الرئيسية|رسالتنا ا أخبر صديقك ا مفضلتك ا أضف مقالك  ا أرسل استفتائك ا سجل الزوار ا المجموعة البريدية ا اتصل بنا|مباشر نـــوافذ الــدعوة Welcome to Dawahwain.com
          
 
القائمة الرئيسية
سيرة المشرف
مؤلفات المشرف
ديـوانية المشـرف
الصـوتـيــــات
مقال الموقع
فتاوى الموقع
ملتقيات الخير
شبهات و ردود
مـقـالات مـخـتارة
المـعـهـد العلـمي
دليل مكتبة المرأة
الفـوائـد التـربـويـة
محاضـرات مكتوبة
من فتاوى العلماء
ســيــر الصــحـابة
تراجم من علمائنا
دورة الملك سعود العلمية
دخول المشرفين
اسم المستخدم
كلمة المــرور
دخول
دخول البريد الخاص
Email
كلمة المرور
دخول
نوافذ الدعوة د. عبدالعزيز الحميدي المتقون المتقون - العدد السابع عشر

المتقون - العدد السابع عشر

تحتوي النشرة على الموضوعات الثابتة التالية :

1 – قبسات من القرآن الكريم .

2 – قبسات من السنة النبوية .

3 – توجيهات ومواقف أخلاقية .

4 – مواقف دعوية من السيرة النبوية .

- قبسات من القرآن الكريم –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : يقول الله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ{1} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ{2} حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{3}] [المائدة : 1- 3] .

 

[1] يأمر الله تعالى عباده الذين آمنوا به وبرسوله صلى الله عليه وسلم حقا وصدقا بأن يوفوا بالعقود التي أخذت عليهم ، وذلك يشمل العهود التي أخذها الله سبحانه عليهم بمقتضى إيمانهم به وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، وذلك بتنفيذ جميع أوامر الله سبحانه واجتناب جميع نواهيه ، كما فسر الآية بذلك عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، ويشمل العقود المالية والإدارية التي تكون بين الناس ، ثم بيَّن الله تعالى شيئا من الحلال والحرام الذي يدخل في تلك العهود بقوله [أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ] وهي الإبل والبقر والغنم [إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ] إلا ما بينه الله تعالى لكم من تحريم الميتة بأنواعها والدم وغير ذلك [غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ] أي غير مستحلين اصطياد الصيد وأنتم في حال الإحرام للحج أو العمرة ، وقد حرم الله تعالى الصيد على المحرمين لأنهم متوجهون بكل مشاعرهم نحوه جل وعلا ، فالصيد مما يشغلهم عن ذكره عز وجل ، لأن تتبُّع الصيد يأخذ حيِّزًا كبيرًا من الوقت والفكر ، فهو قد يكون سببا للغفلة عن ذكر الله سبحانه كما جاء في حديث " ومن اتبع الصيد غفل " أخرجه الحافظان أبو داود والترمذي وحسنه.[ سنن أبي داود ، رقم 2859 (3/278) ، سنن الترمذي ، رقم 2256 (4/523)].

 

[إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ] إن الله يقضي في خلقه ما يشاء من تحليل وتحريم فأوفوا أيها المؤمنون بما عقد عليكم من ذلك .

 

[2] [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ] أي معالم شريعته ، فلا تحلوا حرمات الله ولا تضيعوا فرائضه  [وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ] أي ولا تستحلوا القتال في أي شهر من الأشهر الحرم وهي شهر رجب وذي القعدة وذي الحجة ومحرم [وَلاَ الْهَدْيَ] والهدي هو ما أهداه المحرم من بهيمة الأنعام ليذبح أو ينحر في الحرم [وَلاَ الْقَلآئِدَ] أي ما قُلِّد من الهدي ، والقلائد هي ظفائر من صوف أو وبر توضع في رقاب البهائم علامة على أن البهيمة هَدْي ، يعني : ولا تستحلوا الهدايا، المقلَّدات منها وغير المقلدات ، فلا تعتدوا في نهبها ومنع وصولها إلى الحرم .

 

[وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً] يعني ولا تستحلوا قتال قاصدي البيت الحرام الذي يطلبون فيه فضلا من الله في أرباح تجاراتهم ورضوانا منه بأداء نسكهم.

 

[وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ] أي وإذا حللتم من إحرامكم فلا حرج عليكم في الصيد الذي نهيتم عنه وأنتم حرم ، وذلك في غير الحرم المكي الذي يحرم فيه الصيد طوال العام .

 

[وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ] أي ولا يحملنكم بغضكم قوما بسبب أنهم صدوكم عن المسجد الحرام – كما حدث عام الحديبية – على أن تعتدوا فتجاوزوا الحد الذي حده الله لكم في أمرهم .

 

ففي هذه الآية نهى الله سبحانه المؤمنين عن أن يعتدوا على الكفار بسبب بغضهم إياهم ، وفي آية آخرى في هذه السورة قال تعالى [وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] [ المائدة :8] فنهى الله تعالى المؤمنين عن أن يحملهم بغض الكفار على ظلمهم وعدم العدل معهم في الأحكام ، وكفُّ الاعتداء عن الكفار أخف على النفوس من الحكم لهم بالعدل فيما إذا كان خصم الكافر مسلما ، بل حتى إذا كان من أقرب أقارب القاضي أو كان الخصم أمير المؤمنين ، ومع ذلك فإن العدل واجب على حكام المسلمين بين المتخاصمين من غير نظر إلى دين أو قرابة أو منصب ، وهذه قمة عالية في التشريع لم تصل إليها البشرية إلا في ظل دولة الإسلام ، ولقد شهد تاريخ المسلمين أمثلة رائعة في هذا المجال كانت سببا في إقبال الكفار على الدخول في الإسلام .

