العيش وشدته فلا نصبر عليه " المراد بالصبر هنا الإلف والاعتياد ومرونة الأجسام على حياة الفقر والشدة وليس المراد انتفاء الصبر النفسي فإن الصحابة رضي الله عنهم لقوة إيمانهم كانوا في قمة الصابرين ، يدل على ذلك قوله "فما هو إلا أن هاجرنا فأصابنا الجوع والشدة فاستضلعنا بهما وقوينا عليهما" يعني فالصبر النفسي موجود قبل ذلك ، ولكن حياة الاعتياد والانسجام كانت أظهر في المدينة ، وظل عدم الإلف والانسجام واضحا في حياة مصعب بن عمير حتى بعد الهجرة ، وذلك لتميزه بنوع من حياة الترف والنعيم قبل الإسلام، وعلى الرغم مما عرض لـه من هذا التحول المفاجئ في حياته وماقامت به أمه وقومه من التضييق عليه فإنه ظل صابرًا محتسبًا .

 

ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتأثر لِمَرآه وهو يقارن حاله تلك بحاله الأولى ، كما أخرج الإمام الترمذي وحسنه من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : إنا لجلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد إذ طلع علينا مصعب بن عمير ماعليه إلا بردة له مرقوعة بفرو [ يعني بجلد] فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى للذي كان فيه من النعمة والذي هو فيه اليوم ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلة وراح في حلة ، وَوُضعَتْ بين يديه صحفة ورفعت أخرى  وسترتم بيوتكم كما تُستر الكعبة ؟ قالوا : يارسول الله نحن يومئذ خير منا اليوم ، نتفرغ للعبادة وَنُكْفَى المؤنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أنتم اليوم خير منكم يومئذ " .( سنن الترمذي ، كتاب صفة القيامة رقم 2476 (4/647 )).

 

وبهذا نبههم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن الاستقامة على الدين لاتكون مع حياة الترف والإسراف، لأن هذا النوع من الحياة يُورث القلوب قساوة وجفاء . وقلَّ من يشكر عند الرخاء فيبقى على مستواه من الإيمان في حال الشدة والرخاء .

 

ولقد كان لتوجيهات النبي صلى الله عليه وسلم أثر واضح في حياة الصحابة رضي الله عنهم ، فقد فهموا أن الابتلاء مع الصبر والاحتساب كفارة للخطايا ، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم " مايزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وماعليه خطيئة " أخرجه الإمام مالك والترمذي بإسناد حسن.( موطأ مالك 1/236 ، سنن الترمذي رقم 2401 ، في كتاب الزهد).

 

وفهموا أن الصبر على البلاء رفع للدرجات يوم القيامة وأن ابتلاء المؤمن من محبة الله تعالى له، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن عظَم الجزاء مع عظم البلاء ، وأن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط " أخرجه الإمام الترمذي بإسناد حسن.( سنن الترمذي ، كتاب الزهد رقم 2398).

 

وأخذوا العبرة من ابتلاء الأنبياء عليهم السلام واقتدوا بهم في الصبر والاحتساب، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل ، يُبْتَلَى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رقة ابْتُلِيَ على قدر دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وماعليه خطيئة " أخرجه الإمام الترمذي وقال: حسن صحيح  .( سنن الترمذي ، الزهد ، باب 45 (7/78)).

*          *          *

- مواقف دعوية من السيرة النبوية –

- مثل أعلى للتحول بعد الهداية -

(إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه )

حينما تتجمع خصال أمة من الناس في رجل واحد يصنع العجائب بقدرة الله تعالى، إذا آمن واستقام ، لأنه بإيمانه بالله تعالى يكون فكره مشدودًا إلى الأعلى ، إلى صانع الكون ومدبره فتسمو مداركه وتصفو تصوراته ، وباستقامته تزكو نفسه ، وينمو إيمانه ، ويتطهر قلبه وجوارحه من الزلل والانحراف .

 

ولكنه حينما يظل على الكفر فإنه يبقى تائهًا مقصورًا فكره على محقرات الأمور التي لاتعدوها تصورات الناس المجردة من الإيمان ، وتظل مواهبه حبيسة مكبوتة لأن حجاب الكفر يعرقلها بالأغلال ، ويحيطها بالظلمات الحالكة ، فلا تنطلق إلا في حدود ضيقة تحكمها عادةً الأعراف القومية بما فيها من كبت وانحراف .