 

[وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ] أي على تحقيق أفعـال الخير ، وذلك بتطبيق جـميع المأمورات ،[ وَالتَّقْوَى] يعني على اتقاء ما يضركم وذلك باجتناب جميع المحظورات [وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ] يعني على ارتكاب المعاصي التي تسبب الوقوع في الإثم [وَالْعُدْوَانِ] أي لا تتعاونوا على تجاوز الحد في الظلم واعتداء بعضكم على بعض.

 

هذا وقد فهم العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله من تصوُّر مقاصد هذه الآية ومن دراسة واقع المجتمع الإسلامي أن تحقيق هذه المقاصد لايتم عن طريق الأفراد لبعد كثير منهم عن تصور هذه المعاني العالية والمقاصد السامية ، وإنما يلزم لذلك تكوين الجماعات الإسلامية التي يتواصى أفرادها على فعل الخير واجتناب الشر.[ تفسير المنار 6/131].

 

وأقول : إن الأصل أن يكون المجتمع الإسلامي جماعة واحدة وأن يكون كل مسلم ملزما بلزوم هذه الجماعة ، وأن يحصل التواصي من جميع أفراد المسلمين على فعل الخير والبحث عن أسبابه وتطبيقها ، واجتناب الشر والبحث عن أسبابه والحذر منها ، ولكن بسبب ما حصل من الجهل عند كثير من المسلمين وسوء الإدارة من بعض المسؤولين وتسلُّط أعداء الإسلام وتفانيهم في إضعاف المسلمين وتفتيتهم وإبعادهم عن فهم مقاصد الإسلام وتطبيقها .. بسبب ذلك وغيره فإن المفكرين من دعاة الإسلام عليهم أن يدعو إلى تحقيق جميع الوسائل الممكنة التي تساعد على فهم مقاصد الإسلام وتطبيقها ، ومن ذلك ما أوصى به الشيخ محمد رشيد رضا من تكوين الجماعات الإسلامية التي ثبت أنها هي البديل اللازم عن جماعة المسلمين العامة والتي هي من الممهدات لتحقيق هذه الجماعة .

 

[وَاتَّقُواْ اللّهَ] احذروا أيها المؤمنون سخط الله تعالى وعذابه فيما لو تركتم شيئا مما أوجب عليكم أو ارتكبتم شيئا مما نهى عنه [إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ] لمن عصاه في نار جهنم .

 

[3] ثم ذكر سبحانه تفصيل ما أجمله بقوله في الآية الأولى [إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ] وذلك بقوله [حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ] أي البهيمة الميتة ويشمل ذلك الذكور والإناث ، وهي كل ما فارقته الحياة من دواب البر وطيره بغير تذكية مما أحل الله تعالى أكله [وَالْدَّمُ] وهو الدم المسفوح عند الذبح [وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ] كله أهليِّه وبريِّه ، وهذه الثلاثة قد أثبت الطب الحديث أنها تحتوي على جراثيم ضارة بالجسم ، وقد يكون فيها ما لم يُكتشف بعدُ مما يضر بجسم الإنسان [وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ] أي وما ذكر عليه غير اسم الله عند الذبح ، وهي الأنعام التي تذبح للأوثان ، وتحـريم ذلك ظاهر لأنه يتعارض مع توحيد الله عز وجل ، ثم ذكر تعالى أنواعا من المـيتة بقوله [وَالْمُنْخَنِقَةُ] وهي التي اختنقت بحبس نفسها حتى ماتت [وَالْمَوْقُوذَةُ] وهي التي تُضرب بحجر أو عصا حتى تموت [وَالْمُتَرَدِّيَةُ] وهي التي سـقطت من مكان عال أو في بئـر فماتت [وَالنَّطِيحَةُ] وهي التي نطحتها اختها بقرنها فماتت [وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ] أي وما أخذ السبع وهو الحيوان المفترس كالأسد والذئب [إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ] أي إلا ما أدركتم ذكاته وهو حي من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع [وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ] أي وما ذبح على ما ينصب للعبادة من الأحجار فهو مما حرمه الله تعالى لأنه من الذبح لغيره .

 

[وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ] يعني وأن تطلبوا علم ما قُسم لكم وما لم يُقسم لكم بالأزلام، وكان أهل الجاهلية إذا أرادوا سفرا ونحو ذلك أخرجوا القداح ، وكان مكتوبا على بعضها ما يفيد الخروج وعلى بعضها ما يفيد عدم الخروج ، فإن خرج القدح الذي فيه ما يفيد الخروج خرج وإلا جلس ، فأخبر الله سبحانه أن ذلك مما حرمه على المسلمين.

 

والحكمة من تحريم الاستقسام بالأزلام هو ما ينتج عن ذلك من ربط الحقائق بالأوهام ، فالسفر مثلا حقيقة من الحقائق ، فتعليق الإقدام على السفر على خروج قدح قد كتب عليه " افعل " وتعليق الإحجام عن السفر على خروج قدح قد كتب عليه " لا تفعل " من باب تعليق الحقائق على الأوهام ، وكذلك كل وسيلة يتخذها الناس للتشاؤم فيُحجمون عن العمل بسبب ذلك التشاؤم ، وقد كان اعتقاد الأعداء من الكفار بعقيدة التشاؤم سببا في هزيمتهم النفسية أمام المسلمين قبل الدخول في المعارك كما هو الحال في حروب المسلمين مع الفرس والروم .

 

[ذَلِكُمْ فِسْقٌ] أي ذلكم المذكور في الآية مما حرمه الله تعالى خروج عن أمر الله تعالى وطاعته .

 

[الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ] اليوم انقطع أمل الكفار من دينكم أن ترتدوا عنه إلى الشرك بعد أن انتشر الإسلام وانتصر المسلمون على المشركين ، وكان ذلك في حجَّة الوداع بعد أن فُتحت مكة المكرمة ودخل أكثر العرب في الإسلام [فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ] فلا تخافوا من الكفار فإنهم لا حول لهم ولا قوة إذا كان الله جل وعلا معكم ، فاخشوه وحده يكن ناصرا لكم على أعدائكم .

 

[الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً] هذه الجملة من الآية تشتمل على بيان عظيم من الله تعالى عن كمال هذا الدين الحنيف وعن صلاحيته لكل زمان ومكان ، فأي اتهام لهذا الدين بالنقص أو عدم صلاحيته لزمن معين يكون اتهاما لله عز وجل الذي أخبر عن كمال هذا الدين ، ومن ادَّعى هذه الدعوى فإنه لا يُعدُّ مؤمنا بهذا الدين ، لقد أكمل الله تعالى هذا الدين على وضع يصلح لكل زمان ومكان فجعل فيه الثوابت التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان ، فبينها الله تعالى بكلياتها وجزئياتها ، وجعل فيه كليات تندرج تحتها جزئيات تتجدد أحكامها بتغير الزمان والمكان ، وتكون مهمة الراسخين في العلم في إلحاق الجزئيات التي تتجدد بتغير الزمان بالكليات الثابتة من الدين ، ولهذه الخصائص في كمال الإسلام فإنه صالح إلى قيام الساعة .

 

كما تشتمل هذه الجملة من الآية على إتمام الله تعالى نعمته على هذه الأمة ، وأي نعمة هي أعظم من نعمة الهداية لهذا الدين العظيم ؟

 

لقد خلق الله تعالى الإنسان وميزه عن الحيوان بالعقل ، وإن أسمى المطالب التي يجب أن يتوصل إليها العقل السليم معرفة الخالق جل وعلا وما له من عظمة وجلال ، وأن يُسْلم وجهه له وحده بالعبادة والخضوع ، فإذا لم يتوصل العقل إلى ذلك فإن صاحب هذا العقل لا يتميز كثيرا عن الحيوان ، وإن من تمام نعمة الله جل وعلا على عبده أن يهديه إلى معرفته والإيمان به والاستقامة على شريعته .

 

وأخيرا فإن هذه الجملة من الآية تشتمل على بيان أن الله سبحانه قد رضي لنا الإسلام دينا ، وهذا الرضى من الله جل وعلا يجعل المسلم  يمارس شعائر هذا الدين في طمأنينة عالية ويقين راسخ ببلوغ رضوان الله عز وجل عنه وظفره بالسعادة الأخروية ، فالله سبحانه هو الذي اختار لنا هذا الدين وارتضاه لنا، وإن أي رفض لهذا الدين أو لحكم من أحكامه يُعدُّ غاية الجهل والحماقة ، إذ كيف يرفض المخلوق اختيار خالقه ويبدي سخطه فيما ارتضاه ؟!

 

ومن هذا ندرك الهوان الفظيع والانحدار الذريع الذي يعيش فيه المنحرفون عن منهج الله تعالى ومنهج رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإن من واجب من منَّ الله تعالى عليهم بالهداية إلى الصراط المستقيم أن ينظروا إلى هؤلاء بعين الشفقة والرحمة لينتشلوهم من الهوة السحيقة التي وقعوا فيها .

 

هذا وقد وردت آثار في بيان إدراك أهل الكتاب لعظمة هذه الآية ، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث طارق بن شهاب " أن  اليهود قالوا لعمر : إنكم تقرؤون آية لو أُنزلتْ فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ، فقال عمر : إني لأعلم حيث نزلت ، وأي يوم نزلت ، وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أنزلت ، أنزلت بعرفة ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة ".[ صحيح مسلم ، رقم 3017 ، صحيح البخاري ، رقم 4606]

 

ثم يعود السياق إلى بيان شيء من الحلال بعد ذكر بعض المحرمات حيث يقول تعالى [فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] يعني : فمن اضطر إلى الأكل من الميتة ومن سائر ما ذكر في هذه الآية في مجاعة غير متعمد للإثم ، وذلك بالأكل منها في ضرورة فأكل من ذلك فإن الله ساتر عليه ذلك غير مؤاخذ إياه ، رفيق به حيث أباح له الأكل مما حرمه عليه عند الضرورة ، والضرورة أن يأكل منها ما يقيم حياته .

*         *        *

- قبسات من السنة النبوية –

- من الآداب العامة في الإسلام –

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد : فحديثنا اليوم عن شيء من الآداب العامة في الإسلام ، فمن ذلك ماجاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " الطاعم الشاكر بمنـزلة الصائم الصابر" أخرجه الإمامان البخاري والترمذي وحسَّنه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه [صحيح البخاري ، كتاب الأطعمة باب 56 (9/582) ، سنن الترمذي ، كتاب القيامة باب 42 (4/653) ، وانظر صحيح الجامع رقم 3837 . ]. ففي هذا الحديث بيان لفضيلة منـزلة الشكر ، فالذي يأكل من نعمة الله تعالى ويشكره عليها يكون أجره كأجر الصائم الصابر ، وفيه أن مقتضى شكر الله تعالى أن يتحرى المسلم في مطعمه ومشربه وملبسه ، وفي كسبه كله بأن يكون خاليا من المحرمات والشبهات .