 

وحينما يؤمن ولايطبق حدود الاستقامة تعود إلى الفكر حجب الجاهلية بشكل آخر يتسم بالشعور الدائم بالذنب الذي يعطل الفكر ويقيده فلا يدعه ينطلق إلى الجو الأعلى الرحيب .

 

فكما أن الكفر بمختلف مذاهبه أغلال مقيدة للعقل السليم والفكر النافذ فإن المعاصي كذلك وإن اختلفت مناحي الغَل والتقييد .

 

وهكذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه في جاهليته حينما لم يكن شيئًا مذكورًا إلا في حدود أعراف قبيلته الجاهلية .. ثم كان ما كان بعد إسلامه من عظمته الخارقة ، التي أصبحت مضرب المثل عبر الأجيال .

 

ولقد عبر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عما أحدثه إسلام عمر في الأمة بقوله : إن إسلام عمر كان فتحًا ، وإن هجرته كانت نصرًا ، وإن إمارته كانت رحمة ، ولقد كنا مانصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر ، فلما أسلم قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه.( أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني " فتح الباري 7/48")

 

وقال أيضًا " مازلنا أعزة منذ أسلم عمر ". ( صحيح البخاري ، كتاب فضائل الصحابة باب 6 " الفتح 7/41")

 

لقد كان عمر رضي الله عنه شديد القسوة على المسلمين قبل أن يسلم ، فلما هداه الله للإسلام حوَّل قوته العظيمة للدفاع عن الإسلام والمسلمين فكان عظيم التحدي للكفار حتى اعتز به المسلمون ، وفرق الله به بين الحق والباطل ، ولذلك لقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاروق .

 

وكان من قصة إسلامه فيما رواه ابن إسحاق رحمه الله :

" أن أخته فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها كانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه ، وكانت قد أسلمت وأسلم زوجها سعيد ، وهما مستخفيان بإسلامهما من عمر، وكان نعيم بن عبد الله النحام – رجل من قومه من بني عدي بن كعب – قد أسلم ، وكان أيضًا يستخفي بإسلامه فرقًا من قومه [فرَقًا بفتح الراء يعني خوفًا] ، وكان خباب بن الأرتِّ يختلف إلى فاطمة بن الخطاب يقرئها القرآن " .( يعني هي وزوجها سعيد بن زيد كما سيأتي)

 

وإخفاء الإسلام في حال الفتنة وضعف المسلمين له مزاياه المتعددة ، من السلامة من الأذى الذي قد يجر إلى الافتتان ، والقيام بخدمة الدعوة في أمور لايستطيع القيام بها من استعلن بإسلامه، ولكن الاستخفاء بالإسلام ليس هو الأصل وإنما هو مشروع عند الضرورة وعند احتياج الدعوة، فالأصل هو إعلان الإسلام والقيام بالدعوة إليه لتعلو كلمة الحق وتقوم الحجة على الغافلين .

 

قال : "فخرج – يعني عمر – متوشحًا سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطًا من أصحابه قد ذُكروا له أنهم اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين مابين رجال ونساء ، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبد المطلب وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين رضي الله عنهم ممن أقام ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة " .

 

وهل كان خروج عمر لقتل النبي صلى الله عليه وسلم بدافع شخصي بحكم ما كان يهيمن على نفسه من عوامل قوية مؤثرة حيث كان شديد التمسك بتراث الآباء والأجداد ، عظيم الغيرة على مجد قريش المكتسب آنذاك من التقاليد والعادات الجاهلية مع ما جُبل عليه من قوة الشكيمة والإصرار العنيف على إنكار ما لا يقتنع به ، أم كان ذلك بتحريض من زعماء الكفار ؟

 

الظاهر أنه كان بتحريض من زعماء الكفار مع ملاحظة الدوافع المذكورة ، ومما يدل على ذلك ماجاء في رواية أخرى من أن أبا جهل جعل لمن يقتل محمدًا مائة ناقة ، قال عمر : فقلت له: يا أبا الحكم آلضَّمان صحيح ؟ قال: نعم ، قال: فتقلدت سيفي أريده ... ثم ذكر خبر تعريجه على بيت أخته وإسلامه بعد ذلك . ذكره الحافظ ابن حجر من رواية الحافظ أبي نعيم.( فتح الباري 7/181).

 

وكون أبي جهل يجعل لمن يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة من الإبل دليل على تأصل عداوة الكفار للإسلام ودعاته ، فهذا العوض كبير آنذاك ، وخصوصًا إذا كان قد بذل من فرد واحد .

 

قال ابن إسحاق في سياق روايته : " فلقيه نعيم بن عبد الله فقال له : أين تريد ياعمر: فقال: أريد هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها فأقتله " .

 

وهنا يكشف عمر عن قصده بجلاء مع بيان المسوغات التي دفعته إلى محاولة ارتكاب هذه الجريمة الشنيعة .

فاجتماع قريش في نظره هدف رفيع في حد ذاته بغَضِّ النظر عما اجتمعوا عليه هل هو حق أم باطل ؟ ومن فرق جماعتهم فهو ملوم وإن كان يدعو إلى الحق ويحارب الباطل .

 

وانتقاد ما أجمع عليه كبراء قريش يعدُّ تسفيها لعقولهم لأن ما أجمعوا عليه غير قابل للنقد ولا لمجرد التفكير في وزنه بميزان العقل السليم .

 

وعيب دينهم وسب آلهتهم يعدُّ جريمة في حق فاعله يستحق عليها القتل لأن في ذلك خروجًا عن المألوف من تقديس وتعظيم ما عليه الآباء والأجداد ، وإن كان هذا التراث لايثبت أمام العقل السليم والتفكير المتأمل .

 

وهذا يعدُّ نموذجًا من الاعتقاد السائد في عقول الكفار آنذاك حيث أصبح يغطي على مشاعرهم ولايتيح لهم مجالاً للتفكير والتأمل .

 

" فقال له نعيم : والله لقد غرَّتك نفسك من نفسك ياعمر أتُرى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدًا " .

 

وهنا يأتي دور الاستخفاء بالدين لدى بعض المسلمين في الظروف الصعبة التي يمر بها المجتمع المسلم ، فكانت مهمة نعيم رضي الله عنه – والحالة هذه – أن يحاول بكل إمكانه ثَنْيَ عمر رضي الله عنه عن عزمه الذي صمم عليه ، ونجح في مهمته أيما نجاح حيث بدأ أولاً بتذكيره بمغبة إقدامه على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي يعيش في الجاهلية أيًّا كانت هذه الجاهلية وأيًّا كان سموه العقلي لايرضى بأن يفقد حياته مهما كان الهدف الذي ينطلق لخدمته، وإنما ينطلق من يقدم على المهلكة من هؤلاء لأن المُثُل الخيالية تغطِّي على فكره،وضغط الماضي والحاضر يُغشِّي على عقله فيحجب عنه العواقب الوخيمة التي تترتب على إقدامه على الأمر الذي يريده .

 

وقد استطاع نعيم بهذا أن يمتص قدرًا من الغضب الذي كان يساور عمر ولكن بقي أن يشغله بمهمة يُفرِّغ فيها كل ماتبقى من غضبه حيث قال له : " أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم ؟ قال: وأي أهل بيتي ؟ قال ختنك (يعني زوج أخته) وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو ، وأختك فاطمة بنت الخطاب فقد والله اسلما وتابعا محمدًأ على دينه فعليك بهما " .

 

وهنا قد يتساءل المتأمل : كيف ساغ لنعيم أن يبوح بسر بيت مسلم كان يخفي إسلامه، وقد يعرضهم بذلك للهلاك ؟!

 

ويمكن أن يكون الجواب بأن المهمة الكبرى آنذاك كانت هي حماية النبي صلى الله عليه وسلم ، فتعرُّض فرد أو بيت مسلم للأذى فداء للنبي صلى الله عليه وسلم ليس كثيرًا ، إضافة إلى أنه لم يكن من المعهود في ذلك المجتمع الإقدام على قتل المسلمين ، لا لأن عدواة الكفار لهم لم تصل إلى هذا الحد ، وإنما لأن قتل فرد أو أفراد من المسلمين لن يؤثر في تعويق سير الدعوة الإسلامية ، بل كان اهتمامهم مُنصَبًّا على تعذيب المسلمين ليرتدوا عن إسلامهم ، فيكسب الكفار نجاحًا في الصد عن الإسلام ، وقد يموت بعضهم تحت التعذيب كما فعلوا مع سمية رضي الله عنها .

 

أما التوجه بالقتل عمدًا فقد كان منصرفًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث عزموا على ذلك عدة مرات لأن قتله يعني ذهاب الإسلام .

 

" قال : فرجع عمر عامدًا إلى أخته وختنه ، وعندهما خباب بـن الأرت معه صحيفة فيها (طه) يقرئهما إياها " .