 

ولقد كان الصحابة رضي الله عنهم مضرب المثل حينما درَّت عليهم النعم بعد البلاء الذي أصابهم ، فقد كانوا عابدين لله تعالى في الحالتين كلتيهما ، حيث كانوا صابرين في حال البلاء ، شاكرين في حال الرخاء ، بخلاف الذين يظنون أن الحال الرفيعة للمسلم أن يكون صابرا على البلاء فقط ، فيبتعدون عن حياة النعمة والرخاء ، فإن النعمة نوع من البلاء والاختبار ، كما في قول سليمان عليه السلام الذي حكاه الله تعالى عنه بقوله [هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ] [النمل :40] .

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من صُنع إليه معروف فقال لفاعله : جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء " أخرجه الحافظ الترمذي رحمه الله من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما وقال: حديث حسن جيد.[ سنن الترمذي ، رقم 2035 ، كتاب البر باب 87 ( 4/380) ، وانظر صحيح الجامع رقم 6244].

 

وذلك لأن المعروف مهما عظُم فهو أمر دنيوي ، وهذه الدعوة جزاء أخروي ، ولايمكن أن تقاس الدنيا بالآخرة ، ولذلك كان من دعا بهذه الدعاء قد أبلغ في الثناء ، لأنه يكون قد حاول مكافأة صاحبه الذي أحسن إليه برفع رصيده في الآخرة من الحسنات ، وأكرِمْ بها من مكافأة لايقدِّرها بعض المسلمين لضعف تصورهم نحو الآخرة .

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من لايشكر الناس لايشكر الله " . أخرجه الحفاظ أحمد وأبو داود والترمذي وقال : هذا حديث حسن صحيح.[ سنن أبي داود ، رقم 4811 ، الأدب باب 12 (5/157) ، سنن الترمذي رقم 1954 ، كتاب البر ، باب 35(4/339 ) ، مسند أحمد 4/258 .]

 

وإنما كان شكر الله سبحانه مترتبا على شكر الناس لأن الشكر اعتراف بنعمة المنعم ، والمنعم الحقيقي هو الله تعالى ، والبَشَر أسباب لوصول النعم ، فإذا لم يشكر المنعَم عليه من جرت على يده تلك النعمة من الناس وهو يشاهده فحريٌّ به أن لايشكر الله تعالى وهو غائب عنه .

 

وفي هذا حث على شكر المنعمين من البشر مع ملاحظة أنهم وسائط في وصول تلك النعم وأن المنعم الحقيقي هو الله تعالى ، وأن يكون المسلم شاكرا لأنعم الله جل وعلا على الدوام .

 

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أُعطي عطاء فوجد فليجْز به ، ومن لم يجد فليُثْن ، فإن من أثنى فقد شكر ومن كتم فقد كفر ، ومن تحلَّى بما لم يعطه كان كلابس ثوبَي زور " .

 

أخرجه أبو عيسى الترمذي وحسَّنه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.[ سنن الترمذي ، رقم 2034 ، كتاب البر (4/379)]

 

فهذا الحديث يبين لنا أن جزاء المعروف والإحسان يكون على درجات : الأولى أن يبادل المحسَن إليه المحسِن بالعطاء والخير الدنيوي إن كان يجد ما يقدِّمه ، فإن ذلك يعدُّ شكرا للمحسِن، وهذا مما يشجع المحسنين على الإحسان ، والدرجة الثانية : أن يقوم المحسَن إليه بالثناء على المحسن، وهذه الدرجة في مقدور كل أحد ، لأنها لاتكلف الإنسان أكثر من كلمات يقولها للمحسن، ولذلك كانت واجبة على المحسَن إليه لأنها في حدود استطاعته لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث "ومن كتم فقد كفر " فالذي لايثني على المحسن بأي كلمة من كلمات الثناء يكون قد كتم معروفه وإحسانه ، وهذا من كفر النعمة وجحودها .

 

وفي آخر الحديث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ومن تحلَّى بما لم يعطَهْ كان كلابس ثوبي زور" فبعض الناس يبلغ به ضعف الشخصية أو الرغبة الجامحة نحو الشهرة أو منافسة الآخرين إلى أن يَدَّعي بأنه حصل له من العطاء الدنيوي مالم يحصل له سواء في مجال المال أو في مجال الجاه، وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم على هذا وأمثاله بأنهم قد وقعوا في التزوير وتغيير الحقائق ، ومن هؤلاء الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، وقد أنذر الله تعالى هؤلاء بعذاب أليم في النار ، كما جاء في قوله  [لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [ آل عمران : 188 ] .

 

ومن الآداب العامة ماجاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى ، وإذا خلع فليبدأ بالشمال ، وليُنعلِهما جميعا أو ليخلعهما جميعا" أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.[ صحيح مسلم ، رقم 2097 ، كتاب اللباس (ص1660)]

 

وكذلك ماجاء في قوله"لايمش أحدكم في نعل واحدة لينعلهما جميعا أو ليخلعهما جميعا".[ صحيح مسلم ، رقم 2097 ، كتاب اللباس (ص1660)]

 

ولعله جاء النهي عن المشي في نعل واحدة لأن ذلك يضر بالجسم حيث يخل بتوازنه ، إلى جانب أنه سلوك ذميم لأنه يظهر المسلم بمظهر الشذوذ .

 

ومن الآداب العامة ماجاء في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " طهِّروا أفنيتكم ، فإن اليهود لاتطهر أفنيتها" أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط من رواية سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.[ صحيح الجامع الصغير رقم 3830].