 

وهكذا تكون التربية الإسلامية بكتاب الله تعالى فهو زاد الصحابة رضي الله عنهم يتلونه ويتدارسونه ويحفظونه ويعملون بأحكامه ويتأثرون بمواعظه،يتعلم اللاحق من السابق،وهكذا كانوا في عزلة فكرية عمايدور في المجتمع الجاهلي فلا يتأثرون إلا بماوقر في قلوبهم من كتاب الله تعالى .

 

وهذا مثل من المنهج التعليمي الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يربي عليه المسلمين آنذاك،حيث كان يوجه المسلمين القدامى الذين يحفظون مانزل من القرآن أو بعضه إلى المسلمين الجدد ليعلموهم القرآن الكريم .

 

" فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم ، أو في بعض البيت وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها،وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال:ماهذه الهيْنمة التي سمعت ؟ قالا له:ماسمعت شيئًا،قال:بلى والله لقد أُخبرت أنكما تابعتما محمدًا على دينه وبطش بختنه سعيد بن زيد،فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجَّها فلما فعل ذلك قالت له اخته وختنه:نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع مابدا لك".

 

وهكذا يفرِّغ عمر غضبه كله في البطش بابن عمه وأخته ، ويتمُّ لنُعَيم ما أراد من صرف عمر وهو في حال الغضب الشديد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك ليتمَّ ما أراده الله تعالى من هداية عمر وإعزازه لدين الله تعالى .

 

وهكذا رأينا ابن عمه وأخته يعلنان إسلامهما أمامه بعزة وقوة ويُظهران التحدي له ، بعد أن بطل مفعول السرِّية التي كانا يحيطان إسلامهما بها ، فإن مصلحة الدعوة الإسلامية تقتضي أن لايُظهر المسلم إسلامه بضعف،وإنما يظهر الاعتزاز به واحتقار ماحوله من الجاهلية،حتى لايختلط ببعض تعاليم الجاهلية .

 

" فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ماصنع فارعوى ، وقال لأخته : اعطيني الصحيفة التي سمعتكم تقرؤون آنفًا أنظر ماهذا الذي جاء به محمد ، وكان عمر كاتبًا " .

 

لقد كان لموقف زوج أخته وابن عمه سعيد بن زيد الذي كان فيما بعد أحد العشرة المبشرين بالجنة ، وموقف أخته فاطمة أثر ظاهر في تغيُّر نظرته إلى الإسلام ، ولعله لم يعهد منهما من قبل تصلبا وإصرارًا على الرأي وقوة في المجابهة كما شاهدها ذلك اليوم بل لعله لم يواجَهْ بالتحدي قبل ذلك من قرابته وهو الرجل القوي المهيب .

 

لابد أنه قد انقدح في نفسه أمام هذا المشهد أن سرّا عظيمًا يكمن وراء هذا الدين الجديد وكتابه الذي سمعهما يتلوانه ، فطلب من أخته أن تطلعه على الصحيفة ، وخشيت أخته على كتاب الله تعالى أن يهينه أو ينتزع الصحيفة منهما فيفقدا أقدس شيء يعتزان به ، فقالت : "إنّا نخشاك عليها قال : لاتخافي ، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها " .

 

وإن هذا التنازل الذي أظهر عمرَ متواضعًا وهو الرجل المتجبر قبل ذلك لأولُ علامات انجذابه للإسلام وإعجابه به .

 

"فلما قال ذلك طمعتْ في إسلامه فقالت له:ياأخي إنك نجس على شركك وإنه لايمسها إلا الطاهر".

 

وهنا تظهر بوضوح آثار التربية الإسلامية العالية التي تمت على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لتلامذته من الصحابة رضي الله عنهم حيث خاطبت فاطمة أخاها بهذه الكلمات القوية فحكمت عليه بأنه نجس وعللت هذا الحكم بأنه لايزال على دين قومه الذي هو الشرك ، فلم تجامله في دينها ولم تفرِّط في قدسية كتاب الله تعالى من أجل أن تقي نفسها وزوجها .

 

ومع أنها قامت بتمثيل مايجب عليها تجاه تعظيم كلام الله تعالى فإنها قامت أيضًا بواجبها نحو الدعوة وهي التي طمعت في إسلام أخيها فخاطبته بنداء الأخوة أخوة النسب لعل ذلك يجذبه إلى الإسلام ويخفف من وقع الحكم الذي أصدرته عليه .

 

" قال : فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة وفيها – طه – فقرأها فلما قرأ منها صدرًا – يعني أولها - (جاء في رواية أنس بن مالك رضي الله عنه عند أبي يعلى رحمه الله : إلى قوله (إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا) الآية – المطالب العالية 4/193 – 194 رقم 4281 . وهذه هي الآيات التي قرآها : (طه{1} مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى{2} إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى{3} تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى{4} الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى{5} لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى{6} وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى{7} اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى{8} وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى{9} إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى{10} فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى{11} إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى{12} وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى{13} إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي{14} إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى{15} فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى{16})

 

قال : " ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ! " .

 

لقد تحمل عمر وقع ذلك الحكم الذي سمعه من أخته مع شدته لما أراد الله تعالى له من الهداية فقام فاغتسل .

 

ولقد أخذته روعة كلام الله تعالى وسرى الإيمان في كيانه حتى تبدل إنسانًا آخر ، بعدما تهيأ نفسيا قبل ذلك وأقبل على تلقي كلام الله تعالى وقد تحرر من أوهام الجاهلية التي طالما غشت على قلبه وحجبته عن التفكير في مجرد سماع الوحي الإلهي ، فاثنى على كلام الله تعالى بهذا الثناء البالغ الذي يدل على تأثره به وهيمنته على مشاعره .

 

وهنا يأتي دور معلم الأسرة خباب بن الأرتّ رضي الله عنه الذي حجبه عن المجابهة كونه من المستضعفين في مكة : " قال: فلما سمع ذلك خباب خرج إليه فقال له : ياعمر والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه ، فإني سمعته أمس وهو يقول : اللهم أيِّد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب فاللهَ اللهَ ياعمر". (وقد أخرج هذا الإمام الترمذي في سننه ، كتاب المناقب باب مناقب عمر ، وقال : هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر ، قال الحافظ ابن حجر : وصححه ابن حبان أيضًا وفي إسناده خارجة بن عبد الله صدوق فيه مقال لكن له شاهد من حديث ابن عباس أخرجه الترمذي أيضًا ومن حديث أنس ( تحفة الأحوذي 10/168) . وأخرجه الطبراني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل ابن هشام " ، فجعل الله دعوة رسوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب فبنى به الإسلام وهدم به الأوثان – ذكره الهيثمي وقال : رجاله رجال الصحيح غير مجالد بن سعيد وقد وثق – مجمع الزوائد – 9/61 - . هذا وقد أخرج الحاكم من ثلاث طرق عن عبد الله بن عمر وعن عبد الله بن عباس وعن عائشة رضي الله عنهم أن الدعوة كانت لعمر خاصة ، وحكم على هذه الطرق بالصحة ووافقه الذهبي – المستدرك 3/83 - . ولعل الدعوة كانت لأحد الرجلين ثم خص النبي صلى الله عليه وسلم عمر لكونه يرجو إسلامه ، ولاشك أن الفرق بين الرجلين واضح ، وذلك لظهور العداوة الشديدة من أبي جهل المبنية على الحسد والحقد مع اعترافه بأن مادعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحق ، بينما كان عمر ملتزمًا بجاهليته لكونه يرى الحق مع ماورثه من الآباء والأجداد ، وفرق كبير بين من يلتزم بالباطل وهو يرى أنه على الحق وبين من يلتزم بالباطل وهو يعرف أنه باطل . وإن كانت الهداية ممكنة في كلا الصنفين).

 

وكانت هذه دفعة أخرى لعمر رضي الله عنه ليُقْدم إلى الإسلام ، فما أكرم وما أعظم أن يكون إسلامه استجابة لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا لنفعه الخاص فقط وإنما ليكون إسلامه نصرًا للإسلام وتأييدًا لدعوته .

 

ولذلك لم يتردد عمر لحظة واحدة بل قال : " فدلَّني ياخباب على محمد حتى آتيه فأسلم ، فقال له خباب : هو في بيت عند الصفا معه فيه نفر من أصحابه ، فأخذ عمر سيفه فتوشحه ، ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فضرب عليهم الباب ، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر من خلل الباب فرآه متوشحًا بالسيف ، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع، فقال: يارسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحًا السيف ، فقال حمزة بن عبد المطلب : فَأْذَنْ له فإن كان جاء يريد خيرًا بذلناه له وإن كان جاء يريد شرًا قتلناه بسيفه " .