 

فهذه دعوة كريمة إلى تنظيف الأفنية بعد تنظيف الأبدان والدور وهذا مثل من أمثلة الاهتمام في الإسلام بالنظافة .

 

وكون الرسول صلى الله عليه وسلم قرن ذلك بمخالفة اليهود من باب التحذير من ذلك الواقع السيء ، لأن كراهية المسلمين لليهود تدفعهم إلى مخالفة طريقتهم .

*         *          *

- توجيهات ومواقف أخلاقية –

- مواقف في التواضع والرحمة –

من مواقف يزيد بن هارون رحمه الله :

من ذلك ماذكره المروزي قال : قال لي أبو عبد الله – يعني الإمام أحمد بن حنبل – كنا عند يزيد بن هارون فوهم في شيء فكلمته ، فأخرج كتابه فوجده كما قلت ، فغيره ، فكان إذا جلس يقول: يا ابن حنبل ادن ، يا ابن حنبل ادن ههنا.[ سير أعلام النبلاء 11/194].

 

فهذا مثل من تواضع الحافظ يزيد بن هارون حيث أصلح الخطأ في كتابه على ماذكر له الإمام أحمد، وصار يثني عليه ويقربه من مجلسه .

 

وذكر الإمام الذهبي من خبر جعفر بن ميمون بن الأصبغ قال: سمعت أبي يقول : كنا عند يزيد بن هارون وكان عنده المعيطي وأبو خيثمة وأحمد ، وكانت في يزيد – رحمه الله – مداعبة ، فذاكره المعيطي بشيء فقال له يزيد : فَقَدتُك ، فتنحنح أحمد ، فالتفت إليه فقال : من ذا ؟ قالوا : أحمد بن حنبل ، فقال : ألا أعلمتموني أنه ها هنا ؟ .[ سير أعلام النبلاء 11/194]

 

وهذا مثل آخر في التواضع يقدمه الإمام يزيد بن هارون لأحد تلاميذه وهو الإمام أحمد بن حنبل ، والتواضع من الكبير دليل على كمال العقل وعلو القدر .

 

موقف لإسماعيل ابن عُلَيَّة رحمه الله :

ذكر الإمام الذهبي من رواية الأثرم قال : أخبرني عبد الله بن المبارك ، شيخ سمع قديما [ليس هذا هو ابن المبارك الإمام المشهور] قال: كنا عند ابن علية ، فضحك بعضنا وثَمَّ أحمد ، قال: فأتينا إسماعيل – يعني ابن علية – بَعْدُ فوجدناه غضبان ، فقال: تضحكون وعندي أحمد بن حنبل.[ سير أعلام النبلاء 11/194].

 

فهذا مثل على تواضع الإمام ابن علية حيث غضب لضحكهم من أجل ابن حنبل ولم يغضب من أجل نفسه .

 

وهذا والذي قبله مثلان لما كان يتمتع به الإمام أحمد من هيبة وإكبار في النفوس ، وحينما يَفرض الرجل العظيم هيبته على الناس مع اتصافه بالتواضع الجم ، فإن هذا هو مجال الرفعة الحقيقية والشرف الكبير ، أما حينما تكون الهيبة من الرجل لاتصافه بالكبر والصلف فإنها هيبة مصطنعة مُقَنَّعة بستر رقيق ، وما أسرع ماتزول ويعقبها المقت والسخرية حينما تنحط مكانة ذلك الرجل، وتزول أسباب تسلطه وكبريائه .

 

موقف لقتيبة بن سعيد رحمه الله :

من أمثلة تواضع العلماء ماذكره محمد بن يوسف قال : كنا عند أبي رجاء – هو قتيبة – فسئل عن طلاق السكران ، فقال : هذا أحمد ابن حنبل وابن المديني وابن راهويه قد ساقهم الله إليك ، وأشار إلى محمد بن إسماعيل – يعني البخاري وكان مذهب محمد أنه إذا كان مغلوب العقل حتى لايذكر مايُحدث في سكره أنه لايجوز عليه من أمره شيء.[ سير أعلام النبلاء 12/418].

 

فهذا مثل من تواضع أهل العلم بعضهم لبعض ، حيث رد أبو رجاء قتيبة بن سعيد الثقفي الفتيا إلى أبي عبد الله البخاري مع أنه في طبقة تلاميذه ، وأثنى عليه بأنه قد جُمِع فيه علم العلماء الكبار من أمثال أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه .

 

موقف لأحمد بن حنبل رحمه الله :

ذكر الحافظ الذهبي من خبر صالح بن الإمام أحمد قال : كان أحمد إذا رأيتَه تعلم أنه لايظهر النسك، رأيتَ عليه نعلا لايشبه نعال القراء له رأس كبير معقد وشراكه مسبل ، ورأيتَ عليه إزارًا وجبَّة برد مخططة ، أي لم يكن بزيِّ القراء. [سير أعلام النبلاء 11/207]

 

فهذا تواضع من الإمام أحمد رحمه الله تعالى ، حيث ترك اللباس الخاص بالعلماء مع مايترتب على هذا اللباس من احترام الناس ، وهذا مدخل من مداخل العجب والخيلاء ، فاجتنب ذلك اللباس تواضعا وتحريا لدينه .

 

من مواقف إسحاق بن راهويه وإسماعيل بن أبي أويس رحمهما الله :

من ذلك مارواه حاشد بن عبد الله قال : كنا عند إسحاق – يعني ابن راهويه – وعَمْرو بن زرارة ثمَّ ، وهو يستملي على البخاري ، وأصحاب الحديث يكتبون عنه ، وإسحاق يقول : هو أبصر مني ، وكان محمد – يعني البخاري – يومئذ شابا.[ سير أعلام النبلاء 12/429].