 

ومن هذا المشهد تظهر شجاعة حمزة رضي الله عنه ورباطة جأشه وكان قد أسلم قبل ذلك بثلاثة أيام فقط .

 

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ائذن له ، فأذن له الرجل ، ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في الحجرة ، فأخذ بحُجْزَتِه [يعني معقد الإزار] أو بمجمع ردائه ثم جبذه به جبذة ، وقال : ماجاء بك يا ابن الخطاب؟ فو الله ما أرى أن تنتهي حتى يُنـزل الله بك قارعة " .

 

وهنا تبدو شجاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي لانظير لها فهو لم يتَّق الخطر بأصحابه بل قام وسبقهم ليقيهم بنفسه .

 

وهكذا تظهر عظمة الرجال وسُمُوُّهم ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقابل رجلاً عاديًّا ، وإنما قابل رجلا ملأ الرعبُ منه قلوب الناس في مكة ، واشتهر في أوساطها عداوته المتناهية للإسلام وأهله، وقد أقبل متوشحًا سيفه ، نحو دار يجتمع فيها المسلمون سرّا ، فكل الدلائل تدل على أنه قد أقبل يريد شرّا برسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه ، ومع ذلك ينهض له رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتديًا أصحابه بنفسه .

 

وتتم المفاجأة الكبرى حينما يقول عمر رضي الله عنه " يارسول الله جئتك لأومن بالله ورسوله ، وبما جاء من عند الله ، قال: فكبَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر قد أسلم " .

 

وتغمر الفرحة قلوب المؤمنين ، ويظهر أثر إسلام عمر على سلوكهم حيث قويت شخصيتهم وأظهروا شعائر دينهم ، وكمل اعتزازهم الظاهر بدينهم بعدما قطعوا شوطًا في ذلك بإسلام حمزة رضي الله عنه ، ويبين ذلك ماجاء في ختام هذه الرواية : " فتفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانهم وقد عزُّوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة ، وعرفوا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينتصفون بهما من عدوهم ". (سيرة ابن هشام 1/356 – 360 . وأخرجه ابن سعد من حديث إسحاق الأزرق قال : أخبرنا القاسم بن عثمان البصري عن أنس بن مالك رضي الله عنه وذكر نحوه – طبقات ابن سعد 3/267 - . وكذلك أخرجه الحاكم والبيهقي بهذا الإسناد وذكرا نحوه ، وسكت عنه الحاكم والذهبي – المستدرك 4/59 ، دلائل النبوة للبيهقي 2/219 - .  وأخرجه أيضًا أبو يعلى من حديث أنس بن مالك – المطالب العالية 4/193 رقم4281 . وأخرجه عبد الله بن الإمام أحمد من طريق أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده – فضائل الصحابة تحقيق الدكتور وصي الله 1/285 – 286 - . وأخرجه البيهقي من هذا الطريق – دلائل النبوة 2/216 – وذكر الذهبي هذه الرواية وسكت عنها ، ثم ذكر رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله عنهما وحكم على إسنادها بالضعف – تاريخ الإسلام / السيرة /177 – 180 - . وقال الحافظ ابن حجر : وقد ورد سبب إسلامه – يعني عمر – مطولاً فيما أخرجه الدارقطني من طريق القاسم بن عثمان عن أنس – وذكر ملخصًا للرواية السابقة – ثم قال : وروى أبو جعفر بن أبي شيبة نحوه في تاريخه من حديث ابن عباس – فتح الباري 7/48 - . فهذه الروايات الثلاث المروية عن أسلم وأنس وابن عباس رضي الله عنهم تقوي رواية ابن إسحاق المذكورة .)

 

وكان إسلام عمر فتحًا كما قال عبد الله بن مسعود ، حيث خرج الصحابة من ذلك البيت الذي اجتمعوا به ليأمنوا على أنفسهم بعدما كان من حادثة اعتداء المشركين الجماعي على المسلمين، على إثر خطبة أبي بكر الدعوية ، فلم يُخرج الصحابة من ذلك البيت ويجعلهم يأمنون بعض الأمْن إلا إسلام عمر .

 

وفي تكبير رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أعلن عمر رضي الله عنه إسلامه دليل على استحباب التكبير عند الفرح ، فالله أكبر من كل شيء فلا يعظَّم غيره ولايقدس سواه ، تباركت أسماؤه وجلت صفاته .

*          *          *

انتهى

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 16:40:03


6 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8318613 عدد زيارات الموقع 64 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com