 

وكذلك ماذكره محمد بن أبي حاتم أن الإمام أبا عبد الله البخاري قال: قال لي إسماعيل بن أبي أويس : انظر في كتبي وما أملكه لك وأنا شاكر لك مادمت حيا .[ سير أعلام النبلاء 12/429]

 

فهذان مثلان على تواضع العلماء ورغبتهم الأكيدة في خدمة السنة النبوية وتنقيتها من الشوائب وإن ترتب على ذلك تخطئتهم ، وفي هذين الخبرين بيان تفوق الإمام البخاري في العلم وثقةُ العلماء الكبيرةُ فيه ، والجهدُ العظيم الذي بذله في تمحيص السنة النبوية وتخليصها مما خالطها من الكدر ، رحمه الله تعالى .

 

من مواقف أبي عبد الله البخاري رحمه الله :

من ذلك مارواه كاتب الإمام البخاري محمد بن أبي حاتم قال : وكنا بِفرَبر وكان أبو عبد الله يبني رباطا مما يلي بخارى فاجتمع بشر كثير يعينونه على ذلك ، وكان ينقل اللَّبن ، فكنت أقول له : إنك تُكفَى يا أبا عبد الله ، فيقول : هذا الذي ينفعنا ، ثم أخذ ينقل الزنبرات [جمع زنبر وهو الزنبيل ، فارسية معربة] معه ، وكان ذبح لهم بقرة ، فلما أدركت القدور دعا الناس إلى الطعام وكان بها مائة نفس أو أكثر ولم يكن علم أنه يجتمع ما اجتمع ، وكنا أخرجنا معه من فربر خبزا بثلاثة دراهم أو أقل فألقيناها بأيديهم فأكل جميع من حضر وفضلت أرغفة صالحة،وكان الخبز إذ ذاك خمسة أمناء [جمع مَنّ وهو زنة رطلين] بدرهم .[ سير أعلام النبلاء 2/450].

 

فهذا مثل من تواضع الإمام البخاري وتقديره للعمل الصالح ، فهو يشارك في بناء الرباط الخيري مع وجود ذلك العدد الكبير من الناس الذين يكفونه المهمة ، لأنه يفهمها على أنه عمل صالح وهو من أول من ينافسون على الخيرات .

*          *          *

- مواقف دعوية من السيرة النبوية –

- مثل من تأثر الصحابة بالقرآن وقوة تأثيرهم به –

لقد سبق لنا بيان عظمة تأثر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن ، وقوة تأثيره به على سامعيه ، ولقد كان لصحابته رضي الله عنهم نصيب كبير من هذا المعنى ، حيث تأثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم ،فكانوا يخشعون لسماع كتاب الله تعالى ، واذا تلوه كانوا حاضري القلوب متأثرين بما فيه من بديع الأسلوب وجلال المعاني.

 

وإن من أبرز الأمثلة على اتصاف الصحابة رضي الله عنهم بذلك ما أخرجه الامام البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها عن خبر إجارة ابن الدَّغنَّة [ابن الدغنة بفتح الدال وتشديدها وكسر الغين هو سيد القارة وهي قبيلة مشهورة من بني الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ، وكانوا حلفاء بني زهرة من قريش – فتح الباري 7/233] لأبي بكر رضي الله عنه وقد جاء فيه : فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة  وآمنوا أبا بكر ،وقالوا لابن الدغنة : مر أبابكر فليعبد ربه في داره وليصلِّ وليقرأ ما شاء ولايؤذنا بذلك ولا يستعلن به ،فإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا.

 

فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر فطفق أبوبكر يعبد ربه في داره ولا يستعلن بالصلاة ولا القراءة في غير داره،ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وبرز، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن فيَتَقَصَّف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رجلاً بكاء لايملك دمعه حين يقرأ القرآن .

 

فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا له : إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره وأعلن الصلاة والقراءة ، وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا ، فَأْته فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل ، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسلْه أن يرد إليك ذمتك، فإنّا كرهنا أن نخفرك ، ولسنا مقرين الاستعلان .

 

قالت عائشة : فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال : قد علمت الذي عقدت لك عليه ، فإما أن تقتصر على ذلك ، وإما أن ترد إليَّ ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أُخفِرت في رجل عقدت له ، قال أبو بكر : فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله تعالى. [صحيح البخاري رقم 2297 – 3905 ، ورواه ابن إسحاق : حدثني الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة وذكر نحوه – سيرة ابن هشام1/390- .]

 

وهكذا رأينا مظهرًا من مظاهر رسوخ الإيمان وقوة حضور القلب مع الله تعالى تمثل في البكاء من خشيته عند تلاوة كتابه ، والبكاء مبعثه قوة التأثر إما بحزن شديد أو فرح غامر ، والمؤمن الحق يظل بين الفرح بهداية الله تعالى إلى الصراط المستقيم ، والإشفاق من الانحراف قليلاً عن هذا الصراط .

 

وإذا كان ذا قلب كبير كأبي بكر فإنه يشفق على من حوله من البشر التائهين ويتألم إذا لم يتمكن من هدايتهم ، ويتركز شعوره القوي كلما تلا كتاب الله تعالى فأصبح خياله مرة يحلق بين جنبات الأفق الأعلى ، حيث الملائكة المقربون والحياة الآخرة بما فيها من نعيم وعذاب ، وفوق ذلك كله هيمنة الملك الجبار جل شأنه ، ومرة يتأمل في مسيرة معركة الحق مع الباطل على أيدي من اصطفاهم الله تعالى لرسالته ، وما يعقب ذلك من مصارع الأمم الباغية ، ثم يلقي نظرة على الحائرين التائهين من حوله وهم يكررون ملحمة الطغاة السابقين وينتظرون مصيرهم ومصير تابعيهم المحزن إن لم يتجردوا من الهوى الجامح ويثوبوا إلى رشدهم .. كل ذلك وغيره من المعاني السامية الفياضة يعبر عنه بكاء أبي بكر وهو يتلو كتاب الله تعالى .

 

ونجد في رد أبي بكر جوار ابن الدغنة مثل المؤمن الحق الذي لايقبل المساومة في التنازل عن دعوته ، فليس واجب المسلم ينتهي عند قيامه بعبادة ربه الخاصة ، بل لابد من دعوة الناس إلى اعتناق هذا الدين والالتزام به ، فأبو بكر كان بإمكانه أن يصلي وأن يتلو القرآن داخل بيته ، ولكن كيف يصل إليه من تشتاق قلوبهم لرؤيته وسماع تلاوته إن فعل ذلك ؟

 

وها هو يرى أن من تجردت قلوبهم من الهوى المنحرف يستمعون لقراءته فيظلون خاشعين لمنظره الأخَّاد ومظهره الآسر وهو يخلط تلاوته بالبكاء من خشية الله تعالى ، وهم يعلمون أن وراء هذا البكاء تأثرًا ضاغطًا بمعاني سامية لاتتوافر لدى أكابرهم الذين يهيمنون عليهم ويصورون لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به بصورة الخطر الداهم والبلاء الهابط ، فيقارنون سريعًا بين قوم تَشِفُّ قلوبهم وجوارحهم بمبادئهم التي يؤمنون بها فتتجسَّم بصورة دموع فياضة وأخلاق سامية يعلوها التواضع والإيثار ويكسوها الحلم والسماحة .. وبين سادتهم الذين يتعاملون معهم بالكبرياء والأثرة ويُلبِّسُون الحقائق التي أضحت كالشمس بلباس التزييف والتمويه الذي لايخفى على ذي عقل مدرك وفكر نيِّر ، فلا يزال كل يوم ينحاز من معسكر الكفر رجال ممن نور الله بصائرهم وطهر قلوبهم ، سواء ممن لهم وزنهم الكبير بين قومهم أو ممن كانوا يستضعفونهم ، فتعلو بذلك كفة أهل الإيمان وتنخفض كفة أهل الباطل .

 

إنه لايُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها فلابد لكل مسلم أن يشعر وهو يقرأ القرآن الكريم أنه يتلو كلام الله تعالى وأن يستحضر عظمته في قلبه ، وأن يتدبر معانيه مع الشعور بأنه الكتاب الوحيد الذي بقي يمثل الوحي الإلهي ، واستصحاب الرغبة الأكيدة في طلب الاستهداء به وهداية الناس بنوره إلى الصراط المستقيم.

 

ولاشك أن كل ماذكر في شأن أبي بكر رضي الله عنه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من ذلك بكثير ، والصحابة رضي الله عنهم كل مالهم من فضائل إنما هم في ذلك تلاميذ صاحب الرسالة العظمى صلى الله عليه وسلم ، وقد مر علينا أمثلة من تأثر الكفار بسماع تلاوته وكلامه .

 – من مواقف عثمان بن مظعون رضي الله عنه :

لقد كان المسلمون في مبدأ الإسلام وهم في مكة يتعرضون لأذى شديد من صناديد الكفر وزعماء الضلال  وكان ضعفاء المسلمين والذين ليس لهم عشائر قوية تحميهم يتحملون أكثر هذا الأذى ، أما المسلمون من أشراف قريش وأصحاب الوجاهة فيهم فإنهم يجدون من أفراد عشيرتهم من الكفار من يجيرهم ويحميهم من الأذى .

 

وكان من هؤلاء عثمان بن مظعون رضي الله عنه حيث دخل في جوار الوليد بن المغيرة أحد زعماء قريش ، وذلك بعد عودتهم من الحبشة حينما سمعوا أن قومهم قد أسلموا ولم يكن ذلك الخبر صحيحًا ، فلما وصلوا إلى مكة وجدوا الكفار أشد ماكانوا عداء للمسلمين ، فدخل بعضهم مكة بجوار من أكابر المشركين ، وقد دخل عثمان بن مظعون الجمحي في جوار الوليد بن المغيرة كما ذكر ابن إسحاق.[ سيرة ابن هشام 1/385].

 

ولكنه فكر فيما يصيب إخوانه من ضعفاء المسلمين على يد الكفار من الأذى ، ومايترتب على صبرهم العظيم من الأجر الجزيل والإيمان القوي ، فرأى أن بقاءه في جوار الوليد بن المغيرة نقص كبير ، ويفوت عليه منافع دينية جمة ، فذهب إلى الوليد ابن المغيرة ورد عليه جواره ، وفضل أن يبقى في جوار الله تعالى وحده كإخوانه من المستضعفين .

 

وفي سياق هذه القصة يقول محمد بن إسحاق رحمه الله فيما يرويه عن شيوخه : لما رأى عثمان بن مظعون مافيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المغيرة قال : والله إن غدوي ورواحي آمنًا بجوار رجل من أهل الشرك ، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله مالايصيبني لنقص كبير في نفسي .

 

فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له : يا أبا عبد شمس وَفَتْ ذمتك ، قد رددت إليك جوارك، فقال له : لم يا ابن أخي ؟ لعله آذاك أحد من قومي ، قال: لا ولكني أرضى بجوار الله ولا أريد أن استجير بغيره .

 

قال: فانطلقْ إلى المسجد فَاردُدْ عليّ جواري علانية كما أجرتك علانية ، قال: فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجد فقال الوليد : هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري ، قال: صدق قد وجدته وفيا كريم الجوار ، ولكني قد أحببت أن لا أستجير إلا بالله فقد رددت عليه جواره .

 

ثم انصرف عثمان ، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب في مجلس من قريش ينشدهم فجلس معهم عثمان فقال لبيد :

ألا كل شيء ما خلا الله باطل

قال عثمان : صدقت ، قال لبيد :

وكل نعيم لا محالة زائل

 

قال عثمان : كذبت . نعيم الجنة لايزول ، قال لبيد بن ربيعة : يامعشر قريش والله ماكان يؤذى جليسكم فمتى حدث هذا فيكم ؟

 

فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه قد فارقوا ديننا ، فلا تجدْ في نفسك من قوله ، فرد عليه عثمان حتى شَرَى أمرهما ، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضَّرها .

 

والوليد بن المغيرة قريب يرى مابلغ عثمان ، فقال : أما والله يا ابن أخي إن كانت عينك عما أصابها لغَنيَّة ، لقد كنت في ذمة منيعة .

 

قال : يقول عثمان : بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس .

 

فقال له الوليد : هلمَّ يا أبن أخي إن شئت فَعُد إلى جوارك ، فقال: لا.[ سيرة ابن هشام 1/386 ، وأخرجه الإمام البيهقي بإسناده عن موسى بن عقبة وذكر نحوه – دلائل النبوة2/291 – 293  - ].

 

وفي هذه القصة يتبين لنا باب من أبواب الجهاد في سبيل الله تعالى تمثَّل بمحاولة إظهار عزة الإسلام ، وذلك بالاعتزاز بالله تعالى وحده وإن تمكَّن المسلم من الاحتماء بأقاربه وعشيرته ، وذلك فيما إذا لم تتطلب مصلحة الدعوة غير ذلك ، فإذا اقتضت مصلحة الدعوة قبول حماية المشركين فإن هذا هو الأفضل كما كان النبي صلى الله عليه وسلم في حماية عمه أبي طالب .

 

وفيها إشارة إلى ماكان عليه الصحابة رضي الله عنهم من التنافس في سبل الخير والعمل الصالح، وهذا يدل على الإيمان القوي بالله تعالى والرغبة الصادقة فيما عنده من الثواب .

 

كما أن في هذه القصة فضيلة إنكار المنكر وإن كان المسلم في حال ضعف وقلة ناصر، لأن في ذلك إظهارًا للحق الذي قد ينطمس في غمرة الباطل ، فقد أنكر عثمان بن مظعون رضي الله عنه قول لبيد : وكل نعيم لا محالة زائل ، حيث كذبه في ذلك وبين أن نعيم الجنة لايزول ، وتحمل في سبيل ذلك الأذى من المشركين حيث أصيبت عينه في سبيل الله تعالى ، وإن كان الأولى أن يخفف من أسلوب الإنكار ، لكنه كان مدفوعا بالرغبة في تثبيت مفاهيم الإسلام وطمس معالم الجاهلية .

 

ويبلغ عثمان رضي الله عنه قمة الإيمان حينما لم يندم على ترك جوار الوليد بن المغيرة الذي حصل له هذا الأذى بسبب تخليه عنه حيث يبين للوليد بن المغيرة حينما لامه على تخليه عن جواره بأنه يتمنى أن تصاب عينه الأخرى في سبيل الله تعالى .

 

وهذا هو الفرق بين من يُقدم على التضحية عن قناعة ويقين راسخ وبين من يتحمس للإقدام على أمر من أمور الجهاد ثم يتراجع حينما يتعرض للأذى في سبيل الله تعالى فإن هذا يعرض إيمانه للضعف ويضر بالدعوة الإسلامية .

 

كما أن عثمان رضي الله عنه لم يَفُتْه أن يقرر عظمة الله تعالى في نفوس المسلمين حيث قال: وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس .

 

لقد كان رضي الله عنه في حمى ذلك الرجل الكبير من قريش والرسول صلى الله عليه وسلم قد أذن للصحابة بالاحتماء بالمشركين لضعفهم وقلتهم ولكنه أبى أن يرى إخوانه يعذبون في الله وهو يتمتع بذلك الحمى ، إنه كمن لبس الدرع في القتال فلما رأى الشهداء من حوله تاقت نفسه للشهادة فرمى الدرع وواجه الأعداء حاسرًا طلبًا لمواطن الشهادة .

*          *          *

انتهى

 

تاريخ إضافة المقال:2008-03-31 16:40:03


4 المتصلين بالموقع 0 المتصلين بالصفحة 8318295 عدد زيارات الموقع 67 عدد زيارات الصفحة
نافـذتك الدعـوية
  - أخبار الدعوة
  - مكتبة الداعية
  - الدعوة والداعية
  - المؤسسات الدعوية
 
 
دعاة مشاركون
  - الشيخ د.محمد أحمد باجابر
  - الشيخ د.عبدالعزيز الحميدي
الــــرأي العــام
أوقات الصلاة - مكة
 
شركة بيرفكت وي لتقنية المعلومات pw4it.com
جميع الحقوق محفوظة لـصالح نوافذ الدعوة All Rights Reserved 2008 © DawaHwin.